منهاج السنة النبويةصفحات 323-362
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة المؤلف

صفحات 323-362
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

مَا يُوَافِقُ خَبَرَ الرَّسُولِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الطُّرُقَ (1) الصَّحِيحَةَ فِي الْمَعْقُولِ هِيَ مُطَابِقَةٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، مِثْلُ هَذِهِ الطُّرُقِ وَغَيْرِهَا (2) .

عود لمسألة قدم العالم

فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ أَنَّ فَاعِلَ الْعَالَمِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا لَزِمَ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ عَنْهُ فِي الْقِدَمِ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْلُولِ، فَلَا يَحْدُثُ عَنْهُ شَيْءٌ لَا بِوَاسِطَةٍ وَلَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ 3 ، وَيُمْتَنَعُ أَنْ يَصِيرَ عِلَّةً لِمَفْعُولٍ بَعْدَ مَفْعُولٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَا يَصِيرُ عِلَّةً لِلثَّانِي، فَيُمْتَنَعُ مَعَ تَمَاثُلِ أَحْوَالِهِ أَنْ تَخْتَلِفَ مَفْعُولَاتُهُ وَيَحْدُثَ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ تَصَوَّرَهُ 4 تَصَوُّرًا جَيِّدًا، وَحُذَّاقُهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهَذَا، كَمَا يَذْكُرُهُ ابْنُ رُشْدِ الْحَفِيدُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ 5 وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ صُدُورَ الْمُتَغَيِّرَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الْبَسِيطِ مِمَّا تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ، [وَكَذَلِكَ إِذْ سُمِّيَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ] 6 ، وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: مُؤَثِّرٌ تَامُّ التَّأْثِيرِ فِي الْأَزَلِ، أَوْ مُرَجِّحٌ تَامُّ التَّرْجِيحِ فِي الْأَزَلِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: هُوَ قَادِرٌ مُخْتَارٌ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مُرَادِهِ فِي الْأَزَلِ، فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَلْزَمَ وُجُودَ مُرَادِهِ فِي الْأَزَلِ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنْ مُرَادِهِ، فَلَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ؛ إِذْ لَا يَحْدُثُ شَيْءٌ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ، فَلَوْ كَانَتْ إِرَادَتُهُ أَزَلِيَّةً مُسْتَلْزِمَةً لِوُجُودِ مُرَادِهَا مَعَهَا فِي الْأَزَلِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمُرَادَاتِ حَادِثًا،12

فَلَا يَكُونُ فِي الْعَالَمِ حَادِثٌ وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ.
وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَلَا (1) يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِجَمِيعِ مَعْلُولَاتِهَا، وَلَا مُوجِبٌ أَزَلِيٌّ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ حَتَّى أَشْخَاصِهِ.
وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ جَمِيعَ مُرَادِهِ مُقَارِنٌ لَهُ فِي الْأَزَلِ، بَلْ يَقُولُونَ إِنَّ أُصُولَ الْعَالَمِ كَالْأَفْلَاكِ وَالْعَنَاصِرِ هِيَ الْأَزَلِيَّةُ الْقَدِيمَةُ (2) بِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّ الْحَرَكَاتِ وَالْمُوَلِّدَاتِ قَدِيمَةُ النَّوْعِ، أَوْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَوَادَّ هَذَا الْعَالَمِ كَالْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ (3) أَوِ الْهَيُولَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ هِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ بِأَعْيَانِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ إِذْ كَانَ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ فِي الْأَزَلِ، سَوَاءٌ سُمِّيَ مُوجِبًا لَهُ بِذَاتِهِ فِي الْأَزَلِ، أَوْ عِلَّةً تَامَّةً قَدِيمَةً مُسْتَلْزِمَةً لِمَعْلُولِهَا أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ فَاعِلٌ بِإِرَادَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ [الْمُسْتَلْزِمَةِ] (4) لِلْمَفْعُولِ الْمُرَادِ فِي الْأَزَلِ.

بطلان القول بأن فاعل العالم علة تامة لأصول العالم دون حوادثه

وَإِذَا قِيلَ: هُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِأُصُولِ الْعَالَمِ دُونَ حَوَادِثِهِ، أَوْ هُوَ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ أَزَلِيَّةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِاقْتِرَانِ مُرَادِهَا بِهَا فِي الْأَزَلِ، لَكِنَّ تِلْكَ [الْإِرَادَةَ الْأَزَلِيَّةَ الْمُقَارِنَةَ] 5 لِمُرَادِهَا إِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِأُصُولِ الْعَالَمِ دُونَ حَوَادِثِهِ.
قِيلَ لَهُمْ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ مُقَارَنَةَ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ لِفَاعِلِهِ - لَا سِيَّمَا مُقَارَنَتُهُ لَهُ أَزَلًا1234

وَأَبَدًا مُمْتَنَعٌ فِي صَرَائِحِ 1 الْعُقُولِ، بَلْ وَفِي بِدَايَةِ 2 الْعُقُولِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ.
وَإِذَا قَالُوا: الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ لَا يَجْتَمِعُ عَلَى جَحْدِهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ 0 قِيلَ لَهُمْ: لَا جَرَمَ هَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُئٍ، بَلْ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يُنْكِرُونَهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ 3 ، عَلَى سَبِيلِ مُوَاطَأَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، (* وَتَلَقِّي بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَمَعَ الْمُوَاطَأَةِ تَجُوزُ الْمُوَاطَأَةُ *) 4 عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَعَلَى الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ كَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يُعْلَمُ فَسَادُهَا بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ تَوَارَثَهَا طَائِفَةٌ تَلَقَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ الَّتِي يُقِرُّ بِهَا النَّاسُ عَنْ 5 غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، فَتِلْكَ لَا يَكُونُ مِنْهَا مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ.
وَلِهَذَا كَانَ فِي عَامَّةِ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَلَكِنْ قَالَهُ طَائِفَةٌ تَلَقَّاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
وَمِنْهَا أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا حَقًّا لَامْتَنَعَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ فِي الْعَالَمِ جُمْلَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحَوَادِثِ مُحْدِثٌ أَصْلًا، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَتْ تَامَّةً أَزَلِيَّةً قَارَنَهَا مَعْلُولُهَا، وَكَانَ مَا

يَحْدُثُ غَيْرَ [مَعْلُولِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُولًا لَهَا] لَكَانَ قَدْ تَأَخَّرَ الْمَعْلُولُ 1 أَوْ بَعْضُ الْمَعْلُولِ عَنْ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ، وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا لَا مَعْلُولُهَا وَلَا بَعْضُ مَعْلُولِهَا، فَكُلُّ مَا حَدَثَ لَا يَحْدُثُ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ، وَوَاجِبُ الْوُجُودِ عِنْدَهُمْ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ عَنْهُ حَادِثٌ لَا بِوَاسِطَةٍ وَلَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ 2 . وَمَا يَعْتَذِرُونَ بِهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّمَا تَأَخَّرَتِ الْحَوَادِثُ لِتَأَخُّرِ الِاسْتِعْدَادِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا يَكُونُ عِلَّةُ وُجُودِهِ غَيْرَ عِلَّةِ اسْتِعْدَادِهِ وَقَبُولِهِ 3 ، كَمَا يَحْدُثُ عَنِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهَا تَارَةً تُلَيِّنُ وَتُرَطِّبُ كَمَا تُلَيِّنُ الثِّمَارَ بَعْدَ يُبْسِهَا 4 بِسَبَبِ مَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنَ الرُّطُوبَةِ، فَتَجْتَمِعُ الرُّطُوبَةُ الْمَائِيَّةُ وَالسُّخُونَةُ الشَّمْسِيَّةُ فَتَنْضَجُ الثِّمَارُ وَتَلِينُ، وَتَارَةً تُجَفِّفُ وَتُيَبِّسُ كَمَا يَحْصُلُ لِلثِّمَارِ بَعْدَ تَنَاهِي نُضْجِهَا، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْهَا الِاسْتِمْدَادُ مِنَ الرُّطُوبَةِ، فَتَبْقَى حَرَارَةٌ تَفْعَلُ فِي رُطُوبَةٍ مِنْ غَيْرِ إِمْدَادٍ، فَتُجَفِّفُهَا كَمَا تُجَفِّفُ الشَّمْسُ وَالنَّارُ وَغَيْرُهُمَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْسَامِ الرَّطْبَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَدْ يَتَأَخَّرُ فِعْلُ الْفَاعِلِ لِعَدَمِ اسْتِعْدَادِ الْقَابِلِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ مَا يَدَّعُونَهُ مِنَ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ لَهُ حَقِيقَةٌ لَكَانَ تَأَخُّرُ فَيْضِهِ حَتَّى تَسْتَعِدَّ الْقَوَابِلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَأَمَّا وَاجِبُ الْوُجُودِ الْفَاعِلُ لِكُلِّ

مَا سِوَاهُ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِهِ - لَا إِعْدَادَ 1 وَلَا إِمْدَادَ وَلَا قَبُولَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ نَفْسُهُ هِيَ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِفِعْلِهِ - فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لَوَجَبَ أَنْ يُقَارِنَهُ مَعْلُولُهُ كُلُّهُ، وَلَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ 2 ، وَإِذَا تَأَخَّرَ شَيْءٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ وَلَوْ كَانَ مَفْعُولًا بِوَاسِطَةٍ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لَهُ فِي الْأَزَلِ، وَأَنَّهُ صَارَ عِلَّةً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَإِذَا قِيلَ الْحَرَكَةُ الْفَلَكِيَّةُ هِيَ سَبَبُ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ 0 قِيلَ: وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ، فَإِنَّ الْحَرَكَةَ الْحَادِثَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ لَهَا 3 عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً، فَإِنَّ هَذِهِ يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، وَالْحَرَكَةُ الْحَادِثَةُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يُمْتَنَعُ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِعِلَّتِهَا فِي الْأَزَلِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِحُدُوثِهَا لَيْسَ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُتَّصِفًا بِأَفْعَالٍ تَقُومُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، بِسَبَبِ 4 مَا يَقُومُ بِهِ، يَحْدُثُ عَنْهُ مَا يَحْدُثُ، مِثْلَ مَشِيئَتِهِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ وَأَفَعَالِهِ الِاخْتَيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْحَوَادِثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ، وَيُمْتَنَعُ أَنْ يُحْدِثَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْحَدَثِ كَالْقَوْلِ فِيهِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، وَيَعُودُ التَّقْسِيمُ.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّمَا تَأَخَّرَ الثَّانِي لِتَأَخُّرِ حُدُوثِ الْقَوَابِلِ وَالشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا قَبْلَ الْفَيْضِ 0

قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يُعْقَلُ فِيمَا إِذَا 1 كَانَ حُدُوثُ الْقَوَابِلِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي حُدُوثِ الشُّعَاعِ عَنِ الشَّمْسِ، وَكَمَا يَقُولُونَهُ فِي الْعَقْلِ الْفَعَّالِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ الْفَاعِلُ لِلْقَابِلِ وَالْمَقْبُولِ، وَالشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ، وَهُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ 2 وَجَبَ مُقَارَنَةُ مَعْلُولِهِ كُلِّهِ لَهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَصِيرَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِهِ لِشَيْءٍ، وَإِحْدَاثُهُ لِشَيْءٍ 3 مَعَ كَوْنِهِ 4 عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً مُمْتَنَعٌ، وَكَوْنَهُ عِلَّةً لِنَوْعِ الْحَوَادِثِ مَعَ عَدَمِ حُدُوثِ فِعْلٍ يَقُومُ بِهِ مُمْتَنَعٌ.
وَلِأَنَّ صُدُورَ الْعَالَمِ عَنْ فَاعِلَيْنِ مُمْتَنَعٌ، سَوَاءٌ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي جَمِيعِهِ، أَوْ كَانَ هَذَا فَاعِلًا لِبَعْضِهِ وَهَذَا فَاعِلًا لِبَعْضِهِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 5 وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الْعَالَمَ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّ أُصُولَ الْعَالَمِ الْقَدِيمَةِ صَدَرَتْ عَنْ وَاحِدٍ، وَحَوَادِثَهُ صَدَرَتْ عَنْ آخَرَ، فَإِنَّ الْعَالَمَ لَا يَخْلُو مِنَ الْحَوَادِثِ 6 ، وَفِعْلُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ مُمْتَنَعٌ، وَلَوْ كَانَ الْفَاعِلُ لِلَوَازِمِهِ غَيْرَهُ لَزِمَ أَنْ لَا يَتِمَّ فِعْلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِالْآخَرِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ فِي الْفَاعِلَيْنِ، وَكَوْنُ كُلِّ [وَاحِدٍ] 7 مِنَ الرَّبَّيْنِ لَا يَصِيرُ رَبًّا إِلَّا بِالْآخَرِ، وَلَا يَصِيرُ قَادِرًا إِلَّا بِالْآخَرِ، وَلَا يَصِيرُ فَاعِلًا إِلَّا بِالْآخَرِ، فَلَا

يَصِيرُ هَذَا قَادِرًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ قَادِرًا، (1 وَلَا يَصِيرُ هَذَا قَادِرًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ قَادِرًا 1) 1 ، فَيُمْتَنَعُ وَالْحَالُ هَذِهِ أَنْ يَصِيرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَادِرًا وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا فَاعِلَ لِلْحَوَادِثِ إِلَّا هُوَ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ حَدَثَتْ عَنْهُ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ لَزِمَ حُدُوثُ الْحَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَهَذَا إِذَا جَازَ جَازَ حُدُوثُ الْعَالَمِ كُلِّهِ بِلَا سَبَبٍ 2 حَادِثٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا خَالِيًا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ حَدَثَتْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَهَذَا مُمْتَنَعٌ بِالِاتِّفَاقِ وَالْبُرْهَانِ لِوُجُوهٍ 3 كَثِيرَةٍ مِثْلَ اقْتِضَائِهِ عَدَمَ الْقَدِيمِ 4 الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قُدِّرَ مَعْلُولٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ حَدَثَتْ 5 فِيهِ الْحَوَادِثُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَغَيَّرَ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ 6 : يَزُولُ مَا كَانَ مَوْجُودًا، وَيَحْدُثُ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وَزَوَالُ مَا كَانَ مَوْجُودًا مُمْتَنَعٌ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ قَدِيمًا إِذَا كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، (* فَإِنَّ 7 مَا كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ يُمْتَنَعُ عَدَمُهُ، (8 وَمَا كَانَ قَدِيمًا يُمْتَنَعُ عَدَمُهُ 8) 8 أَيْضًا، بَلِ الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ قَدِيمًا إِلَّا إِذَا كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ

أَوْ بِغَيْرِهِ، فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ *) 1 يَكُونُ الْعِلْمُ بِامْتِنَاعِ عَدَمِهِ أَوْكَدَ وَأَوْكَدَ.
وَالْعَالَمُ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَا حَادِثَ فِيهِ، ثُمَّ حَدَثَ فِيهِ حَادِثٌ فَقَدْ غَيَّرَهُ مِنَ الْحَالِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْوَاجِبَةِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا إِلَى حَالٍ أُخْرَى تُخَالِفُهَا، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مُمْتَنَعٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ كَانَ مُمْتَنَعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَيْضًا: فَالْعَالَمُ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ عَنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ: الْحَرَكَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْعَالَمُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَتِلْكَ الْأَعْيَانُ لَا تَخْلُو عَنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّهَا لَوْ خَلَتْ عَنْهَا ثُمَّ قَارَنَتْهَا لَلَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا بَاطِلًا جَازَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْعَالَمِ إِلَّا جِسْمٌ أَوْ عَرَضٌ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُ الْجِسْمَ بِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَيُمْنَعُ 2 كَوْنُ كُلِّ جِسْمٍ مَرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ 3 أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ مِنَ الْإِشْكَالِ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهِ مَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا يَذْكُرُهُ مَنْ يُثْبِتُ الْعُقُولَ

وَالنُّفُوسَ، وَيَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ أَجْسَامًا، فَالنُّفُوسُ لَا تُفَارِقُ الْأَجْسَامَ، بَلْ هِيَ مُقَارِنَةٌ لَهَا مُدَبِّرَةٌ لَهَا 1 فَلَا تُفَارِقُ الْحَوَادِثَ.
وَأَيْضًا: فَالنُّفُوسُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ تَصَوُّرَاتٍ وَإِرَادَاتٍ حَادِثَةٍ، فَهِيَ دَائِمًا مُقَارِنَةٌ لِلْحَوَادِثِ، وَالْعُقُولُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَعْلُولِهَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا 2 بِالزَّمَانِ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَالَمِ مَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا سَابِقًا لِلْحَوَادِثِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُبْدِعُ لِشَيْءٍ مِنْهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يُبْدِعَهُ بِدُونِ إِبْدَاعِ لَوَازِمِهِ، وَلَوَازِمُهُ يُمْتَنَعُ وَجُودُهَا فِي الْأَزَلِ، فَيُمْتَنَعُ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ.
فَإِذَا قِيلَ: فَهُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِلْفَلَكِ مَعَ حَرَكَتِهِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً أَزَلِيَّةً تَامَّةً لِلْفَلَكِ مَعَ حَرَكَتِهِ، فَتَكُونُ حَرَكَتُهُ أَزَلِيَّةً، وَالْحَرَكَةُ لَا تُوجَدُ إِلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ حَرَكَتِهِ أَزَلِيَّةً 3 . وَإِذَا 4 قِيلَ: هُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِلْفَلَكِ دُونَ حَرَكَتِهِ، احْتَاجَتْ حَرَكَتُهُ إِلَى مُبْدِعٍ آخَرَ، وَلَا مُبْدِعَ 5 غَيْرُهُ.
وَإِنْ قِيلَ: هُوَ عِلَّةٌ لِلْحَرَكَةِ 6 شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحَرَكَةِ فِي الْأَزَلِ، لَكِنْ يَصِيرُ عِلَّةً تَامَّةً لِشَيْءٍ مِنْهَا بِحَسَبِ وَجُودِهِ، فَتَكُونُ عِلِّيَّتُهُ وَفَاعِلِيَّتُهُ وَإِرَادَتُهُ حَادِثَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً فِي

الْأَزَلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ [ظَاهِرٌ] 1 ، لَا يُنَازِعُ فِيهِ مَنْ فَهِمَهُ، وَهُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ امْتِنَاعَ كَوْنِهِ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وَامْتِنَاعُ كَوْنِهِ عِلَّةً تَامَّةً لِلْفَلَكِ مَعَ حَرَكَتِهِ الدَّائِمَةِ.
وَهُمْ لَا يَقُولُونَ: 2 إِنَّهُ فِي الْأَزَلِ عِلَّةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي الْأَزَلِ عِلَّةٌ لِمَا كَانَ قَدِيمًا بِعَيْنِهِ كَالْأَفْلَاكِ، وَهُوَ دَائِمًا عِلَّةٌ لِنَوْعِ الْحَوَادِثِ، وَيَصِيرُ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً لَهُ، فَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: كَوْنُهُ يَصِيرُ عِلَّةً تَامَّةً لِشَيْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ يَحْدُثُ مِنْهُ مُمْتَنَعٌ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ سِوَاهُ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ غَيْرَهُ يُحْدِثُ فَاعِلِيَّتَهُ، وَكَوْنُهُ عِلَّةً فَلَا يُحْدِثُ كَوْنَهُ فَاعِلًا لِلْمُعَيَّنِ إِلَّا هُوَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُحْدِثُ؛ لِكَوْنِهِ عِلَّةً لِلْمُعَيَّنِ وَفَاعِلًا لَهُ، وَهَذِهِ الْفَاعِلِيَّةُ كَانَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ تَكُونَ صَدَرَتْ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْأَزَلِيَّةَ يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَصِيرَ فَاعِلًا لِشَيْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا يُوجِبُ كَوْنَهُ فَاعِلًا لِمَا يَحْدُثُ عَنْهُ مِنَ الْحَوَادِثِ، سَوَاءٌ أَحَدَثَتْ 3 بِوَاسِطَةٍ أَمْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.
وَأَيْضًا: فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ - كَمَا يَقُولُونَ - حَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ الْمُعَيَّنَ وَمَعَ

إِحْدَاثِ الْمُعَيَّنِ وَبَعْدَ إِحْدَاثِ الْمُعَيَّنِ سَوَاءٌ امْتَنَعَ إِحْدَاثُ الْمُعَيَّنِ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا 1 . وَأَيْضًا: فَلَمْ يَكُنْ إِحْدَاثُهُ لِلْأَوَّلِ بِأَوْلَى مِنْ إِحْدَاثِهِ لِلثَّانِي، وَلَا تَخْصِيصِ (* الْأَوَّلِ بِقَدْرِهِ وَوَصْفِهِ بِأَوْلَى مِنَ الثَّانِي إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قَطُّ سَبَبٌ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ *) 2 ، لَا بِقَدْرٍ وَلَا بِوَصْفٍ 3 وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
وَهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ النُّظَّارِ: إِنَّهُ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا 4 ، [وَقَالُوا: الْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا] 5 فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ: إِمَّا قُدْرَةٌ، وَإِمَّا إِرَادَةٌ، وَإِمَّا عِلْمٌ، وَإِمَّا زَوَالُ مَانِعٍ، وَإِمَّا سَبَبٌ مَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا الْحَادِثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ سَبَبٌ اقْتَضَى فِعْلَهُ، فَأَنْتُمْ أَنْكَرْتُمْ عَلَى غَيْرِكُمُ ابْتِدَاءَ الْفِعْلِ بِلَا سَبَبٍ، وَالْتَزَمْتُمْ دَوَامَ الْمَفْعُولَاتِ الْحَادِثَةِ بِلَا سَبَبٍ، فَكَانَ مَا الْتَزَمْتُمُوهُ مِنْ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ أَعْظَمَ مِمَّا نَفَيْتُمُوهُ، بَلْ قَوْلُكُمْ مُسْتَلْزِمٌ أَنَّهُ لَا 6 فَاعِلَ لِلْحَوَادِثِ ابْتِدَاءً، بَلْ تَحْدُثُ بِلَا فَاعِلٍ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْحَوَادِثِ عِنْدَكُمْ هُوَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ 7 ، وَحَرَكَةُ الْفَلَكِ حَرَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَتَحَرَّكُ بِمَا يَحْدُثُ لَهَا مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْإِرَادَاتِ الْمُتَعَاقِبَةِ، وَإِنْ

كَانَتْ تَابِعَةً لِتَصَوُّرٍ كُلِّيٍّ وَإِرَادَةٍ كُلِّيَّةٍ، ثُمَّ تِلْكَ التَّصَوُّرَاتُ وَالْإِرَادَاتُ وَالْحَرَكَاتُ تَحْدُثُ بِلَا مُحْدِثٍ [لَهَا] 1 أَصْلًا عَلَى قَوْلِكُمْ؛ لِأَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ عِنْدَكُمْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ فِعْلًا حَادِثًا أَصْلًا، بَلْ حَالُهُ قَبْلَ الْحَادِثِ وَبَعْدَهُ وَمَعَهُ سَوَاءٌ، وَكَوْنُ الْفَاعِلِ يَفْعَلُ الْأُمُورَ الْحَادِثَةَ الْمُخْتَلِفَةَ مَعَ أَنَّ حَالَهُ قَبْلُ وَبَعْدُ وَمَعَ سَوَاءٌ (2 أَبْعَدُ مِنْ كَوْنِهِ يُحْدِثُ حَادِثًا مَعَ أَنَّ حَالَهُ قَبْلُ وَبَعْدُ وَمَعَ سَوَاءٌ 2) 2 .

وَإِذَا قِيلَ: تَغَيُّرُ فِعْلِهِ لِتَغَيُّرِ الْمَفْعُولَاتِ 0 قِيلَ: فِعْلُهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَفْعُولَاتُ عِنْدَكُمْ - كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَنَحْوُهُ مِنْ جَهْمِيَّةِ الْفَلَاسِفَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ - فَالْمُتَغَيِّرُ هُوَ الْمُنْفَصِلَاتُ عَنْهُ، وَهِيَ الْمَفْعُولَاتُ، وَلَيْسَ هُنَا فِعْلٌ هُوَ غَيْرُهَا يُوصَفُ بِالتَّغَيُّرِ، فَمَا الْمُوجِبُ لِتَغَيُّرِهَا وَاخْتِلَافِهَا وَحُدُوثِ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا مَعَ [أَنَّ] 3 الْفَاعِلَ هُوَ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ؟ ! وَفَسَادُ 4 هَذَا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ أَظْهَرُ مِنْ فَسَادِ مَا أَنْكَرْتُمُوهُ عَلَى غَيْرِكُمْ.
وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ كَمَا يَقُولُهُ مُثْبِتَةُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ [وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ] 5 الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَفْعُولَاتِ إِنَّمَا سَبَبُهُ 6 هَذِهِ الْأَفْعَالُ

وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُحْدِثُ لِجَمِيعِ الْمَفْعُولَاتِ الْمُتَغَيِّرَةِ وَتَغَيُّرَاتِهَا، فَيُمْتَنَعُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي تَغَيُّرِ فِعْلِهِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمَعْلُولِ الْمَخْلُوقِ الْمَصْنُوعِ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْخَالِقِ الصَّانِعِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلَّةً [تَامَّةً] 1 ، وَهَذَا يُوجِبُ الدَّوْرَ الْمُمْتَنَعَ، فَإِنَّ كَوْنَ كُلٍّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ مُؤَثِّرًا فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَمْرٌ ثَالِثٌ غَيْرُهُمَا يُؤَثِّرُ 2 فِيهِمَا هُوَ مِنَ الدَّوْرِ الْقَبْلِيِّ الْمُمْتَنَعِ، فَإِنَّ أَحَدَ الْفَاعِلَيْنِ لَا يَفْعَلُ فِي الْآخَرِ حَتَّى يَفْعَلَ الْآخَرُ فِيهِ كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ الْحَادِثَ لَا يَحْدُثُ حَتَّى يُحْدِثَهُ هُوَ؛ لِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْفِعْلِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يَقُومُ 3 حَتَّى يُحْدِثَهُ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ لَزِمَ أَنْ لَا يُوجَدَ حَتَّى يُوجَدَ ذَاكَ، وَلَا يُوجَدُ ذَاكَ حَتَّى يُوجَدَ هَذَا، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُوجَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يُوجَدَ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ بِمَرْتَبَتَيْنِ، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
وَإِنْ قِيلَ: الْمَفْعُولُ الْمُتَغَيِّرُ الْأَوَّلُ أَحْدَثَ فِي الْفَاعِلِ تَغَيُّرًا، وَذَلِكَ التَّغَيُّرُ أَوْجَبَ تَغَيُّرًا ثَانِيًا 0 قِيلَ: فَذَلِكَ الْأَوَّلُ إِنَّمَا صَدَرَ عَنْ فِعْلٍ قَائِمٍ 4 بِالْفَاعِلِ، فَالْفَاعِلُ مَا قَامَ بِهِ مِنَ الْفِعْلِ هُوَ الْفَاعِلُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْحَوَادِثِ الْمُتَغَيِّرَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ غَيْرُهُ أَلْبَتَّةَ.
وَإِنْ قِيلَ: وُجُودُ مَفْعُولِهِ الثَّانِي مَشْرُوطٌ بِمَفْعُولِهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ الْفَاعِلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَلَمْ يَحْتَجْ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا أَثَّرَ فِيهِ

[شَيْءٌ] 1 . سِوَاهُ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُلْهِمُ الْعِبَادَ أَنْ يَدْعُوهُ [فَيَدْعُونَهُ] 2 فَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ، وَيُلْهِمُهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَيُطِيعُونَهُ فَيُثِيبَهُمْ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْفَاعِلُ لِلْإِجَابَةِ وَالْإِثَابَةِ كَمَا أَنَّهُ أَوَّلًا جَعَلَ الْعِبَادَ دَاعِينَ مُطِيعِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُفْتَقِرًا إِلَى غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ.
وَكُلُّ مَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْأُمُورَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْيَانِ وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا بِأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ حُدُوثَ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ عِلَّةً أَزَلِيَّةً لِمَعْلُولٍ قَدِيمٍ مَعَ أَنَّهُ دَائِمُ الْفَاعِلِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِ كَوْنِهِ فَاعِلًا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَفْعُولٌ مُعَيَّنٌ قَدِيمٌ، بَلْ هَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ عَنْ مُوجَبٍ بِذَاتِهِ هُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ [لَهُ] 3 يُسَلِّمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ لِكُلِّ حَادِثٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا وَتَسْتَعْقِبُهُ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُولُ حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَلْزِمُ لَهُ أَزَلِيًّا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأَخُّرِ الْمَعْلُولِ 4 وَتَرَاخِيهِ زَمَانًا لَا نِهَايَةَ لَهُ عَنِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ حَادِثٍ يُوجَدُ فِي الْعَالَمِ مُتَأَخِّرٌ 5 عَنِ الْأَزَلِ تَأَخُّرًا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَوْ كَانَتْ عِلَّتُهُ التَّامَّةُ ثَابِتَةً فِي الْأَزَلِ لَكَانَ الْمَعْلُولُ

مُتَأَخِّرًا عَنِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ تَأَخُّرًا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَعْلُولِهَا فَصْلٌ أَصْلًا، بَلِ النِّزَاعُ: هَلْ يَكُونُ مَعَهَا فِي الزَّمَانِ أَوْ يَكُونُ عَقِبَهَا فِي الزَّمَانِ 1 ، وَيَكُونُ مَعَهَا 2 كَالْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الزَّمَانِ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ؟ . هَذَا مِمَّا يَتَكَلَّمُ فِيهِ النَّاسُ إِذْ كَانُوا 3 مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا 4 تَأَخُّرًا عَقْلِيًّا وَأَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا.
وَهَلْ يَتَّصِلُ بِهَا اتِّصَالًا زَمَانِيًّا أَوْ يَقْتَرِنُ بِهَا اقْتِرَانًا زَمَانِيًّا؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرِ النَّاسِ 5 . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَا يُحْدِثُ الْعَالَمَ فَلَا تَكُونُ عِلَّتُهُ التَّامَّةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ تَامَّةً 6 قَبْلَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا انْفِصَالٌ، فَكَيْفَ تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ 7 تَقَدُّمًا لَا نِهَايَةَ لَهُ؟ لَكِنَّ غَايَةَ مَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِمَا كَانَ قَدِيمًا مِنَ الْعَالَمِ كَالْأَفْلَاكِ، وَأَمَّا مَا يَحْدُثُ فِيهِ فَإِنَّمَا يَصِيرُ عِلَّةً تَامَّةً لَهُ عِنْدَ حُدُوثِهِ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ حُدُوثَ الْأَوَّلِ شَرْطٌ فِي حُدُوثِ الثَّانِي كَالْمَاشِي الَّذِي يَقْطَعُ أَرْضًا بَعْدَ أَرْضٍ، وَكَحَرَكَةِ الشَّمْسِ [الَّتِي] تَقْطَعُ 8 بِهَا مَسَافَةً بَعْدَ مَسَافَةٍ، كَالْمُتَحَرِّكِ 9 لَا يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَقْطَعَ الْأُولَى، فَقَطْعُ

الْأُولَى بِحَرَكَتِهِ شَرْطٌ فِي قَطْعِ الثَّانِيَةِ بِحَرَكَتِهِ، وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ لِقَطْعِ الثَّانِيَةِ إِنَّمَا وُجِدَتْ بَعْدَ الْأُولَى.
وَهَذَا غَايَةُ مَا يَقُولُونَهُ وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ، فَتَارَةً 1 يَقُولُونَ: فَيْضُ الْعِلَّةِ الْأُولَى وَالْمَبْدَأِ الْأَوَّلِ أَوْ وَاجِبِ الْوُجُودِ - وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى - دَائِمٌ، لَكِنْ يَتَأَخَّرُ لِيَحْصُلَ الِاسْتِعْدَادُ وَالْقَوَابِلُ، وَسَبَبُ الِاسْتِعْدَادِ وَالْقَوَابِلِ [عِنْدَ] 2 كَثِيرٍ مِنْهُمْ - أَوْ أَكْثَرِهِمْ - هُوَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ، فَلَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ سَبَبٌ لِتَغَيُّرَاتِ الْعَالَمِ إِلَّا حَرَكَةَ الْفَلَكِ - كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ - وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَرِسْطُو.
وَأَمَّا آخَرُونَ أَعْلَى مِنْ هَؤُلَاءِ - كَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِ - فَيَقُولُونَ: بَلْ سَبَبُ التَّغَيُّرَاتِ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الرَّبِّ مِنْ إِرَادَاتٍ مُتَجَدِّدَةٍ، بَلْ وَمِنْ إِدْرَاكَاتٍ، كَمَا قَدْ بَسَطَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَبَرِ.
فَأُولَئِكَ - كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ - يَقُولُونَ: هُوَ بِنَفْسِهِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِلْعَالَمِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْحَوَادِثِ الْمُتَجَدِّدَةِ، وَإِنَّ الْحَادِثَ الْأَوَّلَ كَانَ شَرْطًا أَعَدَّ الْقَابِلَ 3 لِلْحَادِثِ الثَّانِي.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَهُوَ أَيْضًا فِي غَايَةِ الْمُنَاقَضَةِ لِأُصُولِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ عِلَّةَ الْحَادِثِ الثَّانِي لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِتَمَامِهَا مَوْجُودَةً عِنْدَ وُجُودِهِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ الثَّانِي 4 لَمْ يَتَجَدَّدْ لِلْفَاعِلِ الْأَوَّلِ أَمْرٌ بِهِ يَفْعَلُ إِلَّا عَدَمُ الْأَوَّلِ، وَمُجَرَّدُ عَدَمِ الْأَوَّلِ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ لِلْفَاعِلِ لَا قُدْرَةً وَلَا إِرَادَةً وَلَا

غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَهُمْ لَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، وَلَا لَهُ أَحْوَالٌ مُتَنَوِّعَةٌ أَصْلًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ 1 أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ كَانَ صُدُورُهُ مُمْتَنَعًا مِنْهُ وَحَالُهُ حَالُهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ إِلَّا أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَمْ يُوجِبْ لَهُ زِيَادَةَ قُدْرَةٍ وَلَا إِرَادَةٍ وَلَا عِلْمٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ؟ . وَهَذَا بِخِلَافِ 2 مَا يُمَثِّلُونَ بِهِ مِنْ حَرَكَةِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكَةِ 3 بِالْإِرَادَةِ أَوْ 4 بِالطَّبْعِ، فَإِنَّ الْمُتَحَرِّكَ إِذَا قَطَعَ الْمَسَافَةَ [الْأُولَى] 5 صَارَ لَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ 6 قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ الْإِرَادَةِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ إِذَا مَشَى، فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ عَجْزًا عَنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا، وَهُوَ قَبْلَ وُصُولِهِ عَازِمٌ عَلَى قَطْعِهَا، إِذَا وَصَلَ لَيْسَ هُوَ مُرِيدًا فِي هَذَا 7 الْحَالِ لِقَطْعِهَا فِي هَذَا 8 الْحَالِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهَا صَارَ مُرِيدًا لِقَطْعِهَا قَادِرًا عَلَى قَطْعِهَا، وَعِنْدَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمُرَادِ، فَحِينَئِذٍ تُقْطَعُ لَا لِمُجَرَّدِ عَدَمِ الْحَرَكَةِ الَّتِي بِهَا قَطْعُ الْأُولَى بَلْ لِمَا تَجَدَّدَ لَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، فَهَذَا 9 الْمُتَجَدِّدُ الْمُقْتَضِي لَهُ هُوَ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِرَادَةِ الْكُلِّيَّةِ

وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْقُدْرَةِ، وَكَانَ قَطْعُ الْأُولَى مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا زَالَ الْمَانِعُ 1 عَمِلَ الْمُقْتَضِي عَمَلَهُ، فَتَمَّتْ إِرَادَتُهُ وَقُدْرَتُهُ فَقَطَعَ الْمَسَافَةَ.
وَهَكَذَا حَرَكَةُ الْحَجَرِ مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلَ، كُلَّمَا نَزَلَ تَجَدَّدَ فِيهِ قُوَّةٌ، وَقَبْلَ [ذَلِكَ] 2 لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ حَرَكَةُ الشَّمْسِ وَالْكَوَاكِبِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ حَرَكَتَهَا اخْتِيَارِيَّةٌ؛ لِمَا يَتَجَدَّدُ [لَهَا] 3 مِنَ التَّصَوُّرَاتِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْإِرَادَاتِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ لَهَا 4 شَيْئًا فَشَيْئًا، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُهُمْ: أَرِسْطُو وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ حَرَكَتَهَا عِنْدَهُمْ نَفْسَانِيَّةٌ، فَالْمُقْتَضَى التَّامُّ لِلْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الْحَرَكَةِ إِنَّمَا وُجِدَ عَنْهَا 5 ، لَمْ يَكُنِ الْمُقْتَضَى التَّامُّ مَوْجُودًا قَبْلُ، وَهُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِ الْمُتَحَرِّكِ أَوِ الْمُحَرِّكِ وَهُوَ النَّفْسُ الَّتِي يَتَجَدَّدُ لَهَا تَصَوُّرَاتٌ وَإِرَادَاتٌ جُزْئِيَّةٌ وَقُوَّةٌ جُزْئِيَّةٌ يَتَحَرَّكُ بِهَا 6 شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَحَرَكَةِ الْمَاشِي، فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا مُحَرِّكًا وَلَا مُتَحَرِّكًا حَالَهُ قَبْلَ الْحَرَكَةِ 7 وَبَعْدَهَا سَوَاءٌ وَالْحَرَكَةُ تَصْدُرُ عَنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِنَّ هَذَا لَا وُجُودَ لَهُ، وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يُحِيلُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَادِثَ لَا يَحْدُثُ إِلَّا عِنْدَ حُدُوثِ مُوجِبِهِ التَّامِّ، وَهُوَ عِلَّتُهُ التَّامَّةُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَا يَتَرَجَّحُ إِلَّا إِذَا وُجِدَ مُرَجِّحُهُ التَّامُّ الْمُسْتَلْزِمُ لَهُ 0

وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَالْحَرَكَةُ الثَّانِيَةُ لَوْ كَانَ مُرَجِّحُهَا التَّامُّ حَاصِلًا عِنْدَ الْأُولَى لَوَجَبَ 1 حُصُولُهَا عِنْدَ الْأُولَى، بَلْ إِنَّمَا يَتِمُّ حُصُولُهَا عِنْدَ حُصُولِ الْمُرَجَّحِ التَّامِّ، إِمَّا مُقْتَرِنَةً بِهِ فِي الزَّمَانِ أَوْ مُتَّصِلَةً بِهِ فِي الزَّمَانِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَجِّحُ التَّامُّ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لِلْحَرَكَةِ سَبَبٌ حَادِثٌ يُوجِبُ أَنْ يُصَيِّرَهَا حَادِثَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً، وَكَذَلِكَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ الْقَرِيبُ مِنَ الْحَرَكَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ لَهُ إِرَادَةٌ [تَامَّةٌ] 2 عَامَّةٌ كُلِّيَّةٌ لِمَا يُحْدِثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَتِلْكَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِرَادَةٍ أُخْرَى جُزْئِيَّةٍ لِحَادِثِ حَادِثٍ 3 يُقَارِنُهُ، كَمَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ إِذَا مَشَى فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ 4 إِلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُقْتَضَى الْعَامَّ إِمَّا بِإِرَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَدْ يَكُونُ مُقْتَضَاهُ عَامًّا مُطْلَقًا، لَكِنْ يَتَأَخَّرُ لِتَأَخُّرِ الِاسْتِعْدَادَاتِ وَالْقَوَابِلِ إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ مِنْ جِهَتِهَا فَيْضٌ عَامٌّ، لَكِنْ يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ [مِنَ] 5 الْقَوَابِلِ وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهَا وَيَتَأَخَّرُ بِحَسَبِ الْقَوَابِلِ وَالشُّرُوطِ، وَتِلْكَ لَيْسَتْ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ هُمْ يَقُولُونَ: 6 إِنَّ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ دَائِمُ الْفَيْضِ، عَنْهُ يَفِيضُ كُلُّ

مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الصُّوَرِ 1 النَّفْسَانِيَّةِ وَالْجُسْمَانِيَّةِ، فَعَنْهُ 2 تَفِيضُ الْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهُمْ عِنْدَهُمْ رَبُّ كُلِّ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ، لَكِنْ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا عِنْدَهُمْ، بَلْ فَيْضُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الِاسْتِعْدَادَاتِ وَالْقَوَابِلِ الَّتِي تَحْصُلُ بِحَرَكَاتِ 3 الْأَفْلَاكِ، وَتِلْكَ الْحَرَكَاتُ الَّتِي فَوْقَ فَلَكِ الْقَمَرِ لَيْسَتْ مِنْهُ بَلْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا الْعَقْلُ هُوَ رَبُّ الْبَشَرِ عِنْدَهُمْ 4 ، وَمِنْهُ يَفِيضُ الْوَحْيُ وَالْإِلْهَامُ، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ جِبْرِيلَ، وَقَدْ يَجْعَلُونَ جِبْرِيلَ مَا قَامَ بِنَفْسِ النَّبِيِّ مِنَ الصُّورَةِ الْخَيَالِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ 5 مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ فَيْضَ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِفَيْضِ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَفَيْضِ الشَّمْسِ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُفِيضَ هُنَا لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِالْفَيْضِ 6 ، بَلْ فَيْضُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا يُحْدِثُهُ غَيْرُهُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ وَالْقَبُولِ 7 ، وَإِحْدَاثُ غَيْرِهِ لَهُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ فَهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّهُ 8 لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْفَيْضِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ فَيْضِهِ عَلَى فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ رَبُّ الْقَابِلِ وَالْمَقْبُولِ وَرَبُّ الْمُسْتَعِدِّ وَالْمُسْتَعَدِّ لَهُ، وَمِنْهُ الْإِعْدَادُ وَمِنْهُ الْإِمْدَادُ.

فَإِذَا قَالُوا بَعْدَ هَذَا: إِنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَإِنَّ فَيْضَهُ عَامٌّ لَكِنَّهُ 1 يَتَوَقَّفُ عَلَى حُدُوثِ الْقَوَابِلِ وَالِاسْتِعْدَادَاتِ، إِمَّا بِحُدُوثِ الْأَشْكَالِ الْفَلَكِيَّةِ وَالِاتِّصَالَاتِ الْكَوْكَبِيَّةِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ 2 قِيلَ لَهُمْ: إِنْ قُلْتُمْ: هُوَ عِلَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِهَذَا الْحَادِثِ لَزِمَ وُجُودُهُ فِي الْأَزَلِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يَصِيرُ عِلَّةً تَامَّةً إِلَّا بِحُدُوثِ الْقَوَابِلِ قِيلَ لَكُمْ: فَإِذَا كَانَ حُدُوثُ الْقَوَابِلِ مِنْهُ فَهُوَ الْمُحْدِثُ لَهُمَا جَمِيعًا، فَقَبْلَ إِحْدَاثِهِمَا لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً لَا لِهَذَا وَلَا لِهَذَا، ثُمَّ أَحْدَثَهُمَا 3 جَمِيعًا: الْقَابِلَ وَالْمَقْبُولَ، فَإِذَا كَانَ أَحْدَثَهُمَا 4 بِدُونِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ عِلَّةً تَامَّةً لَهُمَا أَوْ لَمْ يَصِرْ عِلَّةً تَامَّةً لَهُمَا، فَيَلْزَمُ إِمَّا قِدَمُ هَذَيْنِ الْحَادِثَيْنِ وَإِمَّا عَدَمُهُمَا.
فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَزَلْ 5 عِلَّتَهُمَا لَزِمَ قِدَمُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ لَزِمَ عَدَمُهُمَا، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ عِلَّةَ هَذَيْنِ الْحَادِثَيْنِ حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، أَيْ حَدَثَتْ بِتَمَامِهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ 6 ، وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ أَوْجَبَ حُدُوثَ التَّمَامِ 7 ، فَإِنَّ الْفَاعِلَ لِلتَّمَامِ 8 حَالَةٌ بَعْدَ التَّمَامِ وَحَالَةٌ قَبْلَ التَّمَامِ 9 سَوَاءٌ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ

يَكُونُ عِلَّةً تَامَّةً لَهُ فِي إِحْدَى الْحَالَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَكُلُّ مَا يُقَدِّرُونَهُ مِمَّا حَصَلَ تَمَامُ الْعِلَّةِ 1 هُوَ أَيْضًا حَادِثٌ عَنِ الْأَوَّلِ، فَحَقِيقَةُ قَوْلِكُمْ أَنَّ حَوَادِثَ الْعَالَمِ تَحْدُثُ 2 ، عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عِلَّةً تَامَّةً لَهَا 3 ، أَوْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ عِلَّةً تَامَّةً، مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ تَامَّةً عِنْدَ مَعْلُولِهَا لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَهَذَا يَتَقَضَّى عَدَمَ الْحَوَادِثِ أَوْ قِدَمَ الْحَوَادِثِ، وَكِلَاهُمَا مُخَالِفٌ لِلْمُشَاهَدَةِ 4 . وَلِهَذَا كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْحَوَادِثَ تَحْدُثُ بِلَا مُحْدِثٍ لَهَا 5 ، وَقَوْلُهُمْ فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ يُشْبِهُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ فِي حَرَكَةِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ 6 تَقُولُ: إِنَّ 7 الْحَيَوَانَ قَادِرٌ مُرِيدٌ، وَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ 8 بِدُونِ سَبَبٍ أَوْجَبَ الْفِعْلَ، بَلْ مَعَ كَوْنِ نِسْبَةِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُدُوثِ إِلَى هَذَا الْحَادِثِ وَهَذَا الْحَادِثِ سَوَاءٌ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ كُلُّ مَا يُؤْمِنُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَيُطِيعُ بِهِ الْمُطِيعُ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ مَنْ أُمِرَ 9 بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ رَجَّحَ الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ بِدُونِ سَبَبٍ اخْتَصَّ بِهِ حَصَلَ بِهِ 10 الرُّجْحَانُ، وَالْكَافِرَ بِالْعَكْسِ

وَهَذَا يَقُولُهُ 1 هَؤُلَاءِ فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ: إِنَّهُ يَتَحَرَّكُ دَائِمًا بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ أَوْجَبَ كَوْنَهُ مُرِيدًا قَادِرًا، مَعَ أَنَّ إِرَادَتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحَرَكَاتِهِ حَادِثَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ 2 حَادِثَةً مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ جَعْلَهُ مُرِيدًا مُتَحَرِّكًا، فَقَدْ حَصَلَ الْمُمْكِنُ بِدُونِ الْمُرَجَّحِ التَّامِّ الَّذِي أَوْجَبَ رُجْحَانَهُ، وَحَصَلَ الْحَادِثُ بِدُونِ السَّبَبِ التَّامِّ الَّذِي أَوْجَبَ حُدُوثَهُ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الْقَادِرَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ بِلَا مُرَجِّحٍ بَلْ بِإِرَادَةٍ (* يُحْدِثُهَا [هُوَ] 3 مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْدِثَ لَهُ غَيْرُهُ تِلْكَ الْإِرَادَةَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ أَوْجَبَ الْإِرَادَةَ بِلَا إِرَادَةٍ *) 4 . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ، وَهُوَ يُنَاقِضُ أُصُولَهُمُ الصَّحِيحَةَ، فَإِذَا كَانُوا يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْإِرَادَاتِ الْحَادِثَةَ وَالْحَرَكَاتِ 5 الْحَادِثَةَ لَا تَحْدُثُ إِلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ حُدُوثَهَا، وَأَنَّهُ 6 عِنْدَ كَمَالِ السَّبَبِ يَجِبُ حُدُوثُهَا، وَعِنْدَ نَقْصِهِ يُمْتَنَعُ حُدُوثُهَا، عَلِمُوا أَنَّ مَا قَالُوهُ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ وَسَبَبِ الْحَوَادِثِ بَاطِلٌ.
فَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْفَلَكِ عِنْدَهُمْ سَبَبٌ يُوجِبُ حُدُوثَ مَا يَحْدُثُ لَهُ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْإِرَادَاتِ إِلَّا مِنْ جِنْسِ مَا لِلْمَخْلُوقِ الْفَقِيرِ إِلَى وَاجِبِ

الْوُجُودِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا كَانَ بِالْقُوَّةِ لَا يَخْرُجُ إِلَى الْفِعْلِ إِلَّا بِمُخْرِجٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْفَلَكِ مَا يُوجِبُ حُدُوثَ حَرَكَتِهِ.
وَمَا يَذْكُرُهُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ يُحَرِّكُ الْفَلَكَ حَرَكَةَ الْمَعْشُوقِ لِعَاشِقِهِ، وَأَنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ، وَأَنَّهُ بِذَلِكَ عِلَّةُ الْعِلَلِ وَبِهِ قِوَامُ الْفَلَكِ، إِذْ 1 كَانَ قِوَامُ الْفَلَكِ بِحَرَكَتِهِ، وَقِوَامُ حَرَكَتِهِ بِإِرَادَتِهِ وَشَوْقِهِ، وَقِيَامُ إِرَادَتِهِ وَشَوْقِهِ بِوُجُودِ [الْمَحْبُوبِ] 2 السَّابِقِ الْمُرَادَ الَّذِي تَحَرَّكَ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ، فَهَذَا الْكَلَامُ - مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ الَّذِي بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - غَايَتُهُ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ لِحَرَكَةِ الْفَلَكِ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ لِحَرَكَتِهِ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: هُوَ الْمُحْدِثُ لِتَصَوُّرَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ مِنْ [غَيْرِ] 3 احْتِيَاجٍ إِلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ وَإِلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى فِي كَوْنِهِ فَاعِلًا لِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْمُحِبَّ الْعَاشِقَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَحْبُوبِ الْمَعْشُوقِ 4 مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ فَاعِلًا لِلْحَرَكَةِ إِلَيْهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ هُوَ الْمُرَادُ الْمَطْلُوبُ بِالْحَرَكَةِ، وَهَذَا قَوْلٌ بِاسْتِغْنَاءِ الْحَرَكَاتِ الْمُحْدَثَةِ وَالْمُتَحَرِّكَاتِ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْحَوَادِثِ وَلَا هُوَ رَبُّهَا.
فَإِنْ قَالُوا مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ يُبْدِعِ الْفَلَكَ بَلْ هُوَ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ رَبَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ وَإِنْ قَالُوا: هُوَ الَّذِي أَبْدَعَهُ، كَانَ تَنَاقُضًا مِنْهُمْ كَتَنَاقُضِ الْقَدَرِيَّةِ، فَإِنَّ إِبْدَاعَهُ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ يُوجِبُ أَنْ لَا

يَحْدُثَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا بِفِعْلِ الرَّبِّ لِذَلِكَ وَإِحْدَاثِهِ [لَهُ] 1 ، كَمَا لَا يَحْدُثُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ حَادِثٌ إِلَّا بِخَلْقِ الرَّبِّ لِذَلِكَ وَإِحْدَاثِهِ لَهُ.
فَقَوْلُهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ الْعَامِّ وَبَيْنَ التَّعْطِيلِ 2 الْخَاصِّ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ شَرًّا مِنَ الْقَدَرِيَّةِ 3 ، وَرَدُّهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، وَهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَقَدْ ذُكِرَ 4 مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَلَامِ أَرِسْطُو فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَبَيَّنَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّ الْقَوْمَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى خَيْرٌ مِنْهُمْ بِكَثِيرٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا أَرِسْطُو وَالْقُدَمَاءُ فِي إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْأُولَى هِيَ طَرِيقُ الْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ، وَأَثْبَتُوا عِلَّةً غَائِيَّةً كَمَا ذُكِرَ.
فَلَمَّا رَأَى ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا فِيهَا مِنَ الضَّلَالِ عَدَلُوا إِلَى طَرِيقَةِ الْوُجُودِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ، وَسَرَقُوهَا مِنْ طَرِيقِ 5 الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِالْمُحْدَثِ عَلَى الْمُحْدِثِ، فَاحْتَجَّ أُولَئِكَ بِالْمُمْكِنِ عَلَى الْوَاجِبِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ وَاجِبٍ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ تَعْيِينِهِ فَيَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَهُمْ سَلَكُوا 6

طَرِيقَةَ التَّرْكِيبِ، وَهِيَ أَيْضًا مَسْرُوقَةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِلَّا فَكَلَامُ أَرِسْطُو فِي الْإِلَهِيَّاتِ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ مَعَ كَثْرَةِ الْخَطَأِ فِيهِ، وَلَكِنَّ ابْنَ سِينَا وَأَمْثَالَهُ وَسَّعُوهُ وَتَكَلَّمُوا فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَأَسْرَارِ الْآيَاتِ وَمَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ، بَلْ وَفِي مَعَادِ الْأَرْوَاحِ بِكَلَامٍ لَا يُوجَدُ لِأُولَئِكَ، وَمَا فِيهِ مِنَ الصَّوَابِ فَجَرَوْا فِيهِ عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا فِيهِ مِنْ خَطَأٍ بَنَوْهُ عَلَى أُصُولِ سَلَفِهِمُ الْفَاسِدَةِ.
وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا فِي الْوَحْيِ وَالْمَنَامَاتِ وَأَسْبَابِ الْعِلْمِ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ أَمْرُ ذَكَرَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْهُ قَبْلَهُ الْمَشَّاءُونَ سَلَفُهُ.

رد ابن ملكا ومتابعيه على سلفهم من الفلاسفة

وَأَمَّا أَبُو الْبَرَكَاتِ صَاحِبُ " الْمُعْتَبَرِ " وَنَحْوُهُ، فَكَانُوا بِسَبَبِ عَدَمِ تَقْلِيدِهِمْ لِأُولَئِكَ، وَسُلُوكِهِمْ طَرِيقَةَ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ بِلَا تَقْلِيدٍ، وَاسْتِنَارَتِهِمْ بِأَنْوَارِ النُّبُوَّاتِ أَصْلَحَ قَوْلًا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، فَأَثْبَتَ 1 عِلْمَ الرَّبِّ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَرَدَّ عَلَى سَلَفِهِ رَدًّا جَيِّدًا، وَكَذَلِكَ أَثْبَتَ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالَهُ وَبَيَّنَ مَا بَيَّنَهُ مِنْ خُطَّاءِ سَلَفِهِ 2 ، وَرَأَى فَسَادَ قَوْلِهِمْ فِي أَسْبَابِ الْحَوَادِثِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَثْبَتَ لِلرَّبِّ مَا يَقُومُ بِهِ الْإِرَادَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَوَادِثِ، وَقَوْلُهُمْ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَدَثَتِ 3 الْحَوَادِثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لِمَا يَقُومُ بِذَاتِ الرَّبِّ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ، فَلَا يُثْبِتُونَ أُمُورًا مُتَجَدِّدَاتٍ مُخْتَلِفَةً

عَنْ وَاحِدٍ بَسِيطٍ لَا صِفَةَ لَهُ وَلَا فِعْلَ كَمَا قَالَ أُولَئِكَ، بَلْ وَافَقُوا قَوْلَ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَرِسْطُو الَّذِينَ يُثْبِتُونَ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الرَّبِّ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْحَادِثَ الْمُعَيَّنَ إِنَّمَا حَدَثَ لَمَّا حَصَلَتْ عِلَّتُهُ التَّامَّةُ الَّتِي لَمْ تَتِمَّ إِلَّا عِنْدَ حُدُوثِهِ، وَتَمَامُ الْعِلَّةِ كَانَ بِمَا يُحْدِثُهُ الرَّبُّ تَعَالَى وَمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ إِرَادَتِهِ وَأَفْعَالِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ 1 مِمَّا يَقُولُونَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُدَبِّرًا لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَّا عَلَى قَوْلِنَا بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِيهِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالْعُلُومِ وَغَيْرِهَا، وَيَقُولُونَ إِنَّ مَنْ نَفَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَنْفِهِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَنْزِيهٍ وَإِجْلَالٍ مُجْمَلٍ، وَإِنَّهُ يَجِبُ التَّنْزِيهُ وَالْإِجْلَالُ مِنْ هَذَا التَّنْزِيهِ وَالْإِجْلَالِ.
فَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: فَعِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثِ 2 الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ، وَلَا يَكْفِي عَدَمُ الْأَوَّلِ.
قَالُوا 3 : بَلْ حَصَلَ مِنْ كَمَالِ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ مَا أَوْجَبَ حُدُوثَ الْمَقْدُورِ، وَلَا نَقُولُ إِنَّ حَالَ الْفَاعِلِ 4 قَبْلُ وَبَعْدُ وَاحِدٌ لَمْ يَتَجَدَّدْ أَمْرٌ يَفْعَلُ بِهِ الثَّانِي، [بَلْ تَتَنَوَّعُ] 5 أَحْوَالُ الْفَاعِلِ، وَنَفْسُهُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِتِلْكَ الْأَحْوَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ، لَكِنَّ وُجُودَ الْحَالِ الثَّانِي مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ مَا

يُضَادُّهُ، وَنَفْسُ الْفَاعِلِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَالِ الثَّانِي.
فَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَحْتَاجُ مَا يَحْدُثُ عَنْهُ أَنْ يُضَافَ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا فِي الْمُمْكِنَاتِ، بَلْ نَفْسُهُ الْوَاجِبَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِكُلِّ مَا يَحْدُثُ عَنْهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْفَاعِلُ لِلْمَلْزُومِ وَلَوَازِمِهِ، وَالْفَاعِلُ لِأَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ 1 عِنْدَ عَدَمِ الْآخَرِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لَكِنَّ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى تَحْرِيكِ الْجِسْمِ بَدَلًا عَنْ تَسْكِينِهِ، وَعَلَى تَسْكِينِهِ بَدَلًا عَنْ تَحْرِيكِهِ، وَعَلَى تَسْوِيدِهِ 2 بَدَلًا عَنْ تَبْيِيضِهِ، وَعَلَى تَبْيِيضِهِ 3 بَدَلًا عَنْ تَسْوِيدِهِ، وَهُوَ يَفْعَلُ أَحَدَ الضِّدَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ إِذَا حَصَلَتْ إِرَادَتُهُ التَّامَّةُ مَعَ قُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ، وَنَفْسُهُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهَا لِلْأَوَّلِ شَرْطًا فِي حُصُولِ الثَّانِي، فَلَيْسَتْ فِي تِلْكَ مُفْتَقِرَةً إِلَى غَيْرِهَا، بَلْ كُلُّ مَا سِوَاهَا فَقِيرٌ إِلَيْهَا، وَهِيَ غَنِيَّةٌ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهَا.
وَهَؤُلَاءِ تَخَلَّصُوا مِمَّا وَرَدَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ وَمِنْ فَسَادِ تَمْثِيلِهِمْ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ إِذَا مَثَّلُوا قَوْلَهُمْ بِمَا يُعْقَلُ 4 مِنْ حَرَكَةِ الْحَيَوَانِ وَالشَّمْسِ، لَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرْقِ وَالنَّقْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ [مَا يَرِدُ عَلَى] 5 مَنْ قَبْلَهُمْ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ 6 يُقَالُ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ فِي

الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى [شَيْءٍ مِنْ] 1 ذَلِكَ؟ وَأَنْتُمْ فَجَمِيعُ مَا تَذْكُرُونَهُ أَنْتُمْ وَأَمْثَالُكُمْ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ الْفِعْلِ، لَا عَلَى دَوَامِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا مَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ دَوَامُ الْفَلَكِ أَوْ مَادَّةُ الْفَلَكِ 2 أَوِ الْعُقُولُ أَوِ النُّفُوسُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، مِمَّا يَقُولُ الْقَائِلُونَ بِالْقِدَمِ: إِنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُقَارِنًا لِلرَّبِّ تَعَالَى قَدِيمًا بِقِدَمِهِ أَبَدِيًّا بِأَبَدِيَّتِهِ؟ . فَيُخَاطِبُونَ أَوَّلًا مُخَاطَبَةَ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ أَصْلًا 3 ، بَلْ إِنَّمَا طَمِعُوا فِي مُنَاظَرَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ 4 الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ جِنْسَ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ صَارَ مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنَعًا مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، وَصَارَ الْفَاعِلُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ لَا فِي زَمَانٍ، وَإِنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْقَدِيمُ مُعَطَّلًا عَنِ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ، لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَفْعَلُ مِنَ الْأَزَلِ، إِلَى أَنْ تَكَلَّمَ وَفَعَلَ 5 ، ثُمَّ يَقُولُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ يَتَعَطَّلُ عَنِ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ فَتَفْنَى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، أَوْ تَفْنَى حَرَكَتُهُمَا، كَمَا قَالَهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فِي فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَمَا قَالَهُ أَبُو الْهُذَيْلِ [الْعَلَّافُ] 6 فِي فَنَاءِ الْحَرَكَاتِ.
وَجَعَلُوا مُدَّةَ فِعْلِ الرَّبِّ وَكَلَامَهُ مُدَّةً فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ.

فَطَمِعَ هَؤُلَاءِ 1 فِي هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ 2 فِي أُصُولِهِمْ، وَأَقَامُوا 3 الشَّنَاعَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِلَلِ بِسَبَبِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُبْتَدِعِينَ 4 ، وَظَنُّوا أَنْ لَا قَوْلَ إِلَّا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ، أَوْ قَوْلُ أُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةِ الْمُلْحِدِينَ 5 ، وَرَأَوْا أَنَّ الْعَقْلَ يُفْسِدُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ، وَرَأَوُا السَّمْعَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ أَقْرَبَ وَعَنِ الْمُلْحِدِينَ أَبْعَدَ، فَقَالُوا: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ضَرَبُوا الْأَمْثَالَ وَخَيَّلُوا، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْإِخْبَارُ بِالْحَقَائِقِ.
وَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْإِلْحَادِ وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِحَسَبِ مَا أَنْكَرُوهُ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ، وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ نَفَوْا صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ - الَّذِينَ قَبْلَ هَؤُلَاءِ - أَعْظَمَ إِلْحَادًا وَتَحْرِيفًا لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ وَالْأُمُورَ الِاخْتِيَارِيَّةَ الْقَائِمَةَ بِهِ، وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ 6 بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
وَكِلْتَا 7 الطَّائِفَتَيْنِ خَرَجَتْ عَنْ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ، كَمَا خَرَجَتْ عَنْ صَحِيحِ الْمَنْقُولِ، بِحَسَبِ مَا أَخْطَأَتْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُ إِلَى قَبُولِ غَيْرِهِ، وَكَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ قَبُولِهِ مَا لَمْ يَلْزَمْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَكَانَ الْقَوْلُ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ

الْقَائِمَةِ بِالرَّبِّ بِاخْتِيَارِهِ 1 يُنَافِي كَوْنَهُ فَاعِلًا وَمُحْدَثًا.
وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ سِينَا فِي " إِشَارَاتِهِ " أَقْوَالَ الْقَائِلِينَ بِالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ، لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا قَوْلَ مَنْ أَثْبَتَ قُدَمَاءَ مَعَ اللَّهِ [تَعَالَى] 2 غَيْرَ مَعْلُولَةٍ، كَالْقَوْلِ الَّذِي يُحْكَى عَنْ ذِيمُقَرَاطِيسَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ - وَاخْتَارَهُ ابْنُ زَكَرِيَّا الْمُتَطَبِّبُ 3 وَقَوْلُ الْمَجُوسِ الْقَائِلِينَ بِأَصْلَيْنِ قَدِيمَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، وَقَوْلُ أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَئِمَّةِ الْمِلَلِ وَلَا أَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا مَا يَقُومُ بِالرَّبِّ مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا [بِمَشِيئَتِهِ] 4 إِذَا شَاءَ فِعَالًا بِمَشِيئَتِهِ، وَذَكَرَ حُجَجَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاظِرَ 5 أَنْ يَخْتَارَ أَيَّ الْقَوْلَيْنِ تُرَجِّحُ، مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ هَذَا جَعَلَهُ أَصْلًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصُومِهِ 6 . وَاعْتَرَضَ 7 عَلَيْهِ الرَّازِيُّ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الصِّفَاتِ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ الرَّازِيُّ، بَلْ نَفْيُ الصِّفَاتِ مِمَّا يُقَوِّي شُبْهَةَ

الْقَائِلِينَ بِالْقِدَمِ، وَمَعَ 1 إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ أَدِلَّتِهِمْ إِلَى الْغَايَةِ، بَلْ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، مَعَ [أَنَّ] 2 نَفْيَ الصِّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مُنَازِعِيهِ.
وَلَكِنَّ ابْنَ سِينَا نَشَأَ بَيْنَ (* الْمُتَكَلِّمِينَ النُّفَاةِ لِلصِّفَاتِ، وَابْنُ رُشْدٍ نَشَأَ بَيْنَ الْكُلَّابِيَّةِ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ نَشَأَ بِبَغْدَادَ بَيْنَ *) 3 عُلَمَاءِ السُّنَّةِ [وَالْحَدِيثِ] 4 ، فَكَانَ كُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ بُعْدُهُ عَنِ الْحَقِّ بِحَسَبِ بُعْدِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ آثَارِ الرُّسُلِ، وَقُرْبِهِ مِنَ الْحَقِّ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ رَأَوْا مَا قَالَهُ أُولَئِكَ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ بَاطِلًا، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ إِذَا أَبْطَلُوا قَوْلَ هَؤُلَاءِ بَقِيَ قَوْلُهُمْ، وَجَعَلُوا الْقَوْلَ بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ مُجْمَلًا، كَمَا جَعَلَ أُولَئِكَ قَوْلَهُمْ: " إِنَّ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ " مُجْمَلًا، فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ أَوْجَبَ [أَنْ] 5 ظَنَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ سَمِعَ قَوْلَ هَؤُلَاءِ امْتِنَاعَ كَوْنِ الرَّبِّ [تَعَالَى] 6 لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، إِذْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ، وَقَوْلُ أُولَئِكَ أَوْجَبَ أَنْ ظَنَّ كَثِيرٌ [مِمَّنْ] 7 سَمِعَ قَوْلَهُمْ دَوَامَ الْفَلَكِ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، إِذْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ أَيْضًا.

وَدَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ (* مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ دَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَدَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ ) 1 الْمُطْلَقَةِ، وَدَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ 2 الْعَامَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ الْعَامَّةِ وَهُوَ دَوَامُ 3 الْمَفْعُولَاتِ كُلِّهَا مِمَّا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، وَدَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِمَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَصْلًا، بَلِ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ تَنْفِيهِ كَمَا نَفَتْهُ 4 الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ.
وَأَمَّا دَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فَهَذِهِ لَا تُثْبِتُ قَوْلَهُمْ، بَلْ إِنَّمَا تُثْبِتُ خَطَأَ أُولَئِكَ النُّفَاةِ الَّذِينَ خَاصَمُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ هَذَا الْقَوْلِ صِحَّةُ [الْقَوْلِ] 5 الْآخَرِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا هَذَانِ الْقَوْلَانِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الثَّالِثُ هُوَ مُوجِبُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ؟ ! وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ كِلْتَا 6 الطَّائِفَتَيْنِ الَّتِي قَالَتْ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ مُلْحِدَةٌ، سَوَاءٌ قَالَتْ بِقِيَامِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ بِالرَّبِّ أَوْ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَفَاضِلِينَ فِي الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ فِي الْعُلُومِ الْإِلَاهِيَّةِ، إِنَّمَا رَدُّهُمُ الْمُتَوَجِّهُ 7 لَهُمْ عَلَى 8 الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا مَنْ أَحْدَثَهَا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، (
وَنَسَبُوهَا إِلَى الْمِلَّةِ.

وَأُولَئِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ أَبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْمِلَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ *) 1 ، فَمِنْهُمْ مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمِلَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَخْبَرَ بِالسَّمْعِيَّاتِ مِنْ غَيْرِهِ، فَجَعَلُوا يَرُدُّونَ مِنْ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِيهِ سَمْعٌ، وَمَا كَانَ مَعَهُمْ فِيهِ سَمْعٌ كَانُوا فِيهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقِرُّوهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا إِنْ وَافَقَ مَعْقُولَهُمْ، وَإِلَّا أَلْحَقُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَقَالُوا: إِنَّ الرُّسُلَ تَكَلَّمَتْ بِهِ 2 عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ لِلْحَاجَةِ.
وَابْنُ رُشْدٍ وَنَحْوُهُ يَسْلُكُونَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ، وَكَانُوا فِي الْعَمَلِيَّاتِ أَكْثَرَ مُحَافَظَةً لِحُدُودِ الشَّرْعِ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ وَيَسْتَحِلُّونَ مُحَرَّمَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنَ الْإِلْحَادِ وَالتَّحْرِيفِ بِحَسَبِ مَا خَالَفَ بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَلَهُمْ مِنَ الصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ بِحَسَبِ مَا وَافَقُوا فِيهِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَمَعَادِ الْأَبْدَانِ مُظْهِرًا لِلْوَقْفِ وَمُسَوِّغًا لِلْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهُ إِلَى قَوْلِ سَلَفِهِ أَمْيَلُ.
وَقَدْ رَدَّ عَلَى أَبِي حَامِدٍ فِي " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ " رَدًّا أَخْطَأَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَعَ أَبِي حَامِدٍ، وَبَعْضُهُ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِينَا لَا مِنْ كَلَامِ سَلَفِهِ، وَجَعَلَ الْخَطَأَ فِيهِ مِنَ ابْنِ سِينَا، وَبَعْضُهُ اسْتَطَالَ فِيهِ عَلَى أَبِي حَامِدٍ وَنَسَبَهُ فِيهِ إِلَى قِلَّةِ الْإِنْصَافِ؛ لِكَوْنِهِ بَنَاهُ عَلَى أُصُولٍ كَلَامِيَّةٍ فَاسِدَةٍ، مِثْلِ كَوْنِ الرَّبِّ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا بِسَبَبٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ، وَكَوْنِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَبَعْضُهُ حَارَ فِيهِ جَمِيعًا لِاشْتِبَاهِ الْمَقَامِ.

وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَى ذَلِكَ، وَبَيَّنْتُ تَحْقِيقَ مَا قَالَهُ أَبُوحَامِدٍ [فِي ذَلِكَ] 1 مِنَ الصَّوَابِ الْمُوَافِقِ لِأُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَخَطَأِ مَا خَالَفَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَأَنَّ مَا قَالُوهُ مِنَ الْحَقِّ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يُرَدُّ بَلْ يُقْبَلُ، وَمَا قَصَّرَ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ مِنْ إِفْسَادِ أَقْوَالِهِمُ الْفَاسِدَةِ فَيُمْكِنُ رَدُّهُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى يُعَانُ بِهَا أَبُو حَامِدٍ عَلَى قَصْدِهِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وَأَمْثَالُهُ إِنَّمَا اسْتَطَالُوا عَلَيْهِ بِمَا وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أُصُولٍ فَاسِدَةٍ، وَبِمَا 2 يُوجَدُ فِي كُتُبِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُوَافِقِ لِأُصُولِهِمْ، وَجَعَلَ هَذَا وَأَمْثَالَهُ يُنْشِدُونَ فِيهِ 3 يَوْمًا يَمَانٍ إِذَا مَا جِئْتَ ذَا يَمَنٍ ... وَإِنْ لَقِيتَ مَعَدِّيًّا فَعَدْنَانِي 4 وَلِهَذَا جَعَلُوا 5 كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِ بَرْزَخًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ، فَالْمُسْلِمُ يَتَفَلْسَفُ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَشَّائِينَ تَفَلْسُفَ مُسْلِمٍ، وَالْفَيْلَسُوفُ يُسْلِمُ بِهِ إِسْلَامَ فَيْلَسُوفٍ، فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا مَحْضًا وَلَا فَيْلَسُوفًا مَحْضًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمَشَّائِينَ.
وَأَمَّا نَفْيُ الْفَلْسَفَةِ مُطْلَقًا أَوْ إِثْبَاتُهَا فَلَا يُمْكِنُ، إِذْ لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ يَنْصُرُونَهُ، وَلَا قَوْلٌ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْمَعَادِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ، بَلْ وَفِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، بَلْ وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْطِقِ، وَلَا يَتَّفِقُونَ إِلَّا عَلَى مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْحِسِّيَّاتِ الْمُشَاهَدَةِ

وَالْعَقْلِيَّاتِ الَّتِي لَا يُنَازِعُ فِيهَا أَحَدٌ.
وَمَنْ حَكَى عَنْ [جَمِيعِ] 1 الْفَلَاسِفَةِ قَوْلًا وَاحِدًا فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَصْنَافِهِمْ وَاخْتِلَافِ مَقَالَاتِهِمْ، بَلْ حَسْبُهُ النَّظَرُ فِي طَرِيقَةِ الْمَشَّائِينَ أَصْحَابِ أَرِسْطُو كَثَامِسْطِيُوسَ وَالْإِسْكَنْدَرِ الْأَفْرُودِيسِيِّ 2 وَبَرْقَلْسَ 3 مِنَ الْقُدَمَاءِ، وَكَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَالسُّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ قَوْلٌ لَا يَنْقِلُ عَنْ سَلَفِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ، إِذْ لَيْسَ لَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عِلْمٌ تَسْتَفِيدُهُ الْأَتْبَاعُ، وَإِنَّمَا عَامَّةُ عِلْمِ الْقَوْمِ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ، فَهُنَاكَ يُسَرِّحُونَ وَيَتَبَجَّحُونَ، وَبِهِ بِنَحْوِهِ 4 عَظَّمَ مَنْ عَظَّمَ أَرِسْطُو، وَاتَّبَعُوهُ؛ لِكَثْرَةِ كَلَامِهِ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَصَوَابِهِ فِي أَكْثَرِ ذَلِكَ، فَأَمَّا 5 الْإِلَهِيَّاتُ فَهُوَ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا.
وَجَمِيعُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ الصَّحِيحَةِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَصْلًا دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ فَضْلًا عَنْ قَطْعِيٍّ عَلَى قِدَمِ الْأَفْلَاكِ، بَلْ وَلَا عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنَّمَا عَامَّةُ أَدِلَّتِهِمْ أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ تَدَلُّ عَلَى الْأَنْوَاعِ الْعَامَّةِ، لَا تَدَلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنَ الْعَالَمِ.
فَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ: كَإِخْبَارِهَا أَنَّ اللَّهَ

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَقْلِيًّا صَحِيحًا عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَمِنْهُ صَوَابٌ وَمِنْهُ خَطَأٌ، وَمِنْهُ مَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ وَمِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُمْ أَحْذَقُ فِي النَّظَرِ وَالْمُنَاظَرَةِ وَالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ الصَّادِقَةِ وَأَعْلَمُ بِالْمَعْقُولَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِلَهِيَّاتِ 1 ، وَأَكْثَرُ صَوَابًا وَأَسَدُّ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَالْمُتَفَلْسِفَةُ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ 2 أَحَذَقُ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْهَا كَمَعْرِفَتِهِمْ، مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْخَطَأِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يُقَالَ لِأَئِمَّتِهِمْ وَحُذَّاقِهِمُ الَّذِينَ ارْتَفَعَتْ عُقُولُهُمْ وَمَعَارِفُهُمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ عَنْ كَلَامِ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَكَلَامِ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ: مَا الْمُوجِبُ أَوَّلًا لِقَوْلِكُمْ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَأَنْتُمْ لَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ . وَأَصْلُ الْفَلْسَفَةِ عِنْدَكُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِنْصَافِ وَاتِّبَاعِ الْعِلْمِ 3 ، وَالْفَيْلَسُوفُ هُوَ مُحِبُّ الْحِكْمَةِ، وَالْفَلْسَفَةُ مَحَبَّةُ الْحِكْمَةِ، وَأَنْتُمْ إِذَا نَظَرْتُمْ فِي كَلَامِ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَجِدُوا فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، مَعَ عِلْمِكُمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعَالَمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ يَقُولُونَ بِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ: وَهَذَا قَوْلُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ.

قول أكثر الفلاسفة بتقدم مادة العالم على صورته

وَذَلِكَ 1 الْقَوْلُ بِحُدُوثِ هَذَا الْعَالَمِ هُوَ قَوْلُ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَرِسْطُو، بَلْ هُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ أَرِسْطُو أَوَّلُ مَنْ صَرَّحَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ، وَأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَسَاطِينِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْعَالَمَ مُحْدَثٌ: إِمَّا بِصُورَتِهِ فَقَطْ، وَإِمَّا بِمَادَّتِهِ وَصُورَتِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ بِتَقَدُّمِ 2 مَادَّةِ هَذَا الْعَالَمِ عَلَى صُورَتِهِ.
وَهَذَا 3 مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ [صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ] 4 ، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 7] 5 . وَأَخْبَرَ أَنَّهُ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 11] . وَقَدْ ثَبَتَ 6 فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ 7 عَلَى الْمَاءِ " 8 .

وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 1 عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» 2 . وَالْآثَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ بِمَا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الَّذِي سَمَّاهُ [اللَّهُ] 3 دُخَانًا.
وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ 4 وَغَيْرُهُ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هُوَ الْعَرْشُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ هُوَ الْقَلَمُ.
وَرَجَّحُوا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ بِالْقَلَمِ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، فَكَانَ الْعَرْشُ مَخْلُوقًا قَبْلَ الْقَلَمِ.
قَالُوا وَالْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ أَنَّ: " «أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ

الْقَلَمُ» " 1 ، مَعْنَاهَا مِنْ هَذَا الْعَالَمِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَكَانَ حِينَ خَلَقَهُ زَمَنٌ يُقَدَّرُ بِهِ 2 خَلَقَهُ يَنْفَصِلُ إِلَى أَيَّامٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الزَّمَانَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَيَخْلُقَ فِي هَذَا الْعَالَمِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ: " «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» 3 ". وَفِي

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل