مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
لَيْسَ هُوَ الْإِرَادَةَ وَلَا مُسْتَلْزِمًا لَهَا، كَمَا أَثْبَتَ مَعْنَى الْخَبَرِ: أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْعِلْمَ بِإِخْبَارِ الْكَاذِبِ، فَاعْتَمَدَ عَلَى أَمْرِ الْمُمْتَحِنِ وَخَبَرِ الْكَاذِبِ.
لَكِنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَمْ يَرْضَوْا بِهَذَا الْجَوَابِ، فَإِنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا، وَإِنَّمَا هُوَ إِظْهَارُ أَمْرٍ.
وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْكَاذِبِ هُوَ قَالَ بِلِسَانِهِ 1 مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَخَبَرُ الْكَاذِبِ لَيْسَ خَبَرًا عَمَّا فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِظْهَارُ الْخَبَرِ [عَمَّا] 2 فِي نَفْسِهِ، فَصَارَ 3 أَمْرُ الْمُمْتَحِنِ كَأَمْرِ الْهَازِلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ هَزْلَهُ 4 ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا إِذَا عَرَفَ الْمَأْمُورُ حَقِيقَةَ 5 أَمْرِ الْمُمْتَحِنِ [لِيُعَاقِبَهُ] 6 ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ إِلَّا أَنْ يَعْصِيَهُ، فَإِنَّهُ يُطِيعُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَالْمُمْتَحِنُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ قَصْدُهُ أَنْ يَعْصِيَهُ الْمَأْمُورُ لِيُعَاقِبَهُ، مِثْلُ هَذَا الْمِثَالِ 7 . وَنَوْعٌ مُرَادُهُ طَاعَةُ الْمَأْمُورِ وَانْقِيَادُهُ 8 لِأَمْرِهِ، لَا نَفْسُ 9 الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى 10 لِلْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ، وَكَانَ الْمُرَادُ طَاعَةَ إِبْرَاهِيمَ وَبَذْلَ ذَبْحِ ابْنِهِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ 11 ، وَأَنْ يَكُونَ
طَاعَةُ اللَّهِ وَمَحْبُوبُهُ وَمُرَادُهُ (1) أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الِابْنِ، فَلَمَّا حَصَلَ هَذَا الْمُرَادُ، فَدَاهُ اللَّهُ بِالذِّبْحِ الْعَظِيمِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ - وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ - قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ - وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 103، 107] .
وَتَصَوُّرُ هَذِهِ الْمَعَانِي نَافِعٌ جِدًّا فِي هَذَا الْبَابِ، الَّذِي كَثُرَ فِيهِ الِاضْطِرَابُ (2) .
فصل كلام الرافضي على الرضا بقضاء الله وقدره والرد عليه
(فَصْلٌ) قَالَ الْإِمَامِيُّ الْقَدَرِيُّ 3 : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ 4 وَاجِبٌ، فَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ 5 وَجَبَ عَلَيْنَا الرِّضَا بِهِ 6 ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ ". وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: جَوَابُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّ الرِّضَا 712
وَاجِبٌ بِكُلِّ الْمَقْضِيَّاتِ 1 ، [وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ] 2 .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الرِّضَا بِالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ [وَنَحْوِهَا] 3 ، هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرِّضَا بِذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى أَهْلِ الرِّضَا بِقَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: 8] ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ الصَّبْرَ 4 ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِهِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالرِّضَا بِالْمَقْدُورِ، وَلَكِنْ أَمَرَ بِالرِّضَا بِالْمَشْرُوعِ.
فَالْمَأْمُورُ بِهِ يَجِبُ الرِّضَا بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 59] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ رِضَاهُ بِاللَّهِ 5 رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، وَلِمَا رُوِيَ: " «مَنْ لَمْ يَرْضَ 6 بِقَضَائِي، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلْوَائِي 7 ، فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوَائِي» 8 ".
لَكِنَّ هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ 1 ثُبُوتُهُ عَنِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] 2 . وَأَمَّا الرِّضَا بِاللَّهِ [رَبًّا] 3 ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ [صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] 4 نَبِيًّا فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَهَذَا هُوَ الرِّضَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِكُلِّ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ وَيُقَدِّرُهُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، بَلْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِأُمُورٍ مَعَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ:] ، وَقَوْلِهِ 5 : ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 108] .
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ [عَلَى هَذَا] 6 فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَكَيْفَ تَحَزَّبَ النَّاسُ فِيهِ أَحْزَابًا، حِزْبٌ زَعَمُوا 7 أَنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ، وَحِزْبٌ يُنْكِرُونَ قَضَاءَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمُ الرِّضَا بِهِ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ بَنَتْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ 8 الرِّضَا بِكُلِّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَكْرَهُ [وَيُبْغِضُ] 9 وَيَمْقُتُ كَثِيرًا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَكْرَهَهَا وَنَبْغَضَهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: الرِّضَا يُشْرَعُ بِمَا يَرْضَى اللَّهُ بِهِ، وَاللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 205] ، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ:] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 108] ، وَهَذَا أَمْرٌ مَوْجُودٌ مِنْ أَقْوَالِ الْعِبَادِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَهُ كَيْفَ يَأْمُرُ الْعَبْدَ بِأَنْ 1 يَرْضَاهُ؟ بَلِ الْوَاجِبُ أَنَّ الْعَبْدَ يَسْخَطُ مَا يَسْخَطُهُ اللَّهُ 2 ، وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُهُ 3 اللَّهُ، وَيَرْضَى بِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 28] فَذَمَّ 4 مَنِ اتَّبَعَ مَسَاخِطَهُ 5 وَكَرِهَ مَرَاضِيَهُ، وَلَمْ يَذُمَّ مَنْ كَرِهَ مَسَاخِطَهُ وَاتَّبَعَ مَرَاضِيَهُ.
فَإِذَا قَالَ: فَكَيْفَ 6 يَكُونُ اللَّهُ سَاخِطًا مُبْغِضًا 7 لِمَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ؟ قِيلَ: نَعَمْ كَمَا تَقَدَّمَ 8 . أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْأَكْثَرِينَ [فَلِأَنَّ الْمَقْضِيَّ شَيْءٌ كَوَّنَهُ 9 ، وَعِنْدَهُمُ الْبُغْضُ مُغَايِرٌ لِلْإِرَادَةِ.
وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْأَقَلِّينَ] 10 فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ:
سُخْطُهُ لَهُ وَبُغْضُهُ 1 هُوَ إِرَادَتُهُ عُقُوبَةَ 2 فَاعِلِهِ، فَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِعُقُوبَةِ فَاعِلِهِ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَمَأْمُورُونَ بِأَنْ نَكْرَهَ مَا يَنْهَى عَنْهُ 3 . لَكِنَّ الْجَوَابَ عَلَى هَذَا [الْقَوْلِ] 4 يَعُودُ إِلَى 5 الْجَوَابِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ نَفْسَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، قَدْ أَمَرَ الْعَبْدَ بِأَنْ يَكْرَهَهُ وَيُبْغِضَهُ وَيَسْخَطَهُ 6 ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَيْسَ كُلُّ مَقْدُورٍ مَقْضِيٍّ مَأْمُورًا يَرْضَى بِهِ 7 .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ مَا يَضُرُّ النَّاسَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْعُقُوبَاتِ يَخْلُقُهَا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ 8 وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَفْعَلُ مَا يَكْرَهُهُ، كَشُرْبِهِ 9 الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ لِمَا [لَهُ] 10 فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا كَالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، فَشُرْبُ الدَّوَاءِ مَكْرُوهٌ مِنْ وَجْهٍ مَحْبُوبٌ مِنْ وَجْهٍ، فَالْعَبْدُ يُوَافِقُ رَبَّهُ فَيَكْرَهُ 11
الذُّنُوبَ وَيَمْقُتُهَا وَيُبْغِضُهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُهَا وَيَمْقُتُهَا، وَيَرْضَى بِالْحِكْمَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِأَجْلِهَا، فَهِيَ مِنْ جِهَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ لَهَا مَكْرُوهَةٌ مَسْخُوطَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ خَلْقِ الرَّبِّ لَهَا مَحْبُوبَةٌ مَرْضِيَّةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ.
وَالْعَبْدُ فَعَلَهَا وَهِيَ ضَارَّةٌ لَهُ مُوجِبَةٌ لَهُ الْعَذَابَ، فَنَحْنُ نُنْكِرُهَا وَنَكْرَهُهَا وَنَنْهَى عَنْهَا كَمَا أَمَرَنَا 1 اللَّهُ بِذَلِكَ، إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضًا [سُبْحَانَهُ] 2 ، يَسْخَطُهَا وَيُبْغِضُهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَهَا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَنَرْضَى 3 بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.
فَمَتَى لَحَظْنَا أَنَّ اللَّهَ قَضَاهَا وَقَدَّرَهَا رَضِينَا عَنِ اللَّهِ وَسَلَّمْنَا لِحُكْمِهِ 4 . وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْعَبْدِ يَفْعَلُهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ نَكْرَهَ ذَلِكَ وَنَنْهَى عَنْهُ وَنَجْتَهِدَ 5 فِي دَفْعِهِ 6 بِحَسَبِ إِمْكَانِنَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَّا.
وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرْسَلَ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ 7 ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ فِي إِرْسَالِهِمْ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ.
وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَا يُنَافِي الْآخَرَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَأَمَرَنَا بِقَتْلِ ذَلِكَ، فَنَحْنُ نَرْضَى عَنِ اللَّهِ إِذْ خَلَقَ ذَلِكَ، وَنَعْلَمُ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ حِكْمَةً، وَنَقْتُلُهُمْ 8 كَمَا أَمَرَنَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ.
وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ: وَهُوَ أَنَّا نَرْضَى بِالْقَضَاءِ لَا بِالْمَقْضِيِّ.
وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ [بِجَوَابٍ آخَرَ] : أَنَّا نَرْضَى بِهَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا 1 خَلْقًا، وَنَسْخَطُهَا مِنْ جِهَةِ 2 كَوْنِهَا كَسْبًا.
وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْجَوَابِ الثَّالِثِ، لَكِنَّ إِثْبَاتَ الْكَسْبِ إِذَا لَمْ يَجْعَلِ الْعَبْدَ فَاعِلًا - فِيهِ كَلَامٌ قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 3 .
فَالَّذِينَ جَعَلُوا الْعَبْدَ كَاسِبًا غَيْرَ فَاعِلٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْجَهْمِ [بْنِ صَفْوَانَ] 4 وَحُسَيْنٍ النَّجَّارِ، وَأَبِي الْحَسَنِ [الْأَشْعَرِيِّ] وَغَيْرِهِمْ 5 ، كَلَامُهُمْ مُتَنَاقِضٌ ; وَلِهَذَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا فِي بَيَانِ هَذَا الْكَسْبِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ كَلَامًا مَعْقُولًا، بَلْ تَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ 6 الْمَقْدُورُ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: مَا قَامَ بِمَحَلِّ الْقُدْرَةِ أَوْ بِمَحَلِّ الْقُدْرَةِ 7 الْحَادِثَةِ.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَا الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ؟
قَالُوا: مَا قَامَتْ بِمَحَلِّ الْكَسْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ 8 مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي
تَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: مَعْلُومٌ (1) بِالِاضْطِرَارِ الْفَرْقُ بَيْنَ حَرَكَةِ الْمُخْتَارِ وَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ.
وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، فَإِنَّ هَذَا الْفَرْقَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَعُودَ إِلَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا مُرَادًا دُونَ الْآخَرِ، إِذْ يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُرِيدَ فِعْلَ غَيْرِهِ، فَرَجَعَ الْفَرْقُ إِلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ عَلَى أَحَدِهِمَا قُدْرَةً يَحْصُلُ بِهَا الْفِعْلُ دُونَ الْآخَرِ، وَالْفِعْلُ هُوَ الْكَسْبُ، لَا يُعْقَلُ شَيْئَانِ فِي الْمَحَلِّ، أَحَدُهُمَا فِعْلٌ، وَالْآخَرُ كَسْبٌ.
فصل من كلام الرافضي عن القدر عند أهل السنة " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ نَسْتَعِيذَ بِإِبْلِيسَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى " والرد عليه
(فَصْلٌ)
قَالَ [الرَّافِضِيُّ] : 2 " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ 3 أَنْ نَسْتَعِيذَ 4 بِإِبْلِيسَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَحْسُنُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 98] لِأَنَّهُمْ نَزَّهُوا إِبْلِيسَ (* وَالْكَافِرَ مِنَ 5 الْمَعَاصِي، وَأَضَافُوهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُكَلَّفِينَ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ *) 6 عَلَيْهِمْ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ".
فَيُقَالُ: هَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ 7 ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:1
أَحَدُهَا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِبْلِيسَ فِعْلٌ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ 1 فِعْلٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ امْتَنَعَ أَنْ يُسْتَعَاذَ بِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُعِيذُ أَحَدًا وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ بَطَلَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الْمَعَاصِي، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ سَاقِطٌ عَلَى قَوْلِ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ وَنُفَاتِهِ، وَهُوَ إِيرَادُ مَنْ غَفَلَ عَنِ الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ 2 بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ لِإِبْلِيسَ فِعْلٌ، فَلَا يَكُونُ مِنْهُ 3 شَرٌّ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ غَيْرَهُ شَرٌّ مِنْهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ 4 يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] 5 شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ 6 .
فَدَعْوَى هَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ 7 اللَّهُ شَرًّا عَلَيْهِمْ مِنْ إِبْلِيسَ - دَعْوَى بَاطِلَةٌ، إِذْ غَايَةُ مَا يَقُولُهُ الْقَائِلُ هُوَ الْجَبْرُ الْمَحْضُ 8 ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الْجَهْمِ وَشِيعَتِهِ، وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ 9 لِإِبْلِيسَ وَلَا غَيْرِهِ قُدْرَةٌ وَلَا مَشِيئَةٌ وَلَا فِعْلٌ، بَلْ تَكُونُ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْهَوَاءِ 10 ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِهَذَا كُلِّهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ 11 إِنَّ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ شَرٌّ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا تَحْسُنُ الِاسْتِعَاذَةُ بِإِبْلِيسَ لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيذَهُمْ مِنَ اللَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّهُ خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَهَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةُ، كَالْمُصَنِّفِ وَأَمْثَالِهِ هُمْ 1 مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ إِبْلِيسَ يَفْعَلُ مَا لَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ 2 ، وَيَفْعَلُ بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَيَكُونُ فِي مُلْكِ اللَّهِ مَا لَا يَشَاؤُهُ 3 ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ (* عَلَى أَنْ يُحَرِّكَ إِبْلِيسَ وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ، وَلَا يَنْقُلَهُمْ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ: لَا مِنْ خَيْرٍ إِلَى شَرٍّ، وَلَا مِنْ شَرٍّ إِلَى خَيْرٍ، فَهُمْ مُسَلِّمُونَ 4 مَعَ هَذَا *) 5 الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّسْلِيطِ الَّذِي أَثْبَتُوهُ لِإِبْلِيسَ 6 مِنْ دُونِ اللَّهِ - أَنَّ إِبْلِيسَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُجِيرَ 7 عَلَى اللَّهِ، وَلَا يُعِيذَ أَحَدًا مِنْهُ، فَامْتَنَعَ عَلَى هَذَا أَنْ يُسْتَعَاذَ بِهِ، وَلَوْ قَدَرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - مَا أَلْزَمُوهُ مِنْ كَوْنِ غَيْرِ إِبْلِيسَ شَرًّا مِنْهُ عَلَى الْخَلْقِ لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا عَاجِزٌ عَنْ دَفْعِ 8 قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَكَانَ الْمُسْتَعِيذُ بِهِ، بَلْ بِسَائِرِ الْمَخْلُوقِينَ مَخْذُولًا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 22] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سُورَةُ
الْمُؤْمِنُونَ: 88، 89] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 41] .
[الْوَجْهُ] 1 الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ [فِي سُجُودِهِ] 2 : " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ". 3 . [وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا فِي الْوَتْرِ أَيْضًا] 4 فَإِذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَعَاذَ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ، فَأَيُّ امْتِنَاعٍ أَنْ 5 يُسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ؟
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ دُعَاءُ الْعَبْدِ
لِرَبِّهِ وَاسْتِعَاذَتُهُ بِهِ سَبَبًا لِنَيْلِ الْمَطْلُوبِ وَدَفْعِ الْمَرْهُوبِ، كَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا، فَهُمْ إِذَا اسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ 1 مِنَ الشَّيْطَانِ، كَانَ نَفْسُ اسْتِعَاذَتِهِمْ بِهِ سَبَبًا 2 لِأَنْ يُعِيذَهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَقَدْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ 3 الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الظَّلَمَةِ الْقَادِرِينَ 4 مَنْ يَأْمُرُ بِضَرَرِ 5 غَيْرِهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَإِذَا اسْتَجَارَ بِهِ مُسْتَجِيرٌ وَذَلَّ لَهُ؛ دَفَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الظَّالِمُ الَّذِي أَمَرَهُ هُوَ بِظُلْمِهِ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ الْمُنَزَّهُ عَنِ الظُّلْمِ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، [وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ] 6 مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ شَرِّ أَسْبَابِ الشَّرِّ الَّتِي قَضَاهَا بِحِكْمَتِهِ؟
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ عَلَى طَرِيقَةِ الطَّائِفَتَيْنِ.
أَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ بِالْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِبْلِيسَ الضَّارَّ لِعِبَادِهِ، وَجَعَلَ اسْتِعَاذَةَ الْعِبَادِ 7 بِهِ مِنْهُ طَرِيقًا إِلَى دَفْعِ ضَرَرِهِ، كَمَا جَعَلَ إِطْفَاءَ النَّارِ طَرِيقًا إِلَى دَفْعِ حَرِيقِهَا، وَكَمَا جَعَلَ التِّرْيَاقَ طَرِيقًا إِلَى دَفْعِ ضَرَرِ السُّمِّ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ النَّافِعَ وَالضَّارَّ 8 ، وَأَمَرَ الْعِبَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلُوا مَا يَنْفَعُهُمْ، وَيَدْفَعُوا بِهِ مَا يَضُرُّهُمْ.
ثُمَّ إِنْ أَعَانَهُمْ عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ كَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمَ
مَا يُرِيدُ، إِذْ لَا مَالِكَ فَوْقَهُ، وَلَا آمِرَ لَهُ، وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْصِ أَمْرًا مُطَاعًا.
وَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ الْمُثْبِتَةِ لِلْحِكْمَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: خَلَقَ اللَّهُ إِبْلِيسَ كَمَا خَلَقَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَالنَّارَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، لِمَا فِي خَلْقِهِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ.
وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْفَعَ الضَّرَرَ عَنَّا بِكُلِّ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ اسْتِعَاذَتُنَا بِهِ [مِنْهُ] ، فَهُوَ الْحَكِيمُ 1 (2 فِي خَلْقِ إِبْلِيسَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي أَمْرِنَا بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ [مِنْهُ] 2 ، وَهُوَ الْحَكِيمُ 3 2) إِذْ 4 جَعَلَنَا نَسْتَعِيذُ بِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي إِعَاذَتِنَا مِنْهُ، وَهُوَ الْحَكِيمُ بِنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، الْمُحْسِنُ إِلَيْنَا الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْنَا، إِذْ هُوَ أَرْحَمُ بِنَا مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا 5 إِذْ هُوَ 6 الْخَالِقُ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، فَخَالِقُ الرَّحْمَةِ أَوْلَى بِالرَّحْمَةِ مِنَ الرُّحَمَاءِ.
الْوَجْهُ 7 السَّادِسُ: قَوْلُهُ: " لِأَنَّهُمْ نَزَّهُوا إِبْلِيسَ وَالْكَافِرَ 8 مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَضَافُوهَا إِلَى اللَّهِ، [إِلَى آخِرِهِ] " 9 - فِرْيَةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعَاصِيَ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْمَعْصِيَةِ، الْمَذْمُومِ عَلَيْهَا
الْمُعَاقَبِ عَلَيْهَا.
وَالْأَفْعَالُ يَتَّصِفُ 1 بِهَا (* مَنْ قَامَتْ بِهِ لَا مَنْ خَلَقَهَا، وَإِذَا كَانَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ، كَالطُّعُومِ وَالْأَلْوَانِ، يُوصَفُ بِهَا *) 2 مَحَالُّهَا لَا خَالِقُهَا فِي مَحَالِّهَا، فَكَيْفَ تَكُونُ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ؟
وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا خَلَقَ الْفَوَاسِقَ: كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْفَوَاسِقَ فَوَاسَقَ، هَلْ يَكُونُ هُوَ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ؟ وَإِذَا خَلَقَ الْخَبَائِثَ: كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ، وَجَعَلَ الْخَبِيثَ خَبِيثًا، هَلْ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ؟ وَأَيْنَ 3 إِضَافَةُ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا الَّتِي قَامَتْ بِهِ، مِنْ إِضَافَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَى خَالِقِهِ؟ فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْفُرْقَانَ 4 فَقَدْ سُلِبَ خَاصِّيَّةَ الْإِنْسَانِ.
[الْوَجْهُ] 5 السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَعِيذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ 6 الْقَبْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَاتُهُ 7 بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ نَسْتَعِيذَ 8 مِمَّا خَلَقَهُ مِنَ الشَّرِّ 9 كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [سُورَةُ الْفَلَقِ: 1، 2] ، وَلَا فَرْقَ [فِي ذَلِكَ] 10 بَيْنَ إِبْلِيسَ وَغَيْرِهِ.
فصل من كلام الرافضي قوله: لَا يَبْقَى وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ
(فَصْلٌ)
قَالَ [الرَّافِضِيُّ] : 1 " وَمِنْهَا أَنَّهُ 2 لَا يَبْقَى وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا جَوَّزُوا اسْتِنَادَ 3 الْكَذِبِ فِي الْعَالَمِ إِلَيْهِ، جَازَ أَنْ يُكَذَّبَ فِي إِخْبَارَاتِهِ كُلِّهَا، فَتَنْتَفِي فَائِدَةُ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ 4 ، بَلْ 5 وَجَازَ مِنْهُ إِرْسَالُ الْكَذَّابِ 6 ، فَلَا يَبْقَى لَنَا طَرِيقٌ إِلَى تَمْيِيزِ الصَّادِقِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكَاذِبِ ".
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا 7 : أَنَّهُ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ فَرَّقَ 8 بَيْنَ مَا خَلَقَهُ صِفَةً لِغَيْرِهِ، وَبَيْنَ مَا اتَّصَفَ هُوَ [بِهِ] 9 فِي نَفْسِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ إِضَافَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَى خَالِقِهِ، وَإِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا.
وَهَذَا الْفَرْقُ مَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا خَلَقَ 10 لِغَيْرِهِ حَرَكَةً لَمْ يَكُنْ
هُوَ الْمُتَحَرِّكُ بِهَا 1 ، وَإِذَا خَلَقَ لِلرَّعْدِ صَوْتًا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ، وَإِذَا خَلَقَ الْأَلْوَانَ فِي النَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُتَّصِفَ بِتِلْكَ الْأَلْوَانِ، وَإِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَحَيَاةً لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتُ فِي غَيْرِهِ صِفَاتٍ لَهُ، وَإِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ عَمًى وَصَمَمًا وَبَكَمًا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ الْعَمَى 2 وَالْبَكَمِ وَالصَّمَمِ، وَإِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ خُبْثًا أَوْ فُسُوقًا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ الْخُبْثِ وَالْفُسُوقِ، وَإِذَا خَلَقَ فِي غَيْرِهِ كَذِبًا وَكُفْرًا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ الْكَذِبِ وَبِذَلِكَ الْكُفْرِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَدَّرَ أَنَّهُ 3 خَلَقَ فِيهِ طَوَافًا وَسَعْيًا وَرَمْيَ جِمَارٍ وَصِيَامًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا، لَمْ يَكُنْ هُوَ الطَّائِفَ السَّاعِيَ الرَّاكِعَ السَّاجِدَ الرَّامِيَ بِتِلْكَ الْحِجَارَةِ 4 . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 17] مَعْنَاهُ: مَا أَصَبْتَ إِذْ حَذَفْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَصَابَ، فَالْمُضَافُ إِلَيْهِ الْحَذْفُ بِالْيَدِ، وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْإِيصَالُ إِلَى الْعَدُوِّ وَإِصَابَتُهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الرَّامِيَ [وَالرَّمْيَ] 5 ، قَالُوا 6 : كَانَ هُوَ الرَّامِيَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لِكَوْنِهِ خَالِقًا لِرَمْيِهِ لَاطَّرَدَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ، فَكَانَ يَقُولُ:
وَمَا مَشَيْتَ [إِذَا مَشَيْتَ] 1 وَلَكِنَّ اللَّهَ مَشَى، وَمَا لَطَمْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ لَطَمَ، وَمَا طَعَنْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ طَعَنَ، وَمَا ضَرَبْتَ بِالسَّيْفِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ، وَمَا رَكِبْتَ الْفَرَسَ 2 وَلَكِنَّ اللَّهَ رَكِبَ، وَمَا صُمْتَ، وَمَا صَلَّيْتَ، وَمَا حَجَجْتَ 3 ، وَلَكِنَّ اللَّهَ صَامَ وَصَلَّى وَحَجَّ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ 4 بُطْلَانُ هَذَا كُلِّهِ، وَهَذَا 5 مِنْ غُلُوِّ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ.
وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 6 أَنَّهُمْ 7 كَانُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ لَمَّا حُصِرَ 8 ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تَرْمُونَنِي؟ 9 فَقَالُوا: مَا رَمَيْنَاكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَاكَ.
فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ رَمَانِي لَأَصَابَنِي، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَرْمُونَنِي وَتُخْطِئُونَنِي.
وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ.
كَمَا احْتَجَّ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ 10 بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 17] وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ.
فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ فِي
عَبْدٍ 1 فِعْلًا، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ صَوَابًا مِنَ الْعَبْدِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ فِي الْجِسْمِ طَعْمًا أَوْ رِيحًا، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ [ذَلِكَ] 2 طَيِّبًا، وَإِذَا خَلَقَ لِلْعَبْدِ عَيْنَيْنِ 3 وَلِسَانًا، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا نَاطِقًا.
فَاسْتِنَادُ الْكَذِبِ الَّذِي فِي النَّاسِ، كَاسْتِنَادِ جَمِيعِ مَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقِينَ 4 مِنَ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَحْوَالِ الْمَذْمُومَةِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مَذْمُومٌ، وَلَا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ.
وَلَكِنَّ لَفْظَ " الِاسْتِنَادِ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ.
أَتُرَاهُ [أَنَّهُ] 5 إِذَا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْعَجْزُ الْمَخْلُوقُ فِي النَّاسِ لِكَوْنِهِ خَالِقَهُ، يَكُونُ هُوَ عَاجِزًا؟ فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ هَذِهِ الْحُجَّةِ 6 .
[الْوَجْهُ] 7 الثَّانِي: أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ أَنَّهُ يَخْلُقُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَذِبِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ 8 صَاحِبَهَا يَكْذِبُ، وَيَخْلُقُ الْقُدْرَةَ عَلَى الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ صَاحِبَهَا يَظْلِمُ وَيُفْحِشُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا 9 يَجْرِي تَمْكِينُهُ مِنَ الْقَبَائِحِ وَإِعَانَتُهُ عَلَيْهَا مَجْرَى فِعْلِهِ لَهَا، فَمَنْ أَعَانَ غَيْرَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِإِعْطَاءِ أُمُورٍ 10 يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْكَذِبِ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْكَذِبِ 11 فِي الْقُبْحِ،
فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعِينَ عَلَى إِثْمٍ وَ [لَا] عُدْوَانٍ 1 ، كَمَا نَهَى 2 اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مَا قَبُحَ مِنْهُ قَبُحَ مِنَّا، فَيَلْزَمُ أَنْ يُجَوِّزُوا عَلَيْهِ إِذَا أَعَانَ عَلَى الْكَذِبِ أَنْ يَكْذِبَ، وَيَلْزَمُهُمُ 3 الْمَحْذُورُ.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا أَعْطَاهُ الْقُدْرَةَ لِيُطِيعَ لَا لِيَعْصِيَ.
قِيلَ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ يَعْصِي كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُعْطِي 4 الرَّجُلَ سَيْفًا لِيُقَاتِلَ بِهِ الْكُفَّارَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ نَبِيًّا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَقِّنَا، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْغَرَضَ 5 لَا يَحْصُلُ بِهِ كَانَ سَفِيهًا فِينَا، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي أَفْعَالِهِ مُخَالِفٌ لِأَفْعَالِ عِبَادِهِ 6 ، وَإِنْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِعِلَّةٍ يُمْكِنُ اسْتِقَامَتُهَا.
قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ لَهُ حِكْمَةٌ، كَمَا لِلْإِعَانَةِ عَلَيْهِ بِالْقُدْرَةِ حِكْمَةٌ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُمْكِنٌ نَشُكُّ فِي وُقُوعِهِ، بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ أَشْيَاءَ مَعَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَهِيَ مُمْكِنَةٌ.
فَنَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْلِبُ الْبِحَارَ أَدْهَانًا، وَلَا الْجِبَالَ يَوَاقِيتَ، وَلَا يَمْسَخُ جَمِيعَ الْآدَمِيِّينَ 7 ثَعَالِبَ، وَلَا يَجْعَلُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عُودَيْ رَيْحَانٍ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
وَعِلْمُنَا بِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْكَذِبِ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ - أَعْظَمُ مِنْ عِلْمِنَا بِهَذَا.
[الْوَجْهُ] 1 الرَّابِعُ: أَنَّا نَقُولُ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ 2 بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَبَتَ 3 لِمَوْجُودٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَكُلَّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ 4 عَنْهُ مَوْجُودٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ 5 أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ صِفَاتُ كَمَالٍ، فَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا مِنَ الْعِبَادِ.
وَكَذَلِكَ الصِّدْقُ هُوَ صِفَةُ كَمَالٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاتِّصَافِ بِهِ مِنْ كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 87] . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: " «إِنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ» " 6 .
[الْوَجْهُ] 7 الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: [قَدِ] 8 اتَّفَقَ السَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بَلْ قَائِمٌ بِهِ.
ثُمَّ تَنَازَعُوا: هَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ [مَعْرُوفَيْنِ] . فَالْأَوَّلُ 1 : قَوْلُ السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ ابْنِ كِلَابٍ وَمَنْ تَبِعَهُ 2 .
ثُمَّ تَنَازَعَ أَتْبَاعُ ابْنِ كِلَابٍ هَلِ الْقَدِيمُ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ (* وَقُدْرَتِهِ مَعْنًى قَائِمٌ [بِذَاتِهِ] 3 ، أَوْ حُرُوفٌ 4 ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَلِيَّةٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
[كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ] 5 .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ امْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ بِهِ غَيْرُ *) 6 مَا اتَّصَفَ بِهِ، وَالصِّدْقُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْعِلْمُ أَوْ مَعْنًى يَسْتَلْزِمُهُ الْعِلْمُ 7 . وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِلْمَهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَوَازِمُ الْعِلْمِ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، فَيَكُونُ الصِّدْقُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ 8 ، فَيَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِنَقِيضِهِ، فَإِنَّ لَازِمَ الذَّاتِ الْقَدِيمَةِ الْوَاجِبَةِ بِنَفْسِهَا يَمْتَنِعُ 9 عَدَمُهُ كَمَا يَمْتَنِعُ عَدَمُهَا، فَإِنَّ عَدَمَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمَلْزُومِ.
وَأَيْضًا فَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ حِينَئِذٍ مِثْلُ الْبَصَرِ وَالْعَمَى، وَالسَّمْعِ وَالصَّمَمِ، وَالْكَلَامِ وَالْخَرَسِ، وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْبَصَرِ دُونَ الْعَمَى، وَبِالسَّمْعِ دُونَ الصَّمَمِ، وَبِالْكَلَامِ دُونَ الْخَرَسِ 10 ، وَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَتَّصِفَ 11 بِالصِّدْقِ دُونَ الْكَذِبِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهَؤُلَاءِ عَامَّتُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ لِحِكْمَةٍ وَيَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ.
وَأَدِلَّةُ هَؤُلَاءِ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنْ فِعْلِ 1 الْقَبَائِحِ أَعْظَمُ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَقْوَى، فَإِنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنْ فِعْلٍ قَبِيحٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ - فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنْ فِعْلٍ قَبِيحٍ يَقُومُ بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، فَإِنَّ كَوْنَ مَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْقَبَائِحِ نَقْصًا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِ فِعْلِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ نَقْصًا، فَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا فَذَاكَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ.
[الْوَجْهُ] : السَّادِسُ 2 أَنْ يُقَالَ: الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلَى امْتِنَاعِ اتِّصَافِهِ سُبْحَانَهُ بِالنَّقَائِصِ وَالْقَبَائِحِ وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْهَا.
وَالْكَلَامُ قَائِمٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَذِبٍ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ قَائِمٌ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْقَبِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ.
وَهَذَا طَرِيقٌ يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ لِتَنْزِيهِهِ عَنِ الْكَذِبِ.
وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ عِنْدَهُمْ.
فَإِذَا قَالَ لَهُمْ [هَؤُلَاءِ] 3 الْمُثْبِتَةُ: الدَّلِيلُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنِ الِاتِّصَافِ فِي نَفْسِهِ بِالْقَبَائِحِ وَعَنْ فِعْلِهِ لَهَا، وَالْفِعْلُ مَا قَامَ بِالْفَاعِلِ، وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ فَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، لَا فِعْلَ لَهُ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَذْكُرُوا دَلِيلًا عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي مَفْعُولَاتِهِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ كَانَتْ 4 حُجَّةُ هَؤُلَاءِ حُجَّةً ظَاهِرَةً عَلَى الْقَدَرِيَّةِ.
[الْوَجْهُ] 1 السَّابِعُ: أَنَّ كَلَامَهُ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ 2 بِهَا، سَوَاءٌ قَالُوا 3 : إِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ، أَوْ هُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ.
أَوْ قَالُوا: 4 إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ [وَقُدْرَتِهِ] ، أَوْ إِنَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، أَوْ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ.
فَعَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا هُوَ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَالْكَذِبُ صِفَةُ نَقْصٍ كَالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ وَالْعَمَى 5 ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ 6 عَنْ قِيَامِ النَّقَائِصِ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ مُتَّصِفِينَ بِالنَّقَائِصِ، فَيَخْلُقُ الْعَمَى وَالصَّمَمَ وَالْبَكَمَ وَلَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ 7 يَخْلُقُ الْكَذِبَ فِي الْكَاذِبِ وَلَا يَقُومُ بِهِ الْكَذِبُ 8 .
[الْوَجْهُ] 9 الثَّامِنُ أَنْ [يُقَالَ] 10 : هَذَا السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي غَيْرِهِ كَلَامًا يَكُونُ هُوَ كَلَامَهُ، مَعَ كَوْنِهِ قَائِمًا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ.
وَالْكَلَامُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ الْعِبَادُ هُوَ عِنْدَهُمْ
لَيْسَ مَخْلُوقًا لَهُ وَلَا هُوَ كَلَامُهُ، فَإِذَا (1) كَانَ هَذَا صِدْقًا وَهَذَا صِدْقًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّ هَذَا كَلَامُهُ وَلَيْسَ هَذَا بِكَلَامِهِ.
الرد على قول الرافضي: وجاز منه إرسال الكذاب والرد عليه
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَجَازَ [مِنْهُ] 2 إِرْسَالُ الْكَذَّابِ " فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ الْكَذَّابَ، كَإِرْسَالِ الشَّيَاطِينِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: 83] ، وَ [يَبْعَثُهُمْ] كَمَا فِي قَوْلِهِ 3 تَعَالَى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 5] ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَقْرُونًا بِمَا يُبَيِّنُ كَذِبَهُمْ، كَمَا فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ.
وَلَكِنْ لَيْسَ 4 فِي مُجَرَّدِ إِرْسَالِ الْكَذَّابِ مَا يَمْنَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّادِقِ، كَمَا أَنَّهُ يُرْسِلُ الظَّالِمَ، وَلَيْسَ فِي إِرْسَالِهِ مَا يَمْنَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَادِلِ، وَيُرْسِلُ الْجَاهِلَ وَالْفَاجِرَ 5 وَالْأَعْمَى وَالْأَصَمَّ، وَلَيْسَ فِي إِرْسَالِ هَؤُلَاءِ مَا يَمْنَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ.
وَلَفْظُ " الْإِرْسَالِ " يَتَنَاوَلُ إِرْسَالَ الرِّيَاحِ وَإِرْسَالَ الشَّيَاطِينِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هُمْ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَخْلُقَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَإِعْطَاءَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَذِبِ، كَمَا خَلَقَ مُسَيْلِمَةَ [الْكَذَّابَ] 6 وَالْعَنْسِيَّ.
فَإِنْ كَانَ1
خَلْقُهُ لِهَذَا جَائِزًا، مَعَ أَنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّادِقِ.
كَذَلِكَ خَلَقَ الْكَذَّابَ بِكَذِبِهِ 1 .
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ، فَإِنْ قَالُوا: يَجُوزُ إِظْهَارُ أَعْلَامِ الصِّدْقِ عَلَيْهِ، كَانَ هَذَا مَمْنُوعًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ بِلَا عِلْمٍ عَلَى الصِّدْقِ ضَارًّا 2 ، فَإِنَّ الشَّخْصَ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ طَبِيبٌ أَوْ صَانِعٌ 3 بِلَا دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمُدَّعِي 4 النُّبُوَّةِ؟
وَإِنْ قَالُوا: 5 إِذَا جَوَّزْتُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ الْكَذِبَ فِي الْكَذَّابِ، فَجَوِّزُوا عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ عَلَى يَدَيْهِ أَعْلَامَ الصِّدْقِ.
قِيلَ: هَذَا مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّ أَدِلَّةَ الصِّدْقِ تَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَدْلُولِ، فَإِظْهَارُ أَعْلَامِ الصِّدْقِ عَلَى [يَدِ] الْكَذَّابِ 6 مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، فَلَا يُمْكِنُ بِحَالٍ.
وَإِنْ قَالُوا: فَجَوِّزُوا أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ خَارِقٌ.
قُلْنَا: نَعَمْ، فَنَحْنُ 7 نُجَوِّزُ أَنْ يَظْهَرَ الْخَارِقُ عَلَى [يَدِ مَنْ] يَدَّعِي 8
الْإِلَهِيَّةَ كَالدَّجَّالِ ; لِأَنَّ (1) ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، لِظُهُورِ (2) كَذِبِهِ فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ، وَالْمُمْتَنَعُ ظُهُورُ دَلِيلِ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذَّابِ.
فَإِنْ قَالُوا: فَجُوِّزُوا ظُهُورَ الْخَوَارِقِ (3) عَلَى [يَدِ] مُدَّعِي (4) النُّبُوَّةِ مَعَ كَذِبِهِ.
قُلْنَا: [نَعَمْ] (5) ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، مِثْلَ مَا يُظْهِرُ السَّحَرَةُ وَالْكُهَّانُ مِنَ الْخَوَارِقِ الْمَقْرُونَةِ بِمَا يَمْنَعُ صِدْقَهُمْ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ (6) .
[الْوَجْهُ] الرَّابِعُ: (7) أَنَّ دَلِيلَ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامَهَا (8) وَمَا بِهِ يُعْرَفُ صِدْقُ النَّبِيِّ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً (9) فِي الْخَوَارِقِ، بَلْ طُرُقُ مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ مُتَنَوِّعَةٌ، كَمَا أَنَّ طُرُقَ مَعْرِفَةِ الْكَذِبِ مُتَنَوِّعَةٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ (10) .
فصل من كلام الرافضي قوله في مسألة القدر عند أهل السنة يَلْزَمُ تَعْطِيلُ الْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ عَنِ الْمَعَاصِي
(فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] 11 : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ تَعْطِيلُ الْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ عَنِ12345678910
الْمَعَاصِي، فَإِنَّ الزِّنَا إِذَا كَانَ وَاقِعًا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالسَّرِقَةُ إِذَا صَدَرَتْ عَنِ اللَّهِ، وَإِرَادَتُهُ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ 1 [لَمْ يَجُزْ] 2 لِلسُّلْطَانِ 3 الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يَصُدُّ السَّارِقَ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ، وَيَبْعَثُهُ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ.
وَلَوْ صَدَّ الْوَاحِدُ مِنَّا غَيْرَهُ عَنْ 4 مُرَادِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ، اسْتَحَقَّ مِنْهُ اللَّوْمَ.
وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُرِيدًا لِلنَّقِيضَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُرَادَةٌ لِلَّهِ، وَالزَّجْرُ عَنْهَا مُرَادٌ لَهُ أَيْضًا ".
فَيُقَالُ: فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مَا يُبَيِّنُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا، لَكِنْ نُوَضِّحُ جَوَابَ هَذَا [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] 5 مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَا وَقَعَ، دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ [بَعْدُ] 6 . وَمَا وَقَعَ لَا يَقْدِرُ 7 أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّهُ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ بِالْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ 8 مَا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
فَقَوْلُهُ: " لِأَنَّهُ يَصُدُّ السَّارِقَ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ " 9 [كَذِبٌ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا
يَصُدُّهُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وَمَا لَمْ يَقَعْ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ.
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ: لَيَسْرِقَنَّ هَذَا الْمَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمْ يَسْرِقْهُ لَمْ يَحْنَثْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ سَرِقَتَهُ.
وَلَكِنَّ الْقَدَرِيَّةَ عِنْدَهُمُ الْإِرَادَةُ 1 لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ السَّرِقَةَ إِذَا كَانَتْ مُرَادَةً كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَعُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِمْ، أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالسَّرِقَةِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا مُرَادٌ، يَقُولُ: إِنَّهُ مُرَادٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، فَلَا يَقُولُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إِلَّا كَافِرٌ.
لَكِنَّ هَذَا قَدْ 2 يُقَالُ لِلْمُبَاحِيَّةِ الْمُحْتَجِّينَ 3 بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى أَنْ يُعَارِضَ الْإِنْسَانَ فِيمَا يَظُنُّهُ مُقَدَّرًا عَلَيْهِ 4 مِنَ الْمَعَاصِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يُعَاوِنَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاوَنَةً، لِمَا ظَنَّ أَنَّهُ مُرَادٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ 5 - وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا وَمَعْصِيَةً - فَهُمْ لَمْ يَصُدُّوا عَنْ مُرَادِ اللَّهِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّدَّ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ لَيْسَ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ 6 أَنَّ تَنَاهِيَ النَّاسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَالْقَبَائِحِ، وَالظُّلْمِ، وَدَفْعِ الظَّالِمِ 7 ، وَأَخْذِ حَقِّ الْمَظْلُومِ مِنْهُ، وَرَدِّ احْتِجَاجِ
مَنِ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدَرِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ جَمِيعِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمْ مَعَ إِقْرَارِ جَمَاهِيرِهِمْ 1 بِالْقَدَرِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَلَاحُ حَالِهِمْ وَلَا بَقَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا مَكَّنُوا كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِنْ مَفَاسِدِهِمْ وَيَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا 2 أَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي إِذَا طَرَدُوا قَوْلَهُمْ كَانُوا أَكْفَرَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ 3 .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَقْدُورَةَ بِالِاتِّفَاقِ إِذَا كَانَ فِيهَا فَسَادٌ يَحْسُنُ رَدُّهَا وَإِزَالَتُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا 4 ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِالِاتِّفَاقِ مُرَادٌ لِلَّهِ، وَمَعَ هَذَا يَحْسُنُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَمْنَعَ وُجُودَهُ بِالِاحْتِمَاءِ وَاجْتِنَابِ أَسْبَابِهِ، وَيَحْسُنُ مِنْهُ السَّعْيُ فِي إِزَالَتِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَفِي هَذَا 5 إِزَالَةُ مُرَادِ اللَّهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ قَطْعَ السَّارِقِ يَمْنَعُ مُرَادَ اللَّهِ كَانَ شُرْبُ الدَّوَاءِ لِزَوَالِ الْمَرَضِ مَانِعًا 6 لِمُرَادِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ دَفْعُ 7 السَّيْلِ الْآتِي مِنْ صَبَبٍ، وَالنَّارِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَحْرِقَ الدُّورَ، وَإِقَامَةُ الْجِدَارِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، كَمَا أَقَامَ الْخَضِرُ ذَلِكَ الْجِدَارَ.
وَكَذَلِكَ إِزَالَةُ الْجُوعِ الْحَاصِلِ بِالْأَكْلِ وَإِزَالَةُ الْبَرْدِ الْحَاصِلِ 8 بِالِاسْتِدْفَاءِ، وَإِزَالَةُ الْحَرِّ بِالظِّلِّ.
وَقَدْ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: " هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» ". 1 . فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَرُدُّ قَدَرَ اللَّهِ بِقَدَرِ اللَّهِ إِمَّا دَفْعًا وَإِمَّا رَفْعًا، إِمَّا دَفْعًا لِمَا انْعَقَدَ سَبَبٌ لِوُجُودِهِ، وَإِمَّا رَفْعًا لِمَا وُجِدَ كَرَفْعِ الْمَرَضِ وَدَفْعِهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ 11]] قِيلَ: مُعَقِّبَاتٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ 2 وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الَّذِي وَرَدَ وَلَمْ يَحْصُلْ 3 يَحْفَظُونَهُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ 4 وَحِفْظُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُرِيدًا لِلنَّقِيضَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُرَادَةٌ لِلَّهِ، وَالزَّجْرُ عَنْهَا مُرَادُ اللَّهِ.
كَلَامٌ سَاقِطٌ فَإِنَّ النَّقِيضَيْنِ مَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ، أَوْ مَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَهُمَا الْمُتَضَادَّانِ.
وَالزَّجْرُ لَيْسَ عَمَّا وَقَعَ وَأُرِيدَ، بَلْ هُوَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْمَاضِي وَزَجْرٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَالزَّجْرُ الْوَاقِعُ بِإِرَادَتِهِ إِنْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ 1 لَمْ يَحْصُلِ الْمَزْجُورُ عَنْهُ فَلَمْ يُرِدْهُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الزَّجْرَ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ لَمْ يَكُنْ زَجْرًا تَامًّا بَلْ يَكُونُ الْمُرَادُ فِعْلَ هَذَا الزَّاجِرِ 2 وَفِعْلَ ذَاكَ، كَمَا يُرَادُ ضَرْبُ هَذَا لِهَذَا بِهَذَا السَّيْفِ 3 وَحَيَاةُ هَذَا، وَكَمَا يُرَادُ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ 4 الَّذِي قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وَيُرَادُ مَعَهُ الْحَيَاةُ.
فَإِرَادَةُ 5 السَّبَبِ لَيْسَتْ مُوجِبَةً لِإِرَادَةِ الْمُسَبِّبِ، إِلَّا إِذَا كَانَ السَّبَبُ تَامًّا مُوجَبًا.
6 وَالزَّجْرُ سَبَبٌ لِلِانْزِجَارِ وَالِامْتِنَاعِ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، كَمَا أَنَّ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ، وَكَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ سَبَبٌ لِوُقُوعِهِ، ثُمَّ قَدْ يَقَعُ الْمُسَبَّبُ 7 وَقَدْ لَا يَقَعُ، فَإِنْ وَقَعَ كَانَا مُرَادَيْنِ، وَإِلَّا كَانَ الْمُرَادُ مَا وَقَعَ خَاصَّةً 8 .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِرَادَةَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِمَا خَلَقَ، فَهَذَا مُتَنَاوِلٌ 9 لِكُلِّ حَادِثٍ دُونَ مَا لَا 10 يَحْدُثُ، وَنَوْعٌ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ لِمَا أَمَرَ بِهِ فَهَذَا إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ 11 بِالطَّاعَاتِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا
وَقَعَ مِنَ الْمَعَاصِي فَهُوَ مُرَادٌ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ فَقَدْ شَاءَ كَوْنَهُ، وَالزَّجْرُ عَنْهَا مُرَادٌ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَإِنَّهُ يُحِبُّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَرْضَاهُ وَيُثِيبُ فَاعِلَهُ، بِخِلَافِ الْمُنْكَرِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ وَلَا يُثِيبُ فَاعِلَهُ، ثُمَّ الزَّجْرُ إِنَّمَا يَكُونُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَالْعُقُوبَةُ تَكُونُ عَلَى مَا 1 وَقَعَ، فَإِذَا وَقَعَتْ سَرِقَةٌ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ 2 فِيهَا فَإِقَامَةُ الْحَدِّ مَأْمُورٌ بِهِ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُرِيدُهُ إِرَادَةَ أَمْرٍ لَا إِرَادَةَ خَلْقٍ، فَإِنْ أَعَانَ عَلَيْهِ كَانَ قَدْ أَرَادَهُ خَلْقًا، وَكَانَ حِينَئِذٍ إِقَامَةُ الْحَدِّ مُرَادَةً شَرْعًا وَقَدَرًا، خَلْقًا وَأَمْرًا، قَدْ شَاءَهَا وَأَحَبَّهَا 3 .
وَإِنْ لَمْ يَقَعْ كَانَ مَا وَقَعَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ قَدْ شَاءَهُ خَلْقًا وَلَمْ يُرِدْهُ وَلَمْ يُحِبَّهُ شَرْعًا.
وَيُذْكَرُ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ فَقَالَ لِعُمَرَ: سَرَقْتُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَقَالَ لَهُ: وَأَنَا 4 أَقْطَعُ يَدَكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.
وَهَكَذَا يُقَالُ لِمَنْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ وَأَعَانَ الْعِبَادَ عَلَى عُقُوبَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا يُعِينُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ: إِنَّ الْجَمِيعَ 5 وَاقِعٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ لَكِنْ مَا أَمَرَ بِهِ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُرِيدُهُ شَرْعًا وَدِينًا كَمَا شَاءَهُ خَلْقًا وَكَوْنًا بِخِلَافِ مَا نَهَى عَنْهُ.
فصل كلام الرافضي على دلالة العقل عنده على الأفعال الاختيارية والرد عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ 2 الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، أَمَّا الْمَعْقُولُ 3 فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِاسْتِنَادِ أَفْعَالِنَا الِاخْتِيَارِيَّةِ 4 إِلَيْنَا، وَوُقُوعِهَا بِحَسَبِ إِرَادَتِنَا، فَإِذَا أَرَدْنَا الْحَرَكَةَ 5 يَمْنَةً لَمْ تَقَعْ يَسْرَةً وَبِالْعَكْسِ، وَالشَّكُّ فِي ذَلِكَ عَيْنُ 6 السَّفْسَطَةِ.
فَيُقَالُ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَائِلُونَ بِهَذَا، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْإِنْسَانِ الِاخْتِيَارِيَّةَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ فَاعِلٌ لَهَا وَمُحْدِثٌ لَهَا.
وَإِنَّمَا يُنَازِعُ 7 فِي هَذَا مِنْ يَقُولُ إِنَّهَا لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْعَبْدِ، وَلَا لِقُدْرَتِهِ تَأْثِيرٌ فِيهَا، وَلَا أَحْدَثَهَا الْعَبْدُ.
وَهَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْإِثْبَاتِ.
وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ 8 لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ فَإِنَّ 9 اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَصَفَ الْعَبْدَ بِأَنَّهُ يَعْمَلُ وَيَفْعَلُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: بَلِ النُّفَاةُ خَالَفُوا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ 1 فَإِنَّ كَوْنَ الْعَبْدِ مُرِيدًا فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا 2 أَمْرٌ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُحْدِثٌ 3 وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونُ لَهُ مُحْدِثٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُحْدِثٌ لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مُحْدِثٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعَبْدَ أَوِ الرَّبَّ تَعَالَى أَوْ غَيْرَهُمَا.
فَإِنْ كَانَ هُوَ 4 الْعَبْدَ فَالْقَوْلُ فِي إِحْدَاثِهِ لِتِلْكَ الْفَاعِلِيَّةِ كَالْقَوْلِ فِي إِحْدَاثِ أَحْدَاثِهَا، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَهُوَ هُنَا بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَقُومَ بِهِ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ اللَّهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْعَبْدِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِكَوْنِ الْعَبْدِ مُرِيدًا فَاعِلًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِهَذَا الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ فَيَقُولُونَ 5 : إِنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ وَاللَّهُ خَلَقَهُ فَاعِلًا 6 وَالْعَبْدُ مُرِيدٌ مُخْتَارٌ وَاللَّهُ جَعَلَهُ مُرِيدًا مُخْتَارًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ 29، 30] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ التَّكْوِيرِ 28، 29] .
فَأَثْبَتَ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ، وَجَعَلَهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْخَلِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 1 ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 40] .
وَقَالَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 37] .
وَقَالَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ 2 : ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 128] .
وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 73] .
وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ 41] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَدَلِيلُهُمْ 3 اقْتَضَى مَشِيئَةَ الْعَبْدِ وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ 4 وَهَذَا الدَّلِيلُ اقْتَضَى أَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ وَالِاخْتِيَارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ فَكِلَا 5 الْأَمْرَيْنِ حَقٌّ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَا مَشِيئَةَ لَهُ وَلَا اخْتِيَارَ، أَوْ قَالَ: إِنَّهُ لَا قُدْرَةَ [لَهُ] 6 أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْفِعْلَ أَوْ لَا 7 أَثَرَ لِقُدْرَتِهِ فِيهِ وَلَمْ يُحْدِثْ تَصَرُّفَاتِهِ 8 فَقَدْ أَنْكَرَ مُوجِبَ الضَّرُورَةِ الْأُولَى.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ إِرَادَتَهُ وَفِعْلَهُ حَدَثَتْ بِغَيْرِ سَبَبٍ اقْتَضَى حُدُوثَ ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَبْدَ أَحْدَثَ ذَلِكَ وَحَالُهُ عِنْدَ إِحْدَاثِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ إِحْدَاثِهِ، بَلْ خَصَّ أَحَدَ الزَّمَانَيْنِ بِالْإِحْدَاثِ مِنْ غَيْرِ 1 سَبَبٍ اقْتَضَى تَخْصِيصَهُ، وَأَنَّهُ صَارَ مُرِيدًا فَاعِلًا مُحْدِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ 2 ، مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِلَا فَاعِلٍ.
وَإِذَا قَالُوا: الْإِرَادَةُ لَا تُعَلَّلُ كَانَ [هَذَا] 3 كَلَامًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ أَمْرٌ حَادِثٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا: إِنِ الْبَارِئَ يُحْدِثُ إِرَادَةً لَا فِي مَحَلٍّ بِلَا سَبَبٍ اقْتَضَى حُدُوثَهَا وَلَا إِرَادَةٍ فَارْتَكَبُوا 4 ثَلَاثَ مُحَالَاتٍ: حُدُوثَ حَادِثٍ 5 بِلَا إِرَادَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَحُدُوثَ حَادِثٍ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَقِيَامَ الصِّفَةِ بِنَفْسِهَا لَا فِي مَحَلٍّ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كَوْنُهُ مُرِيدًا أَمْرٌ مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ 6 لَا يَتَرَجَّحُ [وُجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ وَلَا يَتَرَجَّحُ] 7 أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ تَامٍّ.
وَهَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الرَّازِيُّ عَلَيْهِمْ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ تَنَاقَضٌ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ 8 .
وَالْحُجَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا هَذَا الْإِمَامِيُّ مَذْكُورَةٌ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ 1 وَهِيَ صَحِيحَةٌ كَمَا أَنَّ الْأُخْرَى صَحِيحَةٌ فَيَجِبُ الْقَوْلُ 2 بِهِمَا جَمِيعًا، [مَعَ أَنَّ جُمْهُورَ 3 الْقَدَرِيَّةِ يَقُولُونَ: الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْعَبْدِ مُحْدِثًا لِأَفْعَالِهِ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ، وَهَؤُلَاءِ يُخَالِفُونَ أَبَا الْحُسَيْنِ.
وَأَبُو الْحُسَيْنِ يَقُولُ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ الْفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْفِعْلُ، وَهُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، وَلِهَذَا يُعَبِّرُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَأَبِي الْمَعَالِي وَالرَّازِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
لَكِنْ إِذَا قِيلَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْأَسْبَابِ.
وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ يَقُولُ: خَلَقَ الْفِعْلَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلْقُدْرَةِ أَثَرًا فِي مَقْدُورِهَا كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ] 4 .
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ اللَّهُ مُحْدِثًا لَهَا وَالْعَبْدُ مُحْدِثًا لَهَا.
قِيلَ: إِحْدَاثُ اللَّهِ لَهَا بِمَعْنَى أَنْ خَلَقَهَا [مُنْفَصِلَةً عَنْهُ قَائِمَةً بِالْعَبْدِ] 5 فَجَعَلَ الْعَبْدَ فَاعِلًا لَهَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ 6 الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ [تَعَالَى] ،
وَإِحْدَاثُ الْعَبْدِ لَهَا 1 بِمَعْنَى أَنَّهُ حَدَثَ مِنْهُ هَذَا الْفِعْلُ [الْقَائِمُ بِهِ] 2 بِالْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهِ.
وَكُلٌّ مِنَ الْإِحْدَاثَيْنِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ وَجِهَةُ الْإِضَافَةِ مُخْتَلِفَةٌ [فَمَا أَحْدَثَهُ الرَّبُّ فَهُوَ مُبَايِنٌ لَهُ قَائِمٌ بِالْمَخْلُوقِ وَفِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِي أَحْدَثَهُ قَائِمٌ بِهِ] 3 فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا لِلْفِعْلِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ فَيُحْدِثَ 4 قُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَالْفِعْلَ الَّذِي كَانَ بِذَلِكَ وَإِذَا جَعَلَهُ اللَّهُ فَاعِلًا وَجَبَ 5 وُجُودُ ذَلِكَ.
فَخَلْقُ الرَّبِّ لِفِعْلِ الْعَبْدِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْفِعْلِ، وَكَوْنَ الْعَبْدِ فَاعِلًا لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الرَّبِّ خَالِقًا لَهُ، بَلْ جَمِيعُ الْحَوَادِثِ بِأَسْبَابِهَا هِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ 6 .
[فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ هِيَ فِعْلٌ لِلرَّبِّ وَفِعْلٌ لِلْعَبْدِ.
قِيلَ: مَنْ قَالَ هِيَ فِعْلٌ لَهُمَا بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ فِعْلَ الرَّبِّ هُوَ مَا انْفَصَلَ عَنْهُ، وَقَالَ: إِنَّهَا فِعْلٌ لَهُمَا كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُفَسَّرَ كَلَامُهُ بِشَيْءٍ يُعْقَلُ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهَا مَفْعُولَةٌ لِلرَّبِّ
لَا فِعْلَ لَهُ إِذَا فَعَلَهُ مَا قَامَ بِهِ وَالْفِعْلُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ الْمَفْعُولِ، فَيَقُولُونَ إِنَّهَا مَفْعُولَةٌ لِلرَّبِّ لَا فِعْلَ لَهُ 1 وَإِنَّهَا فِعْلٌ لِلْعَبْدِ.
كَمَا يَقُولُونَ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ: إِنَّهَا قُدْرَةٌ لِلْعَبْدِ مَقْدُورَةٌ لِلرَّبِّ لَا إِنَّهَا نَفْسُ قُدْرَةِ الرَّبِّ.
وَكَذَلِكَ إِرَادَةُ الْعَبْدِ هِيَ إِرَادَةٌ لِلْعَبْدِ مُرَادَةٌ لِلرَّبِّ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ صِفَاتِ الْعَبْدِ هِيَ صِفَاتٌ لَهُ وَهِيَ 2 مَفْعُولَةٌ لِلرَّبِّ مَخْلُوقَةٌ لَهُ لَيْسَتْ بِصِفَاتٍ لَهُ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَضَافَ كَثِيرًا مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَيْهِ وَأَضَافَهُ إِلَى بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، إِمَّا أَنْ يُضِيفَ عَيْنَهُ أَوْ نَظِيرَهُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ 42]] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 60] .
مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ 11] .
وَقَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 61] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الرِّيحِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [سُورَةُ الْأَحْقَافِ: 25] .