منهاج السنة النبويةصفحات 420-459
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 420-459
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

الصَّحِيحِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَمِنْ حَدِيثِ] أَبِي سَعِيدٍ 1 . . عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ بُغَاةٌ، وَأَنَّ قِتَالَ عَلِيٍّ لَهُمْ قِتَالُ أَهْلِ الْعَدْلِ لِأَهْلِ الْبَغْيِ، لَكِنَّهُمْ بُغَاةٌ مُتَأَوِّلُونَ لَا يُكَفَّرُونَ وَلَا يُفَسَّقُونَ.
وَلَكِنْ يُقَالُ: لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ بُغَاةً مَا يُوجِبُ الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ كُلِّ بَاغٍ، بَلْ وَلَا أَمَرَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، فَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، بَلْ أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا إِذَا كَانَتَا بَاغِيَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا بَاغِيَةً.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِهِ الْبَغْيُ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ، وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ يَتَنَاوَلُ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ، سَوَاءٌ أُصْلِحَ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ يُصْلَحْ.
كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ

بِالْإِصْلَاحِ يَتَنَاوَلُ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ 1 . مُطْلَقًا ; فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَمْرٌ بِقِتَالِ الْبَاغِي 2 . ابْتِدَاءً، لَكِنْ أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ إِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَ الْقِتَالِ أَنْ تُقَاتَلَ حَتَّى تَفِيءَ.
وَهَذَا يَكُونُ إِذَا لَمْ تُجِبْ إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَإِذَا 3 . أَجَابَتْ إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا لَمْ تُقَاتَلْ، فَلَوْ قُوتِلَتْ ثُمَّ فَاءَتْ إِلَى الْإِصْلَاحِ لَمْ تُقَاتَلْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فَأَمَرَ بَعْدَ الْقِتَالِ إِلَى أَنْ تَفِيءَ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَنْ يُقْسَطَ.
وَقِتَالُ الْفِتْنَةِ لَا يَقَعُ فِيهِ هَذَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ أَمَرَ * إِذَا اقْتَتَلُوا وَبَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ الْآيَةُ أَمْرًا * 4 . بِالْإِصْلَاحِ 5 . وَقِتَالُ الْبَاغِيَةِ جَمِيعًا لَمْ يَأْمُرْ بِأَحَدِهِمَا، وَقَدْ تَكُونُ الطَّائِفَةُ بَاغِيَةً ابْتِدَاءً، لَكِنْ لَمَّا بَغَتْ أَمَرَ بِقِتَالِهَا، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنِ الْمُقَاتِلُ لَهَا قَادِرًا لِعَدَمِ الْأَعْوَانِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ عَاجِزًا ابْتِدَاءً عَنْ قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ، أَوْ عَاجِزًا عَنْ قِتَالٍ تَفِيءُ فِيهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِتَالِ كَانَ قَادِرًا عَلَى قِتَالٍ يَفِئُ فِيهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ قِتَالِهَا حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِقِتَالِهَا: لَا أَمْرَ إِيجَابٍ وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، وَلَكِنْ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ

عَلَى ذَلِكَ، فَتَبَيَّنَ 1 . لَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا.
فَهَذَا مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَفِعْلِ مَا أُمِرَ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ، لَيْسَ مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرَانِ ; فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا وَافَقَ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» " 2 . . وَمِنَ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْأَمْرِ - أَوْ نَائِبُهُ - مُخَيَّرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ 3 .، تَخْيِيرُ تَحَرٍّ لِلْإِصْلَاحِ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ، كَمَا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ 4 . وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ.
وَكَذَلِكَ تَخْيِيرُ مَنْ نَزَلَ الْعَدُوُّ عَلَى حُكْمِهِ، كَمَا نَزَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَسَأَلَهُ حُلَفَاؤُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ كَمَا مَنَّ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ أُحَكِّمَ فِيهِمْ 1 . سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيِّدَ الْأَوْسِ؟ " فَرَضِيَتِ الْأَوْسُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَجَاءَ وَهُوَ رَاكِبٌ، وَكَانَ مُتَمَرِّضًا مِنْ أَثَرِ جُرْحٍ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمْ نِصْفُ نَهَارٍ 2 . أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ سَعْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ " [فَقَامُوا] 3 . وَأَقَارِبُهُ فِي الطَّرِيقِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، وَيُذَكِّرُونَهُ بِمُعَاوَنَتِهِمْ 4 . وَنَصْرِهِمْ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ، فَحَكَمَ بِأَنْ 5 . تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» ". وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ 6 .. وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَسَأَلُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ 7 . عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ 8 . عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ; فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ،

وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ 1 . عَلَى حُكْمِكَ وَحُكْمِ أَصْحَابِكَ» " 2 . فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ [الصَّحِيحَانِ] عَلَى أَنَّ لِلَّهِ حُكْمًا مُعَيَّنًا فِيمَا يَكُونُ وَلِيُّ الْأَمْرِ مُخَيَّرًا فِيهِ تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ، وَإِنْ كَانَ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ [فِي الظَّاهِرِ] 3 . ، فَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْقِتَالِ فَهُوَ 4 . أَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِمَّا فِعْلُهُ وَإِمَّا تَرْكُهُ، وَيَتَبَيَّنُ 5 . ذَلِكَ بِالْمَصْلَحَةِ [وَالْمَفْسَدَةِ] 6 . ; فَمَا كَانَ وُجُودُهُ خَيْرًا مِنْ عَدَمِهِ لِمَا حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي الدِّينِ، فَهَذَا مِمَّا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوِ اسْتِحْبَابٍ، وَمَا كَانَ عَدَمُهُ خَيْرًا مِنْ وُجُودِهِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ مُجْتَهِدًا مَأْجُورًا عَلَى اجْتِهَادِهِ.
وَالْقِتَالُ إِنَّمَا يَكُونُ لِطَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ، فَلَوْ بَغَتْ ثُمَّ أَجَابَتْ إِلَى الصُّلْحِ

بِالْعَدْلِ لَمْ تَكُنْ مُمْتَنِعَةً، فَلَمْ يَجُزْ قِتَالُهَا.
وَلَوْ كَانَتْ بَاغِيَةً، وَقَدْ أُمِرَ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ إِلَى أَنْ تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، أَيْ تَرْجِعَ، ثُمَّ قَالَ: ( «فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ» ) فَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَعْدَ قِتَالِ الْفِئَةِ [الْبَاغِيَةِ] 1 . ، كَمَا أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ إِذَا اقْتَتَلَتَا ابْتِدَاءً، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ: " تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ". وَهُوَ كَمَا قَالَتْ ; فَإِنَّهُمَا لَمَّا اقْتَتَلَتَا لَمْ يُصْلَحْ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قُوتِلَتِ الْبَاغِيَةُ، فَلَمْ تُقَاتَلْ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أُصْلِحَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْقِتَالِ إِلَى الْفَيْءِ، ثُمَّ الْإِصْلَاحِ، لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالٍ مُجَرَّدٍ، بَلْ قَالَ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ - وَمَا حَصَلَ قِتَالٌ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَقْدُورًا فَمَا وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ مَعْجُوزًا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ 2 .. وَعَجْزُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ عَنِ الْقِتَالِ الَّذِي يَقْتَضِي انْتِصَارَهُمْ كَانَ بِتَرْكِ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَذُنُوبِهِمْ، وَكَذَلِكَ التَّوَلِّي يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ مِنَ الذُّنُوبِ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ طَائِفَةً بَغَتْ عَلَى طَائِفَةٍ، وَأَمْكَنَ دَفْعُ الْبَغْيِ بِلَا قِتَالٍ، لَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ، فَلَوِ انْدَفَعَ الْبَغْيُ 3 . بِوَعْظٍ أَوْ فُتْيَا 4 . أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لَمْ يَجُزِ

الْقِتَالُ، وَلَوِ انْدَفَعَ الْبَغْيُ بِقَتْلِ وَاحِدٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، أَوْ إِقَامَةِ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيزٍ، مِثْلُ قَطْعِ سَارِقٍ وَقَتْلِ مُحَارِبٍ وَحَدِّ قَاذِفٍ لَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ.
وَكَثِيرًا مَا تَثُورُ الْفِتْنَةُ إِذَا ظَلَمَ بَعْضُ طَائِفَةٍ 1 . لِطَائِفَةٍ أُخْرَى، فَإِذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ حَقِّ الْمَظْلُومِ بِلَا قِتَالٍ لَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ.
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ مُبَايَعَةِ إِمَامٍ عَادِلٍ 2 . يَجِبُ قِتَالُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ بَاغِيًا لِتَرْكِ طَاعَةِ الْإِمَامِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَرَكَ طَاعَةَ [الْإِمَامِ] 3 . يُقَاتَلُ.
وَالصِّدِّيقُ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمُ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَائِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَقُوتِلُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَلَوْ أَقَرُّوا بِأَدَائِهَا، وَقَالُوا: لَا نُؤَدِّيهَا إِلَيْكَ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَأُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - حَدِيثِ عَمَّارٍ - إِنَّ قَاتِلَ عَمَّارٍ طَائِفَةٌ بَاغِيَةٌ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلِيًّا، وَلَا يَمْتَنِعُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مَأْمُورًا بِقِتَالِهِمْ، وَلَا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ لِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مُلْتَزِمِينَ شَرَائِعَ 4 . الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ مُتَأَوِّلِينَ مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، [وَكُلُّهُمْ] 5 . يُسْتَغْفَرُ لَهُمْ وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سُورَةُ الْحَشْرِ

[الرد على مزاعم الرافضي عن معاوية رضي الله عنه " وَسَمَّوْهُ كَاتِبَ الْوَحْيِ وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ كَلِمَةً "]

فَصْلٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: " وَسَمَّوْهُ كَاتِبَ الْوَحْيِ وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ كَلِمَةً 1 وَاحِدَةً مِنَ الْوَحْيِ ".

  • فَهَذَا قَوْلٌ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا عِلْمٍ 2 ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ كَلِمَةً 3 وَاحِدَةً مِنَ الْوَحْيِ * 4 ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكْتُبُ لَهُ رَسَائِلَ؟ . وَقَوْلُهُ: " إِنَّ كُتَّابَ الْوَحْيِ كَانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ أَخَصُّهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ عَلِيٌّ ". فَلَا رَيْبَ 5 أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ لَهُ أَيْضًا، كَمَا كَتَبَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ.
    وَلَكِنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَيْضًا، وَيَكْتُبُ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ [بِلَا رَيْبٍ] 6 . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سُورَةُ النِّسَاءِ كَتَبَهَا [لَهُ] 7 . وَكَتَبَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ،

وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ 1 ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَسَدِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمُعَاوِيَةُ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - 2 . وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا مُدَّةَ كَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبْعُوثًا ". فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ 3 وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ وَغَيْرَهُمْ أَسْلَمُوا عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُشْرِكًا مُدَّةَ الْمَبْعَثِ 4 . وَمُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ حِينَ بُعِثَ 5 النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَغِيرًا، كَانَتْ هِنْدُ تُرَقِّصُهُ.
وَمُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْلَمَ مَعَ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، مِثْلُ أَخِيهِ [يَزِيدَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو،] 6 وَصَفْوَانَ [بْنِ أُمَيَّةَ] 7 ، وَعِكْرِمَةَ [بْنِ أَبِي جَهْلٍ] ، وَأَبِي سُفْيَانَ [بْنِ حَرْبٍ] ،

وَهَؤُلَاءِ 1 كَانُوا قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ أَعْظَمَ كُفْرًا وَمُحَارَبَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُعَاوِيَةَ.
فَصَفْوَانُ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو سُفْيَانَ كَانُوا مُقَدَّمِينَ لِلْكُفَّارِ يَوْمَ أُحُدٍ، رُءُوسَ الْأَحْزَابِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَمَعَ هَذَا كَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَصَفْوَانُ 2 وَعِكْرِمَةُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ إِسْلَامًا، وَاسْتُشْهِدُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَوْمَ الْيَرْمُوكِ.
وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ 3 قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَذًى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 4 لَا بِيَدٍ وَلَا بِلِسَانٍ، فَإِذَا كَانَ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مُعَادَاةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُعَاوِيَةَ قَدْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَصَارَ مِمَّنْ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَلِكَ؟ . وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ سِيرَةً فِي وِلَايَتِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَلَوْلَا مُحَارَبَتُهُ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَتَوَلِّيهِ الْمُلْكَ، لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ إِلَّا بِخَيْرٍ، كَمَا لَمْ يُذْكَرْ أَمْثَالُهُ 5 إِلَّا بِخَيْرٍ.
وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ - مُعَاوِيَةُ وَنَحْوُهُ - قَدْ شَهِدُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَّةَ غَزَوَاتٍ، كَغَزَاةِ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَتَبُوكَ، فَلَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ مَا لِأَمْثَالِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ كُفَّارًا وَقَدْ صَارُوا مُؤْمِنِينَ مُجَاهِدِينَ تَمَامَ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعٍ وَعَشْرٍ، وَبَعْضَ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ؟ .

فَإِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّفَاقِ النَّاسِ تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا قَبْلَ إِيمَانِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَشَدَّ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[مِنْ مُعَاوِيَةَ] 1 وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، كَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بُغْضًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 2 وَهِجَاءً لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَانَ أَبُوهُ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَلِكَ أَمُّهُ حَتَّى أَسْلَمَتْ، فَقَالَتْ: " «وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ 3 الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يُذَلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يُعَزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ» " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ 4 . وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ.
فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الَّذِي عَادُوهُ، كَأَبِي سُفْيَانَ وَهِنْدَ وَغَيْرِهِمَا، مَوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ عَلَى تَبْدِيلِ الْعَدَاوَةِ بِالْمَوَدَّةِ، وَهُوَ غَفُورٌ لَهُمْ بِتَوْبَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ، رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ صَارُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

[مزاعم الرافضي عن معاوية بقوله " وَكَانَ بِالْيَمَنِ يَوْمَ الْفَتْحِ يَطْعَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ "]

فَصْلٌ 1 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَكَانَ بِالْيَمَنِ يَوْمَ الْفَتْحِ يَطْعَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَتَبَ 3 إِلَى أَبِيهِ 4 صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ يُعَيِّرُهُ بِإِسْلَامِهِ، وَيَقُولُ: أَصَبَوْتَ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ 5 ؟ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: 6 يَا صَخْرُ لَا تُسْلِمَنْ طَوْعًا فَتَفْضَحْنَا 7 بَعْدَ الَّذِينَ بِبَدْرٍ أَصْبَحُوا فِرَقَا 8 جَدِّي وَخَالِي وَعَمُّ الْأُمِّ يَا لَهُمُ ... قَوْمًا وَحَنْظَلَةُ الْمُهْدِي لَنَا أَرَقَا 9 فَالْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنْ قَوْلِ الْوُشَاةِ لَنَا خَلِّي ابْنَ هِنْدٍ عَنِ الْعُزَّى لَقَدْ فَرَقَا 10 . وَالْفَتْحُ كَانَ فِي رَمَضَانَ 11 لِثَمَانِ سِنِينَ 12 مِنْ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَمُعَاوِيَةُ مُقِيمٌ 1 عَلَى شِرْكِهِ، هَارِبٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَهْدَرَ 2 دَمَهُ، فَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ لَهُ مَأْوًى صَارَ إِلَى النَّبِيِّ 3 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَرًّا، فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَطَرَحَ نَفْسَهُ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَسَأَلَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَفَا 4 ، ثُمَّ شَفَعَ إِلَيْهِ 5 أَنْ يُشَرِّفَهُ وَيُضِيفَهُ إِلَى جُمْلَةِ الْكُتَّابِ، فَأَجَابَهُ وَجَعَلَهُ وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَكَمْ كَانَ حَظُّهُ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ 6 لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَاتِبٌ 7 الْوَحْيِ حَتَّى اسْتَحَقَّ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ؟ مَعَ أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ - مِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ - ذَكَرَ فِي كِتَابِ 8 " رَبِيعِ الْأَبْرَارِ " أَنَّهُ ادَّعَى نُبُوَّتَهُ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ 9 . عَلَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْكَتَبَةِ 10 [عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ] 11 بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَفِيهِ نَزَلَ 12

﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وَقَدْ «رَوَى عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ يَمُوتُ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِي، فَطَلَعَ مُعَاوِيَةُ.
وَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا 1 ، فَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ بِيَدِ ابْنِهِ يَزِيدَ وَخَرَجَ وَلَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَعَنَ اللَّهُ الْقَائِدَ وَالْمَقُودَ، أَيُّ يَوْمٍ يَكُونُ لِلْأُمَّةِ 2 مَعَ مُعَاوِيَةَ ذِي الْإِسَاءَةِ؟» . وَبَالَغَ فِي مُحَارَبَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَتَلَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَعَنَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ 3 ، وَاسْتَمَرَّ سَبُّهُ ثَمَانِينَ سَنَةً 4 ، إِلَى أَنْ قَطَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَسَمَّ الْحَسَنَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] 5 وَقَتَلَ ابْنُهُ يَزِيدُ مَوْلَانَا الْحُسَيْنَ 6 ، وَنَهَبَ نِسَاءَهُ، وَكَسَرَ أَبُوهُ 7 ثَنِيَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 8 ، وَأَكَلَتْ أُمُّهُ كَبِدَ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " 9 .

[الرد على مزاعم الرافضي عن معاوية من أنه كَانَ بِالْيَمَنِ يَوْمَ الْفَتْحِ يَطْعَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ]

وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ: " كَانَ 1 بِالْيَمَنِ يَطْعَنُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ يُعَيِّرُهُ بِإِسْلَامِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَبْيَاتَ ". فَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَعْلُومِ ; فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ، لَمْ يَكُنْ بِالْيَمَنِ، وَأَبُوهُ «أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ لَيْلَةَ نَزَلَ بِهَا، وَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ يُحِبُّ الشَّرَفَ.
فَقَالَ [النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 2 : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ» " 3 . وَأَبُو سُفْيَانَ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ 4 هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ، لَمَّا سَافَرَ إِلَى الشَّامِ فِي الْهُدْنَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَهُمْ 5 ، وَمَا كَانَ عِنْدَهُ 6 مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، لَكِنَّ الْحَسَدَ مَنَعَهُ مِنَ

الْإِيمَانِ، حَتَّى أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ كَارِهٌ، بِخِلَافِ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عَنْ أَخِيهِ يَزِيدَ.
وَهَذَا الشِّعْرُ كَذِبٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ قَطْعًا ; فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: فَالْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنْ قَوْلِ الْوُشَاةِ لَنَا ... خَلِّي ابْنَ هِنْدٍ عَنِ الْعُزَّى لَقَدْ فَرَقَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ «بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أَسْلَمَ النَّاسُ وَأُزِيلَتِ الْعُزَّى: بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا عِزُّ 1 كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ.» وَكَانَتْ قَرِيبًا مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمْ يَبْقَ هُنَاكَ لَا عُزَّى وَلَا مَنْ يَلُومُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْعُزَّى.
فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا مِنْ وَضْعِ بَعْضِ الْكَذَّابِينَ عَلَى لِسَانِ مُعَاوِيَةَ.
وَهُوَ كَذَّابٌ (2) جَاهِلٌ لَمْ يَعْلَمْ 2 كَيْفَ وَقَعَ الْأَمْرُ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَالِ جَدِّهِ أَبِي أُمَيَّةَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَخَالِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَعَمِّ أُمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَخِيهِ حَنْظَلَةَ، أَمْرٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ هُوَ وَجُمْهُورُ قُرَيْشٍ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ 3 إِلَّا وَلَهُ أَقَارِبُ كُفَّارٌ، قُتِلُوا كُفَّارًا أَوْ مَاتُوا 4 كُفَّارًا، فَهَلْ كَانَ فِي إِسْلَامِهِمْ فَضِيحَةٌ؟ ! . وَقَدْ أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَكَانَا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبَوَاهُمَا قُتِلَا بِبَدْرٍ.
وَكَذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ قُتِلَ أَخُوهُ يَوْمَ

بَدْرٍ.
وَفِي الْجُمْلَةِ الطَّعْنُ بِهَذَا طَعْنٌ فِي عَامَّةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وَهَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطْعَنَ فِي عَلِيٍّ بِأَنَّ عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ . أَوْ يَطْعَنَ فِي الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّ أَخَاهُ كَانَ مُعَادِيًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ 1 أَوْ يُعَيِّرَ عَلِيًّا بِكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ يُعَيِّرَ بِذَلِكَ الْعَبَّاسَ؟ وَهَلْ مِثْلُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ كَلَامِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ 2 . ثُمَّ الشِّعْرُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الشِّعْرِ الْقَدِيمِ 3 ، بَلْ هُوَ شِعْرٌ رَدِيءٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ الْفَتْحَ كَانَ فِي رَمَضَانَ لِثَمَانٍ مِنْ مَقْدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ " فَهَذَا صَحِيحٌ 4 . وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مُقِيمًا عَلَى شِرْكِهِ هَارِبًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ، فَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ لَهُ مَأْوًى صَارَ 5 إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَرًّا فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ ". فَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ ; فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: " إِنَّهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ " وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ أَعْطَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ مِنْ غَنَائِمِ هَوَازِنَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ مِمَّنْ أَعْطَاهُ [مِنْهَا،

وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَأَلَّفُ السَّادَةَ الْمُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ] 1 ، فَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ هَارِبًا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ إِلَّا قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا مِنْ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ.
وَمَنْ كَانَتْ غَايَتُهُ أَنْ يُؤْمِنَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْلِيفٍ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «قَصَّرْتُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَرْوَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [وَلَفْظُهُ: «أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ؟ قَالَهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ لَهُ: لَا أَعْلَمُ هَذَا حُجَّةً إِلَّا عَلَيْكَ» ] 2 . وَهَذَا قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ 3 الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ 4 أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمُ الْحِلَّ كُلَّهُ، وَيَصِيرُوا مُتَمَتِّعِينَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ سَاقُوا

الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلُّوا، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَسُقِ [الْهَدْيَ] 1 فَحَلَلْنَ.
وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ 2 . فَعُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ مُعَاوِيَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَكِنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ أَبَاحَ لِلْمُتَمَتِّعِ السَّائِقِ لِلْهَدْيِ 3 أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ شَعْرِهِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، كَمَا أَنَّ عَنْهُ رِوَايَةً أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ.
وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُبِيحَانِ لِكُلِّ مُتَمَتِّعٍ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ فَيَعْلَمُونَ 4 بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّ سَائِقَ الْهَدْيِ لَا يُحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ 5 . وَتَقْصِيرُ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذَا قَدْ 6 كَانَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِمَّا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ - وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ

كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ، لَكِنْ لَا يُعْرَفُ صِحَّةُ هَذَا - وَإِمَّا فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ هَذَا التَّقْصِيرَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، وَكَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَبَعْدَ حِصَارِهِ لِلطَّائِفِ 1 ; فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ مِنْ ذَلِكَ فَقَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ، وَاعْتَمَرَ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ، فَقَصَّرَ عَنْهُ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ [مُعَاوِيَةُ] 2 قَدْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ 3 عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَاسْتَكْتَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخِبْرَتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُمَا آذَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَمَا كَانَ يُؤْذِيهِ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ.
وَأَخُوهُ يَزِيدُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَبَعْضُ الْجُهَّالِ يَظُنُّ أَنَّ يَزِيدَ هَذَا هُوَ يَزِيدُ الَّذِي تَوَلَّى الْخِلَافَةَ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ 4 ، وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ فِي زَمَنِهِ، فَيَظُنُّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا جَهْلٌ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَأَمَّا يَزِيدُ عَمُّهُ هَذَا 5 فَرَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ أَحَدَ أُمَرَاءِ الشَّامِ، وَمَشَى فِي رِكَابِهِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَوَلَّى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَكَانَهُ أَمِيرًا، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَقَرَّهُ عَلَى الْإِمَارَةِ وَزَادَهُ، وَبَقِيَ أَمِيرًا، إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، إِلَى أَنْ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] 6 وَبَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ

عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ سَلَّمَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، تَحْقِيقًا لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " 1 وَبَقِيَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَخَّرْ إِسْلَامُ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَامَ تِسْعٍ بَعْدَ الْفَتْحِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِيُقِيمَ الْحَجَّ، وَيُنَادَى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ نُبِذَتِ الْعُهُودُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأُجِّلُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، فَكَانَ هَذَا أَمَانًا عَامًّا لِكُلِّ مُشْرِكٍ مِنْ سَائِرِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَغَزَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِقِتَالِ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ.
وَلَوْ كَانَ لِمُعَاوِيَةَ مِنَ الذُّنُوبِ مَا كَانَ لَكَانَ الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَكَيْفَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ ذَنْبٌ يَهْرُبُ لِأَجْلِهِ، أَوْ يُهْدَرُ دَمُهُ لِأَجْلِهِ؟ ! وَأَهْلُ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ مِمَّنْ أُهْدِرُ دَمَهُ عَامَ الْفَتْحِ.
فَهَذِهِ مَغَازِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْوَاقِدِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَائِذٍ 2 ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَكُتُبُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ كُلُّهَا تَنْطِقُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ وَيَذْكُرُونَ

مِنْ إِهْدَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَمَهُ، مِثْلُ مَقِيسِ بْنِ حُبَابَةَ 1 وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَهَذَانِ قُتِلَا.
وَأُهْدِرَ دَمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، ثُمَّ بَايَعَهُ.
وَالَّذِينَ أَهْدَرَ دِمَاءَهُمْ كَانُوا [نَفَرًا] 2 قَلِيلًا نَحْوَ الْعَشَرَةِ.
وَأَبُو سُفْيَانَ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ 3 عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَهُوَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ [الَّذِي] 4 أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ، وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ [هُوَ الَّذِي] 5 جَمَعَ الْأَمْوَالَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ لِلتِّجَارَةِ، وَطَلَبَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يُنْفِقَهَا فِي قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ قُوَّادِ الْجَيْشِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ قَائِدُ الْأَحْزَابِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخَذَهُ الْعَبَّاسُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، وَمَشَى عُمَرُ مَعَهُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو سُفْيَانَ، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقَاوَلَهُ الْعَبَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَمَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: " «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، [وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ] 6 ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ» ". فَكَيْفَ يُهْدَرُ 7 دَمُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَابٌّ صَغِيرٌ لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ يَخْتَصُّ بِهِ،

وَلَا عُرِفَ [عَنْهُ] 1 أَنَّهُ كَانَ يَحُضُّ عَلَى عَدَاوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ أَمَّنَ رُءُوسَ الْأَحْزَابِ؟ 2 فَهَلْ يَظُنُّ هَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِالسِّيرَةِ؟ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ [بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ] 3 مَذْكُورٌ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ " الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَمَّا ذَكَرْنَا مَنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَمَهُ [عَامَ الْفَتْحِ] 4 ، وَذَكَرْنَاهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا 5 . نَعَمْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ 6 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَى بِهِ فَأَسْلَمَ بِمَكَّةَ 7 وَحَقَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَمَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ ". فَفِرْيَةٌ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِصِ مُعَاوِيَةَ، بَلْ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ كُتَّابِ الْوَحْيِ 8 . وَأَمَّا [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

سَعْدٍ] 1 بْنُ أَبِي سَرْحٍ فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَافْتَرَى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ إِنَّهُ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ . فَهُوَ بَاطِلٌ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، لَمَّا 2 أُكْرِهَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ عَلَى الْكُفْرِ.
وَرِدَّةُ هَذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ 3 بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ ; فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَبِلَ إِسْلَامَهُ وَبَايَعَهُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَقَدْ «رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ يَمُوتُ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِي " فَطَلَعَ مُعَاوِيَةُ.
وَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا، فَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ بِيَدِ ابْنِهِ يَزِيدَ وَخَرَجَ وَلَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَعَنَ اللَّهُ الْقَائِدَ وَالْمَقُودَ، أَيُّ يَوْمٍ يَكُونُ لِلْأُمَّةِ مَعَ 4 مُعَاوِيَةَ ذِي الْإِسَاءَةِ» ".

فَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: نَحْنُ نُطَالِبُ بِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ; [فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْحَدِيثِ] 1 لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ كَذِبٌ.
وَيُقَالُ ثَانِيًا: هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْكَذِبِ الْمَوْضُوعِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَلَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ، وَلَا لَهُ إِسْنَادٌ مَعْرُوفٌ 2 . وَهَذَا الْمُحْتَجُّ بِهِ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا.
ثُمَّ مِنْ جَهْلِهِ أَنْ يَرْوِيَ مِثْلَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ ثَلْبِ الصَّحَابَةِ، وَأَرْوَى النَّاسِ لِمَنَاقِبِهِمْ، وَقَوْلُهُ فِي مَدْحِ مُعَاوِيَةَ مَعْرُوفٌ ثَابِتٌ عَنْهُ، حَيْثُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
قِيلَ لَهُ: وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَيْرًا مِنْهُ، وَمَا رَأَيْتُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ 3 .

قَالَ أَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] 1 : السَّيِّدُ الْحَلِيمُ [يَعْنِي مُعَاوِيَةَ] 2 ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ كَرِيمًا حَلِيمًا.
ثُمَّ إِنَّ خُطَبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً، بَلْ كَانَ يَخْطُبُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمُعَاوِيَةُ وَأَبُوهُ يَشْهَدَانِ الْخُطَبَ، كَمَا يَشْهَدُهَا الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ.
أَفَتَرَاهُمَا 3 فِي كُلِّ خُطْبَةٍ كَانَا يَقُومَانِ وَيُمَكَّنَانِ مِنْ ذَلِكَ؟ هَذَا قَدْحٌ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ يُمَكِّنُونَ اثْنَيْنِ دَائِمًا يَقُومَانِ وَلَا يَحْضُرَانِ 4 الْخُطْبَةَ وَلَا الْجُمْعَةَ.
وَإِنْ كَانَا يَشْهَدَانِ كُلَّ خُطْبَةٍ، فَمَا بَالُهُمَا يَمْتَنِعَانِ [مِنْ سَمَاعِ] خُطْبَةٍ 5 وَاحِدَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا؟ . ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ مِنْ سِيرَةِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَحْلَمِ النَّاسِ، وَأَصْبَرِهِمْ عَلَى مَنْ يُؤْذِيهِ، وَأَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِمَنْ يُعَادِيهِ، فَكَيْفَ يَنْفِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ الْخَلْقِ (6) مَرْتَبَةً فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ؟ فَكَيْفَ لَا يَصْبِرُ عَلَى سَمَاعِ كَلَامِهِ وَهُوَ بَعْدَ الْمُلْكِ [كَانَ] 6 يَسْمَعُ كَلَامَ مَنْ يَسُبُّهُ 7 فِي وَجْهِهِ؟ فَلِمَاذَا لَا 8 يَسْمَعُ كَلَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَكَيْفَ يَتَّخِذُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَاتِبًا مَنْ هَذِهِ حَالُهُ؟ . 1 وَقَوْلُهُ: " إِنَّهُ أَخَذَ بِيَدِ ابْنِهِ زَيْدًا أَوْ يَزِيدَ " 2 فَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ اسْمُهُ زَيْدٌ 3 . وَأَمَّا يَزِيدُ ابْنُهُ 4 الَّذِي تَوَلَّى [بَعْدَهُ] 5 الْمُلْكَ وَجَرَى فِي خِلَافَتِهِ مَا جَرَى، فَإِنَّمَا وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمُعَاوِيَةَ وَلَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ ابْنُ نَاصِرٍ 6 : " خَطَبَ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُزَوَّجْ 7 لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَوُلِدَ لَهُ يَزِيدُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ". ثُمَّ نَقُولُ ثَالِثًا: هَذَا الْحَدِيثُ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 8 : " قَدْ تَعَصَّبَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَدَّعِي السُّنَّةَ، فَوَضَعُوا فِي

فَضْلِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَحَادِيثَ لِيَغِيظُوا 1 الرَّافِضَةَ، وَتَعَصَّبَ قَوْمٌ مِنَ الرَّافِضَةِ فَوَضَعُوا فِي ذَمِّهِ أَحَادِيثَ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْخَطَأِ الْقَبِيحِ ". وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ بَالَغَ فِي مُحَارَبَةِ عَلِيٍّ ". فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ اقْتَتَلَ الْعَسْكَرَانِ: عَسْكَرُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ، وَلَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ مِمَّنْ يَخْتَارُ الْحَرْبَ ابْتِدَاءً، بَلْ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ حِرْصًا 2 عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ قِتَالٌ، وَكَانَ غَيْرُهُ أَحْرَصَ عَلَى الْقِتَالِ مِنْهُ.
وَقِتَالُ صِفِّينَ لِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَالٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا كَانَ مُجْتَهِدًا [مُصِيبًا] 3 ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، مِمَّنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَيَقُولُ: كَانَا مُجْتَهِدَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ 4 مِنْ أَصْحَابِ [أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ] 5 وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَتَقُولُ الْكَرَّامِيَّةُ: كِلَاهُمَا إِمَامٌ مُصِيبٌ، وَيَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ لِلْحَاجَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الْمُصِيبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، [وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ] . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: عَلِيٌّ هُوَ الْمُصِيبُ وَحْدَهُ، وَمُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.

وَقَدْ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَانَ الصَّوَابُ أَنْ لَا يَكُونَ قِتَالٌ، وَكَانَ تَرْكُ الْقِتَالِ خَيْرًا لِلطَّائِفَتَيْنِ، فَلَيْسَ فِي الِاقْتِتَالِ صَوَابٌ، وَلَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَالْقِتَالُ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، وَكَانَ تَرْكُ الْقِتَالِ خَيْرًا لِلطَّائِفَتَيْنِ، مَعَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَوْلَى بِالْحَقِّ.
وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرِ أَئِمَّةِ 1 الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ بِإِحْسَانٍ] 2 ، وَهُوَ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي ذَلِكَ الْقِتَالِ، وَيَقُولُ: هُوَ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَكْثَرِ مَنْ بَقِيَ مِنَ السَّابِقِينَ [الْأَوَّلِينَ] مِنَ الْمُهَاجِرِينَ 3 وَالْأَنْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ مَذَاهِبِ 4 أَهْلِ السُّنَّةِ الْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ،

فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ فَضَائِلُهُمْ، وَوَجَبَتْ مُوَالَاتُهُمْ وَمَحَبَّتُهُمْ.
وَمَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ عُذْرٌ يَخْفَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَمِنْهُ مَا تَابَ صَاحِبُهُ مِنْهُ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَغْفُورًا.
فَالْخَوْضُ فِيمَا شَجَرَ يُوقِعُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بُغْضًا وَذَمًّا، وَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ 1 مُخْطِئًا، بَلْ عَاصِيًا، فَيَضُرُّ نَفْسَهُ وَمَنْ خَاضَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا جَرَى لِأَكْثَرِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ: إِمَّا مِنْ ذَمِّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، وَإِمَّا مِنْ مَدْحِ أُمُورٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ 2 . [وَلِهَذَا كَانَ] الْإِمْسَاكُ 3 طَرِيقَةُ أَفَاضِلِ السَّلَفِ 4 . وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: [كَانَ مُعَاوِيَةُ فَاسِقًا دُونَ عَلِيٍّ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ كَانَ كَافِرًا، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الرَّافِضَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:] 5 كِلَاهُمَا كَافِرٌ: عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ، كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فَسَقَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: [بَلْ] 6 مُعَاوِيَةُ عَلَى الْحَقِّ وَعَلِيٌّ كَانَ ظَالِمًا، كَمَا تَقُولُهُ الْمَرْوَانِيَّةُ.
وَالْكِتَابُ - وَالسُّنَّةُ - قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُسْلِمُونَ، وَأَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنْ وُجُودِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا

فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فَسَمَّاهُمْ 1 مُؤْمِنِينَ إِخْوَةً مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» " 2 وَهَؤُلَاءِ الْمَارِقَةُ مَرَقُوا عَلَى عَلِيٍّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَائِفَتَهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْ طَائِفَةِ مُعَاوِيَةَ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ سَيُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» " 3 فَأَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ، فَمَدَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَسَنَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، وَسَمَّاهُمَا مُؤْمِنِينَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمَحْمُودُ، وَلَوْ كَانَ الْقِتَالُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا، لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مَحْمُودًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ يَسْتَشْرِفُ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ» " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ 4 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ

يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» " 1 . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ» " 2 . وَالَّذِينَ رَوَوْا أَحَادِيثَ الْقُعُودِ فِي الْفِتْنَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا، كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لَمْ يُقَاتِلُوا لَا مَعَ عَلِيٍّ وَلَا مَعَ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " «مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إِلَّا أَنَا

أَخَافُهَا عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَهُ: " لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ» (1) . وَعَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ (2) قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: " إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَضُرُّهُ الْفِتْنَةُ شَيْئًا، فَخَرَجْنَا فَإِذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ فَدَخَلْنَا فَإِذَا فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِهِمْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ» " رَوَاهُمَا (3) أَبُو دَاوُدَ (4) .

فصل وقوع أمور فِي الأمة بالتأويل في دِمَائِهَا وَأَمْوَالِهَا وَأَعْرَاضِهَا

(فَصْلٌ) . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأُمَّةَ يَقَعُ فِيهَا أُمُورٌ بِالتَّأْوِيلِ 5 فِي دِمَائِهَا وَأَمْوَالِهَا وَأَعْرَاضِهَا، كَالْقِتَالِ وَاللَّعْنِ وَالتَّكْفِيرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَعَلَوْتُهُ بِالسَّيْفِ،1234

فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ.
قَالَ: " أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا [خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ] 1 أَمْ لَا؟ " فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ» " 2 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ.
أَفَأَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تَقْتُلْهُ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَهَا ثُمَّ قَالَ [ذَلِكَ] 3 بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولُ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا» " 4 . فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَتَلُوا قَوْمًا مُسْلِمِينَ لَا 5 يَحِلُّ قَتْلُهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا ضَمِنَ الْمَقْتُولَ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ

وَلَا كَفَّارَةٍ، لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ مُتَأَوِّلًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: بَلْ كَانُوا أَسْلَمُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، فَثَبَتَتْ فِي حَقِّهِمُ الْعِصْمَةُ الْمُؤَثِّمَةُ دُونَ الْمُضَمِّنَةِ، بِمَنْزِلَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ [وَأَبِي حَنِيفَةَ] 1 وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةِ إِذَا اقْتَتَلُوا بِالتَّأْوِيلِ لَمْ يَضْمَنْ هَؤُلَاءِ مَا أَتْلَفُوهُ لِهَؤُلَاءِ مِنَ النُّفُوسِ 2 وَالْأَمْوَالِ حَالَ الْقِتَالِ، وَلَمْ يَضْمَنْ هَؤُلَاءِ مَا أَتْلَفُوهُ لِهَؤُلَاءِ 3 . كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 4 مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ دَمٍ أَوْ مَالٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ هَدَرٌ، أَنْزَلُوهُمْ 5 مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِيَّةِ.
يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا 6 . وَإِنْ قِيلَ 7 : إِنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَوَاتِرَةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ إِذَا قَتَلَ

مُسْلِمًا أَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِقَوَدٍ [وَلَا دِيَةٍ] 1 وَلَا كَفَّارَةٍ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ فَاسِدًا.
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّونَ الْمُمْتَنِعُونَ إِذَا قَتَلُوا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنُوا دَمَهُ إِذَا عَادُوا إِلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ 2 أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ مَنْ يَحْكِيهِ قَوْلًا، كَأَبِي بَكْر عَبْد الْعَزِيز 3 حَيْثُ قَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ.
فَهَذَا النَّصُّ فِي الْمُرْتَدِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَذَاكَ فِي الْمُحَارِبِ الْمُمْتَنِعِ، كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ 4 وَالْمُحَارِبِ، أَوْ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ; فَإِنَّ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ لَمْ يُضَمِّنْهُمُ الصَّحَابَةُ بَعْدَ عَوْدِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ بِمَا كَانُوا قَتَلُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَتْلَفُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ.
فَالْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُونَ كَذَلِكَ لَمْ تَضْمَنْهُمُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِذَا كَانَ هَذَا 5 فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ مَنْ أَتْلَفَهَا خَطَأً ضَمِنَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ فِي الْأَعْرَاضِ 6 ؟ مِثْلِ لَعْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي.
وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى

أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا [وَاللَّهِ] 1 مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي ". قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ 2 أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ.
فَقَامَ 3 سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ.
فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَاسْتَبَّ الْحَيَّانِ حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرِيدُ الدَّفْعَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْمُنَافِقِ، [فَقَالَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: إِنَّكَ مُنَافِقٌ] » 4 ، وَهَذَا كَانَ تَأْوِيلًا [مِنْهُ] 5 . وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، لَمَّا كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، [فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 6 : " إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» " 7 .

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِي مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُنِ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ» وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ.
فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ قَالَ عَنْ بَعْضِ أُمَّتِهِ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ مُتَأَوِّلًا فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُكَفِّرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدًا مِنْهُمَا 1 . . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ 2 . أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَعَنَ عَبْدَ اللَّهِ حِمَارًا 3 لِكَثْرَةِ شُرْبِهِ

الْخَمْرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» " 1 وَلَمْ يُعَاقِبِ اللَّاعِنَ لِتَأْوِيلِهِ.
وَالْمُتَأَوِّلُ الْمُخْطِيءُ مَغْفُورٌ لَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ 2 أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ; " قَدْ فَعَلْتُ " 3 . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» " 4 .

[الراففضة يُعَظِّمُونَ الْأَمْرَ عَلَى مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا وَيَمْدَحُونَ مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ]

(فَصْلٌ) . إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَيُقَالُ: قَوْلُ الرَّافِضَةِ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَشَدِّهَا تَنَاقُضًا ; فَإِنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ الْأَمْرَ عَلَى مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَيَمْدَحُونَ مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّ الذَّمَّ وَالْإِثْمَ لِمَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّمِّ وَالْإِثْمِ لِمَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا، فَإِنَّ عُثْمَانَ

كَانَ خَلِيفَةً اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْتُلْ 1 . 1 - مُسْلِمًا، وَقَدْ قَاتَلُوهُ لِيَنْخَلِعَ مِنْ 2 الْأَمْرِ، فَكَانَ عُذْرُهُ فِي أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى وِلَايَتِهِ أَعْظَمَ مِنْ عُذْرِ عَلِيٍّ فِي طَلَبِهِ لِطَاعَتِهِمْ 3 لَهُ، وَصَبَرَ عُثْمَانُ حَتَّى قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلِيٌّ بَدَأَ بِالْقِتَالِ 4 أَصْحَابَ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَكُونُوا يُقَاتِلُونَهُ، وَلَكِنِ امْتَنَعُوا مِنْ بَيْعَتِهِ.
فَإِنْ جَازَ قِتَالُ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ بَيْعَةِ الْإِمَامِ الَّذِي بَايَعَهُ نِصْفُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ [أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ] 5 ، فَقِتَالُ مَنْ قَاتَلَ 6 وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَيُقَالُ مَنْ قَاتَلَ.
وَقَتْلُ الْإِمَامِ الَّذِي أَجْمَعَ 7 الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَيْعَتِهِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ فَعَلَ أَشْيَاءَ أَنْكَرُوهَا.
قِيلَ: تِلْكَ الْأَشْيَاءُ لَمْ تُبِحْ خَلْعَهُ وَلَا قَتْلَهُ 8 ، وَإِنْ أَبَاحَتْ خَلْعَهُ وَقَتْلَهُ كَانَ مَا نَقَمُوهُ عَلَى عَلِيٍّ أَوْلَى أَنْ يُبِيحَ تَرْكَ مُبَايَعَتِهِ ; فَإِنَّهُمْ إِنِ ادَّعَوْا عَلَى عُثْمَانَ نَوْعًا مِنَ الْمُحَابَاةِ لِبَنِي أُمَيَّةَ فَقَدِ ادَّعَوْا 9 عَلَى عَلِيٍّ تَحَامُلًا عَلَيْهِمْ وَتَرْكًا لِإِنْصَافِهِمْ، وَأَنَّهُ بَادَرَ بِعَزْلِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَسْتَحِقَّ 10 الْعَزْلَ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل