منهاج السنة النبويةصفحات 167-206
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 167-206
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

لَكَانَ مُرَكَّبًا، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئِهِ، وَجُزْؤُهُ غَيْرُهُ 1 ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ ". قِيلَ لَهُمْ: قَوْلُكُمْ: " لَكَانَ مُرَكَّبًا ". إِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ: لَكَانَ غَيْرُهُ قَدْ رَكَّبَهُ، أَوْ لَكَانَ مُجْتَمِعًا بَعْدَ افْتِرَاقِهِ، أَوْ لَكَانَ قَابِلًا لِلتَّفْرِيقِ، فَاللَّازِمُ 2 بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ هُوَ فِي 3 الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ الَّتِي يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا، فَإِنَّ الرَّبَّ [سُبْحَانَهُ] 4 يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَهُوَ لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا عَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ، وَحَيَاتُهُ وَعِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ صِفَاتٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْمُرَكَّبِ الْمَوْصُوفَ 5 أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ.
قِيلَ لَكُمْ 11) 6 : وَلِمَ 12) 7 قُلْتُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؟ قَوْلُهُمْ: " وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ ". قِيلَ: أَمَّا الْمُرَكَّبُ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَا يُبَايِنُهُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ.
وَأَمَّا الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّازِمَةِ لِذَاتِهِ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ مُرَكَّبًا، فَلَيْسَ فِي اتِّصَافِهِ هُنَا بِهَا مَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مُفْتَقِرًا إِلَى مُبَايِنٍ لَهُ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِهَا، وَهَذَا افْتِقَارٌ إِلَيْهَا.

قِيلَ لَكُمْ 1 : إِنْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ: " هِيَ غَيْرُهُ " أَنَّهَا مُبَايِنَةٌ لَهُ، فَذَلِكَ بَاطِلٌ 2 . وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ إِيَّاهُ، قِيلَ لَكُمْ 3 : وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ فَأَيُّ مَحْذُورٍ فِي هَذَا؟ فَإِذَا قُلْتُمْ: هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا.
قِيلَ: أَتُرِيدُونَ بِالِافْتِقَارِ أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى فَاعِلٍ يَفْعَلُهُ، أَوْ مَحَلٍّ يَقْبَلُهُ؟ أَمْ تُرِيدُونَ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهَا فَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا؟ (4 فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْأَوَّلَ، كَانَ هَذَا بَاطِلًا، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الثَّانِي، قِيلَ: وَأَيُّ مَحْذُورٍ فِي هَذَا؟ وَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ 4) 4 . قِيلَ: أَتُرِيدُونَ أَنَّهَا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى فَاعِلٍ يُبْدِعُهَا، أَوْ 5 إِلَى مَحَلٍّ تَكُونُ مَوْصُوفَةً بِهِ؟ أَمَّا الثَّانِي فَأَيُّ مَحْذُورٍ فِيهِ؟ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ بَاطِلٌ 6 ، إِذِ الصِّفَةُ اللَّازِمَةُ لِلْمَوْصُوفِ لَا يَكُونُ فَاعِلًا لَهَا.
وَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ مُوجِبٌ لَهَا، أَوْ عِلَّةٌ لَهَا، أَوْ مُقْتَضٍ لَهَا، فَالصِّفَةُ إِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً، فَالْوَاجِبُ لَا يَكُونُ مَعْلُولًا، وَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْوَاجِبِ وَهُوَ الصِّفَةُ وَالْمَوْصُوفُ ; وَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً بِنَفْسِهَا، فَالْمُمْكِنُ بِنَفْسِهِ لَا يُوجَدُ

إِلَّا بِمُوجِبٍ، فَتَكُونُ الذَّاتُ هِيَ الْمُوجِبَةَ، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ فَاعِلًا وَقَابِلًا.
قِيلَ لَكُمْ: لَفْظُ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ وَالْمُمْكِنِ بِنَفْسِهِ قَدْ صَارَ فِيهِ اشْتِرَاكٌ فِي خِطَابِكُمْ، فَقَدْ يُرَادُ بِالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ مَا لَا مُبْدِعَ لَهُ وَلَا عِلَّةَ فَاعِلَةً، وَيُرَادُ بِالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ 1 مَا لَا مُبْدِعَ لَهُ وَلَا مَحَلَّ، وَيُرَادُ بِالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ مَا لَا يَكُونُ لَهُ 2 صِفَةٌ لَازِمَةٌ وَلَا [يَكُونُ] مَوْصُوفًا مَلْزُومًا 3 . فَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ مَا لَا مُبْدِعَ لَهُ وَلَا عِلَّةَ فَاعِلَةً، فَالصِّفَةُ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِهَا، وَإِنْ أَرَدْتُمْ مَا لَا مَحَلَّ لَهُ يَقُومُ بِهِ فَالصِّفَةُ لَيْسَتْ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِهَا بَلِ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْوَاجِبِ مَا لَيْسَ بِمَلْزُومٍ لِصِفَةٍ وَلَا لَازِمٍ فَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هَذَا لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَأَنْتُمْ قَدَّرْتُمْ شَيْئًا فِي أَذْهَانِكُمْ وَوَصَفْتُمُوهُ بِصِفَاتٍ يَمْتَنِعُ مَعَهَا 4 وُجُودُهُ، فَجَعَلْتُمْ مَا هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ مُمْتَنِعَ الْوُجُودِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْغَرَضُ هُنَا 5 التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا، إِذِ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَحْصُلُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَنَقُولُ: وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ قِيلَ بِثُبُوتِ الصِّفَاتِ لَهُ وَسُمِّيَ ذَلِكَ تَرْكِيبًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ، أَوْ قِيلَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ عَنْهُ، يَمْتَنِعُ أَنْ

يَكُونُ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ مُبَايِنٍ لَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا 1 قُدِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ - كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ يَظُنُّهُ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ - فَهَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَمَالٌ مُغَايِرٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ شَيْئَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ لَلَزِمَ تَعَدُّدُ الْمَعَانِي فِيهِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ 2 . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ فِيهِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةً ; فَوَاجِبُ الْوُجُودِ هُوَ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُتَلَازِمَةِ، إِذْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْهَا دُونَ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَوِ افْتَقَرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ إِلَى أَمْرٍ مُنْفَصِلٍ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْوُجُودِ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِ كَمَالِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، وَذَاتُهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهَا، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِ نَفْسِهِ ; وَفِي سَائِرِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِ نَفْسِهِ 3 لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِهَا، فَلَا يَكُونُ مُفْتَقِرًا فِيهَا إِلَى شَيْءٍ مُبَايِنٍ لَهُ أَصْلًا.
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ يَفْتَقِرُ فِي كَوْنِهِ حَيًّا أَوْ عَالِمًا أَوْ قَادِرًا إِلَى غَيْرِهِ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ: إِنْ كَانَ مُمْكِنًا كَانَ مُفْتَقَرًا إِلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ سُبْحَانَهُ رَبَّهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُؤَثِّرًا فِي هَذَا، وَهَذَا مُؤَثِّرًا فِي هَذَا، وَتَأْثِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ أَثَرِهِ فِيهِ ; لِأَنَّ التَّأْثِيرَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، فَلَا يَكُونُ هَذَا حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا

حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ كَذَلِكَ، (1 وَلَا يَكُونُ هَذَا حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ كَذَلِكَ 1) 1 فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِي جَعَلَهُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا [حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا] 2 ، وَلَا يَكُونُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا [إِلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ حَيًّا عِلْمًا قَادِرًا] 3 بِدَرَجَتَيْنِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُعْلَمُ امْتِنَاعُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَهُوَ مِنَ الْمَعَارِفِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي لَا يُنَازِعُ فِيهَا الْعُقَلَاءُ، وَهَذَا مِنَ الدَّوْرِ الْقَبْلِيِّ: دَوْرِ الْعِلَلِ وَدَوْرِ الْفَاعِلَيْنِ وَدَوْرِ الْمُؤَثِّرَيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، بِخِلَافِ دَوْرِ الْمُتَلَازِمَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا (4 وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا 4) 4 ، فَهَذَا جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَا لَا فَاعِلَ لَهُمَا كَصِفَاتِ [اللَّهِ] 5 أَوْ كَانَا مَفْعُولَيْنِ وَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ فِيهِمَا غَيْرَهُمَا.
وَهَذَا جَائِزٌ 6 ، فَإِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الشَّيْئَيْنِ مَعًا لِلَّذَيْنِ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا إِلَّا مَعَ الْآخَرِ: كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْوَلَدَ فَنَفْسُ خَلْقِهِ لِلْوَلَدِ جَعَلَ هَذَا أَبًا وَهَذَا ابْنًا، وَإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ لَمْ تَسْبِقِ الْأُخْرَى وَلَا تُفَارِقُهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْآخَرِ فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ الْأَثَرَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْمُؤَثِّرِ التَّامِّ، فَلَوْ كَانَ تَمَامُ هَذَا الْمُؤَثِّرِ مِنْ

تَمَامِ ذَاكَ 1 ، وَتَمَامُ ذَاكَ الْمُؤَثِّرِ مِنْ تَمَامِ هَذَا 2 ، كَانَ كُلٌّ مِنَ التَّمَامَيْنِ 3 مُتَوَقِّفًا عَلَى تَمَامِ مُؤَثِّرِهِ، وَتَمَامُ مُؤَثِّرِهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْأَثَرَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ مُؤَثِّرِهِ، فَلَا 4 يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْأَثَرَيْنِ مِنْ تَمَامِ نَفْسِهِ الَّتِي تَمَّ تَأْثِيرُهَا بِهِ، فَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ تَمَامِ الْمُؤَثِّرِ فِي تَمَامِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً أَوْ فَاعِلًا أَوْ مُؤَثِّرًا (* فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي تَمَامِ كَوْنِهِ عِلَّةً وَمُؤَثِّرًا *) 5 وَفَاعِلًا لَهُ، أَوْ لِشَيْءٍ مِنْ تِمَامَاتِ تَأْثِيرِهِ ; فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ كَوْنُهُ فَاعِلًا لِفَاعِلِ نَفْسِهِ، أَوْ مُؤَثِّرًا فِي الْمُؤَثِّرِ فِي نَفْسِهِ وَفِي تِمَامَاتِ تَأْثِيرِ ذَلِكَ، أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعْطِيًا لِلْآخَرِ) 6 شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا بِهِ يَصِيرُ مُعَاوِنًا لَهُ عَلَى الْفِعْلِ 7 ، سَوَاءٌ أَعْطَاهُ كَمَالَ عِلْمٍ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ حَيَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ فِي تَمَامِ الْفَاعِلَيْنِ وَتَمَامِ الْمُؤَثِّرَيْنِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ مُتَعَاوِنَانِ لَا يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِمُعَاوَنَةِ الْآخَرِ، وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَا مُسْتَقِلَّيْنِ ; لِأَنَّ

اسْتِقْلَالَ أَحَدِهِمَا يُنَاقِضُ اسْتِقْلَالَ الْآخَرِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا 1 . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يُعْطِي الْآخَرَ كَمَالَهُ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ مُفْتَقِرًا فِي كَمَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ الِافْتِقَارَ: إِمَّا فِي تَحْصِيلِ الْكَمَالِ، وَإِمَّا فِي مَنْعِ سَلْبِهِ الْكَمَالَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَامِلًا بِنَفْسِهِ وَلَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ 2 أَنْ يَسْلُبَهُ كَمَالَهُ، لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ مَا لَيْسَ كَمَالًا لَهُ فَوُجُودُهُ لَيْسَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَحْتَاجُ [إِلَيْهِ] 3 ؛ إِذْ حَاجَةُ الشَّيْءِ إِلَى مَا لَيْسَ مِنْ كَمَالِهِ مُمْتَنِعَةٌ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ فِي حُصُولِ كَمَالِهِ، وَكَذَلِكَ 4 لَا يَحْتَاجُ فِي مَنْعِ سَلْبِ الْكَمَالِ كَإِدْخَالِ نَقْصٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَاتَهُ 5 إِنْ كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِذَلِكَ الْكَمَالِ امْتَنَعَ وُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُسْلَبَ ذَلِكَ الْكَمَالَ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ، وَكَوْنُ لَوَازِمِهِ يَمْتَنِعُ عَدَمُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ ذَاتَهُ لَا تَسْتَلْزِمُ كَمَالَهُ 6 ، كَانَ مُفْتَقِرًا فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْكَمَالِ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ احْتِيَاجُهُ إِلَى غَيْرِهِ فِي تَحْصِيلِ شَيْءٍ أَوْ دَفْعِ شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِحُصُولِ شَيْءٍ أَوْ دَفْعِ

شَيْءٍ: إِمَّا حَاصِلٌ يُرَادُ إِزَالَتُهُ، أَوْ مَا لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ فَيُطْلَبُ مَنْعُهُ.
وَمَنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ 1 إِلَى غَيْرِهِ فِي جَلْبِ شَيْءٍ وَلَا فِي دَفْعِ شَيْءٍ امْتَنَعَتْ حَاجَتُهُ مُطْلَقًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا.
وَأَيْضًا، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْغَيْرِ، لَمْ يَخْلُ: إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ 2 مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِهِ، أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْعَوَارِضِ لَهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَمْتَنِعُ، فَإِنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ إِلَى غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِذَلِكَ الْغَيْرِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ، فَإِذَا كَانَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِلَازِمِهِ، وَلَازَمُهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِذَلِكَ الْغَيْرِ، لَمْ يَكُنْ هُوَ مَوْجُودًا [إِلَّا بِذَلِكَ الْغَيْرِ، فَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ: إِنْ وُجِدَ ذَلِكَ الْغَيْرُ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا] 3 بِنَفْسِهِ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ افْتَقَرَ إِلَى فَاعِلٍ مُبْدِعٍ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ لَزِمَ الدَّوْرُ فِي الْعِلَلِ: وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْعِلَلِ، وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ 4 وَالْأَوَّلُ كَذَلِكَ 5 ، كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُوجَدُ إِلَّا بِوُجُودِ الْآخَرِ، وَكَوْنُ كُلٍّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يُوجَدُ إِلَّا مَعَ الْآخَرِ جَائِزٌ إِذَا كَانَ لَهُمَا سَبَبٌ غَيْرُهُمَا، كَالْمُتَضَايِفَيْنِ مِثْلِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ،

فَلَوْ كَانَ لَهُمَا سَبَبٌ غَيْرُهُمَا، كَانَا مُمْكِنَيْنِ يَفْتَقِرَانِ 1 إِلَى وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِيهِمَا.
وَإِذَا كَانَا وَاجِبَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ بِالْآخَرِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكُونُ عِلَّةً أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْآخَرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَلَا جُزْءَ عِلَّةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ مَوْجُودًا، وَإِلَّا فَمَا لَمْ يُوجَدْ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي غَيْرِهِ وَلَا فَاعِلًا لِغَيْرِهِ، فَلَا 2 يَكُونُ هَذَا مُؤَثِّرًا فِي ذَاكَ حَتَّى يُوجَدَ هَذَا، (* وَلَا يَكُونُ ذَاكَ مُؤَثِّرًا فِي هَذَا حَتَّى يُوجَدَ ذَاكَ 3 *) 4 ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُوجَدَ هَذَا حَتَّى يُوجَدَ ذَاكَ 5 وَلَا يُوجَدُ ذَاكَ حَتَّى يُوجَدَ هَذَا، وَلَا يُوجَدُ هَذَا حَتَّى يُوجَدَ مَفْعُولُ هَذَا، فَيَكُونُ هَذَا فَاعِلَ فَاعِلِ هَذَا، وَكَذَلِكَ لَا يُوجَدُ ذَاكَ حَتَّى يُوجَدَ فَاعِلُ [ذَاكَ] 6 ، فَيَكُونُ ذَاكَ فَاعِلَ فَاعِلِ ذَاكَ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عِلَّةً لِنَفْسِهِ، أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ لِنَفْسِهِ، أَوْ شَرْطَ عِلَّةِ نَفْسِهِ، مُمْتَنِعٌ بِأَيِّ عِبَارَةٍ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَلَا يَكُونُ فَاعِلَ نَفْسِهِ، وَلَا جُزْءًا مِنَ الْفَاعِلِ، وَلَا شَرْطًا فِي الْفَاعِلِ لِنَفْسِهِ، وَلَا تَمَامَ الْفَاعِلِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا تَمَامَ الْمُؤَثِّرِ فِي نَفْسِهِ، فَالْمَخْلُوقُ

لَا يَكُونُ رَبَّ نَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ الرَّبُّ نَفْسُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَيْهِ فِي خَلْقِهِ 1 ؛ إِذْ لَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ فِي خَلْقِهِ لَمْ يَخْلُقْهُ حَتَّى يَكُونَ، وَلَا يَكُونُ حَتَّى يَخْلُقَهُ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ الْقَبْلِيُّ لَا الْمَعِيُّ 2 . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْمُؤَثِّرِ فِي نَفْسِهِ (* بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِذَا قُدِّرَ وَاجِبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ تَأْثِيرٌ مَا فِي الْآخَرِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُؤَثِّرًا فِي الْمُؤَثِّرِ فِي نَفْسِهِ *) 3 وَهَذَا مُمْتَنِعٌ [كَمَا تَبَيَّنَ] 4 ، فَيَمْتَنِعُ تَقْدِيرُ وَاجِبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُؤَثِّرٌ فِي الْآخَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ مُفْتَقِرًا فِي شَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ إِلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ مُمْكِنٌ.
وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ امْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ، فَإِنَّ الصَّانِعَيْنِ إِنْ كَانَا مُسْتَقِلَّيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا فَعَلَ الْجَمِيعَ، كَانَ هَذَا مُتَنَاقِضًا [مُمْتَنِعًا] 5 لِذَاتِهِ، فَإِنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لِلْبَعْضِ يَمْنَعُ اسْتِقْلَالَ الْآخَرِ بِهِ، فَكَيْفَ بِاسْتِقْلَالِهِ بِهِ؟ ! وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ 6 عَلَى امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ مُؤَثِّرَيْنِ تَامَّيْنِ فِي أَثَرٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ إِذْ كَوْنُهُ 7 وُجِدَ بِهَذَا وَحْدَهُ يُنَاقِضُ كَوْنَهُ

وُجِدَ بِالْآخَرِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَا مُتَشَارِكَيْنِ مُتَعَاوِنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ 1 مِنْهُمَا مُسْتَغْنِيًا عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، فَتَمَيَّزَ مَفْعُولُ هَذَا [عَنْ مَفْعُولِ هَذَا] 2 ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِارْتِبَاطِ بِهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الْعَالَمُ كُلُّهُ مُتَعَلِّقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، هَذَا مَخْلُوقٌ مِنْ هَذَا وَهَذَا [مَخْلُوقٌ] مِنْ هَذَا 3 ، وَهَذَا مُحْتَاجٌ إِلَى هَذَا مِنْ جِهَةِ كَذَا، وَهَذَا مُحْتَاجٌ إِلَى هَذَا مِنْ جِهَةِ كَذَا، لَا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ إِلَّا بِشَيْءٍ [آخَرَ مِنْهُ] 4 . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ فَقِيرٌ إِلَى غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَاجَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فِعْلٌ لِاثْنَيْنِ، بَلْ كُلُّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى وَاحِدٍ.
فَالْفَلَكُ الْأَطْلَسُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْأَفْلَاكِ فِي جَوْفِهِ سَائِرُ الْأَفْلَاكِ، وَالْعَنَاصِرُ وَالْمُوَلَّدَاتُ وَالْأَفْلَاكُ مُتَحَرِّكَاتٌ بِحَرَكَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ [مُخَالِفَةٍ] 5 لِحَرَكَةِ التَّاسِعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ هِيَ سَبَبَ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِحَرَكَتِهِ إِلَى 6 جِهَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ مِمَّا 7 يُقَالُ: إِنَّ الْحَرَكَةَ الشَّرْقِيَّةَ هُوَ سَبَبُهَا، وَأَمَّا الْحَرَكَاتُ الْغَرْبِيَّةُ فَهِيَ مُضَادَّةٌ لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ سَبَبَهَا، [وَهَذَا] 8 مِمَّا يُسَلِّمُهُ هَؤُلَاءِ 9

وَأَيْضًا فَالْأَفْلَاكُ فِي جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنْ جُعِلَ غَيْرُهُ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَانَ مَقْهُورًا مُدَبَّرًا، كَالْإِنْسَانِ الَّذِي جُعِلَ فِي بَاطِنِهِ أَحْشَاؤُهُ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، فَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَقْهُورًا مُدَبَّرًا، [فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مَقْهُورًا مُدَبَّرًا] 1 كَانَ مَرْبُوبًا أَثَّرَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَمَنْ أَثَّرَ فِيهِ غَيْرُهُ كَانَ وُجُودُهُ 2 مُتَوَقِّفًا عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَثَرُ كَمَالًا أَوْ نَقْصًا، فَإِنَّهُ إِذَا 3 كَانَ زِيَادَةً كَانَ كَمَالُهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْغَيْرِ، وَكَمَالُهُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا [كَانَ غَيْرُهُ قَدْ] 4 نَقَصَهُ، وَمَنْ نَقَصَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مَا نَقَصَهُ هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ 5 ، فَإِنَّ [مَا] كَانَ 6 وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ، فَذَاكَ الْجُزْءُ الْمَنْقُوصُ لَيْسَ وَاجِبَ الْوُجُودِ 7 وَلَا مِنْ لَوَازِمِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَدَمُهُ نَقْصًا؛ إِذِ النَّقْصُ عَدَمُ كَمَالٍ، وَالْكَمَالُ الْمُمْكِنُ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ وَاجِبِ الْوُجُودِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ نَقْصٌ، فَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ نَقَصَهُ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِهِ،

أَوْ أَعْطَاهُ 1 شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِ وَجُودِهِ، لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ.
فَالْفَلَكُ الَّذِي قَدْ حُشِيَ بِأَجْسَامٍ كَثِيرَةٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي حَشَاهُ بِتِلْكَ الْأَجْسَامِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ حَشْوُهُ كَمَالًا لَهُ، لَمْ يُوجَدْ كَمَالُهُ إِلَّا بِذَلِكَ الْغَيْرِ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فِيهِ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ سَلَبَهُ الْكَمَالَ الزَّائِلَ 2 بِذَلِكَ النَّقْصِ، فَلَا تَكُونُ ذَاتُهُ مُسْتَلْزِمَةً لِذَلِكَ الْكَمَالِ، إِذَا لَوِ اسْتَلْزَمَتْهُ لَعُدِمَتْ بِعَدَمِهِ، وَكَمَالُهُ مِنْ تَمَامِ نَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ جُزْءُ نَفْسِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ، لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ وَاجِبَةً كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَأَيْضًا، فَالْفَلَكُ الْأَطْلَسُ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ 3 فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ الْمُحَرِّكَ لِلْأَفْلَاكِ الَّتِي فِيهِ، وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ بِحَرَكَتِهِ، وَلَهَا حَرَكَةٌ تُخَالِفُ حَرَكَتَهُ، فَيَكُونُ فِي الْفَلَكِ الْوَاحِدِ قُوَّةٌ تَقْتَضِي حَرَكَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَإِنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلشَّيْءِ لَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِضِدِّهِ الَّذِي لَا يُجَامِعُهُ، لَكَانَ فَاعِلًا لَهُ غَيْرَ فَاعِلٍ [لَهُ] 4 ، 8 فَإِنْ كَانَ مُرِيدًا لَهُ [كَانَ مُرِيدًا] 5 غَيْرَ مُرِيدٍ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ [النَّقِيضَيْنِ] 6 ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي تَحْرِيكِ الْأَفْلَاكِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّأْثِيرِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَفْلَاكَ لَهَا حَرَكَاتٌ تَخُصُّهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِهِ ; وَلِأَنَّ مَا يُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْآثَارِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْأَجْسَامِ

الْعُنْصُرِيَّةِ، وَتِلْكَ الْأَجْسَامُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لَهَا فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا لَمْ (1) يَفْعَلْهُ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ الْمُؤَثِّرُ فِيهَا فَلَيْسَ مُؤَثِّرًا مُسْتَقِلًّا فِيهَا ; لِأَنَّ الْآثَارَ الْحَاصِلَةَ فِيهَا لَا تَكُونُ (2) إِلَّا بِاجْتِمَاعِ اتِّصَالَاتٍ وَحَرَكَاتٍ تَحْصُلُ بِغَيْرِهِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ تَأْثِيرَهُ مَشْرُوطٌ بِتَأْثِيرِ غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَأْثِيرُهُ مِنْ كَمَالِهِ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَثِّرِ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ فِي هَذَا الْكَمَالِ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَتَبَيَّنَ [أَيْضًا] أَنَّ فَاعِلَهُ (3) لَيْسَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ فَاعِلِ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْفَلَكُ، لِكَوْنِ الْفَلَكِ لَيْسَ مُتَمَيِّزًا مُسْتَغْنِيًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَصْنُوعَاتِ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، وَلَا مَفْعُولًا لِفَاعِلٍ مُسْتَغْنٍ عَنْ فَاعِلٍ مَا سِوَاهُ.

امتناع وجود ربين للعالم

وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي الْفَلَكِ الْأَطْلَسِ هَكَذَا، فَالْأَمْرُ فِي غَيْرِهِ أَظْهَرُ، فَأَيُّ شَيْءٍ اعْتَبَرْتَهُ مِنَ الْعَالَمِ 4 وَجَدْتَهُ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ مِنَ الْعَالَمِ، فَيَدُلُّكَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ [مُمْكِنًا مُفْتَقِرًا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِنَفْسِهِ] 5 عَلَى 6 أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى فَاعِلِ ذَلِكَ الْآخَرِ 7 ، فَلَا يَكُونُ فِي الْعَالَمِ فَاعِلَانِ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَفْعُولُهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ وَمَفْعُولِهِ، وَهَذَا كَالْإِنْسَانِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ123

الَّذِي خَلَقَهُ غَيْرَ الَّذِي خَلَقَ مَا 1 يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَالَّذِي خَلَقَ مَادَّتَهُ كَمَنِيِّ الْأَبَوَيْنِ وَدَمِ الْأُمِّ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، وَالَّذِي خَلَقَ الْهَوَاءَ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ وَالْمَاءَ الَّذِي يَشْرَبُهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ ; لِأَنَّ خَالِقَ ذَلِكَ [لَوْ] 2 كَانَ خَالِقًا غَيْرَ خَالِقِهِ، فَإِنْ كَانَا خَالِقَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَغْنٍ عَنِ الْآخَرِ فِي فِعْلِهِ وَمَفْعُولِهِ، كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَادَّةِ وَالرِّزْقِ، فَلَوْ كَانَ خَالِقُ مَادَّتِهِ وَرِزْقِهِ غَيْرَ خَالِقِهِ، لَمْ يَكُنْ مَفْعُولُ أَحَدِهِمَا مُسْتَغْنِيًا عَنْ مَفْعُولِ الْآخَرِ.
فَتَبَيَّنَ [بِذَلِكَ] 3 أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ فَاعِلَانِ، مَفْعُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَغْنٍ عَنْ مَفْعُولِ الْآخَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 91] . وَيَمْتَنِعُ 4 أَنْ يَكُونَا مُسْتَقِلَّيْنِ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا مُتَعَاوِنَيْنِ مُتَشَارِكَيْنِ، كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْمَخْلُوقِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْمَفْعُولَاتِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا فَاعِلًا إِلَّا بِإِعَانَةِ الْآخَرِ لَهُ، وَإِعَانَتُهُ فِعْلٌ مِنْهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِقُدْرَتِهِ، بَلْ [وَبِعِلْمِهِ] 5 وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مُعِينًا لِذَاكَ حَتَّى يَكُونَ ذَاكَ مُعِينًا لِهَذَا، وَلَا يَكُونُ ذَاكَ 6 مُعِينًا لِهَذَا حَتَّى يَكُونَ هَذَا مُعِينًا لِذَاكَ ; وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ هَذَا مُعِينًا لِذَاكَ وَلَا ذَاكَ

مُعِينًا لِهَذَا، كَمَا لَا يَكُونُ الشَّيْءُ مُعِينًا لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَالْقُدْرَةُ الَّتِي بِهَا يَفْعَلُ الْفَاعِلُ لَا تَكُونُ حَاصِلَةً بِالْقُدْرَةِ الَّتِي يَفْعَلُ بِهَا الْفَاعِلُ الْآخَرُ، بَلْ إِمَّا أَنْ تَكُونَ (1) مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَهِيَ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ تَكُونَ حَاصِلَةً بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ كَقُدْرَةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا قُدِّرَ رَبَّانِ مُتَعَاوِنَانِ (2) لَا يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا حَتَّى يُعِينَهُ الْآخَرُ، لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ بِقُدْرَةٍ لَازِمَةٍ لِذَاتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ حَاصِلَةً مِنَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْآخَرَ لَا يَجْعَلُهُ قَادِرًا حَتَّى يَكُونَ هُوَ قَادِرًا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ قُدْرَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا قُدْرَةٌ بِحَالٍ.
فَتَبَيَّنَ امْتِنَاعُ كَوْنِ الْعَالَمِ لَهُ رَبَّانِ، وَتَبَيَّنَ امْتِنَاعُ كَوْنِ وَاجِبِ الْوُجُودِ لَهُ كَمَالٌ يَسْتَفِيدُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَبَيَّنَ امْتِنَاعُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ غَيْرُهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ، وَذَلِكَ الْكَمَالُ لَازِمٌ لَهُ ; لِأَنَّ الْكَمَالَ الَّذِي يَكُونُ كَمَالًا [لِلْمَوْجُودِ] (3) ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لَهُ، أَوْ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ، أَوْ جَائِزًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَهُ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْكَمَالُ الَّذِي لِلْمَوْجُودِ مُمْكِنًا لِلْمُمْكِنِ مُمْتَنِعًا عَلَى الْوَاجِبِ، فَيَكُونُ الْمُمْكِنُ أَكْمَلَ مِنَ الْوَاجِبِ.

عود إلى الكلام على اتصاف الله بصفات الكلام

وَأَيْضًا، فَالْمُمَكِنَاتُ فِيهَا كَمَالَاتٌ مَوْجُودَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ، وَالْمُبْدِعُ لِلْكَمَالِ الْمُعْطِي لَهُ الْخَالِقُ لَهُ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ؛ إِذِ الْكَمَالُ إِمَّا وُجُودٌ، وَإِمَّا كَمَالُ وُجُودٍ، وَمَنْ أَبْدَعَ الْمَوْجُودَ كَانَ أَحَقَّ بِأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا؛ إِذِ123

الْمَعْدُومُ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْمَوْجُودِ 1 ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْكَمَالَ لَيْسَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ جَائِزًا أَنْ يَحْصُلَ وَجَائِزًا أَنْ لَا يَحْصُلَ، لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا إِلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ، فَيَكُونُ وَاجِبُ الْوُجُودِ مُفْتَقِرًا فِي كَمَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا أَيْضًا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْكَمَالَ لَازِمٌ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَاجِبٌ لَهُ يَمْتَنِعُ سَلْبُ الْكَمَالِ عَنْهُ، وَالْكَمَالُ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ، فَالْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ لَا تَكُونُ كَمَالًا إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَتْ أُمُورًا وُجُودِيَّةً، إِذِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا ذَكَرَ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 255] فَنَفِيُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومِيَةِ، وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سُورَةُ سَبَأٍ: 3] ، فَإِنَّ نَفْيَ عُزُوبِ ذَلِكَ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ عِلْمَهُ بِهِ، وَعِلْمُهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [سُورَةُ ق: 38] ، فَتَنْزِيهُهُ لِنَفْسِهِ عَنْ مَسِّ اللُّغُوبِ يَقْتَضِي كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَالْقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَتَنْزِيهُهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ وَقِيَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهَكَذَا نَظَائِرُ ذَلِكَ.
فَالرَّبُّ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا غَايَةَ فَوْقَهَا، إِذْ كُلُّ غَايَةٍ تَفْرِضُ كَمَالًا إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لَهُ أَوْ مُمْكِنَةً أَوْ مُمْتَنِعَةً.
وَالْقِسْمَانِ

الْأَخِيرَانِ 1 بَاطِلَانِ فَوَجَبَ الْأَوَّلُ، فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ وَعَنْ مُسَاوَاةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَهُ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ، بَلْ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ هِيَ مِنَ النَّقْصِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَمَاثِلَيْنِ يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَاثَلَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَلَزِمَ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ [عَلَى] 2 ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ قَابِلٌ لِلْعَدَمِ، بَلْ مَعْدُومٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى فَاعِلٍ وَهُوَ مَصْنُوعٌ مَرْبُوبٌ مُحْدَثٌ، فَلَوْ مَاثَلَ غَيْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَالشَّيْءُ الَّذِي مَاثَلَهُ فِيهِ مُمْكِنًا قَابِلًا لِلْعَدَمِ، بَلْ مَعْدُومًا مُفْتَقِرًا إِلَى فَاعِلٍ، مَصْنُوعًا مَرْبُوبًا مُحْدَثًا، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ كَمَالَهُ لَازِمٌ لِذَاتِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا أَوْ مَصْنُوعًا أَوْ مُحْدَثًا، فَلَوْ قُدِّرَ مُمَاثَلَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَلَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، مُمْكِنًا وَاجِبًا، قَدِيمًا مُحْدَثًا، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَالرَّبُّ تَعَالَى مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَإِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] 3 أَخْبَرَ أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، عَزِيزٌ حَكِيمٌ، غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَدُودٌ مَجِيدٌ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالصَّابِرِينَ، وَيَرْضَى عَنْ 4 الَّذِينَ

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [وَمَا بَيْنَهُمَا] 1 فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَنَادَاهُ وَنَاجَاهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَقَالَ فِي التَّنْزِيهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: 11] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: 65) ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 74] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 22] فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ النَّظِيرِ بِاسْمِ الْكُفْءِ وَالْمِثْلِ وَالنِّدِّ وَالسَّمِيِّ 2 . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَتَبْنَا رِسَالَةً مُفْرَدَةً فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ 3 . فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: إِثْبَاتٌ مُفَصَّلٌ، وَنَفْيٌ مُجْمَلٌ 4 ، إِثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَنَفْيُ النَّقْصِ وَالتَّمْثِيلِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ، وَهِيَ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ [كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ

الصَّحِيحِ] 1 ، وَقَدْ كَتَبْنَا تَصْنِيفًا [مُفْرَدًا] فِي تَفْسِيرِهَا 2 وَآخَرَ فِي كَوْنِهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ 3 . فَاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، كَمَا رَوَى الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] 4 أَنَّهُ قَالَ: [هُوَ] 5 الْعَلِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، وَالْقَدِيرُ الَّذِي كَمُلَ فِي قُدْرَتِهِ، وَالسَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ، وَالشَّرِيفُ الَّذِي كَمُلَ فِي شَرَفِهِ، وَالْعَظِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ، وَالْحَلِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي حِلْمِهِ، وَالْحَكِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ، هُوَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] 6 هَذِهِ صِفَتُهُ [لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ] 7 . وَالْأَحَدُ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْمِثْلِ عَنْهُ 8 ، وَالتَّنْزِيهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ [الرَّبُّ] 9

يَجْمَعُهُ نَوْعَانِ: [أَحَدُهُمَا] 1 نَفْيُ النَّقْصِ عَنْهُ، وَالثَّانِي: نَفْيُ مُمَاثَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ يَجْمَعُ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ.
وَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئَةِ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَطَرِيقَتُهُمْ 2 : نَفْيٌ مُفَصَّلٌ وَإِثْبَاتٌ مُجْمَلٌ، يَنْفُونَ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَيُثْبِتُونَ مَا لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْخَيَالِ، فَيَقُولُونَ: [لَيْسَ بِكَذَا وَلَا كَذَا.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ] 3 : لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، بَلْ إِمَّا سَلْبِيَّةٌ، وَإِمَّا إِضَافِيَّةٌ، وَإِمَّا مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ، كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ، وَيَقُولُ: هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ سَلْبِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُجُودٌ مُطَلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ.
وَقَدْ قَرَّرُوا فِي مَنْطِقِهِمْ مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ: أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا وُجُودُهُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْخَارِجِ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا إِنْسَانٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا جِسْمٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، فَيَبْقَى وَاجِبُ الْوُجُودِ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ تَعْطِيلٌ وَجَهْلٌ وَكُفْرٌ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَمَنْ قَالَ: مُطْلَقٌ بِشَرْطِ سَلْبِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ، فَهَذَا أَبْعَدُ مِنَ الْمُطْلَقِ بِشَرْطِ 4 الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ هَذَا قَيَّدَهُ 5 بِسَلْبِ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ 6 دُونَ

الْعَدَمِيَّةِ، وَهَذَا 1 أَوْلَى بِالْعَدَمِ مِمَّا قُيِّدَ 2 بِسَلْبِ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالْعَدَمِيَّةِ 3 ، وَهُوَ أَيْضًا أَبْلَغُ فِي الِامْتِنَاعِ، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ الْمُشَارِكَ لِغَيْرِهِ فِي الْوُجُودِ لَا يَمْتَازُ عَنْهُ بِوَصْفٍ عَدَمِيٍّ بَلْ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ، فَإِذَا قُدِّرَ وُجُودٌ لَا يَتَمَيْرُ عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا بِعَدَمٍ، كَانَ أَبْلَغَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ وُجُودٍ يَتَمَيَّزُ بِسَلْبِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا يُشَارِكُ سَائِرَ الْمَوْجُودَاتِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، وَيَمْتَازُ عَنْهَا بِالْعَدَمِ، وَهِيَ تَمْتَازُ عَنْهُ بِالْوُجُودِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: أَيُّ مَوْجُودٍ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ قُدِّرَ فَهُوَ أَكْمَلُ مِنَ الْوَاجِبِ، وَهَذَا [فِي] غَايَةِ [الْفَسَادِ] وَالْكُفْرِ 4 . وَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُطْلَقٌ لَا بِشَرْطٍ، كَمَا يَقُولُهُ [الصَّدْرُ] الْقُونَوِيُّ 5 وَأَمْثَالُهُ

مِنَ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، فَالْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ هُوَ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ 1 عِنْدَهُمْ، الَّذِي هُوَ الْحِكْمَةُ الْعُلْيَا وَالْفَلْسَفَةُ الْأُولَى عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ لَا بِشَرْطٍ يَنْقَسِمُ إِلَى: وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَعِلَّةٍ وَمَعْلُولٍ، وَجَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، وَهَذَا مَوْضُوعُ 2 الْعِلْمِ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ 3 النَّاظِرُ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوُجُودَ الْمُنْقَسِمَ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ لَا يَكُونُ هُوَ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ، وَيَتَنَازَعُونَ فِي وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُعَيَّنًا لَا كُلِّيًّا، فَمَا هُوَ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، لَكِنْ لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا.
فَمَنْ قَالَ: الْكُلِّيُّ الطَّبِيعِيُّ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَأَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَقَدْ أَصَابَ.
وَأَمَّا إِنْ قَالَ: إِنَّ 4 فِي الْخَارِجِ مَا هُوَ كُلِّيٌّ فِي الْخَارِجِ - كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْمَنْطِقِ وَالْإِلَهِيَّاتِ - وَادَّعَى أَنَّ فِي الْخَارِجِ إِنْسَانًا مُطْلَقًا كُلِّيًّا، [وَفَرَسًا مُطْلَقًا كُلِّيًّا] 5 ، وَحَيَوَانًا مُطْلَقًا

[كُلِّيًّا] 1 ، فَهُوَ مُخْطِئٌ خَطَأً ظَاهِرًا: سَوَاءٌ ادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْأَعْيَانِ أَزَلِيَّةٌ - كَمَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ أَفْلَاطُونَ 2 وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ " الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ " أَوِ ادَّعَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مُقَارِنَةً لِلْمُعَيَّنَاتِ، أَوِ ادَّعَى 3 أَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنِ - كَمَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ أَرِسْطُو وَشِيعَتِهِ، كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ - وَيَقُولُونَ: إِنَّ النَّوْعَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، [وَإِنَّ] الْإِنْسَانَ 4 مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ، وَالْفَرَسَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالصَّاهِلِ، فَإِنَّ هَذَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُتَّصِفٌ بِهَذَا وَهَذَا فَهَذَا حَقٌّ، وَلَكِنَّ الصِّفَةَ لَا تَكُونُ سَبَبَ وُجُودِ 5 الْمَوْصُوفِ وَلَا مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ لَا فِي الْحِسِّ وَلَا فِي الْعَقْلِ، وَلَا يَكُونُ الْجَوْهَرُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مُرَكَّبًا مِنْ عَرَضَيْنِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ فِيهِ جَوْهَرَانِ قَائِمَانِ بِأَنْفُسِهِمَا: أَحَدُهُمَا الْحَيَوَانُ، وَالْآخَرُ النَّاطِقُ، فَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ وَالْحِسِّ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهَذَا التَّرْكِيبِ تَرْكِيبُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلِيُّ الْمُتَصَوَّرُ 6 فِي الْأَذْهَانِ لَا الْمَوْجُودَ فِي الْأَعْيَانِ فَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ هُوَ بِحَسَبِ مَا يُرَكِّبُهُ الذِّهْنُ، فَإِنْ رَكَّبَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ تَرَكَّبَ مِنْهُمَا، وَإِنَّ رَكَّبَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالصَّاهِلِ تَرَكَّبَ مِنْهُمَا، فَدَعْوَى الْمُدَّعِي: أَنَّ إِحْدَى

الصِّفَتَيْنِ 1 ذَاتِيَّةٌ مُقَوِّمَةٌ لِلْمَوْصُوفِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهَا لَا فِي الْخَارِجِ وَلَا فِي الذِّهْنِ، وَالْأُخْرَى عَرَضِيَّةٌ يَتَقَوَّمُ الْمَوْصُوفُ بِدُونِهَا مَعَ كَوْنِهَا مُسَاوِيَةً لِتِلْكَ فِي اللُّزُومِ - تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ.
وَالْفُرُوقُ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ - اللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ - هِيَ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ فُرُوقٌ مُنْتَقِضَةٌ وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِانْتِقَاضِهَا، كَمَا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَمُتَّبِعُوهُ شَارِحُو " الْإِشَارَاتِ "، وَكَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَبَرِ " 2 وَغَيْرُهُمْ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 3 . وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ (4 مَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ 4) 4 الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي وُجُودِ وَاجِبِ الْوُجُودِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا كَلَامُ جُمَلِيٌّ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ [وَسَلَامُهُ] 5 عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعِهِ.

لَكِنَّ هَذَا الْإِمَامِيَّ لَمَّا أَخَذَ يَذْكُرُ عَنْ طَائِفَتِهِ أَنَّهُمُ الْمُصِيبُونَ فِي التَّوْحِيدِ دُونَ غَيْرِهِمُ احْتَجْنَا إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: أَمَّا [مَا] ذَكَرَهُ [مِنْ] لِفَظِ 1 الْجِسْمِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، لَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَلَا غَيْرُهُمْ.
وَلَكِنْ لَمَّا ابْتَدَعَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْقَوْلَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ 2 الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنِ ابْتَدَعَ ذَلِكَ هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ مُعَلِّمُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ آخَرِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ هَذَا الْجَعْدُ مِنْ حَرَّانَ 3 ، وَكَانَ فِيهَا أَئِمَّةُ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةُ، وَالْفَارَابِيُّ كَانَ قَدْ أَخَذَ الْفَلْسَفَةَ عَنْ مَتَّى ثُمَّ دَخَلَ إِلَى حَرَّانَ فَأَخَذَ مَا أَخَذَهُ مِنْهَا عَنْ أُولَئِكَ الصَّابِئَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَرَّانَ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْهَيَاكِلَ الْعُلْوِيَّةَ وَيَبْنُونَ 4 : هَيْكَلَ الْعِلَّةِ الْأُولَى، هَيْكَلَ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ، هَيْكَلَ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ، هَيْكَلَ زُحَلَ، هَيْكَلَ الْمُشْتَرَى، هَيْكَلَ الْمِرِّيخِ، هَيْكَلَ الشَّمْسِ، هَيْكَلَ الزُّهْرَةِ، هَيْكَلَ عُطَارِدَ، هَيْكَلَ الْقَمَرِ، وَيَتَقَرَّبُونَ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ 5 مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَالْقَرَابِينِ وَالْبَخُورَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ 6 .

وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْدَاءُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ (1 عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ 1) 1 [إِمَّا بِالْعِرَاقِ أَوْ] 2 بِحَرَّانَ (3 كَمَا فِي التَّوْرَاةِ 3) 3 ، وَلِهَذَا نَاظَرَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ، وَحَكَى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ، لَمَّا رَأَى أَنَّهُ 4 كَوْكَبًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ] 5 إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 76 - 79] الْآيَاتِ.
وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أَنَّ هَذَا خَالِقُ الْعَالَمِ، وَأَنَّهُ 6 اسْتَدَلَّ بِالْأُفُولِ - وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالِانْتِقَالُ - عَلَى عَدَمِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ.

فساد استدلال الفلاسفة بآيات سورة الأنعام

وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ، لَا قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَلَا تَوَهَّمَ أَحَدُهُمْ 1 أَنَّ كَوْكَبًا أَوِ الْقَمَرَ أَوِ الشَّمْسَ خَلَقَ هَذَا الْعَالَمِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ هَذِهِ الْكَوَاكِبَ زَاعِمِينَ أَنَّ فِي ذَلِكَ جَلْبَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، عَلَى طَرِيقَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ 2 وَالْكُشْدَانِيِّينَ 3 " [وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ] 4 ، وَعَلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ صُنِّفَ الْكِتَابُ الَّذِي صَنَّفَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْخَطِيبِ الرَّازِيُّ 5 فِي السِّحْرِ وَالطَّلْسَمَاتِ 6 وَدَعْوَةِ الْكَوَاكِبِ 7 ، وَهَذَا دِينُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ

الْهِنْدِ وَالْخَطَا 1 وَالنَّبَطِ 2 وَالْكَلْدَانِيِّينَ وَالْكُشْدَانِيِّينَ 3 وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 77] وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 75 - 77] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا، فَالْأُفُولُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَغِيبُ وَالِاحْتِجَابُ، لَيْسَ هُوَ الْحَرَكَةَ وَالِانْتِقَالَ 4 .

وَأَيْضًا، فَلَوْ كَانَ احْتِجَاجُهُ 1 بِالْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ لَمْ يَنْتَظِرْ [إِلَى] 2 أَنْ يَغِيبَ، بَلْ كَانَ نَفْسُ 3 الْحَرَكَةِ الَّتِي يُشَاهِدُهَا مِنْ حِينِ تَطَلُعُ إِلَى أَنْ 4 تَغِيبَ هِيَ 5 الْأُفُولُ.
وَأَيْضًا، فَحَرَكُتُهَا 6 بَعْدَ الْمَغِيبِ وَالِاحْتِجَابِ غَيْرُ مَشْهُودَةٍ وَلَا مَعْلُومَةٍ.
وَأَيْضًا، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أَيْ 7 : هَذَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، لَكَانَتْ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] 8 حُجَّةً عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ 9 حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنِ الْحَرَكَةُ عِنْدَهُ 10 مَانِعَةً مِنْ كَوْنِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ هُوَ الْأُفُولُ 11 . وَلَمَّا 12 حَرَّفَ هَؤُلَاءِ لَفْظَ " الْأُفُولِ " سَلَكَ ابْنُ سِينَا [هَذَا الْمَسْلَكَ] 13

فِي " إِشَارَاتِهِ " 1 فَجَعَلَ الْأُفُولَ هُوَ الْإِمْكَانَ، وَجَعْلَ كُلَّ مُمْكِنٍ آفِلًا، وَأَنَّ الْأُفُولَ هُوِيٌّ فِي حَظِيرَةِ الْإِمْكَانِ 2 وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مَا سِوَى اللَّهِ آفِلًا 3 . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَمِنْ أَعْظَمِ الْقَرْمَطَةِ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُمْكِنٍ آفِلًا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يَقْتَضِي حُدُوثَ الْأُفُولِ لَهُ، وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ: " الْأُفُولُ " لَازِمٌ لَهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ آفِلًا 4 ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُ إِبْرَاهِيمَ بِالْأُفُولِ الْإِمْكَانَ، وَالْإِمْكَانُ حَاصِلٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوْكَبِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَنْ يَنْتَظِرَ أُفُولَهَا.
وَأَيْضًا، فَجَعْلُ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الْوَاجِبِ [بِغَيْرِهِ] 5 أَزَلًا وَأَبَدًا مُمْكِنًا قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ سِينَا وَمَنْ تَابَعَهُ 6 ، وَهُوَ قَوْلٌ 7 مُخَالِفٌ لِجُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ مِنْ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ 8 .

عود إلى الكلام على معاني لفظ الجسم

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي " الْجِسْمِ " وَفِي إِدْخَالِ لَفْظِ " الْجِسْمِ " فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفِي التَّوْحِيدِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَصَارَ النَّاسُ فِي لَفْظِ " الْجِسْمِ " عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: طَائِفَةٌ تَقُولُ: إِنَّهُ جِسْمٌ، وَطَائِفَةٌ تَقُولُ: لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَطَائِفَةٌ تَمْتَنِعُ عَنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِهَذَا، وَهَذَا لِكَوْنِهِ بِدْعَةً فِي الشَّرْعِ أَوْ لِكَوْنِهِ 1 فِي الْعَقْلِ يَتَنَاوَلُ حَقًّا وَبَاطِلًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُفُّ عَنِ التَّكَلُّمِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَفْصِلُ الْمُتَكَلِّمَ 2 : فَإِنْ ذَكَرَ فِي النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ 3 مَعْنًى صَحِيحًا قَبِلَهُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ 4 ، لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا بِعِبَارَةٍ مَكْرُوهَةٍ فِي الشَّرْعِ ; وَإِنْ ذَكَرَ مَعْنًى بَاطِلًا رَدَّهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْجِسْمِ " فِيهِ اشْتِرَاكٌ بَيْنَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ وَمَعَانِيهِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا، وَفِي الْمَعْنَى مُنَازَعَاتٌ عَقْلِيَّةٌ، فَيُطْلِقُهُ كُلُّ قَوْمٍ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِهِمْ وَحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ، فَإِنَّ الْجِسْمَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ الْبَدَنُ، أَوِ الْبَدَنُ وَنَحْوُهُ مِمَّا هُوَ غَلِيظٌ كَثِيفٌ، هَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ: 4] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 247] . ثُمَّ قَدْ يُعْنَى بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ الْغَلِيظِ الْكَثِيفِ، وَقَدْ يُعْنَى بِهِ نَفْسُ غِلَظِهِ وَكَثَافَتِهِ.

وَعَلَى هَذَا فَالزِّيَادَةُ فِي الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَهُوَ الْقَدْرُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالزِّيَادَةُ فِي نَفْسِ الْمُقَدَّرِ الْمَوْصُوفِ.
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا الثَّوْبُ لَهُ جِسْمٌ، أَيْ: غِلَظٌ وَثِخَنٌ، وَلَا يُسَمَّى الْهَوَاءُ جِسْمًا، وَلَا النَّفَسُ الْخَارِجُ مِنْ فَمِ 1 الْإِنْسَانِ وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ 2 جِسْمًا.

وَأَمَّا أَهْلُ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ فَالْجِسْمُ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ " الْجَوْهَرِ " فِي اللُّغَةِ أَخَصُّ مِنْ مَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْجَوْهَرِ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ أَوِ الْمُتَحَيِّزَ أَوْ مَا إِذَا وُجِدَ كَانَ وُجُودُهُ لَا فِي مَوْضِعٍ 3 ، أَيْ: لَا فِي مَحَلٍّ يَسْتَغْنِي عَنْهُ ; وَالْجَوْهَرُ فِي اللُّغَةِ الْجَوْهَرُ الْمَعْرُوفُ.
ثُمَّ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْجِسْمِ بِأَنَّهُ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ مَا يَقْبَلُ 4 الْإِشَارَةَ الْحِسِّيَّةَ بِأَنَّهُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ، وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِمَا قَبِلَ الْأَبْعَادَ الثَّلَاثَةَ: الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْعُمْقُ، أَوْ بِمَا كَانَ فِيهِ الْأَبْعَادُ الثَّلَاثَةُ: الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْعُمْقُ 5 . وَلَفْظُ الْبُعْدِ: الطُّولُ 6 وَالْعَرْضُ وَالْعُمْقُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ أَعَمُّ مِنْ

مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُقَسِّمُونَ الْأَعْيَانَ إِلَى طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، وَالْمَسَافَةَ وَالزَّمَانَ إِلَى قَرِيبٍ وَبِعِيدٍ، وَالْمُنْخَفِضَ مِنْ 1 الْأَرْضِ إِلَى عَمِيقٍ وَغَيْرِ عَمِيقٍ.
وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ كُلُّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَعْيَانِ فَهُوَ طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ، حَتَّى الْحَبَّةُ - بَلِ الذَّرَّةُ وَمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْ ذَرَّةٍ - هُوَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ.

وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْجِسْمِ بِالْمُرَكَّبِ أَوِ الْمُؤَلَّفِ 2 ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، فَإِنَّ الْمُرَكَّبَ 3 وَالْمُؤَلَّفَ فِي اللُّغَةِ مَا رَكَّبَهُ مُرَكِّبٌ أَوْ أَلَّفَهُ مُؤَلِّفٌ، كَالْأَدْوِيَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْمَعَاجِينِ وَالْأَشْرِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِالْمُرَكَّبِ مَا رُكِّبَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ فِيهِ 4 ، كَالْبَابِ الْمُرَكَّبِ فِي مَوْضِعِهِ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [سُورَةُ الِانْفِطَارِ: 8] . وَبِالتَّأْلِيفِ: التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 60] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 63] ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 103] . وَلِلنَّاسِ اصْطِلَاحَاتٌ فِي الْمُؤَلَّفِ وَالْمُرَكَّبِ، كَمَا لِلنُّحَاةِ اصْطِلَاحٌ، فَقَدْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْجُمْلَةَ التَّامَّةَ، وَقَدْ يَعْنُونَ بِهِ 1 مَا رُكِّبَ تَرْكِيبَ مَزْجٍ كَبَعْلَبَكَّ، وَقَدْ يَعْنُونَ بِهِ الْمُضَافَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَهُوَ مَا يُنْصَبُ فِي النِّدَاءِ.
وَلِلْمَنْطِقِيِّينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ اصْطِلَاحَاتٌ أُخَرُ يَعْنُونَ بِهِ مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُضَافُ إِذَا قُصِدَ بِهِ الْإِضَافَةُ دُونَ الْعَلَمِيَّةِ، فَلَا 2 يَدْخُلُ فِيهِ بَعْلَبَكَّ وَنَحْوُهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُؤَلَّفِ وَالْمُرَكَّبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا كُلُّهُ تَأْلِيفٌ فِي الْأَقْوَالِ.
وَأَمَّا التَّأْلِيفُ فِي الْأَعْيَانِ، فَأُولَئِكَ إِذَا قَالُوا: [إِنَّ] 3 الْجِسْمَ هُوَ الْمُؤَلَّفُ وَالْمُرَكَّبُ، لَمْ يَعْنُوا 4 بِهِ مَا كَانَ مُفْتَرِقًا فَاجْتَمَعَ وَلَا مَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ، بَلْ يَعْنُونَ بِهِ مَا تَمَيَّزَ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَجْسَامِ.
وَأَمَّا الْمُتَفَلْسِفَةُ فَالْمُؤَلَّفُ وَالْمُرَكَّبُ عِنْدَهُمْ 5 أَعَمُّ مِنْ هَذَا، يُدْخِلُونَ

فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا عَقْلِيًّا لَا يُوجِدُ فِي الْأَعْيَانِ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ النَّوْعَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، فَإِذَا قُلْتَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، قَالُوا: الْإِنْسَانُ مُؤَلَّفٌ مِنْ هَذَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِمَا.
ثُمَّ تَنَازَعَ 1 هَؤُلَاءِ فِي الْجِسْمِ: هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، وَهِيَ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يُدْرِكْهُ أَحَدٌ بِحِسِّهِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ نَفْرِضُهُ إِلَّا وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ ; أَوْ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ تَرْكِيبًا عَقْلِيًّا؟

وَإِذَا حُقِّقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَادَّةِ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا نَفْسُ الْجِسْمِ وَأَعْرَاضِهِ: تَارَةً يُعْنَى بِالْمَادَّةِ الْجِسْمُ الَّذِي هُوَ جَوْهَرٌ، وَالصُّورَةُ شَكْلُهُ وَاتِّصَالُهُ الْقَائِمُ بِهِ.
وَتَارَةً يُعْنَى بِالصُّورَةِ نَفْسُ الْجِسْمِ 2 الَّذِي هُوَ الْجَوْهَرُ، وَبِالْمَادَّةِ الْقَدْرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يَعُمُّ الْأَجْسَامَ كُلَّهَا، أَوْ يُعْنَى بِهَا مَا مِنْهُ خُلِقَ الْجِسْمُ 3 . وَقَدْ يُعْنَى بِالصُّورَةِ الْعَرَضِيَّةُ 4 الَّتِي هِيَ الِاتِّصَالُ وَالشَّكْلُ الْقَائِمُ بِهِ، فَالْجِسْمُ هُوَ الْمُتَّصِلُ، وَالصُّورَةُ هِيَ 5 الِاتِّصَالُ، فَالصُّورَةُ هُنَا عَرَضٌ، وَالْمَادَّةُ الْجِسْمُ، كَالصُّورَةِ 6 الصِّنَاعِيَّةِ: كَشَكْلِ السَّرِيرِ فَإِنَّهُ صُورَتُهُ 7 وَالْخَشَبُ مَادَّتُهُ.

وَلَفْظُ الْمَادَّةِ وَالْهَيُولِي يُعْنَى بِهِ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الصُّورَةُ الصِّنَاعِيَّةُ، وَهِيَ عَرَضٌ يَحْدُثُ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّينَ، وَيُعْنَى بِهِ 1 الصُّورَةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَهِيَ نَفْسُ الْأَجْسَامِ، وَهِيَ جَوَاهِرُ 2 وَمَادَّةٌ وَمَا مِنْهَا خُلِقَتْ.
وَقَدْ يُعْنَى بِالْمَادَّةِ [الْمَادَّةُ] 3 الْكُلِّيَّةُ وَهِيَ مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَجْسَامُ مِنَ الْقَدْرِ وَنَحْوِهِ.
وَهَذِهِ كُلِّيَّاتٌ حَاصِلَةٌ فِي الْأَذْهَانِ، وَهِيَ فِي الْخَارِجِ مُعَيَّنَةٌ: إِمَّا أَعْرَاضٌ وَإِمَّا جَوَاهِرُ.
وَقَدْ يُعْنَى بِالْمَادَّةِ [الْمَادَّةُ] 4 الْأَزَلِيَّةُ وَهِيَ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الصُّورَةِ.
وَهَذِهِ يُثْبِتُهَا أَفَلَاطُنُ 5 ، وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ أَنْكَرُوهَا، وَفِي الْحَقِيقَةِ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَالْأَجْسَامُ مُشْتَرِكَةٌ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ 6 مِنْهَا لَهُ قَدْرٌ يَخُصُّهُ، فَهِيَ مُشْتَرِكَةٌ فِي نَوْعِ الْمِقْدَارِ لَا فِي عَيْنِهِ، فَصَارَتِ الْأَجْسَامُ مُشْتَرِكَةً فِي الْمِقْدَارِ، فَقَالُوا: بَيْنَهَا مَادَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ [وَهَيُولِي مُشْتَرَكَةٌ] 7 ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْكُلِّيِّ الْمُطْلَقِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، فَاشْتِرَاكُ الْأَجْسَامِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالْامْتِدَادِ وَالْمِقْدَارِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ الْمَادَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ، وَاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانَاتِ 8 فِي الْحَيَوَانِيَّةِ.

وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ 1 مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ مُشْتَرِكَةٌ، وَذَلِكَ غَلَطٌ، فَإِنَّ مَا فِي الْخَارِجِ لَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاكٌ، بَلْ لِكُلِّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ يَخُصُّهُ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَالِاشْتِرَاكُ يَقَعُ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَتِلْكَ لَا تَكُونُ عَامَّةً مُطْلَقَةً كُلِّيَّةً إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَمَا فِيهِ الِاشْتِرَاكُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعِلْمُ وَالْعَقْلُ 2 ، وَمَا بِهِ الْاخْتِصَاصُ وَالِامْتِيَازُ - وَهُوَ 3 الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ - لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَتَمَاثُلٌ يُسَمَّى اشْتِرَاكًا، كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى الْعَامِّ، وَالِانْقِسَامُ بِحَسَبِ الِاشْتِرَاكِ، فَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قِسْمَةِ الْكُلِّيِّ إِلَى جُزْئِيَّاتِهِ، [وَالْكُلِّ إِلَى أَجْزَائِهِ] 4 ، كَقِسْمَةِ الْكَلِمَةِ إِلَى: اسْمٍ، وَفِعْلٍ، وَحَرْفٍ 5 ، وَإِلَّا غَلِطَ كَمَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلَمَّا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النُّحَاةِ كَالزَّجَّاجِيِّ 6 وَابْنِ جِنِّيٍّ 7 : الْكَلَامُ يَنْقَسِمُ

إِلَى: اسْمٍ، وَفِعْلٍ، وَحَرْفٍ، أَوِ الْكَلَامُ كُلُّهُ ثَلَاثَةٌ: اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَقْصُودَهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْقِسْمَةَ نَوْعَيْنِ كَالْجَزُولِيِّ 1 ; حَيْثُ قَالَ: كُلُّ جِنْسٍ قُسِّمَ إِلَى أَنْوَاعِهِ أَوْ أَشْخَاصِهِ 2 ، أَوْ نَوْعٍ قُسِّمَ إِلَى أَشْخَاصِهِ، فَاسْمُ الْمَقْسُومِ صَادِقٌ عَلَى الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ أَقْسَامًا لَهُ.
وَكَلَامُ أَبِي الْبَقَاءِ 3 فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جِنِّيِّ أَقْرَبُ ; حَيْثُ قَالَ: مَعْنَاهُ أَجْزَاءُ الْكَلَامِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قِسْمَةَ كُلِّ الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ إِلَى أَبْعَاضِهِ وَأَجْزَائِهِ، أَشْهَرُ مِنْ قِسْمَةِ الْمَعْنَى الْعَامِّ الَّذِي فِي الذِّهْنِ إِلَى أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [سُورَةُ الْقَمَرِ: 28] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 8] وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " «وَاللَّهِ إِنِّي مَا أُعْطِي أَحَدًا 1 وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» " 2 ، وَقَوْلِهِ: " «لَا تَعْضِيَةَ فِي الْمِيرَاثِ 3 إِلَّا مَا حَمَلَ الْقَسْمُ» " 4 . وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ [رِضْوَانُ اللَّهِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل