منهاج السنة النبويةصفحات 180-219
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 180-219
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

كلام الرافضي على متعة الحج والنساء والتعليق على كلامه

فَصْلٌ 1 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَكَالْمُتْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، فَقَالَ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 196] وَتَأَسُّفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَوَاتِهَا لَمَّا حَجَّ قَارِنًا، وَقَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» " وَقَالَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 24] وَاسْتَمَرَّتْ فِعْلُهُمَا مُدَّةَ زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُدَّةَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ 3 ، وَبَعْضِ خِلَافَةِ عُمَرَ، إِلَى أَنْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا [مُحَلَّلَتَيْنِ] 4 عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهَا " 5 . وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا مُتْعَةُ الْحَجِّ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهَا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَدَعْوَاهُ 6 أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ ابْتَدَعُوا تَحْرِيمَهَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ

السُّنَّةِ 1 يَسْتَحِبُّونَ الْمُتْعَةَ وَيُرَجِّحُونَهَا أَوْ يُوجِبُونَهَا.
وَالْمُتْعَةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَصَارَ قَارِنًا، أَوْ بَعْدَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ إِحْرَامِهِ لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، أَوْ مُطْلَقًا.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْمُتْعَةِ 2 مُجَرَّدُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ: يَسْتَحِبُّونَ الْمُتْعَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ الْقُرْآنَ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ، كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَالصَّحِيحُ - وَهُوَ الصَّرِيحُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ - أَنَّهُ إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقُرْآنُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ فَالتَّحَلُّلُ 3 مِنْ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ أَفْضَلُ.
فَإِنَّ الْأَوَّلَ 4 هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ 5 .

بَلْ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ يُوجِبُ 1 الْمُتْعَةَ، كَمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ، لِمَا ذُكِرَ 2 مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا أَصْحَابَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَإِذَا كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقِينَ عَلَى جَوَازِهَا 3 ، وَأَكْثَرُهُمْ يَسْتَحِبُّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهَا، عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنِ ابْتِدَاعِ تَحْرِيمِهَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: هَبْ أَنَّ عُمَرَ قَالَ قَوْلًا خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، حَتَّى قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ 4 ، قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ 5 . فَأَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ 6 مِنَ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ 7

وَيَتْرُكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الطَّعْنَ فِي 1 أَهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا فَهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّ عُمَرَ أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَةٍ فَهُمْ لَا يُنَزِّهُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقَلُّ خَطَأً مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ مَسَائِلَ الْفِقْهِ الَّتِي ضَعُفَ فِيهَا قَوْلُ أَحَدِهِمَا فَوَجَدُوا 2 الضَّعِيفَ فِي أَقْوَالِ 3 عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَكْثَرَ: مِثْلَ إِفْتَائِهِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، مَعَ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتَةَ عَنْهُ الْمُوَافِقَةَ لِكِتَابِ اللَّهِ تَقْتَضِي أَنَّهَا تَحِلُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
وَبِذَلِكَ أَفْتَى عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - 4 . وَمِثْلَ إِفْتَائِهِ بِأَنَّ الْمُفَوِّضَةَ يَسْقُطُ مَهْرُهَا بِالْمَوْتِ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا 5 ، كَمَا رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ 6 . وَقَدْ وُجِدَ مِنْ أَقْوَالِ عَلِيٍّ الْمُتَنَاقِضَةِ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْفَرَائِضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ مِنْ أَقْوَالِ عُمَرَ الْمُتَنَاقِضَةِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالتَّمَتُّعِ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نِزَاعٌ بَيْنَ

الْفُقَهَاءِ.
فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، يَأْمُرُونَ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ [اسْتِحْبَابًا] 1 وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ كَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَمَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجَوِّزُونَ الْفَسْخَ.
وَالصَّحَابَةُ كَانُوا مُتَنَازِعِينَ فِي هَذَا، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ صَوَابًا فَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً 2 فَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَلَا يَخْرُجُ الْحَقُّ عَنْهُمْ 3 . وَإِنْ قَدَحُوا فِي عُمَرَ لِكَوْنِهِ 4 نَهَى عَنْهَا، فَأَبُو ذَرٍّ كَانَ أَعْظَمَ نَهْيًا عَنْهَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُتْعَةَ كَانَتْ خَاصَّةً بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا ذَرٍّ وَيُعَظِّمُونَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوجِبُ الْقَدْحَ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْدَحُوا فِي أَبِي ذَرٍّ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي عُمَرَ دُونَهُ، وَعُمَرُ أَفْضَلُ وَأَفْقَهُ وَأَعْلَمُ مِنْهُ؟ ! 5 وَيُقَالُ: ثَانِيًا: إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُحَرِّمْ مُتْعَةَ الْحَجِّ، بَلْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّ الضَّبِّيَّ 6 بْنَ مَعْبَدٍ لَمَّا قَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ 7 .

وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَأْمُرُهُمْ بِالْمُتْعَةِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ نَهَى عَنْهَا 1 . فَيَقُولُ: إِنَّ أَبِي لَمْ يُرِدْ مَا تَقُولُونَ.
فَإِذَا أَلَحُّوا عَلَيْهِ قَالَ: أَفَرَسُولُ اللَّهِ 2 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تَتَبِّعُوا أَمْ عُمَرُ؟ 3 . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا 4 أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ، وَلَوْ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ 5 . وَإِنَّمَا كَانَ مُرَادُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ 6 ، وَكَانَ النَّاسُ لِسُهُولَةِ الْمُتْعَةِ تَرَكُوا الِاعْتِمَارَ 7 فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَرَادَ أَلَا يُعَرَّى الْبَيْتُ طُولَ السَّنَةِ، فَإِذَا أَفْرَدُوا الْحَجَّ اعْتَمَرُوا فِي سَائِرِ السَّنَةِ، وَالِاعْتِمَارُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، مَعَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ 8 قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 96] 9 قَالَا: إِتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ

أَهْلِكَ 1 : أَرَادَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْ تُسَافِرَ لِلْحَجِّ سَفَرًا وَلِلْعُمْرَةِ سَفَرًا، وَإِلَّا فَهُمَا لَمْ يُنْشِئَا الْإِحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ الْأَهْلِ، وَلَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ.
وَالْإِمَامُ إِذَا اخْتَارَ لِرَعِيَّتِهِ الْأَمْرَ الْفَاضِلَ، فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَكَانَ نَهْيُهُ عَنِ الْمُتْعَةِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: وَأَنَا أُحَرِّمُهُمَا 2 ، كَمَا نَقَلَ هَذَا الرَّافِضِيُّ، بَلْ قَالَ: أَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ كَانَ نَهْيُهُ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ لِلْأَفْضَلِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ 3 ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ نَهَى عَنِ الْفَسْخِ.
وَالْفَسْخُ حَرَامٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ.
فَالْفَسْخُ يُحَرِّمُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، لَكِنَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ [مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ 4 لَا يُحَرِّمُونَ الْفَسْخَ، بَلْ يَسْتَحِبُّونَهُ، بَلْ يُوجِبُهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِ عُمَرَ] 5 فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَأَمَّا مُتْعَةُ النِّسَاءِ [الْمُتَنَازَعُ فِيهَا] 6 فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ صَرِيحٌ بِحِلِّهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ:

﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 24، 25] فَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ يَتَنَاوَلُ كُلَّ 1 مَنْ دُخِلَ بِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ، بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ الَّتِي لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا 2 فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إِلَّا نِصْفَهُ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 21] فَجَعَلَ الْإِفْضَاءَ مَعَ الْعَقْدِ مُوجِبًا لِاسْتِقْرَارِ الصَّدَاقِ، يُبَيِّنُ 3 ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ فِيهِ دُونَ النِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ مَعْنًى، بَلْ إِعْطَاءُ الصَّدَاقِ كَامِلًا فِي الْمُؤَبَّدِ أَوْلَى، فَلَا بُدَّ أَنْ تَدُلَّ الْآيَةُ عَلَى الْمُؤَبَّدِ: إِمَّا بِطْرِيقِ التَّخْصِيصِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا نِكَاحَ الْإِمَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذُكِرَ كَانَ فِي نِكَاحِ الْحَرَائِرِ مُطْلَقًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي قِرَاءَةِ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قِيلَ: أَوَّلًا لَيْسَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُتَوَاتِرَةً، وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْمُتْعَةَ أُحِلَّتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ.

الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْحَرْفُ إِنْ كَانَ نَزَلَ 1 ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَيْسَ [ثَابِتًا] 2 مِنَ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، فَيَكُونُ مَنْسُوخًا، وَيَكُونُ نُزُولُهُ 3 لَمَّا كَانَتِ الْمُتْعَةُ مُبَاحَةً، فَلَمَّا حُرِّمَتْ نُسِخَ هَذَا الْحَرْفُ، وَيَكُونُ 4 الْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ فِي الْوَقْتِ تَنْبِيهًا عَلَى الْإِيتَاءِ فِي النِّكَاحِ الْمُطْلَقِ.
وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ.
وَالْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى 5 وَاجِبٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا 6 ، [وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى حَلَالًا،] 7 وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى حَلَالٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَأُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، بَلْ قَالَ: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا وَقَعَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ: سَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا، أَوْ كَانَ فِي وَطْءِ شُبْهَةٍ.
وَلِهَذَا يَجِبُ الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِالسُّنَّةِ وَالِاتِّفَاقِ.
وَالْمُتَمَتِّعُ إِذَا اعْتَقَدَ حِلَّ الْمُتْعَةِ وَفَعَلَهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ الْمُحَرَّمُ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ؛ فَإِنَّهُ لَوِ اسْتَمْتَعَ بِالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا لَكَانَ زِنًا، وَلَا مَهْرَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةً فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَهْيِ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ [بَعْدَ الْإِحْلَالِ] 1 . هَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -[لَمَّا أَبَاحَ الْمُتْعَةَ] : 2 إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (* [عَامَ خَيْبَرَ] » 3 ، رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالسُّنَّةِ وَأَحْفَظُهُمْ لَهَا، أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِهِمْ، مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ 4 عَلَى عِلْمِهِمْ وَعَدْلِهِمْ وَحِفْظِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى 5 بِالْقَبُولِ، لَيْسَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ *) 6 . وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ حَرَّمَهَا 7 فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ رُوَاةُ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَلْ قَوْلُهُ: " عَامَ خَيْبَرَ " تَوْقِيتٌ لِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ؟ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ،

قَالُوا: إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَامَ الْفَتْحِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْآخَرِ قَالَ: إِنَّهَا حُرِّمَتْ ثُمَّ أُحِلَّتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ 1 . وَادَّعَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهَا أُحِلَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
فَالرِّوَايَاتُ الْمُسْتَفِيضَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ مُتَوَاطِئَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ بَعْدَ إِحْلَالِهَا.
وَالصَّوَابُ أَنَّهَا بَعْدَ أَنْ حُرِّمَتْ لَمْ تُحَلَّ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَمْ تُحَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ 2 ، وَلَمْ تُحَرَّمْ عَامَ خَيْبَرَ بَلْ عَامَ خَيْبَرَ حُرِّمَتْ لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
«وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُبِيحُ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ 3 الْحُمُرِ فَأَنْكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ» ، فَقَرَنَ 4 عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ لَمَّا رَوَى ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُبِيحُهُمَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ [لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُمَا] 5 . فَأَهْلُ السُّنَّةِ اتَّبَعُوا 6 عَلِيًّا وَغَيْرَهُ 7 مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِيمَا رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَالشِّيعَةُ خَالَفُوا عَلِيًّا فِيمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاتَّبَعُوا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ فِي كِتَابِهِ الزَّوْجَةَ وَمِلْكَ الْيَمِينِ، وَالْمُتَمَتَّعُ بِهَا لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَتَوَارَثَا، وَلَوَجَبَتْ 1 عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَلَحِقَهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الزَّوْجَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا انْتَفَى عَنْهَا لَوَازِمُ النِّكَاحِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ النِّكَاحِ فَإِنَّ 2 انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ فِي كِتَابِهِ الْأَزْوَاجَ 3 وَمِلْكَ الْيَمِينِ، وَحَرَّمَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ، ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ، ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: 5 - 7] . وَالْمُسْتَمْتَعُ 4 بِهَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، فَتَكُونُ حَرَامًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
أَمَّا كَوْنُهَا 5 لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا 6 لَيْسَتْ زَوْجَةً فَلِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ النِّكَاحِ [فِيهَا] 7 ، فَإِنَّ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ كَوْنَهُ 8 سَبَبًا لِلتَّوَارُثِ وَثُبُوتِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ [فِيهِ] 9 ، وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَتَنْصِيفِ الْمَهْرِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوَازِمِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَكُونُ زَوْجَةً لَا تَرِثُ كَالذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ.
قِيلَ: عِنْدَهُمْ نِكَاحُ 1 الذِّمِّيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ إِنَّمَا يَكُونُ 2 عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَهُمْ يُبِيحُونَ الْمُتْعَةَ مُطْلَقًا.
ثُمَّ يُقَالُ: نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ سَبَبٌ لِلتَّوَارُثِ، وَلَكِنَّ الْمَانِعَ قَائِمٌ، وَهُوَ الرِّقُّ وَالْكُفْرُ.
كَمَا أَنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ لِلْإِرْثِ 3 إِلَّا 4 إِذَا كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا فَالْمَانِعُ قَائِمٌ.
وَلِهَذَا إِذَا أُعْتِقَ الْوَلَدُ أَوْ أَسْلَمَ وَرِثَ أَبَاهُ فِي حَيَاتِهِ 5 [وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ الذِّمِّيَّةُ 6 إِذَا أَسْلَمَتْ فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا وَرِثَتْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، [بِخِلَافِ الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا] 7 ، فَإِنَّ نَفْسَ نِكَاحِهَا لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِرْثِ، فَلَا يَثْبُتُ التَّوَارُثُ فِيهِ بِحَالٍ.
فَصَارَ هَذَا النِّكَاحُ كَوَلَدِ الزِّنَا الَّذِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ زَوْجٍ 8 فَإِنَّ هَذَا لَا يُلْحَقُ بِالزَّانِي بِحَالٍ، فَلَا يَكُونُ ابْنًا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّسَبُ قَدْ تَتَبَعَّضُ 9 أَحْكَامُهُ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ.
قِيلَ: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَالْجُمْهُورُ 10 يُسَلِّمُونَهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ

لَهُمْ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ 1 مُنْتَفِيَةٌ فِي الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا، لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ النِّكَاحِ الْحَلَالِ.
فَعُلِمَ انْتِفَاءُ كَوْنِهَا زَوْجَةً، وَمَا ثَبَتَ فِيهَا 2 مِنَ الْأَحْكَامِ مِثْلَ 3 لُحُوقِ النَّسَبِ، وَوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَدَرْءِ الْحَدِّ 4 ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَهَذَا يَثْبُتُ فِي وَطْءِ 5 الشُّبْهَةِ.
فَعُلِمَ أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا لَيْسَ وَطْئًا لِزَوْجَةٍ، لَكِنَّهُ مَعَ اعْتِقَادِ الْحِلِّ 6 مِثْلُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ 7 . وَأَمَّا كَوْنُ الْوَطْءِ بِهِ حَلَالًا فَهَذَا مَوْرِدُ النِّزَاعِ، فَلَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَنَازِعِينَ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ عَلَى الْآخَرِ بِمَوَارِدِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.

[كلام الرافضي على مَنْعِ أَبي بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا]

فَصْلٌ 8 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 9 : " وَمَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا فَقَالَتْ 10 . يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ وَالْتَجَأَ فِي ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةٍ انْفَرَدَ بِهَا -

وَكَانَ هُوَ الْغَرِيمَ لَهَا؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ - لِأَنَّ 1 النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ 2 صَدَقَةٌ» " عَلَى أَنَّ مَا رَوَوْهُ عَنْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ 3 ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] 4 وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ دُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَّبَ رِوَايَتَهُمْ 5 فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [سُورَةِ النَّمْلِ: 16] ، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا - يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [سُورَةِ مَرْيَمَ: 5، 6] .

[الْجَوَابُ على كلام الرافضي مَنْعَ أَبي بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا مِنْ وُجُوهٍ]

وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ لَا يُعْلَمُ 6 صِحَّتُهُ عَنْهَا، وَإِنْ 7 صَحَّ فَلَيْسَ 8 فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنَ

الْبَشَرِ، وَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [كَأَبِيهَا] 1 ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ كَأَبِيهَا، وَلَا هُوَ أَيْضًا مِمَّنْ جَعَلَ اللَّهُ مَحَبَّتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى مَحَبَّةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ، كَمَا جَعَلَ أَبَاهَا كَذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الْأَنْبِيَاءَ عَنْ أَنْ يُوَرِّثُوا دُنْيَا 2 ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَنْ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا وَخَلَّفُوهَا 3 لِوَرَثَتِهِمْ.
وَأَمَّا أَبُو الصِّدِّيقِ 4 وَأَمْثَالُهُ فَلَا نُبُوَّةَ لَهُمْ يُقْدَحُ فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، كَمَا صَانَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا عَنِ الْخَطِّ وَالشِّعْرِ صِيَانَةً لِنُبُوَّتِهِ عَنِ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ الصِّيَانَةِ.

الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: " وَالْتَجَأَ فِي ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةٍ 5 انْفَرَدَ بِهَا " كَذِبٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ هَؤُلَاءِ ثَابِتَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ 6 ، مَشْهُورَةٌ يَعْلَمُهَا أَهْلُ

الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ 1 ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ انْفَرَدَ بِالرِّوَايَةِ، يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ 2 جَهْلِهِ أَوْ تَعَمُّدِهِ 3 الْكَذِبَ.

الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: " وَكَانَ هُوَ الْغَرِيمَ [لَهَا] " كَذِبٌ 4 ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَدَّعِ هَذَا الْمَالَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ صَدَقَةٌ لِمُسْتَحِقِّهَا 5 ، كَمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ 6 حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ.
[وَالْعَدْلُ] 7 لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ 8 أَنَّهُ وَصَّى 9

بِجَعْلِ بَيْتِهِ مَسْجِدًا، أَوْ بِجَعْلِ بِئْرِهِ مُسَبَّلَةً، أَوْ أَرْضِهِ مَقْبَرَةً، وَنَحْوِ ذَلِكَ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَشْرَبَ مِنْ تِلْكَ 1 الْبِئْرِ، وَيُدْفَنَ فِي تِلْكَ الْمَقْبَرَةِ.
فَإِنَّ هَذَا 2 شَهَادَةٌ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ، وَالشَّاهِدُ دَخَلَ فِيهَا بِحُكْمِ الْعُمُومِ لَا بِحُكْمِ التَّعْيِينِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ خَصْمًا.
وَمِثْلُ هَذَا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ 3 بِحَقٍّ لِبَيْتِ الْمَالِ 4 مِثْلُ كَوْنِ هَذَا الشَّخْصِ 5 لِبَيْتِ الْمَالِ عِنْدَهُ حَقٌّ، وَشَهَادَتُهُ بِأَنَّ 6 هَذَا لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا بَيْتَ الْمَالِ، وَشَهَادَتُهُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِمَا يُوجِبُ نَقْضَ عَهْدِهِ وَكَوْنَ مَالِهِ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَلَوْ شَهِدَ عَدْلٌ بِأَنَّ فُلَانًا وَقَفَ مَالَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ [الشَّاهِدُ] 7 فَقِيرًا.

الرَّابِعُ: أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، بَلْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا، وَلَا انْتَفَعَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ 8 بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ؛ فَهُوَ 9

كَمَا لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَصَّى بِصَدَقَةٍ لِلْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.

الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ فِيهِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الرَّاوِي لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَقُبِلَتْ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ 1 ، وَالْمُحَدِّثُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فِي حُكُومَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ 2 ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَتَضَمَّنُ حُكْمًا عَامًّا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّاوِي وَغَيْرُهُ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، كَالشَّهَادَةِ 3 بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنَّ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَاوَلُ الرَّاوِيَ وَغَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَبَاحَهُ 4 . وَهَذَا الْحَدِيثُ تَضَمَّنَ 5 رِوَايَةً بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِهَذَا تَضَمَّنَ تَحْرِيمَ الْمِيرَاثِ عَلَى ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَتَضَمَّنَ تَحْرِيمَ شِرَائِهِ لِهَذَا 6 الْمِيرَاثِ مِنَ الْوَرَثَةِ وَاتِّهَابِهِ 7 لِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَتَضَمَّنَ وُجُوبَ صَرْفِ هَذَا الْمَالِ فِي مَصَارِفِ الصَّدَقَةِ.

السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " عَلَى أَنَّ 8 مَا رَوَوْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

قَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ دُونَهُ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] . فَيُقَالُ] : أَوَّلًا: لَيْسَ فِي عُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ [مَا يَقْتَضِي] 1 أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُورَثُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 12] ، وَهَذَا الْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَاطَبٌ بِهَا.
وَ " كَافُ " الْخِطَابِ يَتَنَاوَلُ مَنْ قَصَدَهُ الْمُخَاطَبُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمُعَيَّنَ مَقْصُودٌ بِالْخِطَابِ لَمْ يَشْمَلْهُ اللَّفْظُ، حَتَّى ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الضَّمَائِرَ مُطْلَقًا لَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ 2 [فَكَيْفَ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ؟] 3 فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَنْ قُصِدَ بِالْخِطَابِ دُونَ مَنْ لَمْ يُقْصَدْ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَامٌّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، فَإِنَّهُ عَامٌّ لِلْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي كَوْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا 4 .

فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّ [الضَّمَائِرَ] 1 ضَمَائِرَ التَّكَلُّمِ 2 وَالْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ لَا تَدُلُّ بِنَفْسِهَا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يُقْتَرَنُ بِهَا 3 ؛ فَضَمَائِرُ الْخِطَابِ مَوْضُوعَةٌ لِمَنْ يَقْصِدُهُ الْمُخَاطِبُ بِالْخِطَابِ، وَضَمَائِرُ التَّكَلُّمِ 4 لِمَنْ يَتَكَلَّمُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
لَكِنْ قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْخِطَابَ 5 بِالْقُرْآنِ هُوَ لِلرَّسُولِ 6 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ 7 جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 183] وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سُورَةِ الْمَائِدَةِ: 6] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] . قِيلَ: بَلْ كَافُ الْجَمَاعَةِ فِي الْقُرْآنِ تَارَةً تَكُونُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ، وَتَارَةً تَكُونُ لَهُمْ دُونَهُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: 7] ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْكَافَ لِلْأُمَّةِ دُونَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 128] . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سُورَةِ مُحَمَّدٍ: 33] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: 31] 1 وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَافَ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلْ تَنَاوَلَتْ مَنْ أُرْسِلَ 2 . إِلَيْهِمْ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] مِثْلَ هَذِهِ الْكَافَاتِ، فَلَا يَكُونُ فِي السُّنَّةِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ.
وَمِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 3، 4] ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ هُنَا 3 فِي " خِفْتُمْ " وَ " تُقْسِطُوا " وَ " انْكِحُوا " وَ " طَابَ لَكُمْ " وَ " مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأُمَّةَ دُونَ نَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّ [النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 4 لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ فِيهَا مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأُمَّةِ 1 ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ خَاطَبَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَذِكْرِ بَعْثِهِ 2 إِلَيْهِمْ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ آيَةُ الْفَرَائِضِ لَمَّا قَالَ: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] ، وَقَالَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ " [سُورَةِ النِّسَاءِ: 13، 14] ، فَلَمَّا خَاطَبَهُمْ بِعَدَمِ الدِّرَايَةِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ حَالَ الرَّسُولِ، وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَقَادِيرِ الْفَرَائِضِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ اسْتَحَقُّوا الثَّوَابَ، وَإِنْ خَالَفُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ 3 اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ 4 ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْطُوا الْوَارِثَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ يَمْنَعُوا الْوَارِثَ مَا يَسْتَحِقُّهُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ الْمَسْلُوبِينَ الدِّرَايَةَ [لَمَّا ذَكَرَ] 5 ، الْمَوْعُودِينَ عَلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الْمُتَوَعِّدِينَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعَدِّي حُدُودِهِ

فِيمَا قَدَّرَهُ مِنَ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي نَظَائِرِهَا.
وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ تَعَدِّي الْحُدُودِ عَقِبَ ذِكْرِ الْفَرَائِضِ الْمَحْدُودَةِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ، وَكَانَ هَذَا نَاسِخًا لِمَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا مِنَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ كَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، [وَرَوَاهُ أَهْلُ السِّيَرِ] 1 ، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ آيَةَ الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا نُسِخَتْ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَبَيْنَ اسْتِحْقَاقِ 2 الْوَصِيَّةِ مُنَافَاةً، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ تَنَافِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ فَقَالُوا: النَّاسِخُ هُوَ آيَةُ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فَرَائِضَ مَحْدُودَةً، وَمَنَعَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ، فَإِذَا أَعْطَى 1 الْمَيِّتُ لِوَارِثِهِ أَكْثَرَ مِمَّا حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ، فَقَدْ تَعَدَّى حَدَّ اللَّهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا، فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمَحْدُودِ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ مِنَ الْوَرَثَةِ أَوِ الْعَصَبَةِ، فَإِذَا أَخَذَ حَقَّ الْعَاصِبِ فَأَعْطَاهُ لِهَذَا كَانَ ظَالِمًا 2 لَهُ.
وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ عَاصِبٌ 3 : هَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ مَنَعَ الرَّدَّ قَالَ: الْمِيرَاثُ حَقٌّ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَاهُ غَيْرُهُ.
وَمَنْ جَوَّزَ الرَّدَّ قَالَ: إِنَّمَا يُوضَعُ الْمَالُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ خَاصٌّ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ رَحِمٌ عَامٌّ وَرَحِمٌ خَاصٌّ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ذُو السَّهْمِ أَوْلَى مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ". وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةُ دَلِيلٍ عَلَى شُمُولِ الْآيَةِ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِثَهُ، كَمَا مَاتَتْ بَنَاتُهُ الثَّلَاثُ فِي حَيَاتِهِ، وَمَاتَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ؟ . قِيلَ: الْخِطَابُ فِي الْآيَةِ لِلْمَوْرُوثِ دُونَ الْوَارِثِ 4 ، فَلَا يَلْزَمُ إِذَا دَخَلَ أَوْلَادُهُ فِي كَافِ الْخِطَابِ لِكَوْنِهِمْ 5 مَوْرُوثِينَ 6 أَنْ يَدْخُلُوا إِذَا كَانُوا وَارِثِينَ.

(* يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] فَذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لَا بِضَمِيرِ الْخِطَابِ، وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى 1 الْمُخَاطَبِ بِكَافِ الْخِطَابِ 2 وَهُوَ الْمَوْرُوثُ، فَكُلُّ مَنْ سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوْلَادِهِ وَغَيْرِهِمْ مَوْرُوثُونَ شَمِلَهُمُ النَّصُّ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَارِثًا لِمَنْ خُوطِبَ، وَلَمْ يُخَاطَبْ هُوَ بِأَنْ يُورِثَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَوْلَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ شَمِلَهُمْ 3 كَافُ الْخِطَابِ فَوَصَّاهُمْ بِأَوْلَادِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَفَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَصَّاهَا اللَّهُ فِي أَوْلَادِهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلِأَبَوَيْهَا لَوْ مَاتَتْ فِي حَيَاتِهِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ *) 4 . فَإِنْ قِيلَ: فَفِي آيَةِ الزَّوْجَيْنِ قَالَ: (وَلَكُمْ) ، (وَلَهُنَّ) . قِيلَ: أَوَّلًا: الرَّافِضَةُ يَقُولُونَ: إِنَّ زَوْجَاتِهِ 5 لَمْ يَرِثْنَهُ وَلَا عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَإِنَّمَا وَرِثَتْهُ 6 الْبِنْتُ وَحْدَهَا.
الثَّانِي 7 : أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ 8 مِنْ أَزْوَاجِهِ وَلَهَا مَالٌ حَتَّى يَكُونَ وَارِثًا لَهَا.
وَأَمَّا خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَمَاتَتْ بِمَكَّةَ، وَأَمَّا

زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ فَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ نَعْلَمُ أَنَّهَا خَلَّفَتْ مَالًا، وَأَنَّ آيَةَ الْفَرَائِضِ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 12] إِنَّمَا تَنَاوَلَ مَنْ مَاتَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهَا تَرِكَةٌ، فَمَنْ لَمْ تَمُتْ زَوْجَتُهُ أَوْ مَاتَتْ 1 وَلَا مَالَ لَهَا لَمْ يُخَاطَبْ 2 بِهَذِهِ الْكَافِ.
وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ شُمُولِ إِحْدَى الْكَافَيْنِ لَهُ شُمُولُ الْأُخْرَى، بَلْ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ وَبِالْعَكْسِ.
فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ تَنَاوَلَ الْأُمَّةَ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ بِعَادَةِ 3 الشَّرْعِ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 37] ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَحَلَّ ذَلِكَ لَهُ؛ لِيَكُونَ 4 حَلَالًا لِأُمَّتِهِ وَلَمَّا خَصَّهُ بِالتَّحْلِيلِ قَالَ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 50] فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْكَافَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ؟ . قِيلَ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَالَهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الشَّارِعِ 5 فِي خِطَابِهِ، كَمَا يُعْرَفُ مِنْ عَادَةِ الْمُلُوكِ إِذَا خَاطَبُوا أَمِيرًا بِأَمْرٍ أَنَّ نَظِيرَهُ مُخَاطَبٌ

بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ 1 الْمُسْتَقِرِّ 2 فِي خِطَابِ الْمُخَاطَبِ، كَمَا يُعْلَمُ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ بِالْعَادَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ 3 لِأَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ: أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْخِطَابُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ قَدْ تَنَوَّعَتْ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِيهَا: تَارَةً تَتَنَاوَلُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَارَةً لَا تَتَنَاوَلُهُ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا تَنَاوَلَهُ 4 وَغَايَةُ مَا يَدَّعِي الْمُدَّعِي أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ شُمُولُ الْكَافِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ: الْأَصْلُ مُسَاوَاةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَمُسَاوَاتُهُ لِأُمَّتِهِ فِي الْأَحْكَامِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَهُ خَصَائِصَ كَثِيرَةً خُصَّ بِهَا عَنْ أُمَّتِهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ لَا يُورَثُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكَرَ اخْتِصَاصُهُ بِهَذَا الْحُكْمِ إِلَّا كَمَا يُنْكَرُ اخْتِصَاصُهُ 5 بِسَائِرِ 6 الْخَصَائِصِ، لَكِنْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطَالِبَ بِدَلِيلِ الِاخْتِصَاصِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمُسْتَفِيضَةَ، بَلِ الْمُتَوَاتِرَةَ [عَنْهُ] 7 فِي 8 أَنَّهُ لَا يُورَثُ، أَعْظَمُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، مِثْلَ اخْتِصَاصِهِ بِالْفَيْءِ 9 وَغَيْرِهِ.

وَقَدْ تَنَازَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ: هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ؟ كَتَنَازُعِهِمْ فِي الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ، هَلْ كَانَ مِلْكًا لَهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ أُبِيحَ لَهُ مَنْ 1 حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ أَمْ لَا؟ . وَلَمْ يَتَنَازَعِ السَّلَفُ فِي أَنَّهُ لَا يُورَثُ، لِظُهُورِ ذَلِكَ عَنْهُ وَاسْتِفَاضَتِهِ فِي أَصْحَابِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سُورَةِ الْأَنْفَالِ: 1] ، وَقَالَ فِي [كِتَابِهِ] 2 : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [سُورَةِ الْأَنْفَالِ: 41] ، [وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ] 3 [سُورَةِ الْحَشْرِ: 7] . وَلَفْظُ آيَةِ الْفَيْءِ كَلَفْظِ آيَةِ الْخُمُسِ، وَسُورَةُ الْأَنْفَالِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ بَدْرٍ، فَدَخَلَتِ الْغَنَائِمُ فِي ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ سَائِرُ مَا نَفَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ.
كَمَا أَنَّ لَفْظَ " الْفَيْءِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْغَنَائِمُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ 4 بَخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ.
وَمِنَ الْأَوَّلِ 5 قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ

عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» " 1 . فَلَمَّا أَضَافَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ رَأَى طَائِفَةٌ مِنْ لِعُلَمَاءَ 2 أَنَّ [هَذِهِ] 3 الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَائِرِ أَمْلَاكِ النَّاسِ، ثُمَّ جُعِلَتِ الْغَنَائِمُ بَعْدَ ذَلِكَ لَلْغَانِمِينَ، وَخُمْسُهَا لِمَنْ سَمَّى 4 ، وَبَقِيَ الْفَيْءُ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ 5 ، مِلْكًا لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا فِي الْفَيْءِ، فَإِنَّهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا يُخَمِّسُونَ الْفَيْءَ، وَإِنَّمَا قَالَ بِتَخْمِيسِهِ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ 6

كَالْخِرَقِيِّ.
وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَرَوْنَ تَخْمِيسَ الْفَيْءِ، وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: بَلْ 1 هَذِهِ الْإِضَافَةُ لَا تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ مِلْكًا لِلرَّسُولِ، بَلْ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ فَالرَّسُولُ يُنْفِقُهَا فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ [بِهِ] 2 . كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» " 3 . . وَقَالَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " تَسَمَّوْا 4 بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا 5 بِكُنْيَتِي، فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ " 6 .

فَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَالْمَالُ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هُوَ الْمَالُ الَّذِي يُصْرَفُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الَّتِي مَلَكَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ، فَإِنَّ لَهُمْ صَرْفَهَا فِي الْمُبَاحَاتِ.
وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [سُورَةِ النُّورِ: 33] ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا، إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: آتَاكُمْ [اللَّهُ] 1 مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي مَلَّكَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ 2 ، فَإِنَّهُ لَمْ يُضِفْهَا إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِخِلَافِ مَا أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى إِلَّا فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
فَالْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ؛ لِأَنَّ 3 قِسْمَتَهَا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ لَيْسَتْ كَالْمَوَارِيثِ الَّتِي قَسَّمَهَا اللَّهُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ.
وَكَذَلِكَ مَالُ الْخُمُسِ وَمَالُ الْفَيْءِ.

وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ، فَقَالَ مَالِكٌ [وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ] 1 : مَصْرِفُهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَعَيَّنَ مَا عَيَّنَهُ 2 مِنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ تَخْصِيصًا لَهُمْ بِالذِّكْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مَصْرِفَ الْخُمُسِ مِنَ الرِّكَازِ مَصْرِفَ الْفَيْءِ، وَهُوَ تَبَعٌ لِخُمُسِ الْغَنَائِمِ 3 . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ: الْخُمُسُ 4 يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَأَسْقَطَ 5 سَهْمَ الرَّسُولِ وَذَوِي الْقُرْبَى بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ 6 دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَلْ مَالُ الْفَيْءِ [أَيْضًا] 7 يُقَسَّمُ [عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ] 8 . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ [الْأَقْوَالِ] 9 كَمَا قَدْ بُسِطَتْ أَدِلَّتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 10 ، وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ.
فَقَوْلُهُ: 11 ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ، كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْفَالِ: (لِلَّهِ

وَالرَّسُولِ) فَالْإِضَافَةُ 1 لِلرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَسِّمُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وَهَذَا أَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَالْمَلِكُ يَصْرِفُ الْمَالَ فِيمَا أَحَبَّ 2 وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَالْعَبْدُ الرَّسُولُ لَا يَصْرِفُ الْمَالَ إِلَّا فِيمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَكُونُ فِيمَا 3 يَفْعَلُهُ عِبَادَةُ اللَّهِ وَطَاعَةٌ لَهُ 4 ، لَيْسَ فِي قَسْمِهِ مَا هُوَ مِنَ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُثَابُ عَلَيْهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ كُلِّهِ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» " يُؤَيِّدُ 5 ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لِي " أَيْ أَمْرُهُ إِلَيَّ، وَلِهَذَا قَالَ: " «وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» ". وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَمَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكَ وَخُمُسِ خَيْبَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هِيَ كُلُّهَا مِنْ مَالِ 6 الْفَيْءِ الَّذِي 7 لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ فَلَا 8 يُورَثُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُورَثُ عَنْهُ مَا يَمْلِكُهُ.

بَلْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ يَجِبُ أَنْ تُصْرَفَ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ [أَبُو بَكْرٍ] الصِّدِّيقُ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] 1 . وَأَمَّا مَا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ مَلَكَهُ، كَمَالٍ أَوْصَى لَهُ 2 بِهِ [مُخَيْرِيقُ] 3 وَسَهْمُهُ مِنْ خَيْبَرَ 4 ، فَهَذَا إِمَّا أَنْ يُقَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَالِ الْأَوَّلِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِلْكُهُ، وَلَكِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَالِ حَاجَتَهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ صَدَقَةً وَلَا يُورَثُ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (* «لَا يَقْتَسِمُ 5 وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَمَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ 6 نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» " 7 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ *) 8 : «لَا نُورَثُ مَا

تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ» " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ 1 . يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ، [سُورَةِ النِّسَاءِ: 3، 4] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَاطَبْ بِهَذَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمَثْنَى وَلَا ثُلَاثَ وَلَا رُبَاعَ، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مَأْمُورًا بِأَنْ يُوَفِّيَ كُلَّ امْرَأَةٍ صَدَاقَهَا، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ تَهِبُ نَفْسَهَا لَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى 2 : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 50] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 50] . وَإِذَا كَانَ سِيَاقُ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ دُونَهُ لَمْ يَدْخُلْ هُوَ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْخِطَابُ 1 مُتَنَاوِلٌ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ 2 ، لَكِنْ خُصَّ هُوَ مِنْ آيَةِ النِّكَاحِ وَالصَّدَاقِ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ خُصَّ مِنْ آيَةِ الْمِيرَاثِ، فَمَا قِيلَ فِي تِلْكَ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ وَسَوَاءٌ 3 قِيلَ: إِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ شَمِلَهُ وَخُصَّ مِنْهُ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَشْمَلْهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ 4 مِنَ الْمُخَاطَبِينَ: يُقَالُ مِثْلُهُ هُنَا 5 .

السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا بَيَانُ مَنْ يُورَثُ [وَمَنْ لَا يُورَثُ] 6 ، وَلَا بَيَانُ صِفَةِ الْمَوْرُوثِ وَالْوَارِثِ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَوْرُوثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَارِثِينَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
فَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مِقْدَارِ أَنْصِبَاءِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ إِذَا كَانُوا وَرَثَةً.
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا وَهَؤُلَاءِ كُفَّارًا لَمْ يَرِثُوا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كَافِرًا وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ لَمْ يَرِثُوا بِالسُّنَّةِ وَقَوْلِ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ 7 ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَهُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ كَانَ حُرًّا وَهُمْ عَبِيدٌ.
وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ عَمْدًا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ خَطَأً مِنَ الدِّيَةِ.
وَفِي غَيْرِهَا نِزَاعٌ.

وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فِي الْمَوْتَى مَنْ يَرِثُهُ أَوْلَادُهُ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَرِثُهُ أَوْلَادُهُ، وَالْآيَةُ لَمْ تُفَصِّلْ 1 : مَنْ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ وَمَنْ لَا يَرِثُهُ، وَلَا صِفَةِ الْوَارِثِ وَالْمَوْرُوثِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا بَيَانُ ذَلِكَ، بَلْ قُصِدَ بِهَا بَيَانُ حُقُوقِ هَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا وَرَثَةً.
وَحِينَئِذٍ 2 فَالْآيَةُ إِذَا لَمْ تُبَيِّنْ مَنْ يُورَثُ وَمَنْ يَرِثُهُ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِ [غَيْرِ] 3 النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرِثُ أَوْ لَا يُورَثُ 4 ، فَلَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِهِ هُوَ يُورَثُ بِطُرُقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَهَكَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ 5 بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ فَنَصِفُ 6 الْعُشْرِ» 7 . " فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَبَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ بَيَانَ مَا يَجِبُ فِيهِ أَحَدُهُمَا وَمَا لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَلِهَذَا لَا يُحَتَجُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 275] قُصِدَ فِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا: فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا حَلَالٌ وَالْآخَرَ حَرَامٌ، وَلَمْ يُقْصَدْ فِيهِ بَيَانُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَلَا يُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) يَعُمُّ بَيْعَ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَالْكَلْبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفِ وَمِلْكِ الْغَيْرِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ - كَانَ غَالِطًا.

الْوَجْهُ 1 الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ عَامٌّ، فَإِنَّهُ خُصَّ مِنْهَا الْوَلَدُ الْكَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْقَاتِلُ بِأَدِلَّةٍ هِيَ أَضْعَفُ مِنَ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُورَثُ أَكْثَرُ وَأَجَلُّ مِنَ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُ 2 أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ، وَأَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ 3 الْمُبْتَاعُ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا كَانَتِ الْآيَةُ مَخْصُوصَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، كَانَ تَخْصِيصُهَا بِنَصٍّ آخَرَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
بَلْ قَدْ 4 ذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ يَبْقَى مُجْمَلًا.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي تَخْصِيصِ 5 عُمُومِ الْقُرْآنِ

إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا [بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] 1 ، فَأَمَّا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ عَوَامِّهِمْ، لَا سِيَّمَا الْخَبَرُ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِهِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ تَلَقَّتْهُ الصَّحَابَةُ بِالْقَبُولِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] 2 . وَالتَّخْصِيصُ بِالنَّصِّ الْمُسْتَفِيضِ وَالْإِجْمَاعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ يَقُولُ: ظَاهِرُ الْآيَةِ الْعُمُومُ 3 ، لَكِنَّهُ عُمُومٌ مَخْصُوصٌ.
وَمَنْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الْأَوَّلَ لَمْ يُسَلِّمْ ظُهُورَ الْعُمُومِ إِلَّا فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَرِثُونَهُ، وَلَا يُقَالُ 4 : إِنَّ ظَاهِرَهَا مَتْرُوكٌ، بَلْ نَقُولُ 5 : لَمْ يُقْصَدْ بِهَا إِلَّا بَيَانُ 6 نَصِيبِ الْوَارِثِ، لَا بَيَانُ الْحَالِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْإِرْثُ 7 ، فَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْأَوْلَادِ وَالْمَوْتَى، مُطْلَقَةٌ فِي [الْمَوْرُوثِينَ.
وَأَمَّا] 8 شُرُوطُ الْإِرْثِ فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ الْآيَةُ، بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ فِيهِ 9 : لَا تَدُّلُ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ 10 تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 5]

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل