مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
وَالْفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ 1 بِهَذِهِ الطَّرِيقِ تَسَلَّطُوا 2 عَلَيْكُمْ بِهَا، وَرَأَوْا أَنَّكُمْ خَالَفْتُمْ 3 صَرِيحَ الْعَقْلِ.
وَالْفَلَاسِفَةُ أَجْهَلُ مِنْكُمْ بِالشَّرْعِ [وَالْعَقْلِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ، لَكِنْ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّ مَا جِئْتُمْ بِهِ هُوَ الشَّرْعُ، وَقَدْ رَأَوْهُ يُخَالِفُ الْعَقْلَ - صَارُوا أَبْعَدَ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْكُمْ] 4 لَكِنْ 5 عَارَضُوكُمْ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ - بَلْ وَشَرْعِيَّةٍ - ظَهَرَ 6 بِهَا عَجْزُكُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ بَيَانِ حَقِيقَةِ الصَّوَابِ.
وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا زَادَهُمْ ضَلَالًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَتَسَلُّطًا عَلَيْكُمْ، وَلَوْ سَلَكْتُمْ مَعَهُمْ طَرِيقَ 7 الْعَارِفِينَ بِحَقِيقَةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، لَكَانَ ذَلِكَ أَنْصَرُ لَكُمْ وَأَتْبَعُ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 8 وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَاهَدَ الْكُفَّارَ بِنَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ وَالْعُدْوَانِ، وَأَوْهَمَهُمْ 9 أَنَّ هَذَا يَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، فَصَارَ مَا عَرَفَهُ أُولَئِكَ مِنْ كَذِبِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ مِمَّا يُوجِبُ الْقَدْحَ فِيمَا ادَّعَوْهُ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ فِي الْمُلْكِ 10 وَالرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ، مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْمُخَادَعَةِ وَالْمَحَالِ - سَلَكُوا
طَرِيقًا أَبْلَغَ فِي الْمُخَادَعَةِ 1 وَالْمَحَالِ مِنْ طُرُقِ أُولَئِكَ الْمُبْتَدِعِينَ الضَّالِّينَ 2 ، فَسُلِّطُوا عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى خُرُوجِهِمْ عَنِ الدِّينِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 165] وَقَالَ: 3 : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 155] وَقَالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ] 4 [آلِ عِمْرَانَ: 166] .
فَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ مَحْضٌ يَتَصَادَقُ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحُ الْمَنْقُولِ، وَالْأَقْوَالُ الْمُخَالِفَةُ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهَا 5 مُجْتَهِدِينَ مَغْفُورًا لَهُمْ خَطَؤُهُمْ، فَلَا يَمْلِكُونَ 6 نَصْرَهَا بِالْأَدِلَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَلَا الْجَوَابَ عَمَّا يَقْدَحُ فِيهَا بِالْأَجْوِبَةِ الْعِلْمِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ 7 الصَّحِيحَةَ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ الْحَقِّ، وَالْأَجْوِبَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُفْسِدَةُ 8 لِحُجَّةِ الْخَصْمِ لَا تُفْسِدُهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ بَاطِلَةً، فَإِنَّ مَا هُوَ بَاطِلٌ 9 لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَنْ قَالَ: قَوْلًا أَصَابَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ، وَأَخْطَأَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَتَّى تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ، بِحَيْثُ جَمَعَ فِيهِ 1 بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، يَقُولُ [لِمَنْ يُنَاقِضُهُ بِمُقْدِمَةٍ جَدَلِيَّةٍ سَلَّمَهَا لَهُ] 2 : تَنَاقُضِي 3 إِنَّمَا 4 يَدُلُّ عَلَى خَطَئِي فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إِمَّا الْقَوْلُ الَّذِي سَلَّمْتُهُ لَكَ، وَإِمَّا الْقَوْلُ الَّذِي أَلْزَمْتَنِي بِالْتِزَامِهِ 5 وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الصَّوَابُ.
فَالْأَشْعَرِيَّةُ 6 الْعَارِفُونَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَبِأَنَّ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَبِمَا دَلَّ 7 عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ إِذَا قِيلَ لَهُمُ: الْقَوْلُ بِقِدَمِ الْقُرْآنِ مُمْتَنِعٌ، أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: هُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ لَازِمٌ 8 إِلَّا وَلَازِمُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ أَعْظَمُ فَسَادًا.
فَالْعَاقِلُ لَا يَكُونُ مُسْتَجِيرًا مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ، بَلْ إِذَا انْتَقَلَ يَنْتَقِلُ مِنْ قَوْلٍ مَرْجُوحٍ 9 إِلَى رَاجِحٍ، وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ 10 يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ
بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، لَا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ عَلَيْهِمْ، إِلَّا حُجَّةَ نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَهِيَ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ، وَلَا حُجَّةَ لِلْكُلَّابِيَّةِ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ 1 دَوَامَ الْحَوَادِثِ ; لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ 2 ضِدِّهِ؛ وَلِأَنَّ الْقَابِلِيَّةَ لِلْحَوَادِثِ تَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ.
وَهَذِهِ الْحُجَجُ 3 مِمَّا قَدِ الْتَزَمَ هَؤُلَاءِ مَا هُوَ 4 أَضْعَفُ مِنْهَا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعِهِ 5 ، وَاعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ بِضَعْفِ 6 جَمِيعِ هَذِهِ 7 الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَمَّا السَّمْعِيَّاتُ فَهِيَ مَعَ الْمُثْبِتَةِ لَا مَعَ النُّفَاةِ.
وَالْقَوْلُ بِدَوَامِ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَأَنَّ الْكَلَامَ لَازِمٌ لِذَاتِ الرَّبِّ، مَعَهُ مِنَ الْحُجَجِ 8 مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنِ اسْتِقْصَائِهَا، وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ صَحَّ أَمْكَنَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ.
وَالرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ: إِنَّ جَمِيعَ طَوَائِفِ 9 الْعُقَلَاءِ يَلْزَمُهُمُ الْقَوْلُ بِقِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى نِهَايَاتِ عُقُولِ الْعُقَلَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، [وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ سَلَفِ الْأُمَّةِ] 10 فِي كِتَابِ " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " 11 وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا ذُكِرَ مِنَ الْحُجَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السُّكُونَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ 1 ، (2 وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ يَصِيرُ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَتَكُونُ الْحَوَادِثُ غَيْرَ دَائِمَةٍ 2) 2 ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَسَادَ 3 هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ ظَاهِرًا، لَا سِيَّمَا وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ صِحَّتُهُمَا 4 أَوْ صِحَّةُ أَحَدِهِمَا، وَأَيُّهُمَا صَحَّ 5 أَمْكَنَ مَعَهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يَقُومُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
قَالَ 6 الْأَشْعَرِيَّةُ: وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ فَنَحْنُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ كَلَامَهُ يَقُومُ بِهِ، فَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، قُلْنَا بِبَعْضِ الْحَقِّ وَتَنَاقَضْنَا، فَكَانَ 7 هَذَا خَيْرًا مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ إِلَّا مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِمَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: الْخِطَابُ لِمَعْدُومٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ بِشَرْطِ وُجُودِهِ أَقْرَبُ إِلَى الْعَقْلِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ لَا يَقُومُ بِهِ كَلَامُهُ، وَمِنْ كَوْنِ الرَّبِّ مَسْلُوبَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا يَتَكَلَّمُ، وَمِنْ أَنْ 8 يَخْلُقُ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَيْسَ كَلَامًا لِمَنْ خَلَقَهُ فِيهِ 9 بَلْ لِخَالِقِهِ، وَهُوَ إِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ حَرَكَةً كَانَتِ الْحَرَكَةُ حَرَكَةً لِلْمَحَلِّ الْمَخْلُوقَةِ فِيهِ 10 لَا لِلْخَالِقِ لَهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ
الْأَعْرَاضِ، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ عَرَضٍ فِي جِسْمٍ 1 إِلَّا كَانَ صِفَةً لِذَلِكَ الْجِسْمِ لَا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا خِطَابُ مَنْ لَمْ يُوجَدْ 2 بِشَرْطِ وُجُودِهِ، فَإِنَّ الْمُوصِيَ قَدْ يُوصِي بِأَشْيَاءَ وَيَقُولُ: أَنَا آمُرُ الْوَصِيَّ بَعْدَ مَوْتِي أَنْ يَعْمَلَ كَذَا وَيَعْمَلَ كَذَا، فَإِذَا بَلَغَ وَلَدِي فُلَانٌ 3 يَكُونُ هُوَ الْوَصِيُّ وَأَنَا آمُرُهُ بِكَذَا وَكَذَا، بَلْ يَقِفُ وَقْفًا يَبْقَى سِنِينَ، وَيَأْمُرُ النَّاظِرَ الَّذِي يَخْلُفُهُ بَعْدُ بِأَشْيَاءَ 4 .
وَأَمَّا الْقَائِلُ: يَا " سَالِمُ " وَيَا " غَانِمُ " فَإِنْ قَصَدَ بِهِ خِطَابَ حَاضِرٍ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، فَهَذَا قَبِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ 5 ، وَأَمَّا إِنْ 6 قَصَدَ بِهِ خِطَابَ مَنْ سَيَكُونُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْبَرَنِي الصَّادِقُ أَنَّ أَمَتِي تَلِدُ غُلَامًا وَيُسَمَّى غَانِمًا، فَإِذَا وَلَدَتْهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَقَدْ جَعَلْتُهُ وَصِيًّا عَلَى أَوْلَادِي وَأَنَا آمُرُكَ يَا غَانِمُ بِكَذَا وَكَذَا 7 لَمْ يَكُنْ هَذَا مُمْتَنِعًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ 8 الْخِطَابَ هُنَا هُوَ لِحَاضِرٍ فِي الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مَفْقُودًا فِي الْعَيْنِ، وَالْإِنْسَانُ يُخَاطِبُ مَنْ يَسْتَحْضِرُهُ فِي نَفْسِهِ، وَيَتَذَكَّرُ 9 أَشْخَاصًا قَدْ أَمَرَهُمْ بِأَشْيَاءَ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ أَمَا قَلْتُ لَكَ كَذَا.
وَالشِّيعَةُ وَالسُّنِّيَّةُ يَرْوُونَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِكَرْبَلَاءَ قَالَ: صَبَرًا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، صَبْرًا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يُخَاطِبُ الْحُسَيْنَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيُقْتَلُ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْحُسَيْنُ بِكَرْبَلَاءَ وَيُطْلَبُ قَتْلُهُ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ الدَّجَّالَ وَخُرُوجَهُ وَأَنَّهُ قَالَ: " «يَا عِبَادَ اللَّهِ اثْبُتُوا» " 1 وَبَعْدُ لَمْ يُوجَدْ عِبَادُ اللَّهِ أُولَئِكَ.
وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ: " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " وَلَيْسَ هُوَ حَاضِرًا عِنْدَهُمْ وَلَكِنَّهُ حَاضِرٌ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سُورَةُ يس: 82] وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ هُوَ خِطَابٌ يَكُونُ 2 لِمَنْ يَعْلَمُهُ الرَّبُّ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ شِرْعَةِ التَّكْوِينِ فَقَدْ خَالَفَ مَفْهُومَ الْخِطَابِ، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَدْعِي اسْتِعْمَالَ الْخِطَابِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّ هَذَا مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ خِطَابَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَا يَخْطِرُ لَهُ.
بَلِ الْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، بَلْ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ عُلِمَتِ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي خِطَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهَا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَنَحْنُ لَيْسَ مَقْصُودُنَا هَنَا نَصْرَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ قَدِيمٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ، فَصَارُوا حِزْبَيْنِ: حِزْبًا يَقُولُ: الْقَدِيمُ هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ، وَحِزْبًا يَقُولُ: هُوَ حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ.
وَقَدْ صَارَ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ طَوَائِفُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ وَلَا هَذَا الْقَوْلُ قَوْلَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، بَلِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَسَائِرُ الْأَئِمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ 1 (* بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُمْ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا السَّلَفُ *) 2 ، لَكِنِ اشْتَهَرَ النِّزَاعُ فِيهَا فِي الْمِحْنَةِ الْمَشْهُورَةِ لَمَّا امْتُحِنَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ الَّذِي ثَبَّتَهُ اللَّهُ فِي الْمِحْنَةِ وَأَقَامَهُ لِنَصْرِ السُّنَّةِ هُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (2 بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى 2) 3 - وَكَلَامُهُ وَكَلَامُ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ 4 مَوْجُودٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي
أَصْحَابِهِ 1 وَافَقُوا ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ، فَأَئِمَّةُ 2 أَصْحَابِهِ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ، وَأَنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَلَهُمْ قَوْلَانِ: هَلْ يُوصَفُ اللَّهُ بِالسُّكُوتِ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ، [أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالسُّكُوتِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ؟] 3 ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَكْثَرُ أَئِمَّتِهِمْ وَجُمْهُورِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، إِنَّمَا يُوصَفُ بِالسُّكُوتِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» ". 4 .
وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ، لَكِنْ لَمْ يُقِلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ الْمُعَيَّنَ قَدِيمٌ.
يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ الْمُعَيَّنَ قَدِيمٌ
فصل زعم الرافضي بأن أهل السنة ينكرون عصمة الأنبياء وكلامه على مقالتهم في الإمامة والرد عليه
فَصْلٌ 1 قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : وَذَهَبَ جَمِيعُ مَنْ عَدَا 3 الْإِمَامِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَئِمَّةَ 4 غَيْرُ مَعْصُومِينَ، فَجَوَّزُوا بَعْثَةَ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَالسَّهْوُ وَالْخَطَأُ وَالسَّرِقَةُ، فَأَيُّ وُثُوقٍ يَبْقَى لِلْعَامَّةِ فِي أَقْوَالِهِمْ 5 ، وَكَيْفَ 6 يَحْصُلُ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِمْ 7 ، وَكَيْفَ يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ خَطَأً؟ وَلَمْ يَجْعَلُوا الْأَئِمَّةَ مَحْصُورِينَ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ كُلُّ مَنْ بَايَعَ 8 قُرَشِيًّا انْعَقَدَتْ إِمَامَتُهُ عِنْدَهُمْ، وَوَجَبَ 9 طَاعَتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ إِذَا كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ 10 عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالنِّفَاقِ 11 .
فَيُقَالُ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ مِنْ نَفْيِ 1 الْعِصْمَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَجْوِيزِ الْكَذِبِ وَالسَّرِقَةِ 2 وَالْأَمْرِ بِالْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فَهَذَا 3 كَذِبٌ عَلَى الْجُمْهُورِ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ خَطَأٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ مَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - 4 مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ 5 بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَخْبَرُوا بِهِ وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ وَنَهَوْهُمْ عَنْهُ 6 وَجَبَتْ طَاعَتُهُمْ فِيهِ 7 عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الْأُمَّةِ، إِلَّا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 8 مَعْصُومٌ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ لَا فِيمَا يَأْمُرُ هُوَ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ.
وَهَؤُلَاءِ ضُلَّالٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ 9 .
وَقَدْ ذَكَرْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ [مَنْ قَالَ: قُولًا خَطَأً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي الْمُسْلِمِينَ] 10 ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ خَطَأُ الرَّافِضَةِ
عَيْبًا فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُعْرَفُ فِي الطَّوَائِفِ أَكْثَرُ خَطَأً وَكَذِبًا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ 1 لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُمْ 2 وُجُودُ مُخْطِئٍ آخَرَ 3 غَيْرِ الرَّافِضَةِ.
وَأَكْثَرُ النَّاسِ - أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - لَا يُجَوِّزُونَ عَلَيْهِمُ الْكَبَائِرَ، وَالْجُمْهُورُ الَّذِي يُجَوِّزُونَ الصَّغَائِرَ -[هُمْ وَمَنْ يُجَوِّزُ الْكَبَائِرَ -] 4 يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا، بَلْ يَحْصُلُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ 5 أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ 6 فَلَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَجِبُ طَاعَةُ الرَّسُولِ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ خَطَأً، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يَجِبُ طَاعَتُهُ لَا يَكُونُ إِلَّا صَوَابًا.
فَقَوْلُهُ: " كَيْفَ يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ مَا يَأْمُرُونَ 7 بِهِ خَطَأً " قَوْلٌ لَا يُلْزِمُ أَحَدًا مِنَ الْأُمَّةِ 8 .
وَلِلنَّاسِ فِي تَجْوِيزِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُطَاعُونَ فِيمَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ، لَا فِيمَا غَيَّرَهُ اللَّهُ وَنَهَى عَنْهُ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالطَّاعَةِ فِيهِ.
وَأَمَّا عِصْمَةُ الْأَئِمَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهَا إِلَّا كَمَا قَالَ الْإِمَامِيَّةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ.
وَنَاهِيكَ 1 بِقَوْلٍ 2 لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ إِلَّا الْمَلَاحِدَةُ الْمُنَافِقُونَ، الَّذِينَ شُيُوخُهُمُ الْكِبَارُ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ! 3 وَهَذَا دَأْبُ الرَّافِضَةِ دَائِمًا 4 يَتَجَاوَزُونَ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَاوَنَةِ 5 وَالْقِتَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَهَلْ يُوجَدُ أَضَلُّ 6 مِنْ قَوْمٍ يُعَادُونَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَيُوَالُونَ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ؟ 7 وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ - لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ - اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ - كَتَبَ
اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ - لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 14 - 22] .
فَهَذِهِ الْآيَاتُ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَلَيْسَ الْمُنَافِقُونَ فِي طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي الرَّافِضَةِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الرَّوَافِضِ إِلَّا مَنْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ النِّفَاقِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَرْبَعٌ مَنْ كُنْ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةً مِنْهُنَّ كَانَتْ 1 فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَثَ كَذِبَ، وَإِذَااؤْتُمِنُ خَانَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ 2 .
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ - وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 80 - 81] 3 .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 78 - 80] وَهُمْ غَالِبًا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، بَلْ دِيَارُهُمْ أَكْثَرُ الْبِلَادِ مُنْكَرًا مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ 1 وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الْكُفَّارَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا مَعَ الْكُفَّارِ 2 كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 14] .
وَلِهَذَا هُمْ عِنْدَ جَمَاهِيرِ 3 الْمُسْلِمِينَ نَوْعٌ آخَرُ حَتَّى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَاتَلُوهُمْ بِالْجَبَلِ الَّذِي كَانُوا عَاصِينَ فِيهِ 4 بِسَاحِلِ الشَّامِ، يَسْفِكُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ اسْتِحْلَالًا لِذَلِكَ وَتَدَيُّنًا بِهِ، فَقَاتَلَهُمْ صِنْفٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ فَصَارُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَيَقُولُونَ: لَا أَنْتُمْ جِنْسٌ 5 آخَرُ.
فَهُمْ بِسَلَامَةِ قُلُوبِهِمْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ جِنْسٌ آخَرُ 6 خَارِجُونَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ [لِامْتِيَازِهِمْ عَنْهُمْ] 7 .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 14] وَهَذَا حَالُ 1 الرَّافِضَةِ، وَكَذَلِكَ 2 ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الْآَيَةَ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ: 16 - 22] وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُوَادُّ 3 الْكُفَّارَ مِنْ وَسَطِ قَلْبِهِ 4 أَكْثَرَ مِنْ مُوَادَّتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ 5 التُّرْكُ وَالْكُفَّارُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ 6 فَقَاتَلُوا 7 الْمُسْلِمِينَ وَسَفَكُوا دِمَاءَهُمْ بِبِلَادِ 8 خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا، كَانَتِ الرَّافِضَةُ مُعَاوَنَةً لَهُمْ عَلَى قِتَالِ 9 الْمُسْلِمِينَ، (10 وَوَزِيرُ بَغْدَادَ الْمَعْرُوفُ بِالْعَلْقَمِيِّ 10 هُوَ وَأَمْثَالُهُ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مُعَاوَنَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ 10) 11 ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ كَانُوا بِالشَّامِ بِحَلَبَ وَغَيْرِهَا 12 مِنَ الرَّافِضَةِ كَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مُعَاوَنَةً لَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى
الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ 1 بِالشَّامِ، كَانَتِ الرَّافِضَةُ مِنْ أَعْظَمِ أَعْوَانِهِمْ 2 . وَكَذَلِكَ إِذَا صَارَ الْيَهُودُ 3 دَوْلَةً بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ تَكُونُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَعْظَمِ أَعْوَانِهِمْ 4 فَهُمْ 5 دَائِمًا يُوَالُونَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُعَاوِنُونَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَمُعَادَاتِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا 6 ادَّعَى عِصْمَةَ الْأَئِمَّةِ دَعْوَى لَمْ يُقِمْ عَلَيْهَا حُجَّةً 7 ، إِلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْلِ الْعَالَمَ مِنْ أَئِمَّةٍ مَعْصُومِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَاللُّطْفِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ الْمُتَيَقَّنِ 8 : أَنَّ هَذَا الْمُنْتَظَرَ الْغَائِبَ الْمَفْقُودَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَاللُّطْفِ، سَوَاءٌ كَانَ مَيِّتًا كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ أَوْ كَانَ حَيًّا كَمَا تَظُنُّهُ الْإِمَامِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ أَجْدَادُهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَاللُّطْفِ الْحَاصِلَةِ 9 مِنْ إِمَامٍ مَعْصُومٍ ذِي سُلْطَانٍ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ إِمَامَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ 10 ، وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ سَعَادَتُهُمْ، وَلَمْ يَحْصُلْ بَعْدَهُ
أَحَدٌ لَهُ سُلْطَانٌ تُدَّعَى لَهُ الْعِصْمَةُ إِلَّا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 1 زَمَنَ خِلَافَتِهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ حَالَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ الَّتِي 2 كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا زَمَنَ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ أَعْظَمَ مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ 3 الَّذِي كَانَ [فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ] 4 زَمَنَ الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ وَالِافْتِرَاقِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَدَّعِي الْإِمَامِيَّةُ فِيهِ أَنَّهُ مَعْصُومٌ وَحَصَلَ لَهُ سُلْطَانٌ بِمُبَايَعَةِ ذِي الشَّوْكَةِ 5 إِلَّا عَلِيٌّ وَحْدَهُ، وَكَانَ مَصْلَحَةُ الْمُكَلَّفِينَ وَاللُّطْفُ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَقَلَّ مِنْهُ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ - عُلِمَ 6 بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا يَدَّعُونَهُ مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ بَاطِلٌ 7 قَطْعًا.
وَهُوَ 8 مِنْ جِنْسِ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ الَّذِي يُدَّعَى فِي رِجَالٍ 9 الْغَيْبِ بِجَبَلِ لُبْنَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْجِبَالِ 10 مِثْلَ جَبَلِ قَاسِيُونَ بِدِمَشْقَ، وَمَغَارَةِ الدَّمِ، وَجَبَلِ الْفَتْحِ بِمِصْرَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْجِبَالِ وَالْغِيرَانِ 11 ، فَإِنَّ
هَذِهِ الْمَوَاضِعَ يَسْكُنُهَا الْجِنُّ وَيَكُونُ بِهَا الشَّيَاطِينُ، وَيَتَرَاءَوْنَ أَحْيَانًا لِبَعْضِ النَّاسِ، وَيَغِيبُونَ عَنِ الْأَبْصَارِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، فَيَظُنُّ الْجُهَّالُ أَنَّهُمْ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ وَإِنَّمَا هُمْ رِجَالٌ مِنَ الْجِنِّ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [سُورَةُ الْجِنِّ: 6] .
وَهَؤُلَاءِ يُؤْمِنُ بِهِمْ وَبِمَنْ يَنْتَحِلُهُمْ مِنَ الْمَشَايِخِ طَوَائِفُ ضَالُّونَ 1 لَكِنَّ الْمَشَايِخَ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ رِجَالَ الْغَيْبِ لَا يَحْصُلُ بِهِمْ مِنَ الْفَسَادِ مَا يَحْصُلُ بِالَّذِينِ يَدَّعُونَ الْإِمَامَ الْمَعْصُومَ، بَلِ الْمَفْسَدَةُ وَالشَّرُّ الْحَاصِلُ فِي هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُمْ يَدَّعُونَ الدَّعْوَةَ 2 إِلَى إِمَامٍ مَعْصُومٍ وَلَا يُوجَدُ لَهُمْ أَئِمَّةُ ذَوُو سَيْفٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ إِلَّا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ مُنَافِقٌ أَوْ جَاهِلٌ 3 ، لَا تَخْرُجُ رُءُوسُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ.
وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ شَرٌّ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ وَمُنْتَهَى 4 دَعَوْتِهِمْ إِلَى رِجَالٍ مَلَاحِدَةٍ مُنَافِقِينَ فُسَّاقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ شَرٌّ فِي الْبَاطِنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فَالدَّاعُونَ إِلَى الْمَعْصُومِ لَا يَدْعُونَ إِلَى سُلْطَانٍ مَعْصُومٍ، بَلْ إِلَى سُلْطَانٍ كَفُورٍ أَوْ ظَلُومٍ.
وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِأَحْوَالِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] . فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ التَّنَازُعِ بِالرَّدِّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَلَوْ كَانَ لِلنَّاسِ مَعْصُومٌ غَيْرُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1) لَأَمَرَهُمْ بِالرَّدِّ إِلَيْهِ (2) ، فَدَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْصُومَ إِلَّا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (3)
فصل التعليق على كلامه عن الإمامة " وَلَمْ يَجْعَلُوا الْأَئِمَّةَ مَحْصُورِينَ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ "
فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَلَمْ يَجْعَلُوا الْأَئِمَّةَ مَحْصُورِينَ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ " فَهَذَا حَقٌّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] وَلَمْ يُوَقِّتْهُمْ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ.
وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ الْمُسْتَفِيضَةِ لَمْ يُوَقِّتْ وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: " «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» ". 4123
وَفِي صَحِيحِ 1 مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ: أَنَّهَا «سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى أَوْ بِعَرَفَاتٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ: " لَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ 2 مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا» ". 3 وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ 4 قَالَ: قَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» " 5 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ» ". 6
(1 وَفِي الْبُخَارِيِّ: " «مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ» " 1) 1 . (* وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ 2 : " «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً ". [ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيفَةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا - أَوْ قَالَ: خَفِيَتْ عَلَيَّ - فَقُلْتُ لِأَبِي: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: " كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» " 3 وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: قَالَ: " «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» ".] 4 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ
أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» " 1 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ جُمُعَةٍ 2 عَشِيَّةَ رَجْمِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: " لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ". 3 . *) 4 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ 5 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 6 - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ» " 7 .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» ".] (1) . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (2) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ» ". (3) [خَرَّجَهُ فِي بَابِ الْأُمَرَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ] (4)
فصل تابع رد ابن تيميَّة على كلام ابن المطهر عن الإمامة عند أهل السنة
فَصْلٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنْهُمْ 5 " كُلُّ مَنْ بَايَعَ قُرَشِيًّا انْعَقَدَتْ إِمَامَتُهُ وَوَجَبَتْ طَاعَتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ إِذَا كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى 6 عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْفِسْقِ 7 وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ ".1234
فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَيْسَ مَذْهَبُهُمْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مُبَايَعَةِ وَاحِدٍ قُرَشِيٍّ 1 تَنْعَقِدُ بَيْعَتُهُ، وَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ 2 النَّاسِ طَاعَتُهُ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ فَلَيْسَ هُوَ قَوْلَ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ 3 وَالْجَمَاعَةِ بَلْ قَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 4 : مَنْ بَايَعَ رَجُلًا بِغَيْرِ 5 مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا ". الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.] 6 .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ طَاعَةَ 1 الْإِمَامِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ، بَلْ لَا يُوجِبُونَ طَاعَتَهُ إِلَّا فِيمَا تَسُوغُ طَاعَتُهُ فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا يُجَوِّزُونَ طَاعَتَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَادِلًا 2 ، وَإِذَا 3 أَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَأَطَاعُوهُ: مِثْلَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَةِ 4 الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا أَطَاعُوا اللَّهَ، وَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ إِذَا أَمَرَ بِمَا هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ لَمْ تَحْرُمْ طَاعَةُ اللَّهِ وَلَا يَسْقُطْ وُجُوبُهَا لِأَجْلِ أَمْرِ ذَلِكَ الْفَاسِقِ بِهَا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ بِحَقٍّ لَمْ يَجُزْ تَكْذِيبُهُ وَلَا يَسْقُطْ وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْحَقِّ لِكَوْنِهِ قَدْ قَالَهُ فَاسْقٌ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُطِيعُونَ وُلَاةَ الْأُمُورِ مُطْلَقًا، إِنَّمَا يُطِيعُونَهُمْ فِي ضِمْنِ طَاعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 5 . كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] ، فَأَمَرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ مُطْلَقًا وَأَمَرَ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 80] ، وَجَعَلَ طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ دَاخِلَةً فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 6 وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ طَاعَةً ثَالِثَةً ; لِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَا يُطَاعُ طَاعَةً مُطْلَقَةً إِنَّمَا 7 يُطَاعُ فِي الْمَعْرُوفِ.
كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» ". 1 . وَقَالَ: " «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» " 2 وَ " «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» " 3 ، وَقَالَ: " «وَمَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» " 4 .
وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى شِيعَةِ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 1 أَنَّهُ تَجِبُ طَاعَةُ غَيْرِ الرَّسُولِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] 2 مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ، أَفْسَدُ مِنْ قَوْلِ مَنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى شِيعَةِ عُثْمَانَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 3 مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ 4 أَنَّهُ يَجِبُ طَاعَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُطِيعُونَ ذَا السُّلْطَانِ وَهُوَ مَوْجُودٌ 5 وَهَؤُلَاءِ يُوجِبُونَ طَاعَةَ مَعْصُومٍ مَفْقُودٍ.
وَأَيْضًا فَأُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا يَدَّعُونَ فِي أَئِمَّتِهِمُ الْعِصْمَةَ الَّتِي تَدَّعِيهَا الرَّافِضَةُ، بَلْ كَانُوا يَجْعَلُونَهُمْ كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَئِمَّةِ الْعَدْلِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَ فِيمَا لَمْ تَعْرِفْ 6 حَقِيقَةَ أَمْرِهِ، أَوْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ مِنْهُمُ الْحَسَنَاتِ وَيَتَجَاوَزُ لَهُمْ عَنِ السَّيِّئَاتِ.
وَهَذَا أَهْوَنُ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ لَا يُخْطِئُونَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى النَّصْبِ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ وَإِنْ كَانَ
فِيهِمْ خُرُوجٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فَخُرُوجُ الْإِمَامِيَّةِ عَنِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ أَكْثَرُ وَأَشَدُّ.
فَكَيْفَ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْمُوَافِقِ 1 لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، دُونَ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ 2 النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي وَلِيِّ الْأَمْرِ الْفَاسِقِ وَالْجَاهِلِ: هَلْ يُطَاعُ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ 3 مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ وَقَسْمُهُ إِذَا وَافَقَ الْعَدْلَ؟ أَوْ لَا يُطَاعُ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُنَفَّذُ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِهِ وَقَسْمِهِ؟ أَوْ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَبَيْنَ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ مِنَ الْفُرُوعِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَضْعَفُهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ: هُوَ رَدُّ جَمِيعِ أَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَقَسْمِهِ، وَأَصَحُّهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ: أَنْ يُطَاعَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مُطْلَقًا وَيُنَفَّذَ حُكْمُهُ وَقَسْمُهُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ عَدْلًا مُطْلَقًا، حَتَّى أَنَّ الْقَاضِيَ الْجَاهِلَ وَالظَّالِمَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ بِالْعَدْلِ 4 وَقَسْمُهُ 5 بِالْعَدْلِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ 6 ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ عَزْلُهُ إِذَا فَسَقَ إِلَّا بِقِتَالٍ وَفِتْنَةٍ، بِخِلَافِ الْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ
يُمْكِنُ عَزْلُهُ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ فَرْقٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِذَا وَلَّاهُ ذُو الشَّوْكَةِ لَا يُمْكِنُ عَزْلُهُ إِلَّا بِفِتْنَةٍ، وَمَتَى كَانَ السَّعْيُ فِي عَزْلِهِ مَفْسَدَةً أَعْظَمَ مِنْ مَفْسَدَةِ بَقَائِهِ، لَمْ يَجُزِ الْإِتْيَانُ بِأَعْظَمِ الْفَسَادَيْنِ 1 لِدَفْعِ أَدْنَاهُمَا، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ.
وَلِهَذَا كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَقِتَالَهُمْ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ 2 ظُلْمٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الْحَاصِلِ بِظُلْمِهِمْ بِدُونِ قِتَالٍ 3 وَلَا فِتْنَةٍ فَلَا يُدْفَعُ أَعْظَمُ الْفَسَادَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا 4 وَلَعَلَّهُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ طَائِفَةً خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ، إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ 5 أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ.
وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ كُلِّ ظَالِمٍ وَكُلِّ بَاغٍ كَيْفَمَا كَانَ، وَلَا أَمَرَ بِقِتَالِ الْبَاغِينَ ابْتِدَاءً 6 بَلْ قَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 9] فَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ 7 ، ابْتِدَاءً، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقِتَالِ وُلَاةِ الْأَمْرِ 8 ابْتِدَاءً؟ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - 1 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: لَا مَا صَلُّوا» ". 2 فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قِتَالِهِمْ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ أُمُورًا مُنْكَرَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ كَمَا يَرَاهُ مَنْ يُقَاتِلُ وُلَاةَ الْأَمْرِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 3 قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا.
قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ» " 4 .
فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْأُمَرَاءَ يَظْلِمُونَ وَيَفْعَلُونَ أُمُورًا مُنْكَرَةً، وَمَعَ هَذَا فَأُمِرْنَا أَنْ 5 نُؤْتِيَهُمُ الْحَقَّ الَّذِي لَهُمْ، وَنَسْأَلَ اللَّهَ الْحَقَّ الَّذِي لَنَا، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي أَخْذِ الْحَقِّ بِالْقِتَالِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي تَرْكِ الْحَقِّ الَّذِي لَهُمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - 6 عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ 1 فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ 2 مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ 3 مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً» ". 4 وَفِي لَفْظٍ: " «فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ 5 مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ مَاتَ مَيْتَةً 6 جَاهِلِيَّةً» ". وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ 7 وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 8 [لَمَّا ذَكَرَ] 9 أَنَّهُمْ «لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ.
قَالَ حُذَيْفَةُ: كَيْفَ أَصْنَعُ 10 يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» ". 11 فَهَذَا أَمْرٌ بِالطَّاعَةِ مَعَ ظُلْمِ الْأَمِيرِ.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1 " «مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا عَنْ طَاعَةٍ» ". 2 وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ الْخُرُوجِ عَنِ السُّلْطَانِ وَإِنْ عَصَى.
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عُبَادَةَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» ، قَالَ 3 : «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بِرِهَانٌ» " وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَنْ نَقُولَ - أَوْ نَقُومَ - بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» 4 ". فَهَذَا
أَمْرٌ 1 بِالطَّاعَةِ مَعَ اسْتِئْثَارِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ ظُلْمٌ مِنْهُ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنَازَعَةِ الْأَمْرِ أَهْلَهُ، وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ أَهْلَهُ هُمْ أُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمِرَ بِطَاعَتِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَأْمُرُونَ بِهِ، وَلَيْسَ 2 الْمُرَادُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلَّى 3 وَلَا سُلْطَانَ لَهُ، وَلَا الْمُتَوَلِّيَ الْعَادِلَ 4 ; لِأَنَّهُ 5 قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَسْتَأْثِرُونَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ 6 عَنْ مُنَازَعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْثِرًا، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّا إِذَا قَدَّرْنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعَدْلُ فِي كُلِّ مُتَوَلٍّ 7 فَلَا يُطَاعُ إِلَّا مَنْ كَانَ ذَا عَدْلٍ، لَا مَنْ كَانَ ظَالِمًا.
فَمَعْلُومٌ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدْلِ فِي الْوُلَاةِ لَيْسَ بِأَعْظَمَ 8 مِنِ اشْتِرَاطِهِ فِي الشُّهُودِ 9 فَإِنَّ الشَّاهِدَ قَدْ 10 يُخْبِرُ بِمَا لَا 11 يَعْلَمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا عَدْلٍ لَمْ يُعْرَفْ صِدْقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَأَمَّا وَلِيُّ الْأَمْرِ فَهُوَ يَأْمُرُ بِأَمْرٍ 12 يَعْلَمُ حُكْمَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَعْلَمُ هَلْ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ أَوْ مَعْصِيَةٌ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 6] فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ 1 إِذَا جَاءَ الْفَاسِقُ بِنَبَأٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الظُّلْمَ لَا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ وَلَا مِنَ الْأَمْرِ بِهَا.
وَهَذَا مِمَّا يُوَافِقُ عَلَيْهِ الْإِمَامِيَّةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ 2 فَالْفِسْقُ عِنْدَهُمْ لَا يُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ [كُلَّهَا] 3 (* بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفِسْقَ يُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ كُلَّهَا *) 4 ، وَلَوْ حَبِطَتْ حَسَنَاتُهُ كُلُّهَا 5 لَحَبِطَ إِيمَانُهُ، وَلَوْ حَبِطَ إِيمَانُهُ لَكَانَ 6 كَافِرًا مُرْتَدًّا فَوَجَبَ 7 قَتْلُهُ.
وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ 8 تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالْقَاذِفَ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الْأَيَّةَ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 9] يَدُلُّ 9 عَلَى وُجُودِ الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّةِ مَعَ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ 1 الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ كَانَتْ 2 عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ مِنْ عِرْضٍ 3 أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ 4 الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
5 . فَثَبَتَ أَنَّ الظَّالِمَ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ فَيَسْتَوْفِي 6 الْمَظْلُومُ مِنْهَا حَقَّهُ.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ 7 قَالَ: " «مَا تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ.
قَالَ: " الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ حَسَنَاتٌ أَمْثَالُ 8 الْجِبَالِ وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا 9 ، فَيُعْطَى 10 هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ
حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى 1 مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
2
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 114] ، (* فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ إِسَاءَتِهِ يَفْعَلُ حَسَنَاتٍ تَمْحُو إِسَاءَاتِهِ 3 وَإِلَّا لَوْ كَانَتِ السَّيِّئَاتُ قَدْ زَالَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ وَنَحْوِهَا 4 لَمْ تَكُنِ الْحَسَنَاتُ قَدْ أَذْهَبَتْهَا، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ [هُنَا 5 ] *) 6 : أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْفِسْقَ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ النَّبَأِ 7 وَالْفِسْقُ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ فِعْلِ كُلِّ حَسَنَةٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَشْهَدُ إِلَّا ذَوُو الْعَدْلِ، ثُمَّ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الظَّاهِرُ، فَإِذَا اشْتُرِطَ الْعَدْلُ فِي الْوِلَايَةِ، فَلِأَنْ يَكْفِيَ فِي ذَلِكَ الظَّاهِرِ أَوْلَى.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوِلَايَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُشْتَرَطُ فِي
الشَّهَادَةِ 1 يُبَيِّنُ ذَلِكَ 2 أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ 3 وَجَمِيعُ النَّاسِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ نُوَّابَ الْإِمَامِ غَيْرَ مَعْصُومِينَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِعِصْمَتِهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَلَّى الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمُحَارَبَةِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ 4 فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى 5 ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 6] 6 وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 7 كَانَ كَثِيرٌ مِنْ نُوَّابِهِ يَخُونُهُ 8 ، وَفِيهِمْ مَنْ هَرَبَ عَنْهُ، وَلَهُ مَعَ نُوَّابِهِ سِيَرٌ مَعْلُومَةٌ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ مَعْصُومًا مَا يَمْنَعُ اعْتِبَارَ الظَّاهِرِ وَوُجُودَ مِثْلِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعِصْمَةِ فِي الْأَئِمَّةِ شَرْطٌ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ وَلَا مَأْمُورٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ 9 مَنْفَعَةٌ، لَا فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنْيَا.
مِثْلُ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَّاكِ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ فِي الشَّيْخِ أَنْ يَعْلَمَ أُمُورًا لَا يَكَادُ يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، فَيَصِفُونَ الشَّيْخَ بِصِفَاتٍ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَعْصُومِ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ.
ثُمَّ مُنْتَهَى (1) هَؤُلَاءِ اتِّبَاعُ (2) شَيْخٍ جَاهِلٍ أَوْ ظَالِمٍ (3) ، وَاتِّبَاعُ هَؤُلَاءِ لِمُتَوَلٍّ ظَالِمٍ أَوْ (4) جَاهِلٍ مِثْلِ الَّذِي جَاعَ وَقَالَ: لَا يَأْكُلُ (5) مِنْ طَعَامِ الْبَلَدِ (6) حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (7) ، فَخَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَصَارَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إِلَّا عَلَفُ الْبَهَائِمِ، فَبَيْنَا هُوَ يَدْعُو إِلَى مَثَلِ طَعَامِ الْجَنَّةِ، انْتَهَى أَمْرُهُ إِلَى عَلَفِ الدَّوَابِّ كَالْكَلَأِ النَّابِتِ فِي (8) الْمُبَاحَاتِ.
وَهَكَذَا مَنْ غَلَا فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْعَدْلِ الشَّرْعِيِّ، يَنْتَهِي أَمْرُهُ إِلَى الرَّغْبَةِ الْفَاسِدَةِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، كَمَا قَدْ رُؤِيَ ذَلِكَ وَجُرِّبَ.
فصل كلام الرافضي على قول أهل السنة بالقياس وأخذهم بالرأي والرد عليه
فَصْلٌ.
قَالَ الرَّافِضِيُّ 9 : وَذَهَبَ الْجَمِيعُ مِنْهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَالْأَخْذِ بِالرَّأْيِ، فَأَدْخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ،12345678
وَحَرَّفُوا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، وَأَحْدَثُوا 1 مَذَاهِبَ أَرْبَعَةً لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 2 وَلَا زَمَنِ صَحَابَتِهِ 3 ، وَأَهْمَلُوا أَقَاوِيلَ 4 الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى تَرْكِ الْقِيَاسِ، وَقَالُوا: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ ".
فَيُقَالُ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ دَعْوَاهُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِإِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، فَقَدْ عُرِفَ فِيهِمْ طَوَائِفُ لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، كَالْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ 5 ، وَكَالظَّاهِرِيَّةِ كَدَاوُدَ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ.
وَأَيْضًا فَفِي الشِّيعَةِ 6 مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ كَالزَّيْدِيَّةِ.
فَصَارَ النِّزَاعُ فِيهِ بَيْنَ الشِّيعَةِ كَمَا هُوَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: الْقِيَاسُ وَلَوْ قِيلَ 7 : إِنَّهُ ضَعِيفٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ 8 عِلْمٌ