منهاج السنة النبويةصفحات 54-93
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 54-93
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ مِنْ أَصْنَافِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كُلُّهُمْ خَاضِعُونَ لِعَدْلِ عُمَرَ وَعِلْمِهِ.

كلام العلماء في مناقب عمر رضي الله عنه

وَقَدْ أَفْرَدَ الْعُلَمَاءُ مَنَاقِبَ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي سِيَرِ النَّاسِ كَسِيرَتِهِ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ، قَالَ 1 : " مَا دَارَ الْفَلَكُ عَلَى شَكْلِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كَانَ عُمَرُ أَحْوَذِيًّا نَسِيجَ وَحْدِهِ، قَدْ أَعَدَّ لِلْأُمُورِ أَقْرَانَهَا، وَكَانَتْ تَقُولُ: زَيِّنُوا مَجَالِسَكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ 2 . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةً: ابْنَةُ 3 صَاحِبِ مَدْيَنَ إِذْ قَالَتْ: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 26] وَخَدِيجَةُ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ " 4 . وَكُلُّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ عَدْلَ عُمَرَ كَانَ أَتَمَّ مِنْ عَدْلِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ، وَعِلْمَهُ كَانَ أَتَمَّ مِنْ عِلْمِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ.

وَأَمَّا التَّفَاوُتُ 1 بَيْنَ سِيرَةِ عُمَرَ وَسِيرَةِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ فَأَمْرٌ قَدْ عَرَفَتْهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ؛ فَإِنَّهَا أَعْمَالٌ ظَاهِرَةٌ، وَسِيرَةٌ بَيِّنَةٌ، يَظْهَرُ لِعُمَرَ فِيهَا مَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ، وَقَصْدِ الْعَدْلِ، وَعَدَمِ الْغَرَضِ، وَقَمْعِ الْهَوَى مَا لَا يَظْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» " 2 ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَسْتَطِيلُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِهَوَاهُ، وَعُمَرُ قَمَعَ هَوَاهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ» 3 ".

وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» " 1 . وَوَافَقَ رَبَّهُ فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ نَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ بِمِثْلِ مَا قَالَ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ 2 . وَهَذَا لِكَمَالِ نَفْسِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 115] فَاللَّهُ - تَعَالَى - بَعَثَ الرُّسُلَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ؛ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَتَمَّ عِلْمًا وَعَدْلًا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَهَذَا كَانَ فِي عُمَرَ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا فِي الْعَمَلِ وَالْعَدْلِ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَأَمَّا الْعِلْمُ فَيُعْرَفُ بِرَأْيِهِ وَخِبْرَتِهِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيُعْرَفُ بِمَسَائِلِ النِّزَاعِ الَّتِي لَهُ فِيهَا قَوْلٌ وَلِغَيْرِهِ فِيهَا قَوْلٌ؛ فَإِنَّ صَوَابَ عُمَرَ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ وَمُوَافَقَتَهُ لِلنُّصُوصِ أَكْثَرُ مِنْ صَوَابِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.

وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلَ، وَمَذْهَبُهُمْ أَرْجَحُ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ أَهْلُ مَدِينَةٍ أَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَقْدِيمِ قَوْلِ عُمَرَ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ.
، وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ، فَالطَّبَقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُقَدِّمُونَ قَوْلَ عُمَرَ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، وَأُولَئِكَ أَفْضَلُ الْكُوفِيِّينَ حَتَّى قُضَاتُهُ 1 شُرَيْحٌ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَأَمْثَالُهُمَا كَانُوا يُرَجِّحُونَ قَوْلَ عُمَرَ [وَعَلِيٍّ] عَلَى قَوْلِهِ وَحْدَهُ 2 . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا رَأَيْتُ عُمَرَ قَطُّ إِلَّا وَأَنَا يُخَيَّلُ لِي أَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ 3 . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنَّا نَبْعُدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ 4 . وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ

الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِ عُمَرَ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ، لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُرْبًا، فَلَمَّا قُتِلَ كَانَ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُعْدًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ 1 . وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيْهَلَا بِعُمَرَ، كَانَ إِسْلَامُهُ نَصْرًا، وَإِمَارَتُهُ فَتْحًا 2 . وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ عُمَرُ أَعْلَمَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَفْقَهَنَا فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَعْرَفَنَا بِاللَّهِ، وَاللَّهِ لَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ طَرِيقِ السَّاعِينَ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا أَمْرٌ بَيِّنٌ يَعْرِفُهُ النَّاسُ 3

وَقَالَ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَنَّ عِلَمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وَوُضِعَ عِلْمُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَيْضًا لَمَّا مَاتَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذَا قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ، وَإِنِّي لَأَحْسَبُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ ذَهَبَ مَعَ عُمَرَ يَوْمَ أُصِيبَ 1 . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا مَا صَنَعَ عُمَرُ فَخُذُوا بِرَأْيِهِ 2 . وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: إِنَّمَا كَانَ عُمَرُ مِيزَانًا لَا يَقُولُ كَذَا وَلَا يَقُولُ كَذَا 3 . وَهَذِهِ الْآثَارُ وَأَضْعَافُهَا مَذْكُورَةٌ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، لَيْسَ مِنْ أَحَادِيثِ الْكَذَّابِينَ، وَالْكُتُبُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا هَذِهِ الْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ 1 . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ". قَالَ: فَغَدَا عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، وَفِي لَفْظٍ: " أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ» " 2 . وَرَوَى النَّضْرُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ الْقَوْمُ مِنَّا 3 .

وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ عُمَرُ حَائِطًا حَصِينًا عَلَى الْإِسْلَامِ، يَدْخُلُ النَّاسُ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ انْثَلَمَ الْحَائِطُ، فَالنَّاسُ الْيَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْهُ 1 . وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِالْإِسْنَادِ 2 الْمَعْرُوفِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ: وَهِيَ الْإِسْلَامُ يَوْمَ مَاتَ عُمَرُ 3 . وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِ عُمَرَ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُرْبًا، فَلَمَّا قُتِلَ كَانَ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُعْدًا 4 .

وَمِنْ طَرِيقِ الْمَاجِشُونِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تَقُولُ: مَنْ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ غِنَاءً لِلْإِسْلَامِ، كَانَ وَاللَّهِ أَحْوَذِيًّا 1 نَسِيجَ وَحْدِهِ، قَدْ أَعَدَّ لِلْأُمُورِ أَقْرَانَهَا 2 . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي " السِّيرَةِ ": " أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ رَجُلًا ذَا شَكِيمَةٍ لَا يُرَامُ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَامْتَنَعَ بِهِ [أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عَزُّوا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَقْدِرُ أَنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى] 3 عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْنَدًا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ، وَاللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّيَ بِالْكَعْبَةِ ظَاهِرِينَ، حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصْلَيْنَا 4 .

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ غُضَيْفٍ، «عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ ". وَفِي لَفْظٍ: " جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ 1 وَقَلْبُهُ، أَوْ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ» " وَهَذَا مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ 2 . وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنَّا نَبْعُدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ، ثَبَتَ هَذَا عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ قَدْ رَأَى عَلِيًّا، وَهُوَ مِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِأَصْحَابِهِ وَحَدِيثِهِ 3 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» " 4 . وَثَبَتَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُحَدِّثَ عُمَرَ بِالْحَدِيثِ فَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ فَيَقُولُ: احْبِسْ هَذِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ: احْبِسْ هَذِهِ، فَيَقُولُ: كُلُّ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ حَقٌّ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ.

وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ.
قَالَ: فَبَيْنَا عُمَرُ 1 يَخْطُبُ فِي النَّاسِ، فَجَعَلَ يَصِيحُ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ، يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ.
قَالَ: فَقَدِمَ رَسُولُ الْجَيْشِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقِينَا عَدُوَّنَا فَهَزَمُونَا 2 ، فَإِذَا بِصَائِحٍ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ، يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ.
فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ.
فَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ كُنْتَ تَصِيحَ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ ". 3 وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 125] وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرَّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرَتْهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاؤُهُ فِي الْغِيرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ " 4 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا قَامَ دَنَوْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنَافِقٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 84] وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ » [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 80] 1 . وَثَبَتَ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ عُمَرَ يَتَحَدَّثُ عَلَى لِسَانِهِ مَلَكٌ 2 . وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا رَأَى الرَّأْيَ نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «رَأَيْتُ كَأَنَّ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ ". قَالُوا 3 : فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الدِّينُ» " 4 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي 5 أَتَيْتُ بِقَدَحٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى أَنِّي لَا أَرَى الرَّيَّ يَخْرُجُ مِنْ

أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " قَالُوا: مَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الْعِلْمُ» " 1 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: " «رَأَيْتُ كَأَنِّي أَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ بِدَلْوٍ، فَأَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» " 2 . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَوُضِعَ عِلْمُ [خِيَارِ] 3 أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ ". قَالَ الْأَعْمَشُ: فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، وَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَدْ قَالَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " إِنِّي لَأَحْسَبُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ ذَهَبَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " 4 . وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ رَجُلًا أَقْرَأَهُ مَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ [أَبُو عُمَيْرَةَ] 5 آيَةً، وَأَقْرَأَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ آخَرَ، فَسَأَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْهَا، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: مَنْ أَقْرَأَكَهَا؟ قَالَ: أَبُو عُمَيْرَةَ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ.

وَقَالَ لِلْآخَرِ: مَنْ أَقْرَأَكَهَا؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
فَبَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى كَثُرَتْ دُمُوعُهُ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْهَا كَمَا أَقْرَأَكَهَا عُمَرُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَقْرَأَنَا لِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَعْلَمَنَا بِدِينِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ حِصْنًا حَصِينًا [عَلَى الْإِسْلَامِ] 1 يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عُمَرُ انْثَلَمَ الْحِصْنُ ثُلْمَةً لَا يَسُدُّهَا 2 أَحَدٌ بَعْدَهُ، وَكَانَ إِذَا سَلَكَ طَرِيقًا اتَّبَعْنَاهُ وَوَجَدْنَاهُ سَهْلًا، فَإِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيْهَلَا بِعُمَرَ [، فَحَيْهَلَا بِعُمَرَ، فَحَيْهَلَا بِعُمَرَ] 3 . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْعَوَامُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا مَا صَنَعَ عُمَرُ فَخُذُوا بِهِ " 4 . وَرَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدًا الْحَذَّاءَ يَقُولُ: نَرَى أَنَّ النَّاسِخَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحُلْوَانِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى الْعَصْرَ فَصَفَّ لَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ صَفَّيْنِ، فَلَمَّا صَلَّى أَوْمَأَ رَجُلٌ

مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ، فَأَخْرَجَ كِتَابًا فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَرَأَهُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَهْلَ نَجْرَانَ - أَوْ يَا أَصْحَابِي - هَذَا وَاللَّهِ خَطِّي بِيَدِي، وَإِمْلَاءُ عُمَرَ عَلَيَّ.
فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِنَا مَا فِيهِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ رَادًّا عَلَى عُمَرَ يَوْمًا فَالْيَوْمَ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَسْتُ رَادًّا عَلَى عُمَرَ شَيْئًا صَنَعَهُ، إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَإِنَّ عُمَرَ أَعْطَاكُمْ خَيْرًا مِمَّا أَخَذَ مِنْكُمْ، وَأَخَذَ مِنْكُمْ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى، وَلَمْ يَجْرِ لِعُمَرَ نَفْعٌ مَعَ أَخْذٍ لِنَفْسِهِ، إِنَّمَا أَخَذَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ 1 . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو 2 عَبْدِ الرَّحْمَنَ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا حَيْوَةَ بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ 3 ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " 4 .

وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مِشْرَحٍ، فَهُوَ ثَابِتٌ عَنْهُ 1 . وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطْمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَوْ كَانَ غَيْرِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". وَفِي لَفْظٍ: " لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ» " وَهَذَا اللَّفْظُ فِي التِّرْمِذِيِّ 2 . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ 3 ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ 4 ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ خَبَرُ عُمَرَ، فَكَلَّمَ امْرَأَةً فِي بَطْنِهَا شَيْطَانٌ، فَقَالَتْ: حَتَّى يَجِيءَ شَيْطَانِي فَأَسْأَلُهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ مُتَّزِرًا بِكِسَاءٍ يَهْنَأُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ 5 ، وَذَلِكَ 6 لَا يَرَاهُ الشَّيْطَانُ إِلَّا خَرَّ لِمَنْخَرَيْهِ 7 لِلْمَلَكِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ، رُوحُ 8 الْقُدُسِ يَنْطِقُ 9 عَلَى لِسَانِهِ 10 . وَمِثْلُ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ

عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ فَابْتَدَرْنَ 1 الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْحَكُ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " عَجِبْتُ 2 مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ ". فَقَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ 3 أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ.
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عُدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، تَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 4 . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» " 5 . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْ حِسِّ عُمَرَ» 6 .

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ مُصَفَّدَةً فِي إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ وَثَبَتَ.
وَهَذَا بَابٌ طَوِيلٌ قَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِيهِ مُجَلَّدَاتٍ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ مِثْلَ كِتَابِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ 1 وَغَيْرِهِمَا، غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ، مِثْلَ مَا صَنَّفَهُ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ.

[رِسَالَةُ عُمَرَ فِي الْقَضَاءِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ]

وَرِسَالَةُ عُمَرَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْقَضَاءِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ تَدَاوَلَهَا الْفُقَهَاءُ، وَبَنَوْا عَلَيْهَا وَاعْتَمَدُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَمِنْ طُرُقِهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرُهُمَا بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، قَالَ 2 : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ 3 ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ 4 لَا نَفَاذَ

لَهُ 1 ، آسِ 2 بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ وَقَضَائِكَ 3 ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ 4 الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى 5 ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا فَامْدُدْ لَهُ أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ، وَإِنْ أَعْجَزَهُ ذَلِكَ اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ أَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ، وَأَجْلَى لِلْعَمَى 6 . وَلَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ الْيَوْمَ 7 فَرَاجَعْتَ فِيهِ رَأْيَكَ 8 فَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ 9 ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَلَيْسَ يُبْطِلُهُ شَيْءٌ 10 ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ 11 . وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ 12 ؛ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ 13

فَإِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى مِنَ الْعِبَادِ السَّرَائِرَ، وَسَتَرَ عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ 1 . ثُمَّ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ وَفِيمَا وَرَدَ 2 عَلَيْكَ، مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ 3 ، ثُمَّ قَايِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اعْرِفِ الْأَمْثَالَ 4 ، ثُمَّ اعْمِدْ فِيمَا تَرَى إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ 5 ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّيَ بِالْخُصُومِ؛ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ مِمَّا يُوجِبُ [اللَّهُ] بِهِ الْأَجْرَ، وَيَحْسُنُ بِهِ الذُّخْرُ 6 ، فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ، وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ 7 ، وَمَنْ تَزَيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْسِهِ شَانَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - 8 ؛ 9 فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا

يَقْبَلُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابٍ 1 عِنْدَ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ " 2 . وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي يَعْلَى النَّاجِيِّ، حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ بُويِعَ لَهُ فَقَالَ 3 : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَلَانِي بِكُمْ، وَابْتَلَاكُمْ بِي، وَأَبْقَانِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِ صَاحِبِي، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ شَاهِدًا بَاشَرْنَاهُ، وَمَنْ كَانَ غَائِبًا وَلَيَّنَا أَمْرَهُ أَهْلَ الْقُوَّةِ عِنْدَنَا، فَإِنْ أَحْسَنَ زِدْنَاهُ، وَإِنْ أَسَاءَ لَمْ نُنَاظِرْهُ، أَيَّتُهَا الرَّعِيَّةُ إِنَّ لِلْوُلَاةِ عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِمْ حَقًّا، وَاعْلَمُوا 4 أَنَّهُ لَيْسَ حُلْمٌ 5 أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَأَعْظَمَ نَفْعًا مِنْ حِلْمِ 6 إِمَامٍ وَعَدْلِهِ، وَلَيْسَ جَهْلٌ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ جَهْلِ وَالٍ وَخَرْقِهِ، وَأَنَّهُ مَنْ يَأْخُذُ الْعَافِيَةَ مِمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ يُعْطِهِ اللَّهُ الْعَافِيَةَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ ". قُلْتُ: وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَحْنَفِ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: الْوَالِي إِذَا طَلَبَ الْعَافِيَةَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ.
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ

يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ 1 ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَوْلَا ثَلَاثٌ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ لَحِقْتُ بِاللَّهِ، لَوْلَا أَنْ أَسِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَضَعَ جَبْهَتِي فِي التُّرَابِ سَاجِدًا، أَوْ أُجَالِسَ قَوْمًا يَلْتَقِطُونَ طِيبَ الْكَلَامِ كَمَا يُلْتَقَطُ طِيبُ الثَّمَرِ " 2 . وَكَلَامُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَجْمَعِ الْكَلَامِ [وَأَكْمَلِهِ، فَإِنَّهُ مُلْهَمٌ] 3 مُحَدِّثٌ، كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلَامِهِ تَجْمَعُ عِلْمًا كَثِيرًا، مِثْلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ 4 ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالْجِهَادَ وَالْعِلْمَ، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ الْجِهَادُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الصَّلَاةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: الْعِلْمُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْآخَرِينَ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي حَالٍ، وَهَذَا أَفْضَلَ فِي حَالٍ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاؤُهُ يَفْعَلُونَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَعُمَرُ جَمَعَ الثَّلَاثَ.
وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ

عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا الْقَوِيُّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، اللِّينُ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، الْجَوَادُ فِي (1) غَيْرِ سَرَفٍ، الْمُمْسِكُ فِي غَيْرِ بُخْلٍ، قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَعْرِفُهُ غَيْرَ عُمَرَ.
وَعَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ عُمَرُ قَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عُمَرَ، لَقَلَّ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ، يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِشَيْءٍ قَطُّ يَتَخَوَّفَهُ إِلَّا كَانَ حَقًّا.

فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه منع المغالاة في المهور

فَصْلٌ 2 قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَقَالَ فِي خُطْبَةٍ لَهُ: مَنْ غَالَى فِي مَهْرِ امْرَأَةٍ جَعَلْتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: كَيْفَ تَمْنَعُنَا مَا أَعْطَانَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حِينَ قَالَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] ؟ فَقَالَ: كُلُّ أَحَدٍ 4 أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى الْمُخَدَّرَاتُ ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ فَضْلِ عُمَرَ وَدِينِهِ وَتَقْوَاهُ، وَرُجُوعِهِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ الْحَقَّ حَتَّى مِنِ امْرَأَةٍ، وَيَتَوَاضَعُ لَهُ، وَأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَضْلِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ، وَلَوْ فِي أَدْنَى مَسْأَلَةٍ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ1

الْأَفْضَلِ أَنْ لَا يُنَبِّهَهُ الْمَفْضُولُ لِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ الْهُدْهُدُ لِسُلَيْمَانَ: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: 22] وَقَدْ قَالَ مُوسَى لِلْخِضْرِ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: 66] وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُوسَى وَالْخِضْرِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ عُمَرَ وَبَيْنَ أَشْبَاهِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِالَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخِضْرُ قَرِيبًا مِنْ مُوسَى، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، بَلِ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَّبِعُونَ لِمُوسَى، كَهَارُونَ وَيُوشَعَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْخِضْرِ.
وَمَا كَانَ عُمَرُ قَدْ رَآهُ فَهُوَ مِمَّا يَقَعُ مِثْلُهُ لِلْمُجْتَهِدِ الْفَاضِلِ، فَإِنَّ الصَّدَاقَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ، فَإِنَّ الْمَالَ وَالْمَنْفَعَةِ يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَيَجُوزُ بَذْلُهُ بِلَا عِوَضٍ، وَأَمَّا الْبُضْعُ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِحْلَالِ الْبُضْعِ بِنِكَاحٍ لَا صَدَاقَ فِيهِ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنْ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي بِرْوَعِ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ 1 ، فَكَانَ هَذَا قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَعُمَرُ لَمْ يَسْتَقِرَّ قَوْلُهُ

عَلَى خِلَافِ النَّصِّ، فَكَانَ حَالُهُ أَكْمَلَ مِنْ حَالِ مَنِ اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ 1 ، وَإِذَا كَانَ الصَّدَاقُ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ، كَالزَّكَاةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ مُقَدَّرٌ 2 بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَإِذَا جَازَ تَقْدِيرُ أَقَلِّهِ جَازَ تَقْدِيرُ أَكْثَرِهِ، وَإِذَا كَانَ مُقَدَّرًا اعْتُبِرَ بِالسُّنَّةِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ.
وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ هَذَا لَا يَسُوغُ، كَانَتْ 3 قَدْ بُذِلَتْ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَلَا يُعْطَاهَا الْبَاذِلُ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ، وَلَا الْآخِذُ لِكَوْنِهِ [لَا] 4 يَسْتَحِقُّهَا، فَتُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْمُتَّجِرَ بِمَالِ غَيْرِهِ يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَكَمَا يَقُولُهُ مُحَقِّقُو الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ بَاعَ سِلَاحًا فِي الْفِتْنَةِ، أَوْ عَصِيرًا أَوْ عِنَبًا لِلْخَمْرِ: إِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ عُمَرُ لَوْ نَفَذَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يَكُنْ أَضْعَفَ مِنْ كَثِيرٍ مِنِ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ الَّذِي أَنْفَذَهُ، وَكَيْفَ لَمْ يُنْفِذْهُ؟ ! وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] يَتَأَوَّلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْهَا، بِأَنْ يَقُولُوا: هَذَا قِيلَ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا قَالُوا فِي

قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» " 1 ، أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، فَإِذَا كَانَ الْمُقَدِّرُونَ لِأَدْنَاهُ يَتَأَوَّلُونَ مِثْلَ هَذَا، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّرُ لِأَعْلَاهُ يَتَأَوَّلُ مِثْلَ هَذَا.
وَإِذَا كَانَ فِي هَذَا مَنْعٌ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ، فَكَذَلِكَ مَنَعَ الْمُفَوَّضَةَ الْمَهْرَ 2 الَّذِي اسْتَحَقَّتْهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا سِيَّمَا وَالْمُزَوَّجَةُ بِلَا تَسْمِيَةٍ لَمْ تُغَالِ فِي الصَّدَاقِ، وَعُمَرُ مَعَ هَذَا لَمْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ.
فَعَلِمَ أَنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ لَهُ وَهِدَايَتَهُ إِيَّاهُ أَعْظَمُ مِنْ تَأْيِيدِهِ لِغَيْرِهِ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُ، وَأَنَّ أَقْوَالَهُ الضَّعِيفَةَ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا خَيْرٌ مِنْ أَقْوَالِ غَيْرِهِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا.

وَاللَّهُ - تَعَالَى - قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَعَ 1 عَنْهُ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا أَنَّ اجْتِهَادَاتِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانَتْ أَكْمَلَ مِنِ اجْتِهَادَاتِ 2 الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ صَوَابَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ صَوَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَخَطَأَهُمْ أَخَفُّ مِنْ خَطَأِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَالَّذِينَ قَالُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ خَطَؤُهُمْ أَيْسَرُ مِنْ خَطَأِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، مِنْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ، وَالَّذِينَ قَالُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِجَوَازِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ خَطَؤُهُمْ أَخَفُّ مِنْ خَطَأِ مَنْ جَوَّزَ الْحِيَلَ الرِّبَوِيَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، عُمَرُ وَغَيْرُهُ، فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ مِنْ أَنَّ زَوْجَهَا إِذَا أَتَى خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَمَهْرِهَا - قَوْلُهُمْ ضَعِيفٌ، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الشَّرْعِ، وَالَّذِينَ عَدُّوا هَذَا خِلَافَ الْقِيَاسِ، وَقَالُوا: لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِهِ، قَالُوا ذَلِكَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَآخِذِ الصَّحَابَةِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِمْ 3 ؛ فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ وَهُوَ أَصْلٌ شَرِيفٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ.
وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ جَعْلِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَيْئًا هُوَ فِيهِ عَلَى الصَّوَابِ، دُونَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ عَلَى الصَّوَابِ، دُونَ مَنْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ.

وَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ، قَوْلُهُمْ فِيهَا هُوَ الصَّوَابُ، دُونَ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا بَابٌ يَطُولُ وَصْفُهُ، فَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ وَأَفْقَهُهَا وَأَدْيَنُهَا، وَلِهَذَا أَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: " هُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ [وَفِقْهٍ] 1 وَدِينٍ وَهُدًى، وَفِي كُلِّ سَبَبٍ يُنَالُ بِهِ عِلْمٌ وَهُدًى، وَرَأْيُهُمْ لَنَا خَيْرٌ مِنْ رَأْيِنَا لِأَنْفُسِنَا " أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: " أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ 2 ، [فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ] 3 أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ ". وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ".

فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه لم يحد قدامة في الخمر

فَصْلٌ 1 قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَلَمْ يَحُدَّ قُدَامَةَ 3 فِي الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ تَلَا عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 93] الْآيَةَ، فَقَالَ [لَهُ] 4 عَلِيٌّ: لَيْسَ قُدَامَةُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ يَحُدُّهُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حِدَّهُ ثَمَانِينَ، إِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِذَا شَرِبَهَا 5 [سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ] 6 هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ [الْبَيِّنِ] 7 الظَّاهِرُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ ابْنِ الْخَطَّابِ بِالْحُكْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ قَبْلَهُ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ، وَكَانَ عُمَرُ أَحْيَانًا يُعَزَّرُ فِيهَا بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَالنَّفْيِ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تَارَةً بِالْجَرِيدِ، وَتَارَةً بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي

وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَقَدْ تَنَازَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي الزَّائِدِ عَنِ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الثَمَانِينَ: هَلْ هُوَ حَدٌّ يَجِبُ إِقَامَتُهُ؟ أَوْ تَعْزِيرٌ يَخْتِلَفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا 1 : أَنَّهُ 2 حَدٌّ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ، وَادَّعَى أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَا نُقِلَ مِنَ الضَّرْبِ أَرْبَعِينَ كَانَ بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفَانِ، فَكَانَتِ الْأَرْبَعُونَ قَائِمَةً مَقَامَ الثَمَانِينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ جَائِزٌ، فَلَيْسَ بِحَدٍّ وَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ 3 وَغَيْرُهُمَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيدَ أَرْبَعِينَ، وَقَالَ: جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ 4 سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ 5 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ عُمَرُ فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الْحُدُودِ،

فَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ» 1 . وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الضَّرْبُ فِيهِ بِغَيْرِ السَّوْطِ، كَالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ صِفَةُ الضَّرْبِ مُقَدَّرَةً 2 ، بَلْ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَى الِاجْتِهَادِ، فَكَذَلِكَ مِقْدَارُ الضَّرْبِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحْوَالَ الشَّارِبِينَ تَخْتَلِفُ، وَلِهَذَا أَمَرَ أَوَّلًا بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ تَعْزِيرٌ جَائِزٌ يُفْعَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الضَّرْبَ بِالثَّوْبِ لَيْسَ أَمْرًا مَحْدُودًا، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ، وَخِفَّتِهِ وَغِلْظَتِهِ، وَالنُّفُوسُ قَدْ لَا تَنْتَهِي فِيهِ عِنْدَ مِقْدَارٍ، فَرُدَّتْ أَكْثَرُ الْعُقُوبَةِ 3 فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهَا مُقَدَّرًا، كَمَا أَنَّ 4 مِنَ التَّعْزِيرَاتِ مَا يُقَدَّرُ أَكْثَرُهُ وَلَا يُقَدَّرُ أَقَلُّهُ.
وَأَمَّا قِصَّةُ قُدَامَةَ فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ [وَغَيْرُهُ حَدِيثَهُ] 5 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ 6 : أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا يَحْمِلُكَ 7 عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الْآيَةَ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 93] وَإِنِّي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَجِيبُوا الرَّجُلَ، فَسَكَتُوا عَنْهُ.
فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَجِبْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عُذْرًا لِلْمَاضِينَ لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ، وَأَنْزَلَ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 90] حُجَّةً 1 عَلَى النَّاسِ.
ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنِ الْحَدِّ فِيهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَاجْلِدْهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً 2 ، فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.
فَفِيهِ أَنَّ عَلِيًّا أَشَارَ بِالثَمَانِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ أَرْبَعِينَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، لَمَّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَأَنَّهُ أَضَافَ الثَمَانِينَ إِلَى عُمَرَ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَشَارَ بِالثَمَانِينَ 3 ، فَلَمْ يَكُنْ جَلْدُ الثَمَانِينَ مِمَّا اسْتَفَادَهُ عُمَرُ مِنْ عَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ جَلَدَ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْلِدُ تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبِ الْخَمْرِ، [فَإِنَّهُ] لَوْ مَاتَ 4 لَوَدَيْتُهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا 5 .

وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْأَرْبَعِينَ فَمَا دُونَهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ عَلِيٍّ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ 1 فِيمَا إِذَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَتَلِفَ: هَلْ يَضْمَنُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: لَا يَضْمَنُ أَيْضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُهُ إِمَّا بِنِصْفِ الدِّيَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ جَعَلَا لَهُ قَدْ تَلِفَ بِفِعْلٍ مُضَمَّنٍ وَغَيْرِ مُضَمَّنٍ 2 ، وَإِمَّا أَنْ تُقَسَّطَ الدِّيَةَ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ كُلِّهَا، فَيَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ 3 بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَالشَّافِعِيُّ بَنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ تَعْزِيرٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ بِعُقُوبَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ ضُمِّنَ، لِأَنَّهُ بِالتَّلَفِ يَتَبَيَّنُ عُدْوَانُ الْمُعَزَّرِ، كَمَا إِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَالْمُؤَدِّبُ الصَّبِيَّ، وَالرَّائِضُ الدَّابَّةَ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الْأَصْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي أَحَدِهِمَا، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَقُولَانِ: الثَمَانُونَ حَدٌّ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَقُولُ 4 : كُلُّ مَنْ تَلِفَ بِعُقُوبَةٍ جَائِزَةٍ، فَالْحَقُّ قَتْلُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُبَاحَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ، وَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ سِرَايَةَ الْقَوَدِ فِي الطَّرَفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ فِي عُقُوبَةٍ

مُقَدَّرَةٍ وَاجِبَةٍ لَا يَضْمَنُ، كَالْجَلْدِ فِي الزِّنَا، وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَتَنَازَعُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَضْمَنُ فِي الْجَائِزِ وَلَا يَضْمَنُ فِي الْوَاجِبِ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَضْمَنُ سِرَايَةَ الْقَوَدِ وَلَا يَضْمَنُ سِرَايَةَ التَّعْزِيرِ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَضْمَنُ غَيْرَ الْمُقَدَّرِ، وَلَا يَضْمَنُ فِي الْمُقَدَّرِ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا (1) كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَضْمَنُ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.

فصل كلام الرافضي على عمر رضي الله عنه أنه أسقطت حامل خوفا منه

فَصْلٌ 2 قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَأَرْسَلَ إِلَى حَامِلٍ يَسْتَدْعِيهَا 4 فَأَسْقَطَتْ خَوْفًا.
فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ: نَرَاكَ مُؤَدِّبًا وَلَا شَيْءَ 5 عَلَيْكَ.
ثُمَّ سَأَلَ 6 أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْحَوَادِثِ، يُشَاوِرُ عُثْمَانَ1

وَعَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَغَيْرَهُمْ، حَتَّى كَانَ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهَذَا كَانَ مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَلِهَذَا 1 كَانَ مِنْ أَسَدِّ 2 النَّاسِ رَأْيًا، وَكَانَ يَرْجِعُ تَارَةً إِلَى رَأْيِ هَذَا وَتَارَةً إِلَى رَأْيِ هَذَا.
وَقَدْ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى رَجْمِهَا، وَعُثْمَانُ سَاكِتٌ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: أَرَاهَا تَسْتِهَلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزِّنَا مُحَرَّمٌ، فَرَجَعَ 3 فَأَسْقَطَ الْحَدَّ عَنْهَا لَمَّا ذَكَرَ لَهُ عُثْمَانُ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهَا تَجْهَرُ بِهِ وَتَبُوحُ بِهِ، كَمَا يَجْهَرُ الْإِنْسَانُ وَيَبُوحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَرَاهُ قَبِيحًا، مِثْلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي.
وَالِاسْتِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ، وَهُوَ رَفْعُهُ صَوْتَهُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تَعْلَمُهُ قَبِيحًا كَانَتْ جَاهِلَةً بِتَحْرِيمِهِ، وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَهُ 4 التَّحْرِيمُ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 15] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 165] . وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ حَتَّى يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَلِهَذَا مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَهَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بِمَكَانِ جَهْلٍ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَاقِبِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَكَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ

الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، لِأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا فِي التَّأْوِيلِ.
وَلَمْ يُعَاقِبْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا قَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لِأَنَّهُ ظَنَّ جَوَازَ قَتْلِهِ، لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَالَهَا تَعَوُّذًا.
وَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَتِ الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ مُسْلِمٌ، وَأَخَذَتْ مَالَهُ، لَمْ يُعَاقِبْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً، وَكَذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمَّا قَتَلَ بَنِي جَذِيمَةَ لَمَّا قَالُوا: صَبَأْنَا، لَمْ يُعَاقِبْهُ لِتَأْوِيلِهِ.
وَكَذَلِكَ الصِّدِّيقُ لَمْ يُعَاقَبْ خَالِدًا عَلَى قَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا.
وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ لَمَّا قَالَ هَذَا لِهَذَا: أَنْتَ مُنَافِقٌ، لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا 1 . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: الشُّبْهَةُ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا الْحَدُّ شُبْهَةُ اعْتِقَادٍ، أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ؛ فَمَنْ تَزَوَّجَ نِكَاحًا اعْتَقَدَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَوَطِئَ فِيهِ لَمْ يُحَدَّ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ، وَأَمَّا إِذَا عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَعْلَمِ الْعُقُوبَةَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
كَمَا حَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ إِذْ كَانَ قَدْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الزِّنَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ يُرْجَمُ، فَرَجَمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُعَاقَبُ

بِالرَّجْمِ 1 . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُشَاوِرُهُمْ، وَأَنَّهُ مَنْ ذَكَرَ مَا هُوَ حَقٌّ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي الْقِصَّةِ الْمُعَيَّنَةِ مَنَاطُ الْحُكْمِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، كَقَوْلِ عُثْمَانَ: إِنَّهَا جَاهِلَةٌ بِالتَّحْرِيمِ؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُفِدْهُمْ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ الْعَامِّ، بَلْ أَفَادَهُمْ إِنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ إِنَّ هَذِهِ مَجْنُونَةٌ، قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا، فَأَخْبَرَهُ بِجُنُونِهَا أَوْ بِحَمْلِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَبَيَّنَ نَصًّا 2 أَوْ مَعْنَى نَصٍّ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ الْعَامِّ، كَتَنْبِيهِ الْمَرْأَةِ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] ، وَكَإِلْحَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّ الشَّارِبِ بِحَدِّ الْقَاذِفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه تنازعت عنده امرأتان في طفل وأفتاه علي رضي الله عنه

فَصْلٌ 1 قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَتَنَازَعَتِ امْرَأَتَانِ فِي طِفْلٍ، وَلَمْ 3 يَعْلَمِ الْحُكْمَ، وَفَزِعَ فِيهِ 4 إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ 5 ، فَاسْتَدْعَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَرْأَتَيْنِ 6 وَوَعَظَهُمَا فَلَمْ تَرْجِعَا، فَقَالَ: ائْتُونِي بِمِنْشَارٍ، فَقَالَتِ الْمَرْأَتَانِ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ 7 فَقَالَ: أَقُدُّهُ بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ فَتَأْخُذُ 8 كُلُّ وَاحِدَةٍ نِصْفًا، فَرَضِيَتْ وَاحِدَةٌ 9 . وَقَالَتِ الْأُخْرَى: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ سَمَحْتُ لَهَا بِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أَكْبَرُ 10 هُوَ ابْنُكِ دُونَهَا، وَلَوْ كَانَ ابْنُهَا لَرَقَّتْ عَلَيْهِ، فَاعْتَرَفَتِ الْأُخْرَى أَنَّ الْحَقَّ مَعَ صَاحِبَتِهَا، فَفَرِحَ عُمَرُ، وَدَعَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ".

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ قِصَّةٌ 1 لَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا 2 ، وَلَا يُعْرَفُ صِحَّتُهَا، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَكَرَهَا، [وَلَوْ كَانَ لَهَا حَقِيقَةٌ لَذَكَرُوهَا،] 3 وَلَا تُعْرَفُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلَكِنَّ هِيَ مَعْرُوفَةٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -. وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا.
فَقَالَتْ هَذِهِ 4 لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمْكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ: إِلَّا الْمُدْيَةَ» 5 .

فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، سَمِعُوهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَمِعَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ سَمِعُوهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فَهَّمَ سُلَيْمَانَ مِنَ الْحِكَمِ مَا لَمْ يُفَهِّمْهُ لِدَاوُدَ (1) كَمَا فَهَّمَهُ الْحُكْمَ: إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ سَأَلَ رَبَّهُ حُكْمًا يُوَافِقُ حُكْمَهُ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يُحْكَمُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ دَاوُدَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -.

فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فرده علي

فَصْلٌ 2 قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَأَمَرَ بِرَجْمِ امْرَأَةٍ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنْ خَاصَمْتُكَ بِكِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - خَصَمْتُكَ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْقَافِ: 15] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 233] ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَسْتَشِيرُ الصَّحَابَةَ، فَتَارَةً يُشِيرُ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِمَا يَرَاهُ صَوَابًا، وَتَارَةً يُشِيرُ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، وَتَارَةً يُشِيرُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَتَارَةً يُشِيرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ.
وَبِهَذَا مَدَحَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: 38] وَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا ظَهَرَ بِهَا1

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل