منهاج السنة النبويةصفحات 446-487
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 446-487
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

لِلرَّسُولِ، وَالتَّسْبِيحُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا لِلَّهِ وَحْدَهُ ; قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سُورَةُ النُّورِ: 52] ، فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، وَالْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 59] ، فَجَعَلَ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِيتَاءُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِخِلَافِ مَنْ آتَاهُ الْمُلْكَ خَلْقًا وَقَدْرًا وَلَمْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ وَإِنْ كَانَ قَدْ آتَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ خَلْقًا وَقَدْرًا، وَأَمَّا مَنْ رَضِيَ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ مِمَّنْ رَضِيَ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَطْلُبْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ، كَالَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 58، 59] ، وَلَمْ يَقُلْ: وَرَسُولُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ كَافٍ عَبْدَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 36] ، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 1173] ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَقُولُوا: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 59] ، فَذَكَرَ أَنَّ الرَّسُولَ (يُؤْتِيهِمْ) 1 ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَمْ يَقُلْ: مِنْ فَضْلِهِ وَفَضْلِ رَسُولِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُمْ: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 59] ، وَلَمْ

يَقُلْ: وَرَسُولُهُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ - وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سُورَةُ الشَّرْحِ: 7، 8] . وَأَمَّا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَدُعَائِهِ وَحْدَهُ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَحْدَهُ، وَالْخَوْفِ مِنْهُ وَحْدَهُ، فَكَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 39] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 51] ، وَ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 175] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 175] ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 213] ، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 36] . وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ فَهِيَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْإِرْضَاءُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 24] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 62] ، فَالرَّسُولُ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّهُ وَعَلَيْنَا أَنْ نُرْضِيَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» " 1 . ; وَكَذَلِكَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 80] . وَالْعِبَادَاتُ بِأَسْرِهَا: الصَّلَاةُ وَالسُّجُودُ وَالطَّوَافُ وَالدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ

وَالنُّسُكُ وَالَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ بُقْعَةً تُفْعَلُ الصَّلَاةُ فِيهَا إِلَّا الْمَسَاجِدَ: لَا مَقْبَرَةً وَلَا مَشْهَدًا وَلَا مَغَارَةً وَلَا مَقَامَ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا خَصَّ بُقْعَةً غَيْرَ الْمَسَاجِدِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إِلَّا مَشَاعِرَ الْحَجِّ: لَا قَبْرَ نَبِيٍّ وَلَا صَالِحٍ وَلَا مَغَارَةً وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا يُقَبَّلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَيْءٌ عِبَادَةً لِلَّهِ إِلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَلَا يُتَمَسَّحُ إِلَّا بِهِ وَبِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَلَا يُسْتَلَمُ الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ وَهُمَا مِنَ الْبَيْتِ فَكَيْفَ غَيْرُهُمَا؟ وَقَدْ طَافَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ مِنَ الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ 1 .، وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ.
فَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ - لَا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ شَيْئًا: لَا مَلَكًا وَلَا نَبِيًّا وَلَا صَالِحًا وَلَا شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ; وَالثَّانِي أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا أَمَرَنَا بِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - لَا نَعْبُدُهُ بِبِدَعٍ لَمْ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَالْعِبَادَاتُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحُبِّ وَكَمَالَ الْخُضُوعِ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يُحِبُّ الْخَالِقَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾

[سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 165] ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ "، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ » [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 68] 1 87. . وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ بِالْعِبَادَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَذَكَرَ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ وَرَغَّبَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِقَصْدِ مَكَانٍ لِأَجْلِ نَبِيٍّ وَلَا صَالِحٍ، بَلْ نَهَى عَنِ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقْصَدَ لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ وَهَذَا كُلُّهُ لِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ، فَقَدْ «قَالَ بَعْضُ النَّاسِ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَبُّنَا قَرِيبٌ فَنُنَاجِيهِ أَوْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ » [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 168] 2 . .

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» " 1 .، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» " 2 . . فَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَمَرُوا النَّاسَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَسُؤَالِهِ وَدُعَائِهِ، وَنَهَوْا أَنْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمَسَاجِدُ وَأَبْغَضُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَسْوَاقُ» " 3 .، يَعْنِي الْبِقَاعَ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ فِي مَدِينَتِهِ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ لَا حَانَةَ وَلَا كَنِيسَةَ وَلَا مَوْضِعَ شِرْكٍ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ شَرٌّ مِنَ الْأَسْوَاقِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «شِرَارُ النَّاسِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» " ; هَذَا إِذَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ

الْمُسَمَّى مَشْهَدًا عَلَى قَبْرٍ صَحِيحٍ، فَكَيْفَ وَكَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى (قُبُورِ) 1 . الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ وَغَيْرِهِمْ كَذِبٌ؟ وَكَثِيرٌ مِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا يُتَوَثَّقُ فِيهِ بِنَقْلٍ يُنْقَلُ فِي ذَلِكَ مِمَّا يُوجَدُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِي خَفَائِهَا وَكَثْرَةِ الْخِلَافِ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ حَفِظَ الدِّينَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سُورَةُ الْحِجْرِ: 9] ، وَاتِّخَاذُ هَذِهِ مَعَابِدَ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، فَلِهَذَا لَمْ يَحْفَظْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ وَالْمَشَاهِدَ، بَلْ مَبْنِيُّ أَمْرِهِمْ عَلَى الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، وَإِنَّمَا يَسْتَنِدُ أَهْلُهَا إِلَى مَنَامَاتٍ تَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَوْ إِلَى (أَخْبَارٍ إِمَّا) 2 . مَكْذُوبَةٍ، وَإِمَّا مَنْقُولَةٍ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً.
وَالشَّيَاطِينُ تُضِلُّ أَهْلَهَا كَمَا تُضِلُّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ، فَتَارَةً تُكَلِّمُهُمْ، وَتَارَةً تَتَرَاءَى لَهُمْ، وَتَارَةً تَقْضِي بَعْضَ حَوَائِجِهِمْ، وَتَارَةً تَصِيحُ وَتُحَرِّكُ السَّلَاسِلَ الَّتِي فِيهَا الْقَنَادِيلُ وَتُطْفِئُ الْقَنَادِيلَ، وَتَارَةً تَفْعَلُ أُمُورًا أُخَرَ كَمَا تَفْعَلُ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ الَّتِي كَانَتْ لِلْعَرَبِ، وَهِيَ الْيَوْمَ تَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي أَوْثَانِ التُّرْكِ وَالصِّينِ وَالسُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَيِّتُ أَوْ مَلَكٌ صُوِّرَ عَلَى صُورَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَضَلَّهُمْ بِالشِّرْكِ، كَمَا يَجْرِي ذَلِكَ لِعُبَّادِ الْأَصْنَامِ الْمُصَوَّرَةِ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِقْصَائِهِ] 3 . .

[التعليق على قوله أَنَّ الْأَئِمَّةَ مَعْصُومُونَ كَالْأَنْبِيَاءِ]

فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ 1 .: " وَأَنَّ 2 . الْأَئِمَّةَ مَعْصُومُونَ كَالْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ " 3 . . فَهَذِهِ خَاصَّةُ الرَّافِضَةِ الْإِمَامِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ - لَا الزَّيْدِيَّةُ الشِّيعَةُ وَلَا (4 سَائِرُ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ - إِلَّا مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ كَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِعِصْمَةِ بَنِي عُبَيْدٍ: 4) 4 . الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْإِمَامَةَ بَعْدَ جَعْفَرٍ [فِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ] 5 . دُونَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَأُولَئِكَ مَلَاحِدَةٌ [مُنَافِقُونَ] 6 . . وَالْإِمَامِيَّةُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ 7 . خَيْرٌ مِنْهُمْ بِكَثِيرٍ، فَإِنَّ الْإِمَامِيَّةَ مَعَ [فَرْطِ] 8 . جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ فِيهِمْ خَلْقٌ مُسْلِمُونَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لَيْسُوا زَنَادِقَةً مُنَافِقِينَ، لَكِنَّهُمْ جَهِلُوا وَضَلُّوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَأَئِمَّتُهُمُ الْكِبَارُ 9 . الْعَارِفُونَ بِحَقِيقَةِ دَعْوَتِهِمْ 10 . الْبَاطِنِيَّةِ 11 . زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ، وَأَمَّا

عَوَامُّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا بَاطِنَ أَمْرِهِمْ فَقَدْ يَكُونُونَ 1 . مُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَقَدْ شَرِكَ غَيْرُ الْإِمَامِيَّةِ فِيهَا بَعْضَ الطَّوَائِفِ، إِلَّا 2 . غُلُوُّهُمْ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَيْضًا، حَيْثُ ادَّعَوْا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَسْهُو، فَإِنَّ هَذَا لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ 3 ".، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غُلَاةِ جُهَّالِ النُّسَّاكِ، فَإِنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّافِضَةِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا فِي الْغُلُوِّ وَفِي الْجَهْلِ وَالِانْقِيَادِ لِمَا لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، وَالطَّائِفَتَانِ تُشْبِهَانِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ.
[وَقَدْ يَقْرُبُ 4 . إِلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْفِقْهِ 5 . مِنَ الْغُلَاةِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِصْمَةِ] 6 . . وَالْكَلَامُ فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ فَرَضَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِهِمْ 7 . وَتَلَقِّي الدِّينِ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، [ثُمَّ] 8 . فِي عِصْمَتِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ 9 . الْقَوْلَيْنِ مِمَّا 10 . لَا يَقُولُهُ إِلَّا مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ أَوْ مُفْرِطٌ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى أَوْ فِي كِلَيْهِمَا 11 .، فَمَنْ عَرَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَعَرَفَ حَالَ هَؤُلَاءِ، كَانَ عَالِمًا

بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ، لَكِنَّ الْجَهْلَ لَا حَدَّ لَهُ، وَهُوَ هُنَا لَمْ يَذْكُرْ حُجَّةً غَيْرَ حِكَايَةِ الْمَذْهَبِ فَأَخَّرْنَا الرَّدَّ إِلَى مَوْضِعِهِ.

[الرد على قوله وَأَخَذُوا أَحْكَامَهُمْ الْفُرُوعِيَّةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ]

وَأَمَّا قَوْلُهُ 1 .: " وَأَخَذُوا أَحْكَامَهُمْ 2 . الْفُرُوعِيَّةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ، النَّاقِلِينَ عَنْ جَدِّهِمْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 3 . ". . . إِلَى آخِرِهِ.
فَيُقَالُ: أَوَّلًا: الْقَوْمُ الْمَذْكُورُونَ إِنَّمَا كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ حَدِيثَ جَدِّهِمْ 4 . مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّمُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ.
فَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ 5 . يَرْوِي تَارَةً عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ 6 . عَنْ 7 : أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَوْلَ ب 8 . النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي [الصَّحِيحَيْنِ 9 .، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرَجِهِ» " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ 1 . . وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: " «رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ 2 .] 3 . .

وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يَرْوِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ الطَّوِيلَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ [عَنْ أَبِيهِ: 1 . عَنْ جَابِرٍ 2 ". . وَأَمَا ثَانِيًا 3 .: فَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُمَيِّزٌ إِلَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 4 .، وَهُوَ الثِّقَةُ الصَّدُوقُ 5 . فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَنَّ أَمْثَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ثِقَاتٌ صَادِقُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] 6 . - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ جَرَّبَ 7 .

أَصْحَابُ النَّقْدِ 1 . وَالِامْتِحَانِ أَحَادِيثَهُمْ وَاعْتَبَرُوهَا بِمَا تُعْتَبَرُ بِهِ 2 . الْأَحَادِيثُ، فَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَعَمُّدُ كِذْبَةٍ، بِخِلَافِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ جَمَاعَةٌ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ.
وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، حَتَّى الَّذِينَ كَانُوا يَنْفِرُونَ ب (فَقَطْ) : يَنْقُرُونَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
عَنْ مُعَاوِيَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 3 . إِذَا حَدَّثَهُمْ عَلَى مِنْبَرَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَرْجَمَةِ مُعَاوِيَةَ فِي الْإِصَابَةِ 3/413: " رَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَرِيرٌ الْبَجَلِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ وَالسَّائِبُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُبَيْرٍ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُمْ ". -، وَحَتَّى بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ 4 . مَعَ مَا عُرِفَ مِنْهُ: رَوَى حَدِيثَيْنِ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ 5 .، لِأَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ

عَنِ 1 . النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، [وَكَانَ هَذَا] 2 . حِفْظًا مِنَ اللَّهِ لِهَذَا الدِّينِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ أَحَدٌ 3 . الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَهُ وَكَشَفَ أَمْرَهُ، وَلِهَذَا كَانَ 4 . يُقَالُ: لَوْ هَمَّ رَجُلٌ بِالسَّحَرِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَصْبَحَ وَالنَّاسُ 5 . يَقُولُونَ: [فُلَانٌ] 6 . كَذَّابٌ.
وَقَدْ كَانَ التَّابِعُونَ بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ لَا يَكَادُ 7 . يُعْرَفُ فِيهِمْ

كَذَّابٌ، لَكِنَّ الْغَلَطَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ [بِشْرٌ] 8 .، وَلِهَذَا يُقَالُ: فِيمَنْ يَضْعُفُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ 9 . أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ سُوءِ حِفْظِهِ فَيَغْلَطُ 10 . فَيَنْسَى، لَا مِنْ جِهَةِ تَعَمُّدِهِ لِلْكَذِبِ.
وَأَمَّا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَمَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمَا صَغِيرَانِ فِي سِنِّ التَّمْيِيزِ، فَرِوَايَتُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلِيلَةٌ.
وَأَمَّا سَائِرُ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَلَمْ يُدْرِكُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَوْلُ الْقَائِلِ 11 .: إِنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ جَدِّهِمْ، إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ مَا قَالَهُ 12 . جَدُّهُمْ فَهَذِهِ نُبُوَّةٌ، كَمَا كَانَ يُوحَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْمِعَ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ الَّذِي سَمِعُوهُ مِنْهُمْ 13 .، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَأَيُّ مَزِيَّةٍ لَهُمْ فِي النَّقْلِ عَنْ جَدِّهِمْ إِلَّا بِكَمَالِ الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ؟ فَإِنَّهُ كُلُّ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ اهْتِمَامًا وَعِنَايَةً بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَلَقِّيهَا مِنْ مَظَانِّهَا كَانَ أَعْلَمَ بِهَا.
وَلَيْسَ هَذَا 14 . مِنْ خَصَائِصِ هَؤُلَاءِ، بَلْ فِي غَيْرِهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ

مِنْ أَكْثَرِهِمْ، [كَمَا يُوجَدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ كَثِيرٌ 1 . مِنْ غَيْرِ بَنِي هَاشِمٍ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنْ أَكْثَرِ بَنِي هَاشِمٍ] 2 .، فَالزُّهْرِيُّ 3 . أَعْلَمُ بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ [وَأَفْعَالِهِ] 4 . بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ 5 . وَكَانَ مُعَاصِرًا لَهُ.
وَأَمَّا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ 6 . وَعَلِيُّ بْنُ مُوسَى 7) . وَمُحَمَّدُ بْنُ

عَلِيٍّ 1 . فَلَا يَسْتَرِيبُ مَنْ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ نَصِيبٌ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَحَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ 2 . حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ 3

[الرد على قوله إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ يَتَنَاقَلُونَ ذَلِكَ عَنِ الثِّقَاتِ]

وَأَمَّا قَوْلُهُ 4 : " إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ يَتَنَاقَلُونَ ذَلِكَ [عَنِ الثِّقَاتِ] 5 خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ إِلَى أَنْ تَتَّصِلَ الرِّوَايَةُ بِأَحَدِ الْمَعْصُومِينَ ". فَيُقَالُ: أَوَّلًا: إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَالنَّقْلُ عَنِ الْمَعْصُومِ الْوَاحِدِ يُغْنِي [عَنْ] 6 غَيْرِهِ، فَلَا حَاجَةَ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِلَى مَعْصُومٍ.
وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَ النَّقْلُ مَوْجُودًا، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْمُنْتَظَرِ الَّذِي لَا يُنْقَلُ عَنْهُ شَيْءٌ؟ إِنْ كَانَ النَّقْلُ عَنْ أُولَئِكَ كَافِيًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا لَمْ يَكُنْ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ كَافِيًا لِلْمُقْتَدَى بِهِمْ.
وَيُقَالُ ثَانِيًا: مَتَى ثَبَتَ 7 النَّقْلُ عَنْ 8 أَحَدِ هَؤُلَاءِ كَانَ غَايَتُهُ 9 أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ سَمِعَ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ.

وَيُقَالُ ثَالِثًا: الْكَذِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي الرَّافِضَةِ أَعْظَمُ الْأُمُورِ، لَاسِيَّمَا عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ، فَإِنَّهُ مَا كُذِبَ عَلَى أَحَدٍ مَا 1 كُذِبَ عَلَيْهِ، حَتَّى نَسَبُوا إِلَيْهِ كِتَابَ " الْجَفْرِ " وَ " الْبِطَاقَةِ " [وَ " الْهَفْتِ "] 2 وَ " اخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ " [وَ " جَدْوَلِ الْهِلَالِ "] 3 وَ " أَحْكَامِ الرُّعُودِ 4 وَالْبُرُوقِ " وَ " مَنَافِعِ سُوَرِ الْقُرْآنِ " 5 [وَ " قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَنَامِ "] 6 .

[وَمَا يُذْكَرُ عَنْهُ مِنْ " حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ " 1 الَّتِي ذَكَرَ كَثِيرًا مِنْهَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ] 2 وَصَارَتْ هَذِهِ مَكَاسِبَ لِلطُّرُقِيَّةِ 3 وَأَمْثَالِهِمْ، حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كِتَابَ 4 " رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا " مِنْ كَلَامِهِ، مَعَ عِلْمِ كُلِّ عَاقِلٍ يَفْهَمُهَا وَيَعْرِفُ الْإِسْلَامَ 5 أَنَّهَا تُنَاقِضُ دِينَ الْإِسْلَامِ.
وَأَيْضًا، فَهِيَ إِنَّمَا صُنِّفَتْ بَعْدَ مَوْتِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ 6 بِنَحْوِ مِائَتَيْ سَنَةٍ 7 ، فَإِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذِهِ

وُضِعَتْ 1 فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ لَمَّا ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةُ بِمِصْرَ وَبَنَوُا الْقَاهِرَةَ، فَصُنِّفَتْ عَلَى مَذْهَبِ أُولَئِكَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهَا مَا جَرَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنِ اسْتِيلَاءِ النَّصَارَى عَلَى سَوَاحِلِ الشَّامِ، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، [وَقَدْ عُرِفَ الَّذِينَ صَنَّفُوهَا مِثْلُ زَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ 2 بْنِ مَعْشَرٍ الْبُسْتِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْمَقْدِسِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ الزِّنْجَانِيِّ 3 وَأَبِي أَحْمَدَ النَّهْرَجُورِيِّ 4 وَالْعَوْفِيِّ.
وَلِأَبِي الْفُتُوحِ الْمُعَافَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ الْجَرِيرِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ " الْجَلِيسِ وَالْأَنِيسِ " 5 مُنَاظَرَةٌ مَعَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِمْتَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ " 6 ] 7 .

وَفِي الْجُمْلَةِ: فَمَنْ جَرَّبَ الرَّافِضَةَ فِي كِتَابِهِمْ وَخِطَابِهِمْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مِنْ أَكْذَبِ خَلْقِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَثِقُ الْقَلْبُ بِنَقْلِ مَنْ كَثُرَ مِنْهُمُ الْكَذِبُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ صِدْقَ النَّاقِلِ؟ وَقَدْ تَعَدَّى شَرُّهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ حَتَّى كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَوَقَّوْنَ 1 أَحَادِيثَهُمْ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: نَزِّلُوا أَحَادِيثَ [أَهْلِ] 2 الْعِرَاقِ مَنْزِلَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ: لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ 3 . وَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن مَهْدِيٍّ 4 : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْنَا فِي بَلَدِكُمْ

أَرْبَعَمِائَةَ حَدِيثٍ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَنَحْنُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ نَسْمَعُ هَذَا كُلَّهُ! فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ 1 ، وَمِنْ أَيْنَ لَنَا دَارُ الضَّرْبِ؟ أَنْتُمْ عِنْدَكُمْ دَارُ الضَّرْبِ تَضْرِبُونَ بِاللَّيْلِ وَتُنْفِقُونَ 2 بِالنَّهَارِ.
وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ 3 كَانَ فِي الْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الثِّقَاتِ 4 الْأَكَابِرِ كَثِيرٌ، لَكِنْ لِكَثْرَةِ 5 الْكَذِبِ الَّذِي كَانَ أَكْثَرُهُ 6 فِي الشِّيعَةِ صَارَ الْأَمْرُ يَشْتَبِهُ عَلَى مَنْ لَا يَمِيزُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ إِذَا دَخَلَ بَلَدًا 7 نِصْفُ أَهْلِهِ كَذَّابُونَ خَوَّانُونَ فَإِنَّهُ يَحْتَرِسُ مِنْهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ الصَّدُوقَ الثِّقَةَ، وَبِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا الْغِشُّ فَإِنَّهُ 8 يَحْتَرِسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا مَنْ لَا يَكُونُ نَقَّادًا 9 ، وَلِهَذَا كُرِهَ لِمَنْ لَا يَكُونُ لَهُ نَقْدٌ وَتَمْيِيزٌ النَّظَرُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الْكَذِبُ فِي الرِّوَايَةِ وَالضَّلَالِ فِي الْآرَاءِ كَكُتُبِ أَهْلِ 10 الْبِدَعِ، وَكُرِهَ تَلَقِّي الْعِلْمِ مِنَ الْقُصَّاصِ وَأَمْثَالِهِمُ الَّذِينَ يَكْثُرُ الْكَذِبُ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ صِدْقًا كَثِيرًا.
فَالرَّافِضَةُ أَكْذَبُ مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَحْوَالِ الرِّجَالِ.

[الرد على قوله وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَحَرَّمُوا الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ]

فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ 1 : " وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَحَرَّمُوا الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ ". فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشِّيعَةَ فِي هَذَا مِثْلُ غَيْرِهِمْ، فَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ كَمَا فِي الشِّيعَةِ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ، فَالزَّيْدِيَّةُ تَقُولُ بِذَلِكَ وَتَرْوِي فِيهِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَئِمَّةِ 2 .

الثَّانِي: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ - الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ - لَا تَقُولُ بِالْقِيَاسِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ بِإِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ قَالَ بِالْقِيَاسِ، بَلِ الْمُعْتَزِلَةُ الْبَغْدَادِيُّونَ لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ 3 ،

(* وَالْفُقَهَاءُ أَهْلُ الظَّاهِرِ كَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَأَتْبَاعِهِ 1 ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ 2 وَالصُّوفِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ *) 3 . وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بَاطِلًا أَمْكَنَ الدُّخُولُ فِي [السُّنَّةِ وَتَرْكُ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا أَمْكَنَ الدُّخُولُ فِي] 4 أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ خَيْرٌ مِنَ الْأَخْذِ بِمَا يَنْقُلُهُ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْكَذِبِ عَمَّنْ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ نَقْلَ غَيْرِ مُصَدِّقٍ 5 عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ رُجُوعَ مِثْلِ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ 6 وَابْنِ الْمَاجِشُونِ 7 8 وَالْأَوْزَاعِيِّ 9

وَالثَّوْرِيِّ سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 2.
وَابْنِ أَبِي لَيْلَى 1 وَشَرِيكٍ 2 وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ 3 وَمُحَمَّدِ [بْنِ الْحَسَنِ] 4 وَزُفَرَ 5 وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيِّ 6 وَالشَّافِعِيِّ وَالْبُوَيْطِيِّ 7 وَالْمُزَنِيِّ 8 وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [وَإِسْحَاقَ بْنِ

رَاهَوَيْهِ] 1 وَأَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ 2 وَالْأَثْرَمِ 3 وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ 4 . وَالْبُخَارِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ 5 وَأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ 6 وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ 7 وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ 8 وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ وَاعْتِبَارِهِمْ مِثْلَ أَنْ يَعْلَمُوا سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتَةَ عَنْهُ وَيَجْتَهِدُوا فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْأَحْكَامِ وَتَنْقِيحِهَا وَتَخْرِيجِهَا - خَيْرٌ لَهُمْ 9 مِنْ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِنَقْلِ الرَّوَافِضِ عَنِ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَأَعْلَمُ بِدِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْعَسْكَرِيَّيْنِ 10 أَنْفُسِهِمَا، فَلَوْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِفُتْيَا

كَانَ رُجُوعُهُ [إِلَى اجْتِهَادِهِ أَوْلَى مِنْ رُجُوعِهِ] 1 إِلَى فُتْيَا أَحَدِهِمَا، بَلْ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ [ذَلِكَ] 2 نَقْلًا عَنْهُمَا مِنْ مِثْلِ الرَّافِضَةِ؟ ! وَالْوَاجِبُ عَلَى مِثْلِ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا أَنْ يَتَعَلَّمُوا مِنَ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَأَبَا جَعْفَرٍ [مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَابْنَهُ] 3 جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ 4 كَانُوا هُمُ الْعُلَمَاءَ الْفُضَلَاءَ، وَأَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ [مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ] 5 لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا عُرِفَ مِنْ 6 هَؤُلَاءِ، وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِهِمْ وَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ [حَتَّى قَالَ أَبُو عِمْرَانَ بْنُ الْأَشْيَبِ 7 الْقَاضِي الْبَغْدَادِيُّ: أَخْبَرَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّهُ ذَكَرَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ 8 جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ 9 وَأَنَّهُ تَعَلَّمَ الْعُلُومَ، فَقَالَ رَبِيعَةُ: إِنَّهُ

اشْتَرَى حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَبَعَثَ إِلَيَّ حَتَّى أَكْتُبَ لَهُ شَرْطًا فِي ابْتِيَاعِهِ.
نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ الْبُخَارِيُّ 1 فِي كِتَابِ " إِثْبَاتِ إِمَامَةِ الصِّدِّيقِ "] 2 . فَأَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَنْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِمَعْنًى عَامٍّ كُلِّيٍّ، فَيُنْظَرُ فِي ثُبُوتِهِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ 3 [أَوْ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْعَامِّ] 4 ، كَمَا نَصَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ وَعَلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ 5 [وَعَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَعَلَى حُكْمِ الْيَمِينِ (6 وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ 6) 6 وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُنْظَرُ فِي الشَّرَابِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ: هَلْ هُوَ مِنَ الْخَمْرِ أَمْ لَا [كَالنَّبِيذِ الْمُسْكِرِ] 7 ، وَفِي اللَّعِبِ 8 الْمُتَنَازَعِ فِيهِ كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ هَلْ هُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ أَمْ لَا؟ وَفِي الْيَمِينِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا كَالْحَلِفِ بِالْحَجِّ وَصَدَقَةِ الْمَالِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَرَامِ وَالظِّهَارِ: هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَيْمَانِ فَتُكَفَّرُ، أَمْ فِي الْعُقُودِ الْمَحْلُوفِ بِهَا فَيَلْزَمُ مَا حَلَفَ

بِهِ؟ 1 أَمْ لَا يَدْخُلُ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِحَالٍ؟ 2 كَمَا يُنْظَرُ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ دَمٌ أَوْ مَيْتَةٌ أَوْ لَحْمُ خِنْزِيرٍ مِنَ 3 الْمَاءِ وَالْمَائِعَاتِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ وَلَا طَعْمُهُ، بَلِ اسْتَهَلَّتِ النَّجَاسَاتُ فِيهِ وَاسْتَحَالَتْ، أَوْ رُفِعَتْ مِنْهُ وَاسْتَحَالَ فِيهِ مَا خَالَطَهُ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ: هَلْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْمَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ فِي مُسَمَّى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ؟ وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَتَخْرِيجُهُ فَفِيهِمَا نِزَاعٌ.
وَهَذَا الْإِمَامِيُّ لَمْ يَذْكُرْ أَصْلًا حُجَّةً عَلَى بُطْلَانِ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ لِيَرُدَّ ذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّ طَائِفَتَهُ لَا تَقُولُ بِذَلِكَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِمْ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِخْرَاجِ، وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَا فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَعَانِي، وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَهُمْ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُهَّالٌ أَيْضًا، فَهُمْ جُهَّالٌ بِأُصُولِ الشَّرْعِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، بِمَنْصُوصِ ذَلِكَ وَمُسْتَنْبَطِهِ.
وَإِنَّمَا عُمْدَتُهُمْ عَلَى نَقْلٍ عَمَّنْ يُقَلِّدُونَهُ، وَهَذَا حَالُ الْجُهَّالِ الْمُقَلِّدِينَ لِآحَادِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَدِلِّينَ، ثُمَّ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ يُقَلِّدُ الْعُلَمَاءَ - كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ - لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ، وَبِطُرُقٍ يُمَيِّزُونَ بِهَا بَيْنَ صَحِيحِ أَقْوَالِهِمْ وَضَعِيفِهَا وَمَعْرِفَةٍ بِأَدِلَّتِهِمْ وَمَآخِذِهِمْ.
وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا يَصِحُّ نَقْلُهُ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ وَمَا لَا يَصِحُّ،

وَلَا يَعْرِفُونَ أَدِلَّتَهُمْ وَمَآخِذَهُمْ، بَلْ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ بِمَا يُقَلِّدُونَ فِيهِ، وَهُمْ يَعِيبُونَ هَؤُلَاءِ الْجُمْهُورَ بِالِاخْتِلَافِ، وَفِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَمَّنْ يُقَلِّدُونَهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَفِيمَا لَا يَنْقُلُونَهُ عَمَّنْ يُقَلِّدُونَهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا لَا يَكَادُ يُحْصَى] 1 .

الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّ مَا يَنْقُلُهُ الْفُقَهَاءُ عَنْ مِثْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ هُوَ أَصَحُّ مِمَّا يَنْقُلُهُ الرَّوَافِضُ عَنْ [مِثْلِ] 2 الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوَادِ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَعْلَمُ بِدِينِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أُولَئِكَ فَمَنْ عَدَلَ عَنْ نَقْلِ الْأَصْدَقِ عَنِ الْأَعْلَمِ إِلَى نَقْلِ الْأَكْذَبِ عَنِ الْمَرْجُوحِ كَانَ مُصَابًا فِي دِينِهِ أَوْ عَقْلِهِ أَوْ كِلَيْهِمَا 3 . فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا حَكَاهُ عَنِ الْإِمَامِيَّةِ مُفَضِّلًا لَهُمْ بِهِ لَيْسَ فِيهِ 4 شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِهِمْ، إِلَّا الْقَوْلَ بِعِصْمَةِ الْأَئِمَّةِ [وَإِنَّمَا شَارَكَهُمْ فِيهِ 5 مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ] 6 ، وَمَا سِوَاهُ حَقًّا كَانَ أَوْ بَاطِلًا فَغَيْرُهُمْ [مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْقَائِلِينَ بِخِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ] 7 يَقُولُ بِهِ، وَمَا اخْتَصَّتْ بِهِ الْإِمَامِيَّةُ 8 مِنْ عِصْمَةِ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْبُعْدِ عَنِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَهُوَ أَفْسَدُ مِنِ اعْتِقَادِ كَثِيرٍ

مِنَ النُّسَّاكِ فِي شُيُوخِهِمْ أَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ، وَأَضْعَفُ مِنِ اعْتِقَادِ كَثِيرٍ مِنْ قُدَمَاءِ 1 الشَّامِيِّينَ [أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ] : 2 أَنَّ الْإِمَامَ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ إِمَامًا تَقَبَّلَ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، لِأَنَّ الْغُلَاةَ فِي الشُّيُوخِ، وَإِنَّ غَلَوْا فِي شَيْخٍ فَلَا يَقْصُرُونَ الْهُدَى عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُونَ اتِّبَاعَ غَيْرِهِ، [وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِمَشْيَخَتِهِ] 3 ، وَلَا يَقُولُونَ فِيهِ مِنَ الْعِصْمَةِ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ خَرَجَ 4 عَنِ الدِّينِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَذَاكَ فِي الْغُلَاةِ فِي الشُّيُوخِ: كَالنُّصَيْرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ.
فَبِكُلِّ حَالٍ الشَّرُّ فِيهِمْ أَكْثَرُ [مِنْ غَيْرِهِمْ] 5 ، وَالْغُلُوُّ فِيهِمْ أَعْظَمُ، وَشَرُّ غَيْرِهِمْ جُزْءٌ مِنْ شَرِّهِمْ.
وَأَمَّا غَالِيَّةُ الشَّامِيِّينَ [أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ] 6 ، فَكَانُوا يَقُولُونَ 7 : [إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً تَقَبَّلَ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ.
8 .

وَلِهَذَا سَأَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ 1 الْعُلَمَاءِ، فَقَالُوا لَهُ 2 : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَمْ دَاوُدُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سُورَةُ ص: 26] . وَكَذَلِكَ سُؤَالُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ ذَلِكَ لِأَبِي حَازِمٍ الْمَدَنِيِّ 3 فِي مَوْعِظَتِهِ الْمَشْهُورَةِ [لَهُ] 4 فَذَكَرَ لَهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَمَعَ خَطَأِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ فَكَانُوا يَقُولُونَ 5 ] ذَلِكَ فِي طَاعَةِ إِمَامٍ مَنْصُوبٍ 6 قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، كَمَا يَجِبُ طَاعَةُ وَالِي

الْحَرْبِ وَقَاضِي الْحُكْمِ: لَا يَجْعَلُونَ أَقْوَالَهُ 7 شَرْعًا عَامًّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يَجْعَلُونَهُ مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَأِ، وَلَا يَقُولُونَ إِنَّهُ يَعْرِفُ جَمِيعَ الدِّينِ، لَكِنْ غَلِطَ مَنْ غَلِطَ مِنْهُمْ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيعُونَ الْوُلَاةَ طَاعَةً مُطْلَقَةً، وَيَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِطَاعَتِهِمْ، الثَّانِيَةِ 8 : قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً تَقَبَّلَ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَأَيْنَ خَطَأُ هَؤُلَاءِ مِنْ ضَلَالِ الرَّافِضَةِ الْقَائِلِينَ بِعِصْمَةِ الْأَئِمَّةِ؟ ثُمَّ قَدْ تَبَيَّنَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ مَا انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ كُلُّهُ خَطَأٌ، وَمَا كَانَ مَعَهُمْ 9 مِنْ صَوَابٍ فَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَنَحْنُ لَسْنَا نَقُولُ 10 : إِنَّ جَمِيعَ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ مُصِيبُونَ، بَلْ فِيهِمُ الْمُصِيبُ وَالْمُخْطِئُ، لَكِنَّ صَوَابَ [كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ] 11 أَكْثَرُ مِنْ صَوَابِ الشِّيعَةِ، وَخَطَأَ 12 الشِّيعَةِ أَكْثَرُ.
[وَأَمَّا مَا انْفَرَدَتْ بِهِ الشِّيعَةُ عَنْ جَمِيعِ طَوَائِفِ السُّنَّةِ فَكُلُّهُ خَطَأٌ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ صَوَابٌ إِلَّا وَقَدْ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ] 13 . فَهَذَا الْقَدْرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَبْطُلُ بِهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ رُجْحَانِ قَوْلِ الْإِمَامِيَّةِ، فَإِنَّهُ 14 بِهَذَا الْقَدْرِ يُتَبَيَّنُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَرْجَحُ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.

وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْإِيمَانَ أَرْجَحُ مِنَ الْكُفْرِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى الْمُفَاضَلَةِ عِنْدَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ أَرْجَحُ، [وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ] 1 . قَالَ تَعَالَى 2 ] : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 125] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْجُمُعَةِ: 9] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [سُورَةُ النُّورِ: 0] وَقَالَ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سُورَةُ النُّورِ: 27] ، بَلْ قَدْ يُفَضِّلُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَلَى مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: 59] ، وَقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سُورَةُ طه: 73]] 3 . وَكَذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْكُفَّارَ أَكْثَرُ جُرْمًا إِذَا وَقَعَتِ الْمُفَاضَلَةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 217] ، [ثُمَّ قَالَ] : 4 ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 217] ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ لَمَّا عَيَّرَ الْمُشْرِكُونَ سَرِيَّةَ 5 الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ

قَتَلُوا رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَهُوَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ ذُنُوبَ الْمُشْرِكِينَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ 1 . (* وَأَمَّا فِي 2 جَانِبِ التَّفْضِيلِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا - وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 123 - 125] *) 3 . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ - قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 59، 60] 4 .

الرد على سائر أقسام كلام ابن المطهر في الوجه الأول

[فَصْلٌ كلام ابن المطهر على مذهب أهل السنة في الصفات والرد عليه]

(فَصْلٌ) 1 ثُمَّ قَالَ هَذَا الْإِمَامِيُّ: 2 " أَمَّا بَاقِي الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ - وَهُمْ جَمَاعَةُ الْأَشَاعِرَةِ - إِنَّ الْقُدَمَاءَ كَثِيرُونَ 3 مَعَ اللَّهِ تَعَالَى: هِيَ الْمَعَانِي يُثْبِتُونَهَا 4 مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ كَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَعَلُوهُ تَعَالَى مُفْتَقِرًا فِي كَوْنِهِ عَالِمًا إِلَى ثُبُوتِ مَعْنًى هُوَ الْعِلْمُ، وَفِي كَوْنِهِ قَادِرًا إِلَى ثُبُوتِ مَعْنًى هُوَ الْقُدْرَةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ قَادِرًا لِذَاتِهِ [وَلَا عَالِمًا لِذَاتِهِ] 5 ، وَلَا حَيًّا لِذَاتِهِ 6 ، بَلْ لِمَعَانٍ قَدِيمَةٍ يَفْتَقِرُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلَيْهَا، فَجَعَلُوهُ مُحْتَاجًا نَاقِصًا فِي ذَاتِهِ 7 ، كَامِلًا بِغَيْرِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا! [وَلَا 8 يَقُولُونَ: هَذِهِ الصِّفَاتُ ذَاتِيَّةٌ 9 ] . وَاعْتَرَضَ شَيْخُهُمْ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ النَّصَارَى كَفَرُوا بِأَنْ قَالُوا 10 : الْقُدَمَاءُ ثَلَاثَةٌ، وَالْأَشَاعِرَةُ أَثْبَتُوا قُدَمَاءَ تِسْعَةً ".

فَيُقَالُ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى الْأَشْعَرِيَّةِ: لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ [نَاقِصٌ بِذَاتِهِ] 1 كَامِلٌ بِغَيْرِهِ، وَلَا قَالَ الرَّازِيُّ مَا ذَكَرْتُهُ 2 مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ، بَلْ هَذَا الِاعْتِرَاضُ ذِكَرَهُ الرَّازِيُّ عَمَّنِ اعْتَرَضَ بِهِ، [وَاسْتَهْجَنَ] 3 الرَّازِيُّ ذِكْرَهُ 4 .

وَهُوَ اعْتِرَاضٌ قَدِيمٌ مِنِ اعْتِرَاضَاتِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، حَتَّى ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ 1 [فِي " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ " فَقَالَ 2 : " قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ لَمَّا وَصَّفْنَا اللَّهَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ 3 : (4 إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَنُورَهُ، وَاللَّهَ وَقُدْرَتَهُ، وَاللَّهَ وَعَظَمَتَهُ، فَقَدْ قُلْتُمْ بِقَوْلِ النَّصَارَى 4) 4 حِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَنُورَهُ وَلَمْ يَزَلْ وَقُدْرَتَهُ.
قُلْنَا: لَا نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَقُدْرَتَهُ وَلَمْ يَزَلْ وَنُورَهُ 5 ، وَلَكِنْ نَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَنُورِهِ، لَا مَتَى قَدَرَ، وَلَا كَيْفَ قَدَرَ.
فَقَالُوا 6 : لَا تَكُونُونَ مُوَحِّدِينَ أَبَدًا حَتَّى تَقُولُوا: كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ.
فَقُلْنَا: نَحْنُ نَقُولُ قَدْ كَانَ وَلَا شَيْءَ.
وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا، أَلَيْسَ إِنَّمَا نَصِفُ إِلَهًا وَاحِدًا بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ.
وَضَرَبْنَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا، فَقُلْنَا: أَخْبِرُونَا عَنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ: أَلَيْسَ لَهَا

جِذْعٌ وَكَرَبٌ وَلِيفٌ وَسَعَفٌ وَخُوصٌ وَجُمَّارٌ 1 وَاسْمُهَا اسْمُ وَاحِدٍ 2 وَسُمِّيَتْ نَخْلَةً بِجَمِيعِ صِفَاتِهَا؟ فَكَذَلِكَ اللَّهُ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى 3 - بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهٌ وَاحِدٌ.
لَا نَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَلَا يَقْدِرُ حَتَّى خَلَقَ قُدْرَةً 4 وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ هُوَ عَاجِزٌ.
وَلَا نَقُولُ: قَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَلَا يَعْلَمُ حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عِلْمًا 5 وَالَّذِي لَا يَعْلَمُ هُوَ جَاهِلٌ.
وَلَكِنْ نَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِمًا قَادِرًا مَالِكًا لَا مَتَى وَلَا كَيْفَ.
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ رَجُلًا كَافِرًا اسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ فَقَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ 6 [سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ: 11] وَقَدْ كَانَ هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ وَحِيدًا لَهُ عَيْنَانِ وَأُذُنَانِ، وَلِسَانٌ وَشَفَتَانِ، وَيَدَانِ وَرِجْلَانِ، وَجَوَارِحُ كَثِيرَةٌ فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ وَحِيدًا بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - هُوَ 7 بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهٌ وَاحِدٌ ". وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَتَضَمَّنُ أَسْرَارَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَبَيَانَ

الْفَرْقِ بَيْنَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْإِثْبَاتِ الْمُوَافِقِ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَبَيْنَ مَا تَقُولُهُ الْجَهْمِيَّةُ، وَبَيْنَ أَنَّ صِفَاتِهِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ] .

الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَلَا جُمْهُورِ مُوَافَقِيهِ، إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مُثْبِتِي الْحَالِ [مِنْهُمُ] 1 الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْعَالَمِيَّةَ حَالٌ 2 مُعَلَّلَةٌ بِالْعِلْمِ، فَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ يُوجِبُهُ حَالٌ آخَرُ 3 لَيْسَ هُوَ الْعِلْمَ بَلْ هُوَ 4 كَوْنُهُ عَالِمًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَوَّلُ قَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي 5 . وَأَمَّا جُمْهُورُ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ فَيَقُولُونَ 6 : إِنَّ الْعِلْمَ هُوَ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَيَقُولُونَ: لَا يَكُونُ عَالِمًا إِلَّا بِعِلْمٍ وَلَا قَادِرًا إِلَّا بِقُدْرَةٍ، أَيْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ حَيًّا مَنْ لَا حَيَاةَ لَهُ.
[وَعِنْدَهُمْ عِلْمُهُ هُوَ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَقُدْرَتُهُ هُوَ كَوْنُهُ قَادِرًا، وَحَيَاتُهُ هُوَ كَوْنُهُ حَيًّا، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حُذَّاقِ الْمُعْتَزِلَةِ] 7 . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَعْلُومٌ ضَرُورَةً، فَإِنَّ وُجُودَ اسْمِ الْفَاعِلِ بِدُونِ مُسَمَّى

الْمَصْدَرِ مُمْتَنِعٌ، وَهَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ: مُصَلٍّ بِلَا صَلَاةٍ، وَصَائِمٌ بِلَا صِيَامٍ، وَنَاطِقٌ بِلَا نُطْقٍ.
فَإِذَا قِيلَ: لَا يَكُونُ نَاطِقٌ إِلَّا بِنُطْقٍ 1 ، وَلَا مُصَلٍّ إِلَّا بِصَلَاةٍ، لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ أَنَّ هُنَا شَيْئَيْنِ 2 : أَحَدُهُمَا الصَّلَاةُ، وَالثَّانِي حَالٌ مُعَلَّلٌ بِالصَّلَاةِ، بَلِ الْمُصَلِّي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَلَاةٌ.
وَهُمْ أَنْكَرُوا قَوْلَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ حَيٌّ لَا حَيَاةَ لَهُ، وَعَالِمٌ لَا عِلْمَ لَهُ، وَقَادِرٌ لَا قُدْرَةَ لَهُ.
فَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ بِذَاتِهِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَاتَهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا قَوْلُ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ، (3 وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَاتَهُ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ لَهَا حَيَاةٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ 3) 3 الْمُنْكَرُ مِنْ 4 أَقْوَالِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالَهُ هَذَا قَدْ 5 سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَهَذَا اللَّفْظُ وَجَدْتُهُ فِي كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ 6 الْبَصْرِيِّ، وَمَعَ هَذَا مَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَ أَبِي الْحُسَيْنِ 7 وَأَمْثَالِهِ وَجَدَهُ مُضْطَرًّا إِلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّهُ لَا يُمَكِنُهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمُثْبِتِينَ بِفَرْقٍ مُحَقَّقٍ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ كَوْنَهُ حَيًّا وَكَوْنَهُ عَالِمًا وَكَوْنَهُ قَادِرًا، وَلَا يَجْعَلُ هَذَا هُوَ هَذَا، وَلَا هَذَا هُوَ هَذَا، وَلَا هَذِهِ الْأُمُورُ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل