منهاج السنة النبويةصفحات 283-322
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة المؤلف

صفحات 283-322
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

الْأَكْلِ حَصَلَ جُزْءٌ مِنَ الشِّبَعِ [لَا يَحْصُلُ الْمُسَبَّبُ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ السَّبَبِ لَا مَعَهُ] 1 . وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْفَلْسَفَةِ وَغَيْرِهِمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ الْمُسَبَّبَ يَحْصُلُ عَقِبَ السَّبَبِ، وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ [وَجَمَاهِيرُهُمْ] 2 عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: إِذَا مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ طَالِقٌ، [أَوْ غَيْرُهُمَا] 3 أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ الْمُسَبَّبُ عَقِبَ الْمَوْتِ لَا مَعَ الْمَوْتِ، وَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَظَنَّ حُصُولَ الْجَزَاءِ مَعَ السَّبَبِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ، وَأَنَّ الْمَعْلُولَ يَحْصُلُ زَمَنَ الْعِلَّةِ.
وَلَفْظُ (الْعِلَّةِ) مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ الْمُؤَثِّرُ فِي الْوُجُودِ، وَيُرَادُ بِهِ الْمَلْزُومُ، فَإِذَا سَلِمَ الِاقْتِرَانُ.
4 فِي الثَّانِي لَمْ يَسْلَمِ الِاقْتِرَانُ.
5 فِي الْأَوَّلِ، فَلَا يُعْرَفُ فِي الْوُجُودِ مُؤَثِّرٌ فِي وُجُودِ غَيْرِهِ مُقَارِنٌ لَهُ فِي الزَّمَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، [بَلْ] 6 لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ زَمَانًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ وُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمٍ، وَلِهَذَا جَعَلَ الْفَلَاسِفَةُ الْعَدَمَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبَادِئِ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَهُمْ.
وَمِمَّا يُمَثِّلُونَ بِهِ حُصُولَ الصَّوْتِ مَعَ الْحَرَكَةِ كَالطَّنِينِ مَعَ [النَّقْرَةِ] 7 ، وَأَنَّ الْمُسَبَّبَ هُنَا مَعَ السَّبَبِ، وَهَذَا أَيْضًا مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ وُجُودَ الْحَرَكَةِ الَّتِي هِيَ

سَبَبُ الصَّوْتِ يَتَقَدَّمُ وُجُودَ الصَّوْتِ، [وَإِنْ كَانَ وُجُودُ الصَّوْتِ] 1 مُتَّصِلًا بِوُجُودِ الْحَرَكَةِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ أَوَّلُ زَمَنِ الْحَرَكَةِ يَكُونُ أَوَّلَ زَمَنِ الصَّوْتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْحَرَكَةِ وَالصَّوْتِ يَعْقِبُهَا، وَلِهَذَا يُعْطَفُ الْمُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ بِحَرْفِ الْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْقِيبِ، فَيُقَالُ: كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ، وَقَطَعْتُهُ فَانْقَطَعَ، وَيُقَالُ: ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَمَاتَ، أَوْ فَقَتَلْتُهُ، وَأَكَلَ فَشَبَعَ، وَشَرِبَ فَرَوِيَ، وَأَكَلَ حَتَّى شَبَعَ، وَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْكَسْرُ وَالْقَطْعُ فِعْلٌ يَقُومُ بِالْفَاعِلِ مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِآلَةٍ مَعَهُ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْأَثَرُ انْكَسَرَ وَانْقَطَعَ، فَأَحَدُهُمَا يَعْقِبُ الْآخَرَ لَا يَكُونُ أَوَّلُ زَمَانِ هَذَا أَوَّلَ زَمَانِ هَذَا وَلَا آخِرُ زَمَانِ هَذَا آخِرَ زَمَانِ هَذَا، بَلْ يَتَقَدَّمُ زَمَانُ السَّبَبِ، وَيَتَأَخَّرُ زَمَانُ الْمُسَبَّبِ.
وَلِهَذَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْمُسَبَّبِ الْمُتَوَلِّدِ عَنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ فِعْلُهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ فِعْلُ الرَّبِّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْإِنْسَانُ مُشَارِكٌ فِي فِعْلِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِفِعْلِهِ وَبِسَبَبٍ آخَرَ، مِثْلُ خُرُوجِ السَّهْمِ مِنَ الْقَوْسِ، وَمِثْلُ حُصُولِ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
وَلَوْلَا تَقَدُّمُ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا النِّزَاعُ، فَإِنَّ السَّبَبَ حَاصِلٌ فِي الْعَبْدِ فِي مَحَلِّ قُدْرَتِهِ وَحَرَكَتِهِ، وَالْمُسَبَّبُ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ قُدْرَتِهِ وَحَرَكَتِهِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَرَكَةُ الْكُمِّ مَعَ حَرَكَةِ الْيَدِ وَحَرَكَةُ آخِرِ الْحَبْلِ مَعَ حَرَكَةِ أَوَّلِهِ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا فِي الْوُجُودِ مَفْعُولًا يَكُونُ زَمَانُهُ زَمَانَ فَاعِلِهِ بِلَا 2

تَأَخُّرٍ أَصْلًا لَا مَعَ الِاتِّصَالِ، وَلَا مَعَ الِانْفِصَالِ، كَمَا يَدَّعُونَهُ فِي فِعْلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ خَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ مِنْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ مُقَارِنَةً لَهُ فِي الزَّمَانِ، زَمَانُ وُجُودِهَا هُوَ زَمَانُ وُجُودِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الزَّمَانِ أَلْبَتَّةَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الْعِلْمِ عِلَّةً لِلْعَالِمِيَّةِ، فَهَذَا أَوَّلًا قَوْلُ مُثْبِتِيِ الْأَحْوَالِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى 1 ، وَقَبْلَهُمَا أَبُو هَاشِمٍ، وَجُمْهُورُ النُّظَّارِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالِمِيَّةُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَى قَوْلِ أُولَئِكَ فَلَا يَقُولُونَ إِنَّ الْعِلْمَ هُنَا عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ لَا بِإِرَادَةٍ، وَلَا بِذَاتٍ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، بَلِ الْمَعْلُولُ عِنْدَهُمْ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُودِ فَقَطْ، وَمَعْنَى الْعِلَّةِ عِنْدَهُمُ الِاسْتِلْزَامُ، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ.

[الْبُرْهَانُ التَّاسِعُ والرد عليه]

قَالَ الرَّازِيُّ: (الْبُرْهَانُ التَّاسِعُ: هُوَ أَنَّ الشَّيْءَ حَالَ اعْتِبَارِ وَجُودِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِامْتِنَاعِ عَدَمِهِ مَعَ وُجُودِهِ 2 ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي حَالِ عَدَمِهِ وَاجِبُ الْعَدَمِ لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا 3 ، وَالْحُدُوثُ عِبَارَةٌ عَنْ تُرَتُّبِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَاهِيَّةُ.
4 [فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ] 5

عَلَى كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ وَاجِبَةً، فَالْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى مُؤَثِّرٍ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ 1 مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاجِبٌ يَمْتَنِعُ اسْتِنَادُهُ 2 إِلَى الْمُؤَثِّرِ، فَإِذَنْ 3 الْحُدُوثُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُدُوثٌ مَانِعٌ عَنِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ لَمْ 4 تُعْتَبَرِ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ لَمْ يَرْتَفِعِ الْوُجُوبُ، أَيْ وُجُوبُ الْوُجُودِ فِي زَمَنِهِ، وَوُجُوبُ الْعَدَمِ فِي زَمَنِهِ، وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ [لَا] 5 يَحْتَاجُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْحُدُوثَ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُدُوثٌ مَانِعٌ عَنِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا الْمُحْوَجُ هُوَ الْإِمْكَانُ) . وَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ مُغَالَطَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَجَوَابُهَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَاجِبُ الْوُجُودِ لَكِنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ [لَا] 6 يُنَاقِضُ كَوْنَهُ مُفْتَقِرًا إِلَى الْفَاعِلِ مَفْعُولًا لَهُ مُحْدِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِذَا 7 لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوُجُوبُ مَانِعًا مِمَّا 8 يَسْتَلْزِمُ افْتِقَارَهُ إِلَى الْفَاعِلِ لَمْ يَمْتَنِعْ كَوْنُهُ مُفْتَقِرًا إِلَى الْفَاعِلِ مَعَ هَذَا الْوُجُوبِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: (الْحُدُوثُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرَتُّبِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ) يُقَالُ لَهُ: الْحُدُوثُ يَتَضَمَّنُ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ بِفَاعِلٍ أَوْجَدَهُ هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ لَا يُوجَدُ بِدُونِ إِيجَادِهِ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ

مَوْجُودًا، فَالْحُدُوثُ يَتَضَمَّنُ هَذَا الْمَعْنَى، أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَإِذَا كَانَ الْحُدُوثُ مُتَضَمِّنًا لِلْحَاجَةِ إِلَى الْفَاعِلِ، [أَوْ] 1 مُسْتَلْزِمًا لِلْحَاجَةِ إِلَى الْفَاعِلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَانِعٌ عَنِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَمْنَعُ لَازِمَهُ 2 ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ ضِدَّهُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (الْوَاجِبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ 3 وَاجِبٌ يَمْتَنِعُ اسْتِنَادُهُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ) مَمْنُوعٌ، بَلِ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَمْتَنِعُ اسْتِنَادُهُ 4 إِلَى الْمُؤَثِّرِ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ اسْتِنَادُهُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، بَلْ نَفْسُ كَوْنِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ اسْتِنَادَهُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْوُجُوبَ بِالْغَيْرِ يَمْنَعُ الِاسْتِنَادَ إِلَى الْغَيْرِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أُرِيدُ الْوَاجِبَ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاجِبٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ، وَإِذَا أَخَذَ مُطْلَقًا عَنِ الْقَيْدَيْنِ 5 ، فَهُوَ أَمْرٌ يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ.
ثُمَّ يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَاجِبَ إِذَا أُخِذَ مُطْلَقًا يَمْتَنِعُ اسْتِنَادُهُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، بَلِ الْوَاجِبُ إِذَا أُخِذَ مُطْلَقًا لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُؤَثِّرَ، [وَلَا يَنْفِي (* الْمُؤَثِّرَ] 6 ، فَإِنَّ مِنَ الْوَاجِبِ مَا يَسْتَلْزِمُ الْمُؤَثِّرَ، وَهُوَ الْوَاجِبُ بِغَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا يَنْفِيهِ، وَهُوَ *) 7 الْوَاجِبُ

بِنَفْسِهِ، وَصَارَ هَذَا كَاللَّوْنِ إِذَا أُخِذَ مُجَرَّدًا لَا يَسْتَلْزِمُ السَّوَادَ، وَلَا يَنْفِيهِ، وَالْحَيَوَانُ إِذَا أُخِذَ مُجَرَّدًا لَا يَسْتَلْزِمُ النُّطْقَ.
وَلَا يَنْفِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأَجْنَاسِ إِذَا أُخِذَتْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ لَمْ تَكُنْ 1 مُسْتَلْزِمَةً لِذَلِكَ، وَلَا مَانِعَةً مِنْهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: (الْحُدُوثُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُدُوثٌ مَانِعٌ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ) 2 مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، وَالْعِلْمُ بِفَسَادِ ذَلِكَ أَظْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ بِفَسَادِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْإِمْكَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِمْكَانٌ مَانِعٌ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ عِلْمَ النَّاسِ بِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ أَظْهَرُ، وَأَبْيَنُ مِنْ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا قَبْلَ 3 الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ، فَإِذَا كَانَتِ الْحُجَّةُ النَّافِيَةُ لِهَذَا سُوفُسْطَائِيَّةً، فَتِلْكَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ سُوفُسْطَائِيَّةً.
الْخَامِسُ: أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّةً غَيْرَ الْوُجُودِ الْحَاصِلِ فِي الْخَارِجِ، وَأَنَّهُ 4 يَعْتَقِبُ عَلَيْهَا الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ وَبَاطِلٌ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ ذَلِكَ، فَالْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا تَسْتَحِقُّ وُجُودًا وَلَا عَدَمًا، وَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى فَاعِلٍ، فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ يَقُولُ الْمَاهِيَّاتُ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ وَأَنَّ 5 الْمَجْعُولَ اتِّصَافُهَا 6 بِالْوُجُودِ، وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْفَاعِلِ إِذَا كَانَتْ

مَوْجُودَةً، وَإِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَوُجُودُهَا وَاجِبٌ فَعُلِمَ أَنَّ افْتِقَارَهَا إِلَى الْفَاعِلِ فِي حَالِ وُجُوبِ وَجُودِهَا بِالْغَيْرِ 1 ، لَا فِي الْحَالِ الَّتِي لَا تَسْتَحِقُّ فِيهَا وُجُودًا وَلَا عَدَمًا.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ 2 هِيَ هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ كَوْنِهَا أَزَلِيَّةً، بَلْ وَلَا عَلَى إِمْكَانِ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِافْتِقَارُ لَا يَثْبُتُ لَهَا إِلَّا مَعَ الْحُدُوثِ، وَلِكَوْنِ الْحُدُوثِ شَرْطًا فِي هَذَا الِافْتِقَارِ 3 . الثَّامِنُ: أَنَّا إِذَا سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ الِافْتِقَارِ إِلَى الْفَاعِلِ هُوَ الْإِمْكَانُ، فَالْإِمْكَانُ الَّذِي يَعْقِلُهُ الْجُمْهُورُ إِمْكَانُ أَنْ يُوجَدَ الشَّيْءُ، وَإِمْكَانُ أَنْ يَعْدَمَ الشَّيْءُ 4 ، وَهَذَا الْإِمْكَانُ مُلَازِمٌ لِلْحُدُوثِ، فَلَا يُعْقَلُ إِمْكَانُ كَوْنِ الشَّيْءِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَاجِبًا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْفَاعِلِ، وَهَذَا هُوَ 5 الَّذِي يَدَّعُونَهُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُمْ إِذَا جَعَلُوا الْوُجُوبَ مَانِعًا مِنْ الِاسْتِنَادِ إِلَى الْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَ وُجُوبًا حَادِثًا، فَالْوُجُوبُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ 6 أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ الِاسْتِنَادِ إِلَى الْغَيْرِ، وَالْأَفْلَاكُ عِنْدَهُمْ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَوُجُوبُ ذَلِكَ

بِغَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْوُجُوبُ لَازِمًا 1 لِلْمَاهِيَّةِ، وَالْوُجُوبُ مَانِعٌ مِنْ الِافْتِقَارِ إِلَى الْغَيْرِ كَانَ لَازِمُ الْمَاهِيَّةِ مَانِعًا لَهَا مِنْ الِافْتِقَارِ، فَلَا تَزَالُ الْمَاهِيَّةُ الْقَدِيمَةُ مَمْنُوعَةً مِنْ الِافْتِقَارِ إِلَى الْغَيْرِ 2 ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَفْتَقِرَ إِلَى الْغَيْرِ أَبَدًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ، وَأَنَّ مَا كَانَ قَدِيمًا 3 يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْإِمْكَانَ هُوَ الْمُحْوِجُ إِلَى الْغَيْرِ 4 الْمُؤَثِّرِ، فَالتَّأْثِيرُ هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ مَوْجُودًا وَإِبْدَاعُ وُجُودِهِ جَعْلُ 5 مَا يُمْكِنُ عَدَمَهُ مَوْجُودًا لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِإِحْدَاثِ وُجُودٍ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِلَّا فَمَا كَانَ وُجُودُهُ وَاجِبًا أَزَلِيًّا يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ لَا يُعْقَلُ حَاجَتُهُ إِلَى مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْجُودًا، وَإِذَا قَالُوا: هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا 6 يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ، وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ غَيْرَهُ هُوَ الَّذِي أَبْدَعَهُ، وَجَعَلَهُ مَوْجُودًا، وَإِنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، فَقَدْ جَمَعُوا فِي كَلَامِهِمْ مِنَ التَّنَاقُضِ أَعْظَمَ مِمَّا يَذْكُرُونَهُ عَنْ 7 غَيْرِهِمْ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَاجَةِ إِلَى الْفَاعِلِ لَكَانَ كُلُّ مُمْكِنٍ مَوْجُودًا، كَمَا أَنَّا إِذَا قُلْنَا: الْحُدُوثُ هُوَ الْمُحْوِجُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ كَانَ كُلُّ مُحْدَثٍ مَوْجُودًا ; لِأَنَّ 8 الْمُحْتَاجَ إِلَى الْفَاعِلِ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا فَعَلَهُ الْفَاعِلُ، وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ، وَإِذَا فَعَلَهُ الْفَاعِلُ لَزِمَ

وُجُودُهُ، فَيَلْزَمُ وُجُودُ كُلِّ مُمْكِنٍ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ [الْعَقْلِ] 1 . فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ 2 الْمُمْكِنَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِفَاعِلٍ قِيلَ: فَيَكُونُ الْإِمْكَانُ مَعَ الْوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ الْحَاجَةَ إِلَى الْفَاعِلِ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُونَ إِلَى بَيَانِ أَنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُ 3 وُجُودِ الْمُمْكِنِ أَزَلِيًّا، وَأَنَّ الْفَاعِلَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الْمُعَيَّنُ أَزَلِيًّا، وَهَذَا إِذَا أَثْبَتُّمُوهُ لَمْ تَحْتَاجُوا إِلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ لَا تَثْبُتُ حَاجَةُ الْمُمْكِنِ إِلَى الْفَاعِلِ إِلَّا فِي حَالِ وُجُودِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ بَاطِلٌ.

[الْبُرْهَانُ الْعَاشِرُ والرد عليه]

قَالَ الرَّازِيُّ: (الْبُرْهَانُ الْعَاشِرُ: جِهَةُ الِاحْتِيَاجِ لَا بُدَّ وَأَنْ لَا تَبْقَى مَعَ الْمُؤَثِّرِ، كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ الْمُؤَثِّرِ، وَإِلَّا لَبَقِيَتِ الْحَاجَةُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى مُؤَثِّرٍ آخَرَ، فَلَوْ جَعَلْنَا الْحُدُوثَ جِهَةَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، وَالْحُدُوثَ مَعَ الْمُؤَثِّرِ كَهُوَ [لَا] 4 مَعَ الْمُؤَثِّرِ ; لِأَنَّ 5 الْحُدُوثَ هُوَ الْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَسَوَاءٌ 6 كَانَ ذَلِكَ الْوُجُودُ بِالْفَاعِلِ أَوْ لَا بِالْفَاعِلِ، فَهُوَ وُجُودٌ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَسَوَاءٌ 7 أُخِذَ 8 حَالَ الْحُدُوثِ، أَوْ حَالَ الْبَقَاءِ، فَهُوَ فِي كِلَيْهِمَا وُجُودٌ بَعْدَ الْعَدَمِ، فَإِذَنْ هُوَ [مَعَ] 9 الْمُؤَثِّرِ كَهُوَ لَا مَعَ

الْمُؤَثِّرِ، فَيَلْزَمُ الْمُحَالُ 1 الْمَذْكُورُ أَمَّا إِذَا جَعَلْنَا الْإِمْكَانَ جِهَةَ الِاحْتِيَاجِ، فَهُوَ عِنْدَ الْمُؤَثِّرِ لَا يَبْقَى، كَمَا كَانَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ الْمَاهِيَّةَ مَعَ الْمُؤَثِّرِ لَا تَبْقَى مُمْكِنَةً أَلْبَتَّةَ فَعُلِمَ أَنَّ الْحُدُوثَ لَا يَصْلُحُ جِهَةَ الِاحْتِيَاجِ 2) . فَيُقَالُ: هَذَا مِنْ جِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ الْمَاهِيَّةِ [مَعَ الْمُؤَثِّرِ] 3 لَا تَبْقَى مُمْكِنَةً أَلْبَتَّةَ هُوَ وَصْفٌ ثَابِتٌ لَهَا مَعَ الْحُدُوثِ أَيْضًا، بَلْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْحُدُوثِ، فَإِنَّ الْمُمْكِنَ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ يَصِيرُ وَاجِبًا بِالْفَاعِلِ هُوَ الْمُحْدَثُ أَمَّا الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ فَهُوَ مَوْرِدُ النِّزَاعِ.
وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: نَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ فَاعِلٌ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ نَظَرِيَّةً فَالْمُنَازِعُ لَمْ يُقِمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا أَلْبَتَّةَ إِذْ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ 4 عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ تَدُلَّ عَلَى دَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُمْكِنَ الْمُحْدَثَ وَاجِبٌ بِفَاعِلِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: الْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ إِذَا كَانَ بِالْفَاعِلِ اقْتَضَى وُجُوبَ الْمُحْدَثِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ 5 يَكُنْ بِالْفَاعِلِ امْتَنَعَ الْحُدُوثُ، فَلَمْ يَكُنِ الْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ مَعَ الْمُؤَثِّرِ كَهُوَ لَا مَعَ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبٌ، وَفِي هَذِهِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا أَنَّ الْمُمْكِنَ مَعَ الْمُؤَثِّرِ وَاجِبٌ، وَبِدُونِ الْمُؤَثِّرِ مُمْتَنِعٌ،

وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا مَعَ الْمُؤَثِّرِ مَعَ كَوْنِهِ حَادِثًا لَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مُؤَثِّرٍ آخَرَ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: (الْمَاهِيَّةُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ لَا تَبْقَى مُمْكِنَةً أَلْبَتَّةَ) إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَا تَبْقَى مُحْتَاجَةً إِلَى الْمُؤَثِّرِ، أَوْ لَا يَبْقَى عِلَّةُ 1 احْتِيَاجِهَا هُوَ الْإِمْكَانُ، فَهَذَا بَاطِلٌ، وَهُوَ 2 خِلَافُ مَا يَقُولُونَهُ دَائِمًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَا تَبْقَى مُمْكِنَةَ الْعَدَمِ لِوُجُوبِهَا بِالْغَيْرِ، فَهَذَا يُنَاقِضُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ أَنَّهَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا مَعَ كَوْنِهَا وَاجِبَةً بِالْغَيْرِ، وَحِينَئِذٍ فَبَطَلَ 3 قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ يَكُونُ مُمْكِنًا، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْقَدِيمِ الْأَوَّلِيِّ بِمُمْكِنٍ 4 ، وَهَذَا يَنْعَكِسُ بِانْعِكَاسِ النَّقِيضِ، فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الْمُمْكِنِ بِقَدِيمٍ أَزَلِيٍّ، فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ لَا يُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ عَدَمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَذْهَبُ بَطَلَتْ جَمِيعُ أَدِلَّتِهِ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ لَازِمٌ عَنِ الْأَدِلَّةِ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَتِ الْمَلْزُومَاتُ كُلُّهَا.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ (جِهَةُ الِاحْتِيَاجِ لَا بُدَّ وَأَنْ لَا تَبْقَى مَعَ الْمُؤَثِّرِ.
كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ الْمُؤَثِّرِ) ، أَتُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْمُؤَثِّرِ لَا يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمُؤَثِّرِ، [كَمَا يَكُونُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ] 5 ؟ أَمْ تُرِيدُ أَنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِهِ أَوْ شَرْطَ احْتِيَاجِهِ أَوْ دَلِيلَ احْتِيَاجِهِ يَخْتَلِفُ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْأَوَّلَ فَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمُحْدَثَ بَعْدَ الْعَدَمِ لَا يَكُونُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ، كَمَا كَانَ مَعَ عَدَمِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّهُ

مَعَ عَدَمِهِ مَعْدُومٌ، بَلْ وَاجِبُ الْعَدَمِ، وَمَعَ وُجُودِهِ مَوْجُودٌ، بَلْ وَاجِبُ الْوُجُودِ.
(* وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْحُدُوثَ هُوَ الْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ سَوَاءٌ كَانَ الْوُجُودُ بِالْفَاعِلِ أَوْ بِغَيْرِ الْفَاعِلِ *) 1 [تَقْدِيرٌ مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ كَوْنَهُ بِغَيْرِ الْفَاعِلِ مُمْتَنِعٌ، فَلَا يَكُونُ حُدُوثٌ بَعْدَ الْعَدَمِ بِغَيْرِ الْفَاعِلِ حَتَّى يُسَوَّى بَيْنَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي حَالِ عَدَمِهَا، بَلْ هَذَا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: رُجْحَانُ وَجُودِهِ عَلَى عَدَمِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْفَاعِلِ أَوْ بِغَيْرِ الْفَاعِلِ] 2 . وَإِنْ أَرَدْتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَا كَانَ عِلَّةً أَوْ دَلِيلًا أَوْ شَرْطًا فِي أَحَدِ الْحَالَيْنِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى، فَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ عِلَّةَ 3 احْتِيَاجِ الْأَثَرِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ إِذَا قِيلَ: هُوَ الْإِمْكَانُ 4 ، أَوِ الْحُدُوثُ، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا، فَهُوَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِفَاعِلٍ سَوَاءٌ حَدَثَ أَوْ لَمْ يَحْدُثْ وَالْمُمْكِنَ لَا يَتَرَجَّحُ وَجُودُهُ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ سَوَاءٌ تَرَجَّحَ أَوْ لَمْ يَتَرَجَّحْ لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِيَاجَ إِنَّمَا يُحَقَّقُ فِي حَالِ وُجُودِهِ إِذْ مَا دَامَ 5 مَعْدُومًا، فَلَا فَاعِلَ لَهُ.
وَقَوْلُكَ: (وَإِلَّا لَبَقِيَتِ الْحَاجَةُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى مُوَثَّرٍ آخَرَ) إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُسَلَّمِ دُونَ الْمَمْنُوعِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِالْمُؤَثِّرِ يَحْصُلُ وُجُودُهُ لَا يَفْتَقِرُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعَ الْمُؤَثِّرِ 6 لَا يَكُونُ

عِلَّةُ حَاجَتِهَا 1 أَوْ دَلِيلُهَا أَوْ شَرْطُهَا الْحُدُوثَ أَوِ الْإِمْكَانَ أَوْ مَجْمُوعَهُمَا، بَلْ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ ثَابِتٌ لَهُ حَالَ وُجُودِهِ أَظْهَرُ مِنْ ثُبُوتِهِ لَهُ حَالَ عَدَمِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ حَالَ وُجُودِهِ لَا حَالَ عَدَمِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُلْنَا: احْتَاجَ إِلَى الْمُؤْثِرِ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَهَذَا الْوَصْفُ ثَابِتٌ لَهُ حَالَ وُجُودِهِ، كُنَّا قَدْ أَثْبَتْنَا عِلَّةَ حَاجَتِهِ وَقْتَ وُجُودِهِ، وَالْعِلَّةُ حَاصِلَةٌ.
وَإِذَا قُلْنَا: الْعِلَّةُ هِيَ الْإِمْكَانُ، وَادَّعَيْنَا انْتِفَاءَهَا عِنْدَ وُجُودِهِ كُنَّا قَدْ عَلَّلْنَا حَاجَتَهُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ بَعْدَ 2 وَقْتَ وُجُودِهِ بِعِلَّةٍ مُنْتَفِيَةٍ وَقْتَ وُجُودِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ.
وَهَذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا غَيَّرُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ 3 ، فَخَرَجُوا عَنْ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، وَدَخَلُوا فِي هَذَا الْإِلْحَادِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ جَوَامِعِ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ صَارَ فِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا رَبُّ الْعِبَادِ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْحِكَمِيَّةِ، وَأَنَّ الْعُلُومَ الْحَقِيقِيَّةَ فِيمَا يَقُولُونَهُ لَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ الْخَلِيقَةِ وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَقِيقَةِ.
وَهَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ يُخَالِفُونَ الْمَعْقُولَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ بِمِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ، إِذْ مِنَ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْخَالِقِ الَّذِي خَلَقَهُ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَكَوْنِهِ مَخْلُوقًا، أَمَّا إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعَدَمِ، فَفِي تِلْكَ الْحَالِ لَا يَحْتَاجُ عَدَمُهُ إِلَى خَالِقٍ لِوُجُودِهِ بَلْ وَلَا فَاعِلٍ لِعَدَمِهِ، وَهُمْ

وَإِنْ قَالُوا: عَدَمُهُ يَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ، فَالْمُرَجِّحُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْعِلَّةِ 1 ، فَالْجَمِيعُ عَدَمٌ، لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ الْعَدَمَ يَفْتَقِرُ إِلَى مَوْجُودٍ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا بَيِّنًا، فَقَوْلُهُ: (جِهَةَ الِاحْتِجَاجِ لَا بُدَّ وَأَنْ لَا تَبْقَى مَعَ الْمُؤَثِّرِ كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ الْمُؤَثِّرِ) هُوَ كَلَامٌ مُلْبِسٌ، فَإِنَّ الِاحْتِيَاجَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ كَوْنِ الْمُؤَثِّرِ مُؤَثِّرًا، فَكَيْفَ تَزُولُ حَاجَتُهُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ فِي الْحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا مُحْتَاجٌ إِلَى الْمُؤَثِّرِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى الْمُؤَثِّرِ حِينَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُؤَثِّرٍ أَصْلًا.
وَفِي حَالِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ؟ . وَإِنْ قَالُوا: هُوَ.
2 فِي حَالِ عَدَمِهِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ إِلَّا بِمُؤَثِّرٍ، قُلْنَا: فَهَذَا بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ كَوْنَهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِمُؤَثِّرٍ أَمْرٌ لَازِمٌ لَهُ، لَا يُقَالُ: إِنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ فِي حَالِ عَدَمِهِ دُونَ حَالِ وُجُودِهِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْفِعْلَ مُسْتَلْزِمٌ لِحُدُوثِ الْمَفْعُولِ، وَأَنَّ إِرَادَةَ الْفَاعِلِ أَنْ يَفْعَلَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِحُدُوثِ الْمُرَادِ، فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَفْعُولٍ وَكُلَّ مَا أُرِيدَ فِعْلُهُ فَهُوَ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عُمُومًا، وَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ [أَنْ يَكُونَ ثَمَّ] 3 إِرَادَةٌ أَزَلِيَّةٌ لِشَيْءٍ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ يُقَارِنُهَا مُرَادُهَا أَزَلًا وَأَبَدًا سَوَاءٌ كَانَتْ عَامَّةً لِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ (* أَوْ كَانَتْ خَاصَّةً بِبَعْضِ الْمَفْعُولَاتِ، ثُمَّ يُقَالُ: أَمَّا كَوْنُهَا عَامَّةً 4 لِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ *) 5 فَامْتِنَاعُهُ ظَاهِرٌ مُتَّفَقٌ

عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَشْهَدُهُ الْخَلْقُ مِنْ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ حُدُوثِ الْحَرَكَاتِ وَالْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ كَحَرَكَةِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْكَوَاكِبِ، وَحَرَكَةِ الرِّيَاحِ، وَكَالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَمَا يَحْدُثُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ 1 ، وَالْمَعْدِنِ.
وَأَمَّا إِرَادَةُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا تِلْكَ الْإِرَادَةُ الْأَزَلِيَّةُ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَهُ إِرَادَاتٌ 2 تَحْصُلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ 3 عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمُرِيدُ الْأَزَلِيُّ فِي الْأَزَلِ مُقَارِنًا لِمُرَادِهِ الْأَزَلِيِّ، فَلَا يُرِيدُ شَيْئًا مِنَ الْحَوَادِثِ لَا بِالْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَلَا بِإِرَادَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْمُرِيدَ الْأَزَلِيَّ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهُ مُرَادُهُ كَانَ الْحَادِثُ حَادِثًا إِمَّا بِإِرَادَةٍ أَزَلِيَّةٍ فَلَا يُقَارِنُ الْمُرِيدُ مُرَادَهُ، وَإِمَّا حَادِثًا بِإِرَادَةٍ حَادِثَةٍ مُقَارِنَةٍ لَهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ أَزَلِيَّةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الْإِرَادَةِ يَفْتَقِرُ إِلَى سَبَبٍ حَادِثٍ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ [السَّبَبِ] 4 الْحَادِثِ كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ بِالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِمُقَارَنَةِ مُرَادِهَا لَهَا، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ بِلَا إِرَادَةٍ لِامْتِنَاعِ حُدُوثِ الْحَادِثِ بِلَا إِرَادَةٍ، فَيَجِبُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ إِرَادَةُ

الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ مَشْرُوطَةً بِإِرَادَةٍ لَهُ، وَبِإِرَادَةٍ لِلْحَادِثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْفَاعِلَ الْمُبْدِعَ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا لِكُلِّ مَا يَحْدُثُ مِنَ الْمُرَادَاتِ.
وَهَذَا هُوَ التَّقْدِيرُ الثَّانِي.
وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْصُلَ 1 شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكُلُّ مُرَادٍ لَهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، (2 وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْقِدَمِ وَالْأَزَلِيَّةِ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ 2) 2 ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا دَوَامُ الْحَوَادِثِ وَتَسَلْسُلُهَا، وَهَذَا هُوَ [التَّقْدِيرُ] 3 الَّذِي تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِ الْفَاعِلِ مَا يُرِيدُهُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، بَلْ قَوْلُ أَسَاطِينِهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ سَوَاءٌ سُمِّيَ جِسْمًا أَوْ عَقْلًا أَوْ نَفْسًا، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَدِيمًا سَوَاءٌ قِيلَ بِجَوَازِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَتَسَلْسُلِهَا، وَأَنَّهُ لَا أَوَّلَ لَهَا، أَوْ قِيلَ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ قِيلَ بِأَنَّ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ، أَوْ قِيلَ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ كَالْأَفْلَاكِ وَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ قَوْلُهُمْ بَاطِلٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ الَّذِي لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.

[استطراد: الْكَلَامُ فِي الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ تَصَادَمَتْ فِيهِ أَئِمَّةُ الطَّوَائِفِ]

وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ هُوَ [الْأَصْلُ] 4 الَّذِي تَصَادَمَتْ فِيهِ أَئِمَّةُ الطَّوَائِفِ مِنْ أَهْلِ

الْفَلْسَفَةِ، وَالْكَلَامِ، وَالْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْكَلَامُ فِي الْحُدُوثِ 1 وَالْقِدَمِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْكَلَامُ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْكَلَامُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ مِنْ مَحَارَاتِ 2 الْعُقُولِ، فَالْفَلَاسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ كَانُوا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الْمُوَافِقِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، وَلَكِنَّهُمْ أَلْزَمُوا أَهْلَ الْكَلَامِ الَّذِينَ وَافَقُوهُمْ عَلَى نَفْيِ قِيَامِ الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ 3 بِذَاتِهِ، أَوْ عَلَى نَفْيِ قِيَامِ الْأَفْعَالِ بِذَاتِهِ بِلَوَازِمِ قَوْلِهِمْ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ مِنْ تَنَاقُضِ أَهْلِ الْكَلَامِ مَا اسْتَطَالَ بِهِ عَلَيْهِمْ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ، وَذَمَّهُمْ بِهِ عُلَمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ 4 مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَكَانَ كَلَامُهُمْ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِهِ السَّلَفُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ الَّذِي خَالَفُوا بِهِ الْحَقَّ فِي 5 مَسَائِلِهِمْ وَدَلَائِلِهِمْ، فَبَقُوا فِيهِ مُذَبْذَبِينَ مُتَنَاقِضِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَى وَجْهِهِ وَلَا قَهَرُوا أَعْدَاءَ الْمِلَّةِ بِالْحَقِّ الصَّرِيحِ الْمَعْقُولِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُحَقِّقُوا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَمْ يَعْلَمُوهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَلَا حَقَّقُوا مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ، فَنَقَصُوا فِي عِلْمِهِمْ بِالسَّمْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، [وَإِنْ] 6 كَانَ لَهُمْ مِنْهُمَا نَصِيبٌ كَبِيرٌ، فَوَافَقُوا فِي بَعْضِ مَا

قَالُوهُ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سُورَةِ الْمُلْكِ: 10] وَفَرَّعُوا مِنَ الْكَلَامِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ مَا هُوَ بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْعَقْلِ، كَمَا هِيَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ.
وَالَّذِي نَبَّهْنَا عَلَيْهِ هُنَا يُعْلَمُ بِهِ دَلَالَةُ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ يُخْطِئُ فِي كَثِيرٍ مِنْ دَلَائِلِهِ، وَمَسَائِلِهِ 1 ، فَلَا يَسُوغُ، وَلَا يُمْكِنُ نَصْرُ قَوْلِهِ مُطْلَقًا، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقَالَ إِلَّا الْحَقَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: 169] . وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ نَصْرَ حَقٍّ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَّةِ أَوْ رَدَّ بَاطِلٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ نُصِرَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يُفِيدُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ دَلِيلُهُ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ 2 بُيِّنَ كَيْفَ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِطَرِيقَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ قَوْلِهَا وَقَوْلِ طَائِفَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ تِلْكَ الطَّائِفَةَ أَنْ تُوَافِقَ طَائِفَةً مِنْ طَوَائِفِ 3 الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تَخْرُجَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ أَنْ تُوَافِقَ الْمَعْقُولَ الصَّرِيحَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَخْرُجَ عَنِ الْمَعْقُولِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْقَوْلُ كُلَّمَا كَانَ أَفْسَدَ فِي الشَّرْعِ كَانَ أَفْسَدَ فِي الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَتَنَاقَضُ، وَالرُّسُلُ إِنَّمَا أَخْبَرَتْ بِالْحَقِّ، وَاللَّهُ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَالرُّسُلُ بُعِثَتْ بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ، لَا بِتَغْيِيرِ الْفِطْرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: 4

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 53] . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِيهِمُ الْآيَاتِ الْأُفُقِيَّةَ 1 وَالنَّفْسِيَّةَ الْمُبَيِّنَةَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عِبَادَهُ حَقٌّ، فَتَتَطَابَقُ الدَّلَالَةُ الْبُرْهَانِيَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ، وَالْبُرْهَانِيَّةُ الْعِيَانِيَّةُ، وَيَتَصَادَقُ مُوجَبُ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ وَالنَّظَرِ الْمَعْقُولِ.
لَكِنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ، مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْتَدَعُوا فِي أُصُولِ دِينِهِمْ حُكْمًا وَدَلِيلًا، فَأَخْبَرُوا عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمِلَلِ بِمَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، فَكَانَ الْقَوْلُ الَّذِي أَصَّلُوهُ وَنَقَلُوهُ عَنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ كِلَاهُمَا بِدْعَةً فِي الشَّرْعِ لَا أَصْلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، مَعَ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا هُوَ دِينُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانُوا فِي مُخَالَفَةِ الْمَعْقُولِ بِمَنْزِلَتِهِمْ فِي مُخَالَفَةِ الْمَنْقُولِ، وَقَابَلَتْهُمُ الْمَلَاحِدَةُ الْمُتَفَلْسِفَةُ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ مُخَالَفَةً لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ 2 . وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا هُوَ 3 مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَامْتِنَاعُ قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنَ الْعَالَمِ بِقِدَمِ اللَّهِ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ، وَيُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَتَأْلِيفُهُ عَلَى وُجُوهٍ 4 مِنَ التَّأْلِيفَاتِ، فَإِنَّ الْمَادَّةَ إِذَا كَانَتْ مَادَّةً صَحِيحَةً أَمْكَنَ تَصْوِيرُهَا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الصُّوَرِ، وَهِيَ فِي ذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ الْأَدِلَّةِ

الْمُغَالِطِيَّةِ 1 الَّتِي قَدْ رُكِّبَتْ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّهَا 2 مَتَى غُيِّرَ تَرْتِيبُهَا وَأَلْفَاظُهَا، وَنُقِلَتْ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ ظَهَرَ خَطَؤُهَا، فَالْأُولَى كَالذَّهَبِ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ إِذَا نُقِلَ 3 مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ جَوْهَرُهُ، بَلْ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ ذَهَبٌ، وَأَمَّا الْمَغْشُوشُ فَإِنَّهُ إِذَا غُيِّرَ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ ظَهَرَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ.
وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ دَالَّةٌ عَلَى حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ 4 كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، سَوَاءٌ قِيلَ بِدَوَامِ نَوْعِ الْفِعْلِ كَمَا يَقُولُهُ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّةُ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ لَمْ يَقُلْ.
وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَائِفِ 5 أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهَا مِنَ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَاتِ وَالْمُكَابَرَاتِ مَا أَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي ذَلِكَ، أَوْ تَتَكَافَأْ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ وَيَبْقَى فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ [وَالِاضْطِرَابِ] 6 قَدْ عَافَى اللَّهُ مِنْهَا مَنْ هَدَاهُ وَبَيَّنَ لَهُ الْحَقَّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 213] .

فَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لَهُ فِي الْقِدَمِ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ كَائِنًا مَا كَانَ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّهُ يَخْلُقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ، أَوْ قِيلَ 1 : إِنَّهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ أَوْ عِلَّةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمَعْلُولِ، أَوْ سُمِّيَ مُؤَثِّرًا؛ لِكَوْنِ لَفْظِ التَّأْثِيرِ يَعُمُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَاعِلُ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ بِذَاتِهِ 2 وَغَيْرُ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقِدَمِ الَّذِي اسْتَحَقَّ مَا سِوَاهُ كَوْنَهُ 3 مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ.
وَلَكِنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّرِيقَةِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعْتَزِلِيَّةِ 4 ، طَرِيقَةُ الْأَعْرَاضِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ مُحْدَثَةٌ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ، وَامْتِنَاعُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا طَرِيقَةٌ 5 مُبْتَدَعَةٌ فِي الشَّرْعِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَةٌ 6 مُخْطِرَةٌ مَخُوفَةٌ فِي الْعَقْلِ، بَلْ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ طَوَائِفَ كَثِيرَةٍ وَإِنْ 7 لَمْ يُعْلَمْ 8 بُطْلَانُهَا؛ لِكَثْرَةِ مُقَدِّمَاتِهَا وَخَفَائِهَا وَالنِّزَاعِ فِيهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ " كَالْأَشْعَرِيِّ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الثَّغْرِ 9 " وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي ذَلِكَ كَالْخَطَّابِيِّ 10 وَأَبِي عُمَرَ

الطَّلَمَنْكِيِّ 1 . وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ بَاطِلَةٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ 2 عِنْدَ مُحَقِّقِي الْأَئِمَّةِ الْعَالِمِينَ بِحَقَائِقِ الْمَعْقُولِ وَالْمَسْمُوعِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ أَوْجَبَ 3 نَفْيَ صِفَاتِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ، وَنَفْيَ أَفْعَالِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ، وَأَوْجَبَتْ مِنْ بِدَعِ الْجَهْمِيَّةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَسُلِّطَتْ بِذَلِكَ الدَّهْرِيَّةُ عَلَى الْقَدْحِ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ، فَلَا قَامَتْ بِتَقْرِيرِ الدِّينِ، وَلَا قَمَعَتْ أَعْدَاءَهُ الْمُلْحِدِينَ، وَهِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ عَلَى مَنْ سَلَكَهَا قَوْلَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ، بَلْ كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ، فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهَا تَسْتَلْزِمُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَأَمَّا مَا أَحْدَثَهُ ابْنُ كُلَّابٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْقَوْلِ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْهُ 4 مُعَيَّنٍ: إِمَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، وَإِمَّا حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ يَقْتَرِنُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ أَزَلًا وَأَبَدًا، فَهِيَ أَقْوَالٌ مُحْدَثَةٌ بَعْدَ حُدُوثِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَفِيهَا مِنَ الْفَسَادِ شَرْعًا وَعَقْلًا مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، لَكِنِ الْقَائِلُونَ بِهَا

بَيَّنُوا فَسَادَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: هُوَ مَخْلُوقٌ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، فَكَانَ فِي كَلَامِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنَ الْفَائِدَةِ 1 بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى لَا صِحَّةُ قَوْلِهَا؛ إِذِ الْأَقْوَالُ الْمُخَالِفَةُ لِلْحَقِّ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
وَكَانَ النَّاسُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَلَالٍ عَظِيمٍ كَمَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ 2 مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ 3 عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ 4 قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: قُمْ فِي قُرَيْشٍ فَأَنْذِرْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِذَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً 5 ، فَقَالَ: إِنِّي مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، فَابْعَثْ جُنْدًا، ابْعَثْ مِثْلَيْهِمْ 6 ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَأَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ أَلَّا يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا» . . . " الْحَدِيثَ بِطُولِهِ 7 .

عرض تاريخي لنشأة البدع والمذاهب الكلامية

وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الْمُوَافِقِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ [بْنُ عَفَّانَ] 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ فَاقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ بِصِفِّينَ، مَرَقَتِ الْمَارِقَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» 2 ". وَكَانَ مُرُوقُهَا لَمَّا حَكَمَ الْحَكَمَانِ وَافْتَرَقَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِ اتِّفَاقٍ.
وَحَدَثَتْ أَيْضًا بِدْعَةُ 3 التَّشَيُّعِ كَالْغُلَاةِ الْمُدَّعِينَ لِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ 4 ، وَالْمُدَّعِينَ النَّصَّ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 5 السَّابِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - 6 ، فَعَاقَبَ [أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ] عَلِيٌّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] الطَّائِفَتَيْنِ 7 : قَاتَلَ الْمَارِقِينَ، وَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ أُولَئِكَ الَّذِينَ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، فَإِنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَسَجَدُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: 8 أَنْتَ هُوَ.
قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
فَقَالَ: وَيْحَكُمْ!

هَذَا كُفْرٌ، ارْجِعُوا عَنْهُ وَإِلَّا ضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمْ، فَصَنَعُوا بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ كَذَلِكَ فَأَخَّرَهُمْ 1 ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا لَمْ يَرْجِعُوا أَمَرَ بِأَخَادِيدَ مِنْ نَارٍ فَخُدَّتْ 2 عِنْدَ بَابِ كِنْدَةَ، وَقَذَفَهُمْ فِي تِلْكَ النَّارِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا 3 وَقَتْلُ هَؤُلَاءِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ 4 فِي جَوَازِ تَحْرِيقِهِمْ نِزَاعٌ: فِعْلِيٌّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 5 رَأَى تَحْرِيقَهُمْ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ [مِنَ الْفُقَهَاءِ] 6 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَمْ أُحْرِقْهُمْ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَذَّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» "، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
7 وَأَمَّا السَّبَّابَةُ 8 الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ

طَلَبَ ابْنَ السَّوْدَاءِ 1 الَّذِي بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى أَرْضِ 2 قَرْقِيسِيَا.
وَأَمَّا الْمُفَضِّلَةُ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُوتَى بِأَحَدٍ يُفَضِّلُنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي، وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ 3 أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ 4 ، رُوِيَ هَذَا عَنْهُ 5 مِنْ أَكْثَرِ مِنْ ثَمَانِينَ وَجْهًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ 6 ، وَلِهَذَا كَانَتِ الشِّيعَةُ الْمُتَقَدِّمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقِينَ 7 عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ.
فَهَاتَانِ الْبِدْعَتَانِ: بِدْعَةُ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ حَدَثَتَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِيَّةِ

وَالْمُرْجِئَةِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ 1 كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ 2 . ثُمَّ إِنَّهُ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ مِنْ أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ 3 حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْجَهْمِيَّةِ مُنْكِرَةِ الصِّفَاتِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ 4 الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، فَطَلَبَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فَضَحَّى بِهِ بِوَاسِطٍ، فَخَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ 5 . ثُمَّ ظَهَرَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَدَخَلَتْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَهَؤُلَاءِ أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ عَنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا حُدُوثَ

الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، [وَأَثْبَتُوا حُدُوثَ الْأَجْسَامِ] 1 بِحُدُوثِ مَا يَسْتَلْزِمُهَا مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَقَالُوا: الْأَجْسَامُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ أَعْرَاضٍ مُحْدَثَةٍ، وَمَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْحَوَادِثِ أَوْ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا.
ثُمَّ إِنَّهُمْ تَفَرَّقُوا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ، فَلَمَّا قَالُوا بِامْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي عُورِضُوا بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَطَرَدَ [إِمَامَا هَذِهِ الطَّرِيقَةِ] هَذَا الْأَصْلَ، وَهُمَا: إِمَامُ الْجَهْمِيَّةِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ 2 ، وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ إِمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَا بِامْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي.
ثُمَّ إِنَّ جَهْمًا قَالَ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ فَنَاءُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّهُ يَعْدَمُ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ، كَمَا كَانَ مَا سِوَاهُ مَعْدُومًا.
وَكَانَ هَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَعَدُّوهُ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [سُورَةُ ص: 54] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 35] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى بَقَاءِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ 3 . وَأَمَّا أَبُو الْهُذَيْلِ فَقَالَ: إِنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ الْحَوَادِثِ فَقَطْ، فَيُمْكِنُ بَقَاءُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْحَرَكَاتُ، فَيَبْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ سَاكِنِينَ لَيْسَ فِيهِمَا حَرَكَةٌ أَصْلًا، وَلَا شَيْءَ يَحْدُثُ.
وَلَزِمَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُثْبِتَ أَجْسَامًا بَاقِيَةً دَائِمَةً خَالِيَةً عَنِ الْحَوَادِثِ، فَيَلْزَمُ وُجُودُ أَجْسَامٍ بِلَا

حَوَادِثَ، فَيَنْتَقِضُ الْأَصْلُ الَّذِي أَصَّلُوهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو 1 عَنِ الْحَوَادِثِ.
وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي أَصَّلَهُ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَهِشَامُ بْنُ سَالِمٍ 2 الْجَوَالِيقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُجَسِّمَةِ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِ الرَّافِضَةِ 3 كَالْكَرَّامِيَّةِ، فَقَالُوا: بَلْ يَجُوزُ ثُبُوتُ جِسْمٍ قَدِيمٍ [أَزَلِيٍّ] 4 لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ، وَهُوَ خَالٍ عَنْ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ.
وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمُ الْجِسْمُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ، وَأَمَّا الْأَجْسَامُ الْمَخْلُوقَةُ فَلَا تَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ، وَيَقُولُونَ: مَا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ، لَكِنْ لَا 5 يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ.
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ أَصْحَابُ هَذَا الْأَصْلِ الْمُبْتَدَعِ احْتَاجُوا أَنْ يَلْتَزِمُوا طَرْدَ هَذَا الْأَصْلِ فَقَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَلَا الْأَفْعَالُ 6 فَإِنَّهَا أَعْرَاضٌ وَحَوَادِثُ، وَهَذِهِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ، وَالْأَجْسَامُ مُحْدَثَةٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَقُومَ بِالرَّبِّ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا كَلَامٌ وَلَا مَشِيئَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا رِضًا وَلَا غَضَبٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ، بَلْ جَمِيعُ 7 مَا يُوصَفُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.

وَالْجَهْمِيَّةُ كَانُوا يَقُولُونَ: قَوْلُنَا: إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ هُوَ 1 مَجَازٌ.
وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: إِنَّهُ 2 مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً، لَكِنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ.
فَكَانَ أَصْلُ هَؤُلَاءِ هُوَ 3 الْمَادَّةُ الَّتِي تَشَعَّبَتْ عَنْهَا هَذِهِ الْبِدَعُ، فَجَاءَ ابْنُ كُلَّابٍ بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَمَّا ظَهَرَتِ الْمِحْنَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَامْتُحِنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] 4 وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، وَثَبَّتَ اللَّهُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَجَرَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ [مَعْرُوفَةٌ] 5 ، وَانْتَشَرَ بَيْنَ الْأُمَّةِ النِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، قَامَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الْبَصْرِيُّ، وَصَنَّفَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مُصَنَّفَاتٍ، وَبَيَّنَ تَنَاقُضَهُمْ [فِيهَا] 6 ، وَكَشَفَ كَثِيرًا مِنْ عَوْرَاتِهِمْ، لَكِنْ سَلَّمَ لَهُمْ ذَلِكَ الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ يَنْبُوعُ الْبِدَعِ، فَاحْتَاجَ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الرَّبَّ لَا تَقُومُ بِهِ الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا نَادَى مُوسَى حِينَ جَاءَ الطُّورَ، بَلْ وَلَا يَقُومُ بِهِ نِدَاءٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَا يَكُونُ [إِيمَانُ] 7 الْعِبَادِ وَعَمَلُهُمُ الصَّالِحُ هُوَ السَّبَبُ فِي رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ، وَلَا كُفْرِهِمْ هُوَ السَّبَبُ فِي سُخْطِهِ وَغَضَبِهِ، فَلَا يَكُونُ بَعْدَ أَعْمَالِهِمْ لَا حُبَّ وَلَا رِضَا وَلَا سُخْطَ وَلَا فَرَحَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 31]

، وَقَالَ [تَعَالَى] 1 : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ) [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 28] ، وَقَالَ [تَعَالَى] 2 : ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 55] وَقَالَ [تَعَالَى] 3 : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 7] ، وَقَالَ [تَعَالَى] 4 : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 59] ، وَقَالَ [تَعَالَى] 5 : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 11] . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي لَا تُحْصَى 6 إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَهِيَ تَبْلُغُ مِئِينَ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، كَمَا ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 7 ، وَذَكَرْنَا كَلَامَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَذَكَرْنَا 8 مَذَاهِبَ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ [أَيْضًا] 9 وَمُوَافَقَةَ أَسَاطِينِهِمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.
ثُمَّ إِنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ 10 تَفَرَّقَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ، فَاحْتَاجَ ابْنُ كُلَّابٍ وَمُتَّبِعُوهُ إِلَى أَنْ يَقُولُوا: هُوَ قَدِيمٌ، وَإِنَّهُ لَازِمٌ لِذَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَجَعَلُوا جَمِيعَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ قَدِيمَ الْعَيْنِ، لَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ

يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَإِنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدِيمُ النَّوْعِ، لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ كَمَا قَالَهُ 1 السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ.
ثُمَّ قَالُوا: إِنَّهُ قَدِيمُ الْعَيْنِ، وَافْتَرَقُوا 2 عَلَى حِزْبَيْنِ: حِزْبٌ قَالُوا: يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ هُوَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ؛ لِامْتِنَاعِ الْبَقَاءِ عَلَيْهَا وَكَوْنِهَا تُوجَدُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ قَدِيمًا، فَالْقَدِيمُ هُوَ الْمَعْنَى، وَيُمْتَنَعُ وُجُودُ مَعَانٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَالتَّخْصِيصُ بِعَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ لَا مُوجَبَ لَهُ، فَالْقَدِيمُ مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ الْأَمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ، وَالْخَبَرُ عَنْ كُلِّ مُخْبِرٍ، وَهُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَهُوَ مَعْنَى 3 آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَآيَةِ الدَّيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ كَلَامَ اللَّهِ.
وَالْحِزْبُ الثَّانِي قَالُوا: بَلِ الْحُرُوفُ أَوِ الْحُرُوفُ 4 وَالْأَصْوَاتُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةُ الْأَعْيَانِ، وَقَالُوا: التَّرْتِيبُ فِي ذَاتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَبَيْنَ وُجُودِ الْحَقِيقَةِ كَمَا يُفَرِّقُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ بَيْنَ وُجُودِ الرَّبِّ وَبَيْنَ حَقِيقَتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ يُفَرِّقُ بَيْنَ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ وَبَيْنَ حَقِيقَتِهَا، وَقَالُوا: التَّرْتِيبُ هُوَ [فِي] 5 حَقِيقَتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا، بَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَمْ يَسْبِقْ مِنْهَا شَيْءٌ شَيْئًا 6 ، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَتُهَا 7

مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا عَقْلِيًّا كَتَرْتِيبِ الذَّاتِ عَلَى الصِّفَاتِ، وَكَتَرْتِيبِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَالَمِ بِذَاتِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا، وَقَالُوا فِي تَقَدُّمِ بَعْضِ كَلَامِهِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى مَعْلُولِهِ، وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ وَالتَّرْتِيبَ نَوْعَيْنِ: عَقْلِيًّا وَوُجُودِيًّا، وَيَدَّعُونَ أَنَّ مَا أَثْبَتُوهُ مِنَ التَّرْتِيبِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ هُوَ عَقْلِيٌّ لَا وُجُودِيٌّ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ فَيُنْكِرُونَ هَذَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّ التَّرْتِيبَ وَالتَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ لَا يَعْقِلُ إِلَّا وُجُودَ الشَّيْءِ بَعْدَ غَيْرِهِ، لَا يُمْكِنُ مَعَ كَوْنِهِ مَعَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ 1 كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَعْلُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلَّةِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَهَا، وَهَذِهِ الْأُمُورُ قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ [بَسْطًا كَبِيرًا وَلَكِنْ ذُكِرَ هُنَا مَا تَيَسَّرَ] 2 . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ 3 الْكَلَامِيَّةَ الَّتِي ابْتَدَعَتْهَا الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَأَنْكَرَهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا صَارَتْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّظَّارِ الْمُتَأَخِّرِينَ 4 هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ، بَلْ 5 يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ خَالَفَهَا فَقَدْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ، وَالدَّلِيلُ لَا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ

بِإِحْسَانٍ] (1) فَكَيْفَ يَكُونُ دِينَ الْإِسْلَامِ، [بَلْ أَصْلَ أُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ] (2) مِمَّا لَمْ (3) يَدُلَّ عَلَيْهِ لَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ؟ ! .

ظهور الفلاسفة

ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ هَذَا فِي الْإِسْلَامِ الْمَلَاحِدَةُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ، حَدَثُوا وَانْتَشَرُوا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعُصُورِ 4 الْمُفَضَّلَةِ 5 ، وَصَارَ كُلُّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ يَضْعُفُ فِيهِ نُورُ الْإِسْلَامِ يَظْهَرُونَ فِيهِ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِهِمْ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ إِلَّا مَا يَقُولُهُ أُولَئِكَ الْمُبْتَدِعُونَ، وَرَأَوْا ذَلِكَ (6 فَسَادًا فِي الْعَقْلِ، فَرَأَوْا دِينَ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفَ 6) 6 فَاسِدًا فِي الْعَقْلِ فَكَانَ غُلَاتُهُمْ طَاعِنِينَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ - بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ - كَالْخُرَّمِيَّةِ أَتْبَاعِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ 7 وَقَرَامِطَةُ الْبَحْرَيْنِ أَتْبَاعُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ وَغَيْرُهُمْ 8 .123

وَأَمَّا مُقْتَصِدُوهُمْ 1 وَعُقَلَاؤُهُمْ فَرَأَوْا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ مَا لَا 2 يُمْكِنُ الْقَدْحُ فِيهِ، بَلِ اعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ بِمَا قَالَهُ 3 ابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَعِ الْعَالَمَ نَامُوسٌ أَفْضَلُ مِنْ نَامُوسِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ هَذَا مُوجِبُ عَقْلِهِمْ وَفَلْسَفَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ نَظَرُوا فِي أَرْبَابِ النَّوَامِيسِ مِنَ الْيُونَانِ، فَرَأَوْا أَنَّ النَّامُوسَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى وَعِيسَى أَعْظَمُ مِنْ نَوَامِيسِ أُولَئِكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلِهَذَا لَمَّا وَرَدَ نَامُوسُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] 4 عَلَى الرُّومِ انْتَقَلُوا عَنِ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ.
وَكَانَ أَرِسْطُو قَبْلَ الْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، كَانَ وَزِيرًا لِلْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فِيلِبْسَ الْمَقْدُونِيِّ 5 الَّذِي غَلَبَ عَلَى الْفُرْسِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤَرَّخُ لَهُ الْيَوْمَ بِالتَّارِيخِ الرُّومِيِّ، تُؤَرِّخُ لَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْكَنْدَرُ هُوَ ذَا الْقَرْنَيْنِ 6 الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُظَنُّ ذَلِكَ

طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَقَدِّمًا 1 عَلَى هَذَا، وَذَلِكَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ 2 الَّذِي بَنَى سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهَذَا الْمَقْدُونِيُّ لَمْ يَصِلْ إِلَى السَّدِّ، وَذَاكَ كَانَ [مُسْلِمًا] 3 مُوَحِّدًا، وَهَذَا الْمَقْدُونِيُّ كَانَ مُشْرِكًا 4 هُوَ وَأَهْلُ بَلَدِهِ الْيُونَانِيُّونَ، [كَانُوا مُشْرِكِينَ] 5 يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالْأَوْثَانَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ آخِرَ مُلُوكِهِمْ [كَانَ] 6 هُوَ بَطْلَيْمُوسُ صَاحِبُ الْمِجِسْطَى 7 ، وَأَنَّهُمْ بَعْدَهُ انْتَقَلُوا إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ النَّامُوسَ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الْمَسِيحُ كَانَ أَعْظَمَ وَأَجَلَّ، بَلِ النَّصَارَى بَعْدَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَبَدَّلُوا هُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ مِنْ أُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَشِرْكُ أُولَئِكَ الْغَلِيظُ 8 هُوَ مِمَّا أَوْجَبَ إِفْسَادَ دِينِ الْمَسِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: كَانَ 9 أُولَئِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ وَيَسْجُدُونَ لَهَا

وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الْمَسِيحَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ 1 كَمَا بَعَثَ سَائِرَ الرُّسُلِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 45] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 25] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 36] . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ 2 وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ [إِلَى زَمَنِ] الْحَوَارِيِّينَ 3 أَنَّ دِينَهُمْ كَانَ الْإِسْلَامَ، قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] 4 ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ - فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 71، 72] 5 ، وَقَالَ [تَعَالَى] عَنْ [إِبْرَاهِيمَ] الْخَلِيلِ [عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] 6 :

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 130، 133] 1 . وَقَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى [عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] 2 : ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 84] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 44] ، وَقَالَ عَنْ بِلْقِيسَ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: 44] ، وَقَالَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 111] . وَلَمَّا كَانَ الْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ قَبْلَهُ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ مَا كَانَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَبَقِيَ أَتْبَاعُهُ عَلَى مِلَّتِهِ 3 مُدَّةً - قِيلَ أَقَلُّ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ -، ثُمَّ ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْبِدَعُ بِسَبَبِ مُعَادَاتِهِمْ لِلْيَهُودِ صَارُوا يَقْصِدُونَ خِلَافَهُمْ، فَغَلَوْا فِي الْمَسِيحِ، وَأَحَلُّوا أَشْيَاءَ حَرَّمَهَا، وَأَبَاحُوا الْخِنْزِيرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ،

وَابْتَدَعُوا شُرَكَاءَ بِسَبَبِ شِرْكِ الْأُمَمِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيُونَانِ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْأَوْثَانِ، فَنَقَلَتْهُمُ (1) النَّصَارَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الْمُجَسَّدَةِ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ إِلَى عِبَادَةِ التَّمَاثِيلِ الْمُصَوَّرَةِ فِي الْكَنَائِسِ، وَابْتَدَعُوا الصَّلَاةَ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَصَلُّوا إِلَى حَيْثُ تَظْهَرُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ، وَاعْتَاضُوا بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا وَالسُّجُودِ إِلَيْهَا عَنِ الصَّلَاةِ لَهَا وَالسُّجُودِ لَهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّصَارَى بَعْدَ تَبْدِيلِ دِينِهِمْ كَانَ نَامُوسُهُمْ وَدِينُهُمْ خَيْرًا مِنْ دِينِ أُولَئِكَ الْيُونَانِ أَتْبَاعِ الْفَلَاسِفَةِ (2) ، فَلِهَذَا كَانَ الْفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ رَأَوْا دِينَ الْإِسْلَامِ يَقُولُونَ: إِنَّ نَامُوسَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ النَّوَامِيسِ، وَرَأَوْا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَوَامِيسِ (3) النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَطْعَنُوا فِي دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا طَعَنَ أُولَئِكَ الْمُظْهِرُونَ لِلزَّنْدَقَةِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَرَأَوْا أَنَّ مَا يَقُولُهُ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ (4) ، فَطَعَنُوا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَصَارُوا يَقُولُونَ: مَنْ أَنْصَفَ وَلَمْ يَتَعَصَّبْ وَلَمْ يَتَّبِعِ الْهَوَى لَا يَقُولُ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ فِي الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ.

أقوال الفلاسفة

وَكَانَ لَهُمْ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ فِي الْعَقْلِ أَيْضًا تَلَقَّوْهَا مِنْ سَلَفِهِمُ الْفَلَاسِفَةِ، (* وَرَأَوْا أَنَّ 5 مَا تَقُولُهُ فِيهِ مَا يُخَالِفُ الْعُقُولَ، وَطَعَنُوا بِذَلِكَ1234

الْفَلَاسِفَةَ *) 1 ، وَرَأَوْا أَنَّ مَا تَوَاتَرَ عَنِ الرُّسُلِ يُخَالِفُهَا فَسَلَكُوا طَرِيقَتَهُمُ الْبَاطِنِيَّةَ 2 فَقَالُوا: إِنَّ الرُّسُلَ لَمْ تُبَيِّنِ الْعِلْمَ وَالْحَقَائِقَ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْبُرْهَانُ فِي الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الرُّسُلَ عَلِمَتْ ذَلِكَ وَمَا بَيَّنَتْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا لَمْ تَعْلَمْهُ وَإِنَّمَا كَانُوا بَارِعِينَ فِي الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ دُونَ الْحِكْمَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَلَكِنْ خَاطَبُوا الْجُمْهُورَ بِخِطَابٍ تَخْيِيلِيٍّ، خَيَّلَتْ لَهُمْ فِي أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَا يَنْفَعُهُمُ اعْتِقَادُهُ فِي سِيَاسَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ اعْتِقَادًا بَاطِلًا لَا يُطَابِقُ الْحَقَائِقَ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ 3 لَا يُجَوِّزُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ عِنْدَهُمُ التَّخْيِيلُ، وَالتَّأْوِيلُ يُنَاقِضُ مَقْصُودَهُ، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِالْعِبَادَاتِ، لَكِنْ يَقُولُونَ مَقْصُودُهَا إِصْلَاحُ أَخْلَاقِ النَّفْسِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا تَسْقُطُ عَنِ الْخَاصَّةِ الْعَارِفِينَ بِالْحَقَائِقِ، فَكَانَتْ بِدْعَةَ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِمَّا أَعَانَتْ إِلْحَادَ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدِينَ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ 4 فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَبَيَانِ مُخَالَفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذُكِرَ أَنَّ الْمَعْقُولَاتِ 5 الصَّرِيحَةَ مُوَافِقَةٌ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَا تُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَنَبَّهْنَا فِي مَوَاضِعَ عَلَى مَا يَسْتَوْجِبُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الطُّرُقِ الْبَاطِلَةِ [الْمُبْتَدَعَةِ] 6 وَمَا بِهِ يُعْلَمُ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل