مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثًا 1 . وَإِمَّا أَنْ [لَا] يَكُونَ، [وَقَدْ قَالَ] بِكُلِّ قَوْلٍ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمْ 2 . .
وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِحُدُوثِ الْأَفْلَاكِ وَأَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَهَا بَعْدَ عَدَمِهَا، لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الدَّهْرِيَّةِ، سَوَاءٌ قَالُوا: [مَعَ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ عَالَمٍ مَعْقُولٍ كَالْعِلَّةِ الْأَوْلَى، كَمَا يَقُولُهُ الْإِلَهِيُّونَ مِنْهُمْ، أَوْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، كَمَا يَقُولُهُ الطَّبِيعِيُّونَ مِنْهُمْ ; وَسَوَاءٌ قَالُوا: إِنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْأُولَى هِيَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، أَوْ قَالُوا: إِنَّهَا عِلَّةٌ مُبْدِعَةٌ لِلْعَالَمِ، كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ ; أَوْ قِيلَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْحَرْنَانِيُّونَ 3 . وَنَحْوُهُمْ، أَوْ قِيلَ بِعَدَمِ صَانِعٍ لَهَا] 4 .: سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِ [ثُبُوتِ] وَجُودِهَا 5 . أَوْ حُدُوثِهَا لَا بِنَفْسِهَا، أَوْ وُجُوبِ وُجُودِ الْمَادَّةِ وَحُدُوثِ الصُّورَةِ بِلَا مُحْدِثٍ، كَمَا يُذْكَرُ عَنِ الدَّهْرِيَّةِ الْمَحْضَةِ مِنْهُمْ.
مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ 6 .: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ 7 السُّوفُسْطَائِيَّةِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ يَخْطُرُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ 8 .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْإِمَامِيِّ، وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْإِمَامِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمُوَافَقِيهِمْ حُجَّةٌ (1) . عَقْلِيَّةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ إِخْوَانِهِمْ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْإِمَامِيَّةِ وَمُوَافَقِيهِمُ (2 الَّذِينَ نَازَعُوهُمْ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقُرْآنِ وَمَا يَتْبَعُ 2) (2) . ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ (3) مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَصَحُّ عَقْلًا وَنَقْلًا؟ ! (4) . .
الرد على قوله عن الإمامية إنهم يقولون إن الله قادر على جميع المقدورات
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنِ الْإِمَامِيَّةِ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ 5 .
فَهَذَا مُلْبِسٌ 6 . لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
7 . [فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ، فَإِنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ هُوَ مَقْدُورٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْدِرُ الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِهِ.1234
وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ، لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهُ.
وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ إِذَا قَالُوا: هُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِأَيِّ قَادِرٍ كَانَ، فَمَا مِنْ أَمْرٍ مُمْكِنٍ فِي نَفْسِهِ إِلَّا وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقْدِرَ الْعِبَادُ عَلَى مَا لَمْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 39] .
فَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ: هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
فَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ هُوَ مَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، مِثْلَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ لَا يُعْقَلُ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الشَّيْءِ أَسْوَدَ كُلَّهُ أَبْيَضَ كُلَّهُ، وَكَوْنُ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ.
وَالْمُمْتَنِعُ يُقَالُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَعَلَى الْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ: مِثْلَ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَكَتَبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ، فَهَذَا لَا يَكُونُ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ بِخِلَافِ مَعْلُومِهِ، وَخَبَرُهُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ ; لَكِنَّ هَذَا هُوَ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [سُورَةُ الْقِيَامَةِ: 4] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [سُورَةُ
الْمُؤْمِنُونَ: 18] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 65] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ، قَالَ: " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ، قَالَ: " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ، قَالَ: " هَاتَانِ أَهْوَنُ» 1 . .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 13] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 118] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 253] ، ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سُورَةُ سَبَأٍ: 9] 2 .، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهَا تَسْتَلْزِمُ أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ مَقْدُورَةٌ لَهُ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي خِلَافِ الْمَعْلُومِ: هَلْ هُوَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ، كَإِيمَانِ
الْكَافِرِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ؟ وَالَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ الْعَبْدَ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ، احْتَجُّوا بِتَكْلِيفِهِ وَزَعَمُوا أَنَّ إِيمَانَهُ مُمْتَنِعٌ لِاسْتِلْزَامِهِ انْقِلَابَ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا.
وَجَوَابُهُمْ أَنَّ لَفْظَ " الْمُمْتَنِعِ " مُجْمَلٌ، يُرَادُ بِهِ الْمُمْتَنِعُ لِنَفْسِهِ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَمْتَنِعُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَهَذَا الثَّانِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
وَإِيمَانُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مَقْدُورٌ لَهُ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَطِيعَ الْإِيمَانِ، كَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحُجُّ مَعَ اسْتِطَاعَتِهِ الْحَجَّ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ مَقْدُورٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي إِمْكَانَ أُمُورٍ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ امْتِنَاعُهَا.
وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ مَا يَقُولُهُ حَقَّ التَّصَوُّرِ، أَوْ لَا يَفْهَمُ مَا يُرِيدُهُ النَّاسُ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ، فَيَقَعُ الِاشْتِرَاكُ وَالِاشْتِبَاهُ فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْمَعْنَى.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ: أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ.
وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِذَا قَالُوا: إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ، وَأَمَّا نَفْسُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ - مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ - فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا: هَلْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهَا؟
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ، إِنَّمَا 1 . يَتَضَمَّنُ
أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ، وَغَيْرُهُ أَيْضًا هُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ لَهُ.
لَكِنَّ غَايَةَ مَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مِثْلِ مَقْدُورِ الْعِبَادِ، وَالْعَبْدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ مَقْدُورِ قَادِرٍ آخَرَ.
وَبِكُلِّ حَالٍ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ، كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَعْلَمُهُ، وَخَالِقٌ لِكُلِّ مَا يَخْلُقُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا] 1 . مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: إِنَّهُ فَاعِلٌ لِجَمِيعِ الْمَفْعُولَاتِ، وَمِثْلَ أَنْ يُقَالَ: زَيْدٌ عَالِمٌ بِكُلِّ 2 . مَا يَعْلَمُهُ وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا يَقْدِرُ 3 . وَفَاعِلٌ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ 4 . .
فَإِنَّ 5 . الشَّأْنَ 6 . فِي بَيَانِ الْمَقْدُورَاتِ: هَلْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟ فَمَذْهَبُ 7 . هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ وَشُيُوخِهِمُ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا 8 .، وَأَنَّ الْعِبَادَ يَقْدِرُونَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِيَ ضَالًّا، وَلَا يُضِلَّ مُهْتَدِيًا، وَلَا يُقِيمَ قَاعِدًا بِاخْتِيَارِهِ، وَلَا يُقْعِدَ قَائِمًا بِاخْتِيَارِهِ، وَلَا يَجْعَلَ أَحَدًا [مُسْلِمًا] 9 . مُصَلِّيًا وَلَا صَائِمًا وَلَا حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا، وَلَا
يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ لَا مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا وَلَا بَرًّا وَلَا فَاجِرًا، وَلَا يَخْلُقُهُ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، فَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مُمْكِنَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا 1 .، فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ بِقَوْلِهِمْ [إِنَّ اللَّهَ] قَادِرٌ 2 . عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] 3 . عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي هَذَا.
وَأَمَّا الْمُحَالُ لِذَاتِهِ، مِثْلَ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ [مَوْجُودًا] 4 . مَعْدُومًا، فَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ 5 .، وَلَا يُسَمَّى شَيْئًا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: خَلَقَ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
[التعليق على قوله إنه عَدْلٌ حَكِيمٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا وَلَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَهْلُ أَوِ الْحَاجَةُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ 1 .: إِنَّهُ " عَدْلٌ حَكِيمٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ - وَإِلَّا لَزِمَ الْجَهْلُ أَوِ الْحَاجَةُ 2 ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُمَا ". فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ قَبِيحًا وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ، فَهُوَ 3 . إِذَا كَانَ خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ هَلْ 4 . يُقَالُ: إِنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ قَبِيحٌ مِنْهُ وَظَلَمَ أَمْ لَا؟ فَأَهْلُ السُّنَّةِ الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ 5 . يَقُولُونَ: لَيْسَ هُوَ بِذَلِكَ ظَالِمًا وَلَا فَاعِلًا قَبِيحًا، وَالْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كَانَ ظَالِمًا فَاعِلًا لِمَا هُوَ قَبِيحٌ 6 . . وَأَمَّا كَوْنُ الْفِعْلِ قَبِيحًا مِنْ فَاعِلِهِ فَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنْ خَالِقِهِ، كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ أَكْلًا وَشُرْبًا لِفَاعِلِهِ لَا 7 . يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ 8 . لِخَالِقِهِ ; لِأَنَّ الْخَالِقَ خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقُمْ بِذَاتِهِ، فَالْمُتَّصِفُ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ لَا مَنْ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ لِغَيْرِهِ لَوْنًا وَرِيحًا وَحَرَكَةً وَقُدْرَةً وَعِلْمًا 9
كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَالْحَرَكَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ، فَهُوَ الْمُتَحَرِّكُ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ، وَالْمُتَلَوِّنُ بِذَلِكَ اللَّوْنِ، وَالْعَالِمُ بِذَلِكَ الْعِلْمِ، وَالْقَادِرُ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ 1 . إِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ كَلَامًا أَوْ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا 2 . أَوْ طَوَافًا كَانَ 3 . ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْمُصَلِّي، وَهُوَ الصَّائِمَ، وَهُوَ الطَّائِفَ.
4 . [وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ رَائِحَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً كَانَ هُوَ الْخَبِيثَ الْمُنْتِنَ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ تَعَالَى مَوْصُوفًا بِمَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِذَا خَلَقَ الْإِنْسَانَ هَلُوعًا جَزُوعًا - كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سُورَةُ الْمَعَارِجِ: 19 - 21]- لَمْ يَكُنْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا هَلُوعًا وَلَا جَزُوعًا وَلَا مَنُوعًا، كَمَا تَزْعُمُ الْقَدَرِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ الْإِنْسَانَ ظَالِمًا كَاذِبًا كَانَ هُوَ ظَالِمًا كَاذِبًا، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ!
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ جَمَاهِيرِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ الْعَبْدِ وَجَمِيعِ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ إِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، كَالْقَاضِي أَبِي خَازِمِ 5 . بْنِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، إِلَى أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ أَنَّهُ خَالِقٌ
لِلْأَسْبَابِ الَّتِي عِنْدَهَا يَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا وَيَمْتَنِعُ أَلَّا يَكُونَ فَاعِلًا، فَمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَفْعَلُهُ خَلَقَ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا فَاعِلًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وُجِدَتْ مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُوجِدُهَا كَمَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُكَوِّنْهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْعَبْدَ تَحْدُثُ لَهُ إِرَادَةٌ مُكْتَسَبَةٌ.
لَكِنْ قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا بِإِرَادَةٍ ضَرُورِيَّةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو خَازِمٍ 1 . وَغَيْرُهُ، وَقَدْ يَقُولُونَ: بَلِ الْعَبْدُ يُحْدِثُ إِرَادَتَهُ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ الرَّبَّ يَسَّرَ خَلْقَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَبْعَثُ دَاعِيَةً عَلَى إِيقَاعِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوقِعُهُ] 2 . .
وَلَكِنْ [عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ] 3 مَنْ قَالَ: إِنَّ 4 . الْفِعْلَ هُوَ الْمَفْعُولُ -[كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ] 5 - يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ هِيَ فِعْلُ اللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ أَيْضًا: وَهِيَ فِعْلٌ لَهُمْ 6 . لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ لِفَاعِلَيْنِ، كَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ 7 وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: هِيَ فِعْلٌ لَهُمْ
لَزِمَهُ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ فِعْلًا لِلَّهِ لَا لِعِبَادِهِ، كَمَا يَقُولُهُ [جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ] وَالْأَشْعَرِيُّ 1 وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ 2 الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ، وَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ خَلْقٌ لِلَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] 3 .، فَتَكُونُ 4 هِيَ فِعْلُ اللَّهِ وَهِيَ مَفْعُولُ اللَّهِ 5 .، كَمَا أَنَّهَا خَلْقُهُ وَهِيَ مَخْلُوقُهُ.
(* وَهَؤُلَاءِ [لَا] يَقُولُونَ 6 .: إِنَّ الْعِبَادَ فَاعِلُونَ لِأَفْعَالِهِمْ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ هُمْ مُكْتَسِبُونَ لَهَا، وَإِذَا طُولِبُوا 7 بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْكَسْبِ لَمْ يَذْكُرُوا فَرْقًا مَعْقُولًا.
وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ: عَجَائِبُ الْكَلَامِ [ثَلَاثَةٌ] 8 .: أَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَطَفْرَةُ النَّظَّامِ، وَكَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ *) 9 .
وَهَذَا الَّذِي يُنْكِرُهُ [الْأَئِمَّةُ] وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ 1 .، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ مُكَابَرَةٌ لِلْحِسِّ وَمُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ 2 .
[وَأَمَّا جُمْهُورُ] أَهْلِ السُّنَّةِ 3 [الْمُتَّبِعُونَ لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ] 4 فَيَقُولُونَ: إِنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ فِعْلٌ لَهُ حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ وَمَفْعُولٌ لِلَّهِ ; لَا يَقُولُونَ: هُوَ نَفْسُ فِعْلِ اللَّهِ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَالْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ.
5 . [وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " عَنِ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً 6 .، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ 7 \ 284 عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، وَحَكَاهُ الْكَلَابَاذِيُّ صَاحِبُ " التَّعَرُّفِ لِمَذْهَبِ التَّصَوُّفِ " عَنْ جَمِيعِ الصُّوفِيَّةِ 8 .، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْهِشَامِيَّةِ
وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُلَّابِيَّةِ أَيْضًا أَئِمَّةُ الْأَشْعَرِيَّةِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى قَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ: " وَأَثْبَتُوا لِلَّهِ فِعْلًا قَائِمًا بِذَاتِهِ غَيْرَ الْمَفْعُولِ، كَمَا أَثْبَتُوا لَهُ إِرَادَةً قَدِيمَةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ " 1 ، وَذَكَرَ سَائِرَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي صَنَّفُوهُ لَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ خُزَيْمَةَ نِزَاعٌ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ، لَكِنْ مَا أَدْرِي هَلْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ نَفْسِهِ أَوْ قَالُوهُ هُمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْمُسْتَقِرِّ عِنْدَهُمْ؟] 2 . .
[مقالات الرافضة فِي خلق أَعْمَالِ الْعِبَادِ]
ثُمَّ الْقَدَرُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْإِمَامِيَّةِ، كَمَا بَيْنَهُمُ النِّزَاعُ فِي الصِّفَاتِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ 3 \ 110.: " وَاخْتَلَفَتِ الرَّافِضَةُ فِي أَعْمَالِ الْعِبَادِ 4 . هَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ؟ ن: مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ; م: مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ.
وَهِيَ 5 . ثَلَاثُ فِرَقٍ: فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى [مِنْهُمْ] وَهُمْ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ 6 :
[يَزْعُمُونَ أَنَّ أَعْمَالَ 1 . الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ ". قَالَ: " وَحَكَى جَعْفَرُ 2 48. بْنُ حَرْبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ] 3 . أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ [أَفْعَالَ] 4 الْإِنْسَانِ اخْتِيَارٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ، اضْطِرَارٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ 5 .: اخْتِيَارٌ 6 . مِنْ وَجْهٍ أَنَّهُ أَرَادَهَا وَاكْتَسَبَهَا، وَاضْطِرَارٌ 7 . مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ حُدُوثِ السَّبَبِ الْمُهَيِّجِ عَلَيْهِ 8 ". قَالَ: " وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمْ: يَزْعُمُونَ أَنْ لَا جَبْرَ كَمَا قَالَ الْجَهْمِيُّ، وَلَا تَفْوِيضَ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ 9 - زَعَمُوا - جَاءَتْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَتَكَلَّفُوا أَنْ يَقُولُوا فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ هَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ أَمْ لَا شَيْئًا 10 . وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمْ: يَزْعُمُونَ أَنَّ أَعْمَالَ 11 . الْعِبَادِ غَيْرُ
مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ، وَهَذَا قَوْلُ قَوْمٍ يَقُولُونَ بِالِاعْتِزَالِ وَالْإِمَامَةِ 1 . ".
فَإِذَنْ، كَانَتِ الْإِمَامِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ يُوَافِقُ الْمُثْبِتَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَافِقُ الْمُعْتَزِلَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ.
[وَالْوَاقِفَةُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ تَوَقَّفُوا فِي إِطْلَاقِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَقُولُونَ بِالتَّفْوِيضِ - كَمَا تَقُولُ الْقَدَرِيَّةُ -، وَلَا بِالْجَبْرِ - كَمَا تَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ - بَلْ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ، كَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ، مُتَّفِقُونَ عَلَى إِنْكَارِ قَوْلِ الْجَبْرِيَّةِ الْمَأْثُورِ عَنْ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ بِأَكْثَرِهِ وَيَنْفِي الْأَسْبَابَ وَالْحِكَمَ، فَالسَّلَفُ مُثْبِتُونَ لِلْأَسْبَابِ وَالْحِكْمَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ إِذَا كَانَ لَهُمْ قَوْلَانِ] 2 . كَانُوا مُتَنَازِعِينَ فِي ذَلِكَ 3 . كَتَنَازُعِ سَائِرِ النَّاسِ، لَكِنَّهُمْ [فَرْعٌ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ] 4 .، فَإِنَّ مُثْبِتِيهِمْ 5 . تَبَعٌ لِلْمُثْبِتَةِ، وَنُفَاتَهُمْ تَبَعٌ لِلنُّفَاةِ، [إِلَّا مَا اخْتُصُّوا بِهِ مِنِ افْتِرَاءِ الرَّافِضَةِ، فَإِنَّ الْكَذِبَ وَالْجَهْلَ وَالتَّكْذِيبَ بِالْحَقِّ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ.
وَأَمَّا مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي سَائِرِ مَسَائِلِ
الْعِلْمِ: أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، فَهُمْ فِيهِ تَبَعٌ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ، يَسْتَعِيرُونَ كَلَامَ النَّاسِ فَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ، وَمَا فِيهِ مِنْ حَقٍّ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَا يَنْفَرِدُونَ عَنْهُمْ بِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ صَحِيحَةٍ، لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ، إِذْ كَانَ مَبْدَأُ بِدْعَةِ الْقَوْمِ مِنْ قَوْمٍ مُنَافِقِينَ لَا مُؤْمِنِينَ] 1 .
وَحِينَئِذٍ فَهَذَا النَّافِي يُنَاظِرُ أَصْحَابَهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ حُجَّةً.
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ 2 . مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ [مَا] 3 . يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي 4 ذَلِكَ.
[التعليق على قوله يُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيَعْفُو عَنِ الْعَاصِي أَوْ يُعَذِّبُهُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ اللَّهَ 5 . يُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيَعْفُو عَنِ الْعَاصِي أَوْ يُعَذِّبُهُ " 6 . .
فَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخَاصَّةِ، وَسَائِرِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّةِ، وَسَائِرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعَ 7 . الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ.
وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَالزَّيْدِيَّةُ مِنْهُمْ 8 تَقُولُ 9 . بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْإِمَامِيَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ (1) \ 140.: " وَأَجْمَعَتْ (2) . الزَّيْدِيَّةُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ كُلَّهُمْ مُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ (3) . خَالِدُونَ فِيهَا مُخَلَّدُونَ أَبَدًا، لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا يُغَيَّبُونَ عَنْهَا " (4) .
مقالات الروافض في الوعيد
قَالَ 5 : " وَاخْتَلَفَتِ الرَّوَافِضُ فِي الْوَعِيدِ، وَهُمْ فِرْقَتَانِ: فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ يُثْبِتُونَ الْوَعِيدَ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ، 6 وَلَا 7 يَقُولُونَ بِإِثْبَاتِ الْوَعِيدِ 8 فِيمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ 9 يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ 10 أَدْخَلَهُمُ النَّارَ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا ; وَرَوَوْا 11 فِي ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ أَنَّ مَا كَانَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الشِّيعَةِ [مِنَ الْمَعَاصِي سَأَلُوا اللَّهَ فِيهِمْ فَصَفَحَ عَنْهُمْ، وَمَا كَانَ بَيْنَ الشِّيعَةِ] 12 وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ، وَمَا كَانَ بَيْنَ الشِّيعَةِ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْمَظَالِمِ شَفَعُوا لَهُمْ أَئِمَّتُهُمْ حَتَّى يَصْفَحُوا عَنْهُمْ 13 ".1234
قَالَ: " وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ (1) مِنْهُمْ: يَذْهَبُونَ إِلَى إِثْبَاتِ الْوَعِيدِ، وَأَنَّ اللَّهَ [عَزَّ وَجَلَّ] (2) يُعَذِّبُ كُلَّ مُرْتَكِبٍ لِلْكَبَائِرِ (3) مِنْ أَهْلِ مَقَالَتِهِمْ كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَقَالَتِهِمْ، وَيُخَلِّدُهُمْ فِي النَّارِ ". وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ هَذَا الْإِمَامِيِّ مِنَ (4) الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ.
القول الأول في معنى الظلم عند مثبتة القدر
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَيُثِيبُ الْمُطِيعَ لِئَلَّا يَكُونَ ظَالِمًا " 5 فَقَدْ قَدَّمْنَا [أَنَّ] لِلْمُثْبِتِينَ 6 لِلْقَدَرِ فِي تَفْسِيرِ الظُّلْمِ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ قَوْلَيْنِ 7 أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظُّلْمَ [هُوَ] الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ 8 .
[وَإِنْ كَانَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَالرَّبُّ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَا يَكُونُ ظَالِمًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِ وَالْأَشْعَرِيِّ وَمُوَافِقِيهِمَا، وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ.
وَيُرْوَى عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ 9 قَالَ: مَا نَاظَرْتُ بِعَقْلِي كُلِّهِ إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ،1234
قُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنِ الظُّلْمِ مَا هُوَ؟ قَالُوا: التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ.
قُلْتُ: فَلِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ.
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ] 1 .
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُقَالُ: يُثِيبُ الطَّائِعَ لِئَلَّا يَكُونَ ظُلْمًا 1 .
[فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ مَقْدُورًا وَفُعِلَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِلَا ذَنْبٍ، كَمَا يُجَوِّزُونَ تَعْذِيبَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَجَانِينَهُمْ بِلَا ذَنْبٍ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقْطَعُ بِدُخُولِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ النَّارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ وَيَنْقُلُونَهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ خَطَّاءٌ عَلَى أَحْمَدَ، بَلْ نُصُوصُ أَحْمَدَ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُطَابَقَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ لِأَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُمْ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ فَأَجَابَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» ". فَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَحْمَدَ أَجَابَ بِحَدِيثٍ «رُوِيَ عَنْ خَدِيجَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: " إِنَّهُمْ فِي النَّارِ "، فَقَالَتْ: بِلَا عَمَلٍ؟ فَقَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ 2 ، وَمَنْ هُوَ دُونَ أَحْمَدَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَعْرِفُ هَذَا فَضْلًا عَنْ مِثْلِ أَحْمَدَ.
وَأَحْمَدُ لَمْ يُجِبْ بِهَذَا، وَإِنَّمَا أَجَابَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: 30] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ فَقَالَ:
" اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» 1 . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:
" اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» 1 . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، مِثْلَ كِتَابِ " رَدِّ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " 2 وَغَيْرِ ذَلِكَ] 3 .
[الْقَوْلُ الثَّانِي فِي مَعْنَى الظُّلْمِ عند مثبتة القدر]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي 4 : أَنَّ الظُّلْمَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ، [وَأَنَّهُ] 5 مُنَزَّهٌ عَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ لِعِلْمِهِ وَعَدْلِهِ، فَهُوَ لَا يَحْمِلُ [عَلَى] 6 أَحَدٍ ذَنْبَ غَيْرِهِ 7 . [قَالَ تَعَالَى] : 8 [ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ] [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 15] ، [ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ ] [سُورَةُ طه: 112] . وَعَلَى هَذَا فَعُقُوبَةُ الْإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ظُلْمٌ يُنَزَّهُ 9 اللَّهُ عَنْهُ 10 ، وَأَمَّا
إِثَابَةُ الْمُطِيعِ فَفَضْلٌ مِنْهُ وَإِحْسَانٌ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا وَاجِبًا بِحُكْمِ وَعْدِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِمَا كَتَبَهُ 1 عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْحُرْمَةِ، وَبِمُوجِبِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
فَلَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ ظُلْمِ الْأَجِيرِ الَّذِي اسْتُؤْجِرَ وَلَمْ يُوَفَّ أَجْرَهُ، فَإِنَّ هَذَا مُعَاوَضَةٌ 2 ، وَالْمُسْتَأْجِرُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهُ، فَإِنْ 3 لَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ ظَلَمَهُ.
وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُحْسِنُ إِلَى الْعِبَادِ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبِإِقْدَارِهِ لَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَبِإِعَانَتِهِمْ عَلَى طَاعَتِهِ.
وَهُمْ 4 كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: " «يَا عِبَادِي [إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي] 5 كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا 6 عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ [مِنْكُمْ] 7 مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، [يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا
كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ] 1 ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» 2 .
فَبَيَّنَ 3 أَنَّ الْخَيْرَ الْمَوْجُودَ مِنَ الثَّوَابِ مِمَّا يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمُحْسِنُ بِهِ وَبِأَسْبَابِهِ، وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَإِنَّهُ 4 عَادِلٌ فِيهَا فَلَا يَلُومَنَّ الْعَبْدُ إِلَّا نَفْسَهُ، كَمَا قِيلَ: كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ.
[وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّهُ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَنِ الظُّلْمِ الْمُمْكِنِ الْمَقْدُورِ، مِثْلَ نَقْصِ الْإِنْسَانِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَحَمْلِ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا خَلْقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَاخْتِصَاصُهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِإِعَانَتِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الظُّلْمِ فِي شَيْءٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَائِرِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَلَكِنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ، وَتَتَكَلَّمُ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيرِ 5 بِكَلَامٍ مُتَنَاقِضٍ فَاسِدٍ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ] 6 .
[التعليق على قوله أَوْ يُعَذِّبُهُ بِجُرْمِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ 1 : " أَوْ يُعَذِّبُهُ بِجُرْمِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُ " فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: [أَنَّ] اللَّهَ [تَعَالَى] لَيْسَ 2 ظَالِمًا بِتَعْذِيبِ الْعُصَاةِ.
وَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّنَازُعِ 3 فِي مُسَمَّى الظُّلْمِ، هَذَا يَقُولُ: لِأَنَّ الظُّلْمَ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ 4 ; وَهَذَا يَقُولُ: إِنَّهُ وَضَعَ الْعُقُوبَةَ مَوْضِعَهَا 5 ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، كَمَا تَقُولُ 6 الْعَرَبُ: مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ.
7 [وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْعِبَادِ إِذَا عَذَّبَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ بِالْعَدْلِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِعْلَهُ وَأَنَّهُ تَحْتَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَخْلُوقُ ظَالِمًا لِلْمَخْلُوقِ إِذَا عَاقَبَهُ بِظُلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ ظَالِمًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ مُقَدَّرًا.
هَذَا، مَعَ مَا أَنَّهُ يَحْسُنُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ مَا لَا يَحْسُنُ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَ النَّاسِ لَوْ رَأَى مَمَالِيكَهُ يَزْنِي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَيَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ - وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ، لَكَانَ مَذْمُومًا بِذَلِكَ مُسْتَحِقًّا لِلَّوْمِ وَالْعِقَابِ.
وَالْبَارِئُ تَعَالَى يَرَى مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَمَالِيكِهِ مِنْ ظُلْمٍ وَفَاحِشَةٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ فَلَا يَمْنَعُهُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ فَضْلًا عَنْ عِقَابٍ 8 ، إِمَّا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ
الْحِكْمَةِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَإِمَّا لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ عَلَى قَوْلِ نُفَاةِ التَّعْلِيلِ وَالْإِرَادَةِ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ ; فَإِذَا كَانَ يَحْسُنُ مِنْهُ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا لَا يَحْسُنُ مِنَ الْبَشَرِ بَطَلَ قِيَاسُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَانَ مَا يَحْسُنُ مِنَّا مِنْ عُقُوبَةِ الظَّالِمِ لَا يُقَبَّحُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، فَإِنَّ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ مِنَ النَّقَائِصِ فَهُوَ أَوْلَى بِتَنْزِيهِهِ، وَلَهُ مِنَ الْحَمْدِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ] (1) .
التعليق على قوله وأن أفعاله محكمة واقعة لغرض ومصلحة
وَأَمَّا قَوْلُهُ 2 : " وَأَنَّ 3 أَفْعَالَهُ مَحْكَمَةٌ وَاقِعَةٌ 4 لِغَرَضٍ وَمَصْلَحَةٍ 5 وَإِلَّا لَكَانَ عَابِثًا ". فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِأَهْلِ 6 السُّنَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِإِمَامِيَّةٍ قَوْلَيْنِ فِي تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللَّهِ [تَعَالَى] 7 وَأَحْكَامِهِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى التَّعْلِيلِ 8 ، وَالْحِكْمَةُ هَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الرَّبِّ [لَا تَقُومُ بِهِ] 9 ، أَوْ قَائِمَةٌ بِهِ مَعَ ثُبُوتِ الْحِكَمِ الْمُنْفَصِلَةِ أَيْضًا؟ [فِيهِ قَوْلَانِ لَهُمْ] 10 . وَهَلْ 11 تَتَسَلْسَلُ الْحِكَمُ أَوْ لَا تَتَسَلْسَلُ؟ أَوْ تَتَسَلْسَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي؟ هَذَا فِيهِ أَقْوَالٌ [لَهُمْ] 12 .1
وَأَمَّا لَفْظُ " الْغَرَضِ " فَتُطْلِقُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ [كَالْقَدَرِيَّةِ.
وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ أَيْضًا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ يَذْكُرُهُ مِنْ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ: أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ أَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ " الْغَرَضِ " وَإِنْ أَطْلَقُوا لَفْظَ الْحِكْمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ الظُّلْمِ وَالْحَاجَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا قَالُوا: فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا لِغَرَضٍ، وَفُلَانٌ لَهُ غَرَضٌ مَعَ فُلَانٍ، كَثِيرًا مَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْمُرَادَ الْمَذْمُومَ مِنْ ظُلْمٍ وَفَاحِشَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُرِيدَ مَا يَكُونُ مَذْمُومًا بِإِرَادَتِهِ] (1) .
التعليق على قوله إنه أرسل الرسل لإرشاد العالم
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ 2 أَرْسَلَ الرُّسُلَ 3 لِإِرْشَادِ الْعَالَمِ ". فَهَكَذَا يَقُولُ جَمَاهِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] 4 أَرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَالَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ مِنَ التَّعْلِيلِ يَقُولُونَ: أَرْسَلَهُ وَجَعَلَ إِرْسَالَهُ رَحْمَةً فِي حَقِّ مَنْ آمَنَ بِهِ، (6 أَوْ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ 6) 5 . (7 وَيَقُولُونَ: هَذِهِ الرَّحْمَةُ جُعِلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُونَ 7) : 6 فِي سَائِرِ الْأُمُورِ1
الَّتِي حَصَلَ عِنْدَهَا آثَارٌ.
[فَإِنَّ الْجُمْهُورَ الْمُثْبِتِينَ لِلْحِكْمَةِ يَقُولُونَ: فَعَلَ كَذَا لِأَجْلِ ذَلِكَ وَفَعَلَ كَذَا بِكَذَا.
وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: فَعَلَ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَلَا لَهُ] 1 .
[التعليق على قوله وَأَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مَرْئِيٍّ وَلَا مُدْرَكٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ 2 : " وَأَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مَرْئِيٍّ وَلَا مُدْرَكٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ 3 لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ 4 [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 103] وَلِأَنَّهُ 5 لَيْسَ فِي جِهَةٍ ".
فَيُقَالُ: [لَهُ] 6 : أَوَّلًا: النِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ [طَوَائِفِ] 7 الْإِمَامِيَّةِ كَمَا النِّزَاعُ فِيهَا بَيْنَ غَيْرِهِمْ 8 ، فَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ 9 وَطَائِفَةٌ مِنْ غَيْرِ (* الْإِمَامِيَّةِ 10 تُنْكِرُهَا.
وَالْإِمَامِيَّةُ لَهُمْ فِيهَا قَوْلَانِ: فَجُمْهُورُ قُدَمَائِهِمْ يُثْبِتُ 11 الرُّؤْيَةَ، وَجُمْهُورُ *) 12 مُتَأَخِّرِيهِمْ يَنْفُونَهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَكْثَرَ قُدَمَائِهِمْ يَقُولُونَ بِالتَّجْسِيمِ 13 .
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ 1 : " وَكُلُّ الْمُجَسِّمَةِ 2 إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا 3 يَقُولُ 4 بِإِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ، وَقَدْ يُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ ".
قُلْتُ: وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُونَ بِالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ 5 وَالْحَدِيثِ وَالطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبِينَ 6 إِلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْأَحَادِيثُ بِهَا مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِحَدِيثِهِ.
[وَكَذَلِكَ الْآثَارُ بِهَا مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعَالِمِينَ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ بِالْأَبْصَارِ، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً: مِنْهُمْ مَنْ نَفَى رُؤْيَتَهُ بِالْعَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا.
وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَالْأَدِلَّةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا نَقْلُ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ
بِالْعَيْنِ فِي الْآخِرَةِ وَنَفْيِهَا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا الْخِلَافَ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً] 1 .
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ [وَاحْتِجَاجُ النُّفَاةِ أَيْضًا] بِقَوْلِهِ [تَعَالَى] 2 : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 103] فَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ، أَوِ الرُّؤْيَةُ، أَوِ الرُّؤْيَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْإِحَاطَةِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَأَى شَيْئًا يُقَالُ: إِنَّهُ [أَدْرَكَهُ، كَمَا لَا يُقَالُ:] 3 أَحَاطَ بِهِ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] 4 عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ 5 : أَلَسْتَ تَرَى السَّمَاءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَكُلُّهَا تُرَى 6 ؟ قَالَ: لَا.
وَمَنْ رَأَى جَوَانِبَ الْجَيْشِ أَوِ الْجَبَلِ 7 أَوِ الْبُسْتَانِ أَوِ الْمَدِينَةِ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَدْرَكَهَا 8 ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَدْرَكَهَا إِذَا أَحَاطَ بِهَا رُؤْيَةً 9 ، وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ عَلَيْنَا بَيَانُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا بَيَانًا لِسَنَدِ 10 الْمَنْعِ، بَلِ الْمُسْتَدِلُّ بِالْآيَةِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُرَادِفٌ لِلرُّؤْيَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ رَأَى شَيْئًا يُقَالُ فِي لُغَتِهِمْ إِنَّهُ أَدْرَكَهُ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَيْفَ وَبَيْنَ لَفْظِ
الرُّؤْيَةِ وَلَفْظِ الْإِدْرَاكِ 1 عُمُومٌ وَخُصُوصٌ [أَوِ اشْتِرَاكٌ لَفْظِيٌّ] 2 ، فَقَدْ تَقَعُ رُؤْيَةٌ بِلَا إِدْرَاكٍ، [وَقَدْ يَقَعُ إِدْرَاكٌ بِلَا رُؤْيَةٍ] 3 ، فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ 4 يُسْتَعْمَلُ فِي إِدْرَاكِ الْعِلْمِ وَإِدْرَاكِ الْقُدْرَةِ، فَقَدَ 5 يُدْرَكُ الشَّيْءُ بِالْقُدْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ، كَالْأَعْمَى الَّذِي طَلَبَ رَجُلًا هَارِبًا مِنْهُ 6 فَأَدْرَكَهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 61، 62] فَنَفَى مُوسَى الْإِدْرَاكَ مَعَ إِثْبَاتِ التَّرَائِي 7 ، فَعُلِمَ 8 أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ رُؤْيَةٌ بِلَا إِدْرَاكٍ.
وَالْإِدْرَاكُ هُنَا هُوَ إِدْرَاكُ الْقُدْرَةِ، أَيْ مَلْحُوقُونَ 9 مُحَاطٌ بِنَا وَإِذَا انْتَفَى 10 هَذَا الْإِدْرَاكُ فَقَدْ تَنْتَفِي 11 إِحَاطَةُ الْبَصَرِ [أَيْضًا] 12 .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] 13 ، ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ يَمْدَحُ بِهَا 14 نَفْسَهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ لَا يُرَى لَيْسَ صِفَةَ مَدْحٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ مَدْحًا إِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا، وَلِأَنَّ الْمَعْدُومَ 1 أَيْضًا لَا يُرَى، وَالْمَعْدُومُ لَا يُمْدَحُ، فَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَا مَدْحَ فِيهِ.
[وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ، وَهُوَ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ثُبُوتًا لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، فَلَا يَمْدَحُ الرَّبُّ نَفْسَهُ بِهِ، بَلْ وَلَا يَصِفُ نَفْسَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَصِفُهَا بِالنَّفْيِ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى ثُبُوتٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 255] وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سُورَةُ سَبَأٍ: 3] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [سُورَةُ ق: 38] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ، وَأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثُّبُوتِيَّةِ، مِثْلَ كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ وَمِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَهِدَايَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكُلُّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَدَمًا مَحْضًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ يُرَى، فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَلَا يُقَالُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ: لَا يُدْرَكُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا فِيمَا لَا يُدْرَكُ لِعَظَمَتِهِ لَا لِعَدَمِهِ] 2 .
[وَإِذَا 3 كَانَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْإِدْرَاكَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى 4 لَا يُحَاطُ بِهِ
رُؤْيَةً، كَمَا لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ نَفْيُ الْعِلْمِ 1 وَالرُّؤْيَةِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُحَاطُ بِهِ (2 كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ 2) 2 فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْإِحَاطَةِ بِالنَّفْيِ 3 يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِمَنْفِيٍّ، وَهَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا 4 وَغَيْرِهِ] 5 . (6 وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 6) 6 . وَلَا 7 تَحْتَاجُ
الْآيَةُ إِلَى تَخْصِيصٍ وَلَا خُرُوجٍ عَنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، فَلَا 1 نَحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ: لَا نَرَاهُ فِي الدُّنْيَا، أَوْ نَقُولُ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ بَلِ الْمُبْصِرُونَ، أَوْ لَا تُدْرِكُهُ كُلُّهَا بَلْ بَعْضُهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي فِيهَا تَكَلُّفٌ.
[ثُمَّ نَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَكْفِينَا أَنْ نَقُولَ: الْآيَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، فَبَطَلَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُثْبِتَ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ مَعَ نَفْيِهَا لِلْإِدْرَاكِ الَّذِي هُوَ الْإِحَاطَةُ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي اللُّغَةِ لَيْسَ هُوَ مُرَادِفًا لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ هُوَ أَخَصُّ مِنْهَا، وَأَثْبَتْنَا ذَلِكَ بِاللُّغَةِ وَأَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَبِأَدِلَّةٍ أُخْرَى سَمْعِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ] 2 .
[التعليق على قوله ولأنه لَيْسَ فِي جِهَةٍ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ 3 : " وَلِأَنَّهُ 4 لَيْسَ فِي جِهَةٍ ". فَيُقَالُ: لِلنَّاسِ فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْجِهَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: فَطَائِفَةٌ تَنْفِيهَا، وَطَائِفَةٌ تُثْبِتُهَا، وَطَائِفَةٌ تُفَصِّلُ 5 . وَهَذَا النِّزَاعُ مَوْجُودٌ فِي الْمُثْبِتَةِ لِلصِّفَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَمْثَالِهِمْ، [وَنِزَاعُ] أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ 6 الْخَاصَّةِ فِي نَفْيِ 7 ذَلِكَ وَإِثْبَاتِهِ
نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، لَيْسَ هُوَ نِزَاعًا مَعْنَوِيًّا.
وَلِهَذَا كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ [الْإِمَامِ] 1 أَحْمَدَ - كَالتَّمِيمِيِّينَ وَالْقَاضِي [أَبِي يَعْلَى] 2 فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ تَنْفِيهَا 3 ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى [أَكْثَرُ مِنْهُمْ] 4 تُثْبِتُهَا، وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ 5 الْقَاضِي.
[وَالْمُتَّبِعُونَ لِلسَّلَفِ لَا يُطْلِقُونَ نَفْيَهَا وَلَا إِثْبَاتَهَا إِلَّا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا أُثْبِتَ بِهَا فَهُوَ ثَابِتٌ وَمَا نُفِيَ بِهَا فَهُوَ مَنْفِيٌّ، لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ صَارَ لَفْظُ الْجِهَةِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ فِيهِ إِجْمَالٌ وَإِبْهَامٌ كَغَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِهِمُ الِاصْطِلَاحِيَّةِ، فَلَيْسَ كُلُّهُمْ يَسْتَعْمِلُهَا فِي نَفْسِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَلِهَذَا كَانَ النُّفَاةُ يَنْفُونَ بِهَا حَقًّا وَبَاطِلًا، وَيَذْكُرُونَ عَنْ مُثْبِتِيهَا مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ، وَبَعْضُ الْمُثْبِتِينَ لَهَا يُدْخِلُ فِيهَا مَعْنًى بَاطِلًا مُخَالِفًا لِقَوْلِ السَّلَفِ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالْمِيزَانُ] 6 .
وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْجِهَةِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَعْدُومٌ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ 1 لَا مَوْجُودَ إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، فَإِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ كَانَ مَخْلُوقًا، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَحْصُرُهُ وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ (2 فَإِنَّهُ بَائِنٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ 2) 2 .
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ، وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ 3 ، فَلَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ ; [إِنْ] 4 كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ هُنَاكَ فَوْقَ الْعَالَمِ حَيْثُ انْتَهَتِ الْمَخْلُوقَاتُ، فَهُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ عَالٍ عَلَيْهِ.
5 [وَنُفَاةُ لَفْظِ " الْجِهَةِ " يَذْكُرُونَ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَنَّ الْجِهَاتِ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْجِهَةِ، وَأَنَّهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْجِهَةِ ثُمَّ صَارَ فِيهَا.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَنَحْوُهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ سَوَاءٌ سُمِّيَ جِهَةً أَوْ لَمْ يُسَمَّ.
وَهَذَا حَقٌّ ; فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْمَخْلُوقَاتُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا: الْعَرْشِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَمَنْ ظَنَّ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا - كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ 6 - يَكُونُ الْعَرْشُ فَوْقَهُ، وَيَكُونُ مَحْصُورًا بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ
الْعَالَمِ، فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَكَذَلِكَ تَوَقَّفَ مَنْ تَوَقَّفَ فِي نَفْيِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِضَعْفِ عِلْمِهِ بِمَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ.
وَمَنْ نَفَى الْجِهَةَ وَأَرَادَ بِالنَّفْيِ كَوْنَ الْمَخْلُوقَاتِ مُحِيطَةً بِهِ أَوْ كَوْنَهُ مُفْتَقِرًا إِلَيْهَا فَهَذَا حَقٌّ، لَكِنَّ عَامَّتَهُمْ 1 لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى هَذَا، بَلْ يَنْفُونَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرِجَ بِهِ إِلَى اللَّهِ، أَوْ أَنْ يَصْعَدَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَيَنْزِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ، بَلْ تَارَةً يَجْعَلُونَهُ لَا مُبَايِنًا وَلَا مُحَايِثًا 2 ، فَيَصِفُونَهُ بِصِفَةِ الْمَعْدُومِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهُ حَالًا فِي كُلِّ مَوْجُودٍ، أَوْ يَجْعَلُونَهُ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ وَأَهْلُ الْحُلُولِ] 3 .
تنازع مثبتة الرؤية في العلو والاستواء
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِكَوْنِهِ 1 لَيْسَ فِي جِهَةٍ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ [مِمَّا] تَنَازَعَ فِيهِ 2 مُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ 3 بِمَا 4 دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ 5 رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» ". وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ [عَلَيْهِ] 6 مِنْ طُرُقٍ 7 كَثِيرَةٍ، [وَهُوَ] 8 مُسْتَفِيضٌ بَلْ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ 9 ، اتَّفَقُوا عَلَى [صِحَّتِهِ 10 ، مَعَ] 11 أَنَّهُ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ قَدْ
جَمَعَ طُرُقَهَا أَكْثَرُ 1 أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، كَأَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ وَغَيْرِهِمْ 2 . (* وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ 3 ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُوجِبُ لِمَنْ كَانَ عَارِفًا بِهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ 4 بِأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 5 قَالَ ذَلِكَ *) 6 . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُرَى [لَا] 7 فِي جِهَةٍ، لَا أَمَامَ الرَّائِي وَلَا خَلْفَهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، وَلَا فَوْقَهُ وَلَا تَحْتَهُ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي 8 الْأَشْعَرِيَّةِ فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِ الْبَارِئِ [تَعَالَى] 9 فَوْقِ الْعَرْشِ.
فَالْأَشْعَرِيُّ وَقُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ 10 لَيْسَ بِجِسْمٍ 11 .