مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
هَؤُلَاءِ لَهُمْ تَبَعٌ 1 فِيهِ: إِمَّا مُسْتَدِلٌّ بِهِمْ، وَإِمَّا مُقَلِّدٌ لَهُمْ.
كَمَا أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْأَحْكَامِ أَقَامَ اللَّهُ لَهُ رِجَالًا اجْتَهَدُوا فِيهِ حَتَّى حَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ عَلَى الْأُمَّةِ مَا حَفِظَ مِنَ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمْ لَهُمْ 2 تَبَعٌ فِيهِ: إِمَّا مُسْتَدِلٌّ بِهِمْ، وَإِمَّا مُقَلِّدٌ لَهُمْ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ خَوَاصَّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ بِهِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الِاخْتِصَاصِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِلَالٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: هُمْ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا بِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَحْفَظَ وَأَفْقَهَ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَطْوَلَ صُحْبَةً، وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا أَخَذَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنَ الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ عَنْ غَيْرِهِ لِطُولِ عُمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَعْلَمَ مِنْهُ، كَمَا أُخِذَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ مِنَ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِمَّا أُخِذَ عَمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ 3 ، كَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ (وَنَحْوِهِمْ) 4 وَأَمَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ فَلَهُمْ فِي تَبْلِيغِ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ، وَنَشْرِ أُصُولِهِ، وَأَخْذِ النَّاسِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ يُرْوَى عَنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ
مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُفْرَدَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْوَى 1 عَنْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، فَالْخُلَفَاءُ لَهُمْ عُمُومُ التَّبْلِيغِ وَقُوَّتُهُ الَّتِي لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ، ثُمَّ لَمَّا قَامُوا بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ شَارَكَهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَصَارَ مُتَوَاتِرًا كَجَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ الْقُرْآنَ فِي الصُّحُفِ 2 ، ثُمَّ جَمْعِ عُثْمَانَ لَهُ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى الْأَمْصَارِ، فَكَانَ الِاهْتِمَامُ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، وَتَبْلِيغِهِ أَهَمَّ مِمَّا سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ تَبْلِيغُ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَمُقَاتَلَتُهُمْ 3 عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتِنَابَتُهُمْ 4 فِي ذَلِكَ الْأُمَرَاءَ وَالْعُلَمَاءَ، وَتَصْدِيقُهُمْ لَهُمْ فِيمَا بَلَّغُوهُ عَنِ الرَّسُولِ، فَبَلَّغَ مَنْ أَقَامُوهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى صَارَ الدِّينُ مَنْقُولًا نَقْلًا عَامًّا مُتَوَاتِرًا ظَاهِرًا مَعْلُومًا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَوَضَحَتْ بِهِ الْمَحَجَّةُ، وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا خُلَفَاءَهُ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، الَّذِينَ خَلَفُوهُ فِي أُمَّتِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا.
وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى - مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى - وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (سُورَةِ النَّجْمِ: 1 - 4) فَهُوَ مَا ضَلَّ وَمَا غَوَى، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " 5 فَإِنَّهُمْ خَلَفُوهُ فِي ذَلِكَ، فَانْتَفَى عَنْهُمْ بِالْهُدَى الضَّلَالُ، وَبِالرُّشْدِ الْغَيُّ.
وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَإِنَّ الضَّلَالَ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَالْغَيَّ اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَلِهَذَا أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (سُورَةِ الْفَاتِحَةِ: 6، 7) ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ» " 1 فَالْمُهْتَدِي الرَّاشِدُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ الْجُهَّالِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْغَيِّ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَعْلَمُ بِالرَّسُولِ مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ تَبْلِيغًا لِمَا عَلِمَهُ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الْمَفْضُولِ عِلْمُ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا الْأَفْضَلُ فَيَسْتَفِيدُهَا مِنْهُ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَعْلَمَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَلَا أَنَّ هَذَا الْأَعْلَمَ يَتَعَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ الْمَفْضُولِ مَا امْتَازَ بِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْخُلَفَاءُ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ، كَمَا اسْتَفَادَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِلْمَ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ 2 مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ 3 ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ 4 وَاسْتَفَادَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِلْمَ دِيَةِ
الْجَنِينِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَتَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، وَاسْتَفَادَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثَ مَقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَاسْتَفَادَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثَ صَلَاةِ التَّوْبَةِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ يَخْفَى ذَلِكَ الْعِلْمُ عَنِ الْفَاضِلِ حَتَّى يَمُوتَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ، وَيُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ نُبَيِّنَ طُرُقَ الْعِلْمِ، فَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ أَخَذَ النَّاسُ عَنْهُمُ الْعِلْمَ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ: مِثْلَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذِ (بْنِ جَبَلٍ) 1 ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي مُوسَى وَسَلْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَأَمْثَالِهِمْ.
وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ: مِثْلَ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو 2 ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: مِثْلَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمِثْلَ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَأَمْثَالِهِمْ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ مِثْلَ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ
وَمَكْحُولٍ الشَّامِيِّ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ.
ثُمَّ (مِنْ) 1 بَعْدِ هَؤُلَاءِ: مِثْلَ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَشُعْبَةَ، وَزَائِدَةَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَأَمْثَالِهِمْ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ: مِثْلَ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ 2 وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ: الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) 3 ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَبَقِيُّ 4 بْنُ مَخْلَدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ.
وَمِثْلَ: أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ.
ثُمَّ (مِنْ) 1 بَعْدِ هَؤُلَاءِ مِثْلَ: أَبِي حَاتِمٍ الْبُسْتِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ النَّجَّادِ 2 ، وَأَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ، وَأَبِي قَاسِمٍ الطَّبَرَانِيِّ، وَأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ الْعَسَّالِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ: مِثْلَ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَابْنِ مَنْدَهْ، وَالْحَاكِمِ 3 أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ إِحْصَاؤُهُمْ.
فَهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ 4 كَانَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ رِوَايَةً، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ مَعْرِفَةً بِصَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: أَشْرَفُ الْعِلْمِ الْفِقْهُ فِي مُتُونِ 5 الْأَحَادِيثِ، وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، وَنَحْوَهَمَا أَعْرَفُ بِصَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ 6 مِنْ مِثْلِ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَنَحْوُهُمَا أَفْقَهُ مِنْ أُولَئِكَ، وَأَحْمَدُ كَانَ يُشَارِكُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.
وَكَانَ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، كَمَا كَانَ مَعَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَمَعَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي الْحَدِيثِ.
وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ لَهُ عِنَايَةٌ بِصَحِيحِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبُو دَاوُدَ لَهُ عِنَايَةٌ بِالْفِقْهِ أَكْثَرُ، وَالْبُخَارِيُّ لَهُ عِنَايَةٌ بِهَذَا وَهَذَا.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا تَوْسِعَةَ الْكَلَامِ فِي هَذَا، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَهُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فَهُمْ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ صَادِقًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ فِيهِ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِنَايَةِ بِصَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ، فَهَذَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ نَقْلُهُ، فَإِنَّهُ صَادِقٌ ضَابِطٌ، وَأَمَّا الْمَعْرِفَةُ بِصَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ فَهَذَا عِلْمٌ آخَرُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا، وَقَدْ يَكُونُ صَالِحًا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَعْرِفَةٍ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الْعِلْمِ، فَلَا يَرُوجُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكَذِبِ مَا يَرُوجُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمُهُمْ 1 ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ بِالرَّسُولِ أَعْرَفَ كَانَ تَمْيِيزُهُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ أَتَمَّ، فَقَدْ يَرُوجُ عَلَى أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ، وَالزُّهْدِ، وَالنَّظَرِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: إِمَّا يُصَدِّقُونَ بِهَا، وَإِمَّا يُجَوِّزُونَ بِصِدْقِهَا، وَتَكُونُ مَعْلُومَةَ الْكَذِبِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ يُصَدِّقُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ بِمَا يَكُونُ كَذِبًا عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ 2 " مِثْلَ مَا
يَرْوِي طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ حَدِيثَ: " «لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» "، وَحَدِيثَ: " «زَكَاةُ الْأَرْضِ نَبْتُهَا» "، وَحَدِيثَ: " «نُهِيَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَنُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْمَكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ» "، وَحَدِيثَ: " «نُهِيَ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» "، وَحَدِيثَ: " «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ عَلَى مُسْلِمٍ» "، وَحَدِيثَ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» "، وَحَدِيثَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ يُتِمُّ وَيَقْصُرُ» "، وَحَدِيثَ: " «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي عَشْرِ دَرَاهِمَ» "، وَحَدِيثَ: " «لَا مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» "، وَحَدِيثَ: " «الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ» "، وَحَدِيثَ: " «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ» "، وَحَدِيثَ: " «نَهَى عَنِ الْبَتْرَاءِ» "، وَحَدِيثَ: «يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنَ الْمَنِيِّ وَالدَّمِ» "، وَحَدِيثَ: " «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لَا مِمَّا دَخَلَ» "، وَحَدِيثَ: " «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يَعُودُ» ".
إِلَى أَمْثَالِ 1 ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ 2 الَّتِي يُصَدِّقُ بَعْضَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَيَبْنُونَ عَلَيْهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضُوعَةٌ (عَلَيْهِ) 3 ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ يَرْوِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النُّسَّاكِ، وَيَظُنُّهَا صِدْقًا، مِثْلَ قَوْلِهِمْ 4
" إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا "، وَمِثْلَ قَوْلِهِمْ: " إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (سُورَةِ الْأَنْعَامِ: 52) ، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (سُورَةِ الْكَهْفِ: 28) 1 : نَزَلَ 2 فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَمِثْلَ حَدِيثِ: " «غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَحَدُ الْأَبْدَالِ الْأَرْبَعِينَ» "، وَكَذَلِكَ حَدِيثٌ فِيهِ ذِكْرُ الْأَبْدَالِ، وَالْأَقْطَابِ، وَالْأَغْوَاثِ، وَعَدَدِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَذِبٌ.
وَكَذَلِكَ أَمْثَالُ 3 . . هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَدْ تُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (سُورَةِ الْأَنْعَامِ: 52) ، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (سُورَةِ الْكَهْفِ: 28) فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ 4 وَهُمَا سُورَتَانِ مَكِّيَّتَانِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَالصُّفَّةُ إِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ 5 وَمِثْلَ مَا يَرْوُونَ فِي أَحَادِيثِ الْمِعْرَاجِ 6 : أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ فِي صُورَةِ كَذَا.
وَأَحَادِيثُ الْمِعْرَاجِ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَحَادِيثِ ذِكْرِ الرُّؤْيَةِ، وَإِنَّمَا الرُّؤْيَةُ فِي أَحَادِيثَ مَدَنِيَّةٍ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ كَحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: " «أَتَانِي الْبَارِحَةَ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» " إِلَى آخِرِهِ، فَهَذَا مَنَامٌ رَآهُ 1 فِي الْمَدِينَةِ، * وَكَذَلِكَ مَا شَابَهَهُ كُلُّهَا كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ فِي الْمَنَامِ * 2 ، وَالْمِعْرَاجُ كَانَ بِمَكَّةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ يَرُوجُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَظْهَرُ كَذِبًا مِنْ هَذَا، مِثْلَ تَوَاجُدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَقَطَتِ الْبُرْدَةُ عَنْهُ، فَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَوْضُوعِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَطَائِفَةٌ يَظُنُّونَ هَذَا صِدْقًا لِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ فِي مَسْأَلَةِ السَّمَاعِ، وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ السُّهْرَوَرْدِيُّ لَكِنْ قَالَ: " يُخَالِجُ سِرِّي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ دُونَ اجْتِمَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ "، وَهَذَا الَّذِي ظَنَّهُ وَخَالَجَ سِرَّهُ هُوَ يَقِينٌ عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ خَالَطَ قَلْبَهُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا ظَنُّ طَائِفَةٍ أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ قَاتَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَوْلِيَاءِ قِتَالُ الْأَنْبِيَاءِ، إِذَا كَانَ الْغَدْرُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ فَقَدْ رَاجَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْأَحْوَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُمْ أَحْوَالٌ شَيْطَانِيَّةٌ، وَالشَّيَاطِينُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِهِمْ 3 بِهِمْ قَدْ تُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ الْغَائِبَاتِ، وَتَفْعَلُ بَعْضَ
أَغْرَاضِهِمْ، وَتَقْضِي (بَعْضَ) 1 حَوَائِجِهِمْ، وَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيَاطِينِ.
وَكَذَلِكَ قَدْ يَرُوجُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ 2 إِلَى السُّنَّةِ أَحَادِيثُ يَظُنُّونَهَا مِنَ السُّنَّةِ وَهِيَ كَذِبٌ، كَالْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي فَضَائِلِ عَاشُورَاءَ - غَيْرَ الصَّوْمِ - وَفَضْلِ الْكُحْلِ فِيهِ، وَالِاغْتِسَالِ، وَالْحَدِيثِ 3 ، وَالْخِضَابِ، وَالْمُصَافَحَةِ، وَتَوْسِعَةِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ فِيهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي عَاشُورَاءَ 4 حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَيْرَ الصَّوْمِ.
وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى فِي فَضْلِ صَلَوَاتٍ 5 مُعَيَّنَةٍ فِيهِ فَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كُتُبِهِمْ.
وَلِهَذَا لَمَّا 6 سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى: " «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ» " فَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي فَضْلِ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ، أَوْ فَضْلِ صِيَامِهِ، أَوْ صِيَامِ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ فَضْلِ صَلَاةٍ مَخْصُوصَةٍ فِيهِ كَالرَّغَائِبِ، كُلُّهَا كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ.
وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى فِي صَلَاةِ الْأُسْبُوعِ كَصَلَاةِ يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ
وَغَيْرِهِمَا كَذِبٌ، وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى مِنَ الصَّلَاةِ الْمُقَدَّرَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ، وَأَوَّلَ لَيْلَةِ 1 جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، أَوْ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كُلُّهَا كَذِبٌ.
وَكَذَلِكَ كَلُّ صَلَاةٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِتَقْدِيرِ عَدَدِ الْآيَاتِ أَوِ السُّوَرِ أَوِ التَّسْبِيحِ، فَهِيَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، إِلَّا صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، فَإِنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ لَهُمْ، وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا كَذِبٌ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَقَدَ صِدْقَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ كَرِهُوهَا وَطَعَنُوا فِي حَدِيثِهَا، وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَلَمْ يَسْمَعُوهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَنْ يَسْتَحِبُّهَا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّمَا هُوَ اخْتِيَارٌ مِنْهُمْ، لَا نَقْلٌ عَنِ الْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا ابْنُ الْمُبَارَكِ فَلَمْ يَسْتَحِبَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ الْمَأْثُورَةَ الَّتِي فِيهَا التَّسْبِيحُ قَبْلَ الْقِيَامِ، بَلِ اسْتَحَبَّ صِفَةً أُخْرَى تُوَافِقُ الْمَشْرُوعَ؛ لِئَلَّا تَثْبُتَ سُنَّةٌ بِحَدِيثٍ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَشْيَاءُ مَنْقُولَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهَا كَذِبٌ مِثْلَ حَدِيثِ فَضَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الثَّعْلَبِيُّ، وَالْوَاحِدِيُّ فِي أَوَّلِ 2 كُلِّ سُورَةٍ، وَيَذْكُرُهُ 3 وَكَذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي آخِرِ كُلِّ سُورَةٍ.
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصَحَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضَائِلَ السُّوَرِ أَحَادِيثُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، وَلِهَذَا رَوَاهَا أَهْلُ الصَّحِيحِ، فَأَفْرَدَ 4
الْحُفَّاظُ لَهَا مُصَنَّفَاتٍ كَالْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالِ وَغَيْرِهِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَأْثُورَةَ 1 فِي فَضْلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَخَوَاتِيمِ الْبَقَرَةِ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فَلَهُمْ فُرْقَانٌ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
وَأَمَّا (أَحَادِيثُ) 2 سَبَبِ النُّزُولِ فَغَالِبُهَا مُرْسَلٌ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ثَلَاثُ عُلُومٍ لَا إِسْنَادَ لَهَا - وَفِي لَفْظٍ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ -: التَّفْسِيرُ، وَالْمَغَازِي، وَالْمَلَاحِمُ، يَعْنِي أَنَّ أَحَادِيثَهَا مُرْسَلَةٌ.
وَالْمَرَاسِيلُ قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي قَبُولِهَا وَرَدِّهَا، وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّ مِنْهَا الْمَقْبُولَ، وَمِنْهَا الْمَرْدُودَ، وَمِنْهَا الْمَوْقُوفَ، فَمَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ قُبِلَ مُرْسَلُهُ، وَمَنْ عُرِفَ أَنَّهُ يُرْسِلُ عَنِ الثِّقَةِ وَغَيْرِ الثِّقَةِ كَانَ إِرْسَالُهُ رِوَايَةً عَمَّنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فَهَذَا مَوْقُوفٌ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمَرَاسِيلِ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ كَانَ مَرْدُودًا.
وَإِذَا جَاءَ الْمُرْسَلُ مِنْ وَجْهَيْنِ 3 : كُلٌّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ 4 أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ شُيُوخِ الْآخَرِ 5 ، فَهَذَا مِمَّا 6 يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَادَةِ تَمَاثُلُ الْخَطَأِ فِيهِ وَتَعَمُّدُ الْكَذِبِ، كَانَ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ صِدْقٌ، فَإِنَّ الْمُخْبِرَ إِنَّمَا يُؤْتَى 7 مِنْ جِهَةِ (تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَمِنْ جِهَةِ) 8
الْخَطَأِ، فَإِذَا كَانَتِ الْقِصَّةُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَاطَأْ فِيهِ الْمُخْبِرَانِ، وَالْعَادَةُ 1 تَمْنَعُ تَمَاثُلَهُمَا فِي الْكَذِبِ عَمْدًا وَخَطَأً، مِثْلَ 2 أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ طَوِيلَةً فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ رَوَاهَا هَذَا مِثْلَ مَا رَوَاهَا هَذَا، فَهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ صِدْقٌ.
وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَخَلْقِهِ لِلْعَالَمِ 3 وَقِصَّةِ آدَمَ وَيُوسُفَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْآخَرُ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَسْتَفِدْ ذَلِكَ مِنَ الْآخَرِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ تَمَاثُلُ الْخَبَرَيْنِ الْبَاطِلَيْنِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ مُفَصَّلَةٍ دَقِيقَةٍ عَنْ مُخْبَرٍ مُعَيَّنٍ، لَوْ كَانَ مُبْطِلًا فِي خَبَرِهِ لَاخْتَلَفَ خَبَرُهُ، لِامْتِنَاعِ أَنَّ مُبْطِلًا يَخْتَلِقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، لَا سِيَّمَا فِي أُمُورٍ لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ إِلَيْهَا، بَلْ ذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَخْبَرَ بِعِلْمٍ وَصِدْقٍ.
وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ 4 وَأَخْبَرَ عَنْ حَوَادِثَ مُفَصَّلَةٍ حَدَثَتْ فِيهِ، تَنْتَطِمُ أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا مُخْتَلِفَةً، وَجَاءَ مَنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوَاطِئْهُ عَلَى الْكَذِبِ فَحَكَى مِثْلَ ذَلِكَ، عُلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاطَأَةِ وَتَلَقِّي بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، (كَمَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ الْبَاطِلِ الْمَقَالَاتِ الْبَاطِلَةَ مِثْلَ مَقَالَةِ النَّصَارَى وَالْجَهْمَيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، لَكِنَّهَا تَلَقَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ،) 5
فَلَمَّا تَوَاطَئُوا عَلَيْهَا جَازَ اتِّفَاقُهُمْ فِيهَا عَلَى الْبَاطِلِ.
وَالْجَمَاعَةُ الْكَثِيرُونَ يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى جَحْدِ الضَّرُورِيَّاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاطُؤِ: إِمَّا عَمْدًا لِلْكَذِبِ (1) وَإِمَّا خَطَأً فِي الِاعْتِقَادِ، وَأَمَّا اتِّفَاقُهُمْ عَلَى جَحْدِ الضَّرُورِيَّاتِ مِنْ دُونِ (2) هَذَا وَهَذَا فَمُمْتَنِعٌ (3)
فصل الطُّرُقِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا كَذِبُ الْمَنْقُولِ
فَصْلٌ
فِي الطُّرُقِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا كَذِبُ الْمَنْقُولِ.
مِنْهَا: أَنْ يُرْوَى خِلَافُ مَا عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ، مِثْلَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاتَّبَعَهُ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فَكَانُوا مُرْتَدِّينَ لِإِيمَانِهِمْ بِهَذَا الْمُتَنَبِّئِ الْكَذَّابِ، وَأَنَّ أَبَا لُؤْلُؤَةَ قَاتِلَ عُمَرَ كَانَ مَجُوسِيًّا كَافِرًا، وَأَنَّ أَبَا الْهُرْمُزَانِ كَانَ مَجُوسِيًّا أَسْلَمَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ * كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ مُدَّةَ مَرَضِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَخْلُفُهُ بِالْإِمَامَةِ بِالنَّاسِ لِمَرَضِهِ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ * 4 وَعُمَرَ دُفِنَا فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِثْلَ مَا يُعْلَمُ مِنْ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْقِتَالُ كَبَدْرٍ ثُمَّ أُحُدٍ ثُمَّ الْخَنْدَقِ ثُمَّ خَيْبَرَ ثُمَّ فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ غَزْوَةِ الطَّائِفِ، وَالَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ كَغَزْوَةِ تَبُوكَ وَغَيْرِهَا، وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ123
فِي الْغَزَوَاتِ كَنُزُولِ الْأَنْفَالِ بِسَبَبِ 1 بَدْرٍ، وَنُزُولِ آخِرِ آلِ عِمْرَانَ بِسَبَبِ أُحُدٍ، وَنُزُولِ أَوَّلِهَا بِسَبَبِ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَنُزُولِ سُورَةِ الْحَشْرِ بِسَبَبِ بَنِي النَّضِيرِ، وَنُزُولِ الْأَحْزَابِ بِسَبَبِ الْخَنْدَقِ، وَنُزُولِ سُورَةِ الْفَتْحِ بِسَبَبِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَنُزُولِ بَرَاءَةَ بِسَبَبِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَغَيْرِهَا وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَإِذَا رُوِيَ فِي الْغَزَوَاتِ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا - مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ، مِثْلَ مَا يَرْوِي هَذَا الرَّافِضِيُّ، وَأَمْثَالُهُ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَكَاذِيبِ 2 الْبَاطِلَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الْغَزَوَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَمِثْلَ أَنْ يُعْلَمَ نُزُولُ الْقُرْآنِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءِ 3 ، وَالْمَائِدَةِ، وَالْأَنْفَالِ، وَبَرَاءَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَنَّ الْأَنْعَامَ، وَالْأَعْرَافَ، وَيُونُسَ، وَهُودًا، وَيُوسُفَ، وَالْكَهْفَ، وَطه، وَمَرْيَمَ، وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ نَزَلَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ الصُّفَّةَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُونُوا نَاسًا مُعَيَّنِينَ، بَلْ كَانَتِ الصُّفَّةُ مَنْزِلًا يَنْزِلُ بِهَا مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ مِنَ الْغُرَبَاءِ الْقَادِمِينَ، وَمِمَّنْ دَخَلَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ صَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، وَكَالْعُرَنِيِّينَ 4 الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ
الْإِسْلَامِ فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ 1 ، فَلَا يُسْقَوْنَ 2 ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ.
فَإِذَا رَوَى الْجَاهِلُ نَقِيضَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَمِنَ الطُّرُقِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الْكَذِبُ أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاقِعًا لَتَوَفَّرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ الْوَاحِدُ بِبَلَدٍ عَظِيمٍ بِقَدْرِ بَغْدَادَ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ لَعَلِمْنَا كَذِبَهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ 3 لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَأَخْبَرَ بِهِ النَّاسَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ تَوَلَّى 1 رَجُلٌ بَيْنَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، أَوْ تَوَلَّى بَيْنَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، أَوْ أَخْبَرَنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ فِي الْعِيدِ، أَوْ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَوِ الِاسْتِسْقَاءِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُقَامُ بِمَدِينَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ أَكْثَرُ مِنْ عِيدٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ بِمِنًى يَوْمَ الْعِيدِ، أَوْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى خَلْفَهُ، أَوْ أَنَّهُ 2 كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِمِنًى، كَمَا كَانَ يَقْصُرُ، أَوْ أَنَّهُ فَرَضَ صَوْمَ شَهْرٍ آخَرَ غَيْرِ رَمَضَانَ، أَوْ أَنَّهُ فَرَضَ صَلَاةً سَادِسَةً وَقْتَ الضُّحَى أَوْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أَوْ أَنَّهُ فَرَضَ حَجَّ بَيْتٍ آخَرَ غَيْرِ الْكَعْبَةِ، أَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ عَارَضَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ أَوْ غَيْرِهِمْ بِكَلَامٍ يُشَابِهُهُ، وَنَحْوَ هَذِهِ الْأُمُورِ - لَكُنَّا نَعْلَمُ كَذِبَ هَذَا الْكَاذِبِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ انْتِفَاءَ هَذِهِ الْأُمُورِ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ مِمَّا يَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا عَامَّةً لِبَنِي آدَمَ، وَخَاصَّةً لِأُمَّتِنَا شَرْعًا، فَإِذَا لَمْ يَنْقُلْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَوَاتَرَ، عُلِمَ أَنَّهَا كَذِبٌ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ نَقْلُ النَّصِّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِإِسْنَادٍ 3 صَحِيحٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا، وَلَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَهُ عَلَى عَهْدِ 4
الْخُلَفَاءِ 1 مَعَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي الْخِلَافَةِ، وَتَشَاوُرِهِمْ 2 فِيهَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَحِينَ مَوْتِ عُمَرَ، وَحِينَ جُعِلَ الْأَمْرُ شُورَى بَيْنَهُمْ فِي سِتَّةٍ، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ * أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّصِّ لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُهُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ نَصًّا جَلِيًّا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ عَلِمَهُ الْمُسْلِمُونَ، لَكَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ * 3 بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْقُلَهُ النَّاسُ نَقْلَ مِثْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ لِكَثِيرٍ 4 مِنَ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرِهِمْ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ عَلَى ذِكْرِهِ فِيهَا غَايَةَ التَّوَفُّرِ، فَانْتِفَاءُ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَازِمٌ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَلْزُومٌ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
فَفِي الْجُمْلَةِ الْكَذِبُ هُوَ نَقِيضُ الصِّدْقِ وَأَحَدُ النَّقِيضَيْنِ يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ تَارَةً بِثُبُوتِ نَقِيضِهِ، وَتَارَةً بِمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ بِخُصُوصِهِ.
وَالْكَلَامُ مَعَ الشِّيعَةِ أَكْثَرُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّقْلِ، فَمَنْ كَانَ خَبِيرًا بِمَا وَقَعَ، وَبِالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ عَلِمَ انْتِفَاءَ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ يَقِينًا 5 ، وَلِهَذَا لَيْسَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ (إِلَّا) 6 مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِفَضْلِ 7 الشَّيْخَيْنِ وَصِحَّةِ إِمَامَتِهِمَا، وَكَذِبِ مَا تَدَّعِيهِ الرَّافِضَةُ.
ثُمَّ كُلُّ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِالرَّسُولِ وَأَحْوَالِهِ، كَانَ أَعْلَمَ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ الزَّيْدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ يَدَّعِي نَصًّا خَفِيًّا، وَأَنَّ (1) عَلِيًّا كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الثَّلَاثَةِ، أَوْ يَتَوَقَّفُ فِي التَّفْضِيلِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا وَقَعُوا فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ أَوِ الْبَسِيطِ لِضَعْفِ عِلْمِهِمْ بِمَا عَلِمَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ.
توجد أحاديث أخرى لم يذكرها الرافضي وهي أدل على مقصوده من التي ذكرها
فَصْلٌ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ثَمَّ أَحَادِيثُ أُخَرُ لَمْ يَذْكُرْهَا هَذَا الرَّافِضِيُّ، لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَدَلَّتْ عَلَى مَقْصُودِهِ، وَفِيهَا مَا هُوَ أَدَلُّ مِنْ بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ لَكِنَّهَا كُلَّهَا كَذِبٌ، وَالنَّاسُ قَدْ رَوَوْا أَحَادِيثَ مَكْذُوبَةً فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّ الْمَكْذُوبَ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ أَكْثَرُ ; لِأَنَّ الشِّيعَةَ أَجْرَأُ عَلَى الْكَذِبِ مِنَ النَّوَاصِبِ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ 2 : " فَضَائِلُ عَلِيٍّ الصَّحِيحَةُ 3 كَثِيرَةٌ غَيْرَ أَنَّ الرَّافِضَةَ لَمْ تَقْنَعْ فَوَضَعَتْ لَهُ مَا يَضَعُ لَا مَا يَرْفَعُ 4 ، وَحُوشِيَتْ 5 حَاشِيَتُهُ 6 مِنَ الِاحْتِيَاجِ 7 إِلَى الْبَاطِلِ ".
قَالَ 8 : " فَاعْلَمْ 9 أَنَّ الرَّافِضَةَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مِنْهُمْ (10) سَمِعُوا1
أَشْيَاءَ 1 مِنَ الْحَدِيثِ فَوَضَعُوا أَحَادِيثَ وَزَادُوا وَنَقَصُوا، وَصِنْفٌ لَمْ يَسْمَعُوا فَتَرَاهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَيَقُولُونَ: قَالَ جَعْفَرٌ، وَقَالَ 2 فُلَانٌ، وَصِنْفٌ 3 ثَالِثٌ عَوَامٌّ جَهَلَةٌ يَقُولُونَ مَا يُرِيدُونَ مِمَّا يَسُوغُ فِي الْعَقْلِ، وَمِمَّا لَا يَسُوغُ ". فَمِنْ أَمَاثِلِ الْمَوْضُوعَاتِ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ 4 مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيِّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي وَضَعَهُ 5 فِي خَصَائِصِ عَلِيٍّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو 6 ، عَنْ عَبَّادِ 7 بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، وَأَخُو رَسُولِ اللَّهِ 8 ، وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، لَا يَقُولُهَا بَعْدِي 9 إِلَّا كَاذِبٌ، صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ "، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " الْفَضَائِلِ " 10 ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ 11 : " وَلَقَدْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ ". وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ صَالِحٍ أَيْضًا عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَبَّادٍ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ 1 : " هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ 2 ، وَالْمُتَّهَمُ بِهِ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: كَانَ ضَعِيفَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: 3 " (حَمَّادٌ) 4 الْأَزْدِيُّ: رَوَى 5 أَحَادِيثَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْمِنْهَالُ فَتَرَكَهُ شُعْبَةُ، قَالَ 6 أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: " أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِ اللَّهِ 7 " فَقَالَ: اضْرِبْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ 8 ".
قُلْتُ: وَعَبَّادٌ يُرْوَى مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَلِيٍّ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا، مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا 9 كَانَ أَبَرَّ، وَأَصْدَقَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ، وَيَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَذِبٌ ظَاهِرٌ لَا يُشْتَبَهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَقُلْهُ لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَتَعَمَّدَ هَذَا الْكَذِبَ الْقَبِيحَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا (10)
يُشْتَبَهُ حَتَّى يُخْطِئَ فِيهِ، فَالنَّاقِلُ عَنْهُ إِمَّا مُتَعَمِّدٌ الْكَذِبَ، وَإِمَّا مُخْطِئٌ غَالِطٌ، وَلَيْسَ قَدْحُ الْمُبْغِضِ لِعَلِيٍّ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُتَعَصِّبِينَ لِبَنِي مَرْوَانَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يُشَكِّكُنَا فِي صِدْقِهِ وَبِرِّهِ وَتَقْوَاهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ قَدْحُ الرَّافِضَةِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَلْ وَقَدْحُ الشِّيعَةِ فِي عُثْمَانَ لَا يُشَكِّكُنَا فِي الْعِلْمِ بِصِدْقِهِمْ وَبِرِّهِمْ وَتَقْوَاهُمْ، بَلْ نَحْنُ نَجْزِمُ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا هُوَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ.
، فَإِذَا كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ مِمَّا لَا يُغْلَطُ 1 فِي مِثْلِهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَذِبٌ، جَزَمْنَا بِكَذِبِ النَّاقِلِ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُخْطِئًا.
مِثْلَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي " الْمَنَاقِبِ " 2 : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ 3 ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو 4 ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيٍّ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ 5 بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو 6 ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ، «عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: 214) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَآكِلًا جَذَعَةً، وَإِنْ كَانَ شَارِبًا فَرَقًا» . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَرْوِهِ قَطُّ، وَكَذِبُهُ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ 1 .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " الْفَضَائِلِ 2 ": حَدَّثَنَا عُثْمَانُ 3 ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِزٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَهَؤُلَاءِ يُعْلَمُ 4 أَنَّهُمْ يَرْوُونَ الْبَاطِلَ.
وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ 5 مِنْ طَرِيقِ أَجْلَحَ، عَنْ سَلَمَةَ 6 بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ 7 ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَنَا 8 عَبَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدَهُ رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ سَبْعَ سِنِينَ " قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: حَبَّةُ لَا يُسَاوِي حَبَّةً 9 فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْءٍ 10 ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ: غَيْرُ ثِقَةٍ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ وَاهِيًا 11 فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْأَجْلَحُ فَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رَوَى غَيْرَ حَدِيثٍ مُنْكَرٍ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ 12 ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ ".
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ 1 : وَمِمَّا يُبْطِلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِ خَدِيجَةَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَزَيْدٍ 2 ، وَأَنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ النُّبُوَّةِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا 3 ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا.
وَذَكَرَ حَدِيثًا 4 عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " (أَنَا) 5 الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ 6 "، " وَهُوَ مِمَّا عَمِلَتْهُ يَدُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الذَّرَّاعِ 7 ، فَإِنَّهُ كَانَ كَذَّابًا يَضَعُ الْحَدِيثَ ".
وَحَدِيثًا فِيهِ 8 " أَنَا أَوَّلُهُمْ إِيمَانًا، وَأَوْفَاهُمْ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَأَقْوَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ 9 ، وَأَعْدَلُهُمْ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَبْصَرُهُمْ بِالْقَضِيَّةِ (10) " قَالَ: " وَهُوَ مَوْضُوعٌ 10 ، وَالْمُتَّهَمُ بِهِ بِشْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى الثِّقَاتِ "، وَرَوَاهُ الْأَبْزَارِيُّ الْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ 11 الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ مَأْمُونٍ، عَنِ الرَّشِيدِ، قَالَ: وَهَذَا الْأَبْرَازِيُّ كَانَ كَذَّابًا 12 .
وَذَكَرَ حَدِيثًا 1 : " «أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي، وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنْتَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، وَأَنْتَ الْفَارُوقُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَنْتَ يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْكَافِرِينَ، أَوْ يَعْسُوبُ 2 الظُّلْمَةِ» 3 ".
قَالَ: " وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَفِي طَرِيقِهِ الْأَوَّلِ 4 ، عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنِ الْمَشَاهِيرِ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنِ الْمَشَاهِيرِ، وَكَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْءٍ 5 ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي فَفِيهِ أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ، كَانَ كَذَّابًا رَافِضِيًّا 6 خَبِيثًا، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَبَّادٌ وَأَبُو الصَّلْتِ فِي رِوَايَتِهِ 7 ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا أَيُّهُمَا سَرَقَهُ مِنْ صَاحِبِهِ ".
قُلْتُ: لَعَلَّ الْآفَةَ فِيهِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَاهِرٍ 8 ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، لَا يَكْتُبُ عَنْهُ إِنْسَانٌ فِي خَيْرٍ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: " كَانَ غَالِيًا فِي الرَّفْضِ ".
[طُرُقٌ يُمْكِنُ سُلُوكُهَا لِمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأَخْبَارِ]
فَصْلٌ
وَهُنَا طُرُقٌ 1 يُمْكِنُ سُلُوكُهَا لِمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأَخْبَارِ مِنَ الْخَاصَّةِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَاصَّةِ - فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ - يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ فِي أَكْثَرِ مَا يُرْوَى مِنَ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ 2 ، وَلِهَذَا عَدَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَخْبَارِ بِالْإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرِّجَالِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهَا، وَسَلَكُوا طَرِيقًا آخَرَ.
وَلَكِنَّ تِلْكَ الطَّرِيقَ هِيَ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، الْعَالِمِينَ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَلَكِنْ نَحْنُ نَذْكُرُ طَرِيقًا آخَرَ، فَنَقُولُ: نُقَدِّرُ أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَنَازَعَ فِيهَا لَمْ تُوجَدْ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهَا الصَّحِيحُ، وَنَتْرُكُ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا فِي الطَّرَفَيْنِ، وَنَرْجِعُ إِلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّوَاتُرِ، وَمَا يُعْلَمُ مِنَ الْعُقُولِ 3 وَالْعَادَاتِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا.
فَنَقُولُ: مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْمَنْقُولَاتِ، وَالسِّيَرِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَطْلُبِ الْخِلَافَةَ لَا بِرَغْبَةٍ وَلَا بِرَهْبَةٍ، لَا بَذَلَ فِيهَا مَا يُرَغِّبُ 4 النَّاسَ بِهِ، وَلَا شَهَرَ
عَلَيْهِمْ سَيْفًا يُرْهِبُهُمْ بِهِ، وَلَا كَانَتْ لَهُ قَبِيلَةٌ وَلَا مَوَالٍ 1 تَنْصُرُهُ، وَتُقِيمُهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا جَرَتْ عَادَةُ 2 الْمُلُوكِ أَنَّ أَقَارِبَهُمْ وَمَوَالِيَهُمْ يُعَاوِنُونَهُمْ، وَلَا طَلَبَهَا أَيْضًا بِلِسَانِهِ، وَلَا قَالَ: بَايِعُونِي، بَلْ أَمَرَ بِمُبَايَعَةِ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ كَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمْ يُؤْذِهِ، وَلَا أَكْرَهَهُ عَلَى الْمُبَايَعَةِ، وَلَا مَنَعَهُ حَقًّا لَهُ، وَلَا حَرَّكَ عَلَيْهِمْ سَاكِنًا، وَهَذَا 3 غَايَةٌ فِي عَدَمِ إِكْرَاهِ النَّاسِ عَلَى الْمُبَايَعَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَايَعُوهُ وَدَخَلُوا فِي طَاعَتِهِ، وَالَّذِينَ بَايَعُوهُ هُمُ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَتِهِ إِلَّا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ.
وَأَمَّا عَلِيٌّ وَسَائِرُ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ 4 ، لَكِنْ تَخَلَّفَ فَإِنَّهُ 5 كَانَ يُرِيدُ الْإِمْرَةَ 6 لِنَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ فِي مُدَّةِ وِلَايَتِهِ قَاتَلَ بِهِمُ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ، لَمْ 7 يُقَاتِلْ
مُسْلِمِينَ، بَلْ أَعَادَ الْأَمْرَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَأَخَذَ يَزِيدُ الْإِسْلَامَ فُتُوحًا، وَشَرَعَ فِي قِتَالِ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَمَاتَ وَالْمُسْلِمُونَ مُحَاصِرُو دِمَشْقَ، وَخَرَجَ مِنْهَا أَزْهَدَ 1 مِمَّا دَخَلَ فِيهَا: لَمْ يَسْتَأْثِرْ عَنْهُمْ 2 بِشَيْءٍ، وَلَا أَمَّرَ لَهُ قَرَابَةً.
ثُمَّ وَلِيَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَفَتَحَ الْأَمْصَارَ، وَقَهَرَ الْكُفَّارَ، وَأَعَزَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ، وَأَذَلَّ أَهْلَ النِّفَاقِ وَالْعُدْوَانِ، وَنَشَرَ الْإِسْلَامَ وَالدِّينَ، وَبَسَطَ الْعَدْلَ فِي الْعَالَمِينَ، وَوَضَعَ دِيوَانَ الْخَرَاجِ وَالْعَطَاءِ لِأَهْلِ الدِّينِ، وَمَصَّرَ الْأَمْصَارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَ مِنْهَا أَزْهَدَ 3 مِمَّا دَخَلَ فِيهَا، لَمْ يَتَلَوَّثْ لَهُمْ بِمَالٍ، وَلَا وَلَّى أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ وِلَايَةً، فَهَذَا أَمْرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ.
وَأَمَّا عُثْمَانُ فَإِنَّهُ بَنَى عَلَى أَمْرٍ قَدِ اسْتَقَرَّ قَبْلَهُ بِسَكِينَةٍ وَحِلْمٍ 4 ، وَهُدًى وَرَحْمَةٍ وَكَرَمٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةُ عُمَرَ وَلَا سِيَاسَتُهُ، وَلَا فِيهِ كَمَالُ عَدْلِهِ وَزُهْدِهِ، فَطُمِعَ فِيهِ بَعْضُ الطَّمَعِ، وَتَوَسَّعُوا فِي الدُّنْيَا، (وَأَدْخَلَ مِنْ أَقَارِبِهِ فِي الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ) 5 ، وَدَخَلَتْ 6 بِسَبَبِ أَقَارِبِهِ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْأَمْوَالِ 7 أُمُورٌ أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ، فَتَوَلَّدَ مِنْ رَغْبَةِ 8 (بَعْضِ) 9 النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَضَعْفِ
خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ وَمِنْهُ، وَمِنْ ضَعْفِهِ هُوَ، وَمَا حَصَلَ مِنْ أَقَارِبِهِ فِي الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ - مَا أَوْجَبَ الْفِتْنَةَ حَتَّى قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا.
وَتَوَلَّى 1 عَلِيٌّ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَالْفِتْنَةُ قَائِمَةٌ، وَهُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ مُتَلَطِّخٌ 2 بِدَمِ عُثْمَانَ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ 3 الْكَاذِبُونَ عَلَيْهِ الْمُبْغِضُونَ لَهُ، كَمَا نَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ 4 الْغَالُونَ فِيهِ الْمُبْغِضُونَ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعِنْ عَلَى 5 قَتْلِ عُثْمَانَ وَلَا رَضِيَ بِهِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ - وَهُوَ الصَّادِقُ - أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، فَلَمْ تَصْفُ لَهُ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَلَا أَمْكَنَهُ هُوَ قَهْرُهُمْ حَتَّى يُطِيعُوهُ، وَلَا اقْتَضَى رَأْيُهُ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، بَلِ اقْتَضَى رَأْيُهُ الْقِتَالَ، وَظَنَّ أَنَّهُ بِهِ تَحْصُلُ الطَّاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ، فَمَا زَادَ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً، وَجَانِبُهُ إِلَّا ضَعْفًا، وَجَانِبُ مَنْ حَارَبَهُ إِلَّا قُوَّةً، وَالْأُمَّةُ إِلَّا افْتِرَاقًا، حَتَّى كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ يَطْلُبُ هُوَ 6 أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مَنْ قَاتَلَهُ، كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يُطْلَبُ مِنْهُ الْكَفُّ.
وَضَعُفَتْ خِلَافَةُ (النُّبُوَّةِ) 7 ضَعْفًا أَوْجَبَ أَنْ تَصِيرَ مُلْكًا، فَأَقَامَهَا مُعَاوِيَةُ مُلْكًا بِرَحْمَةٍ وَحِلْمٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ 8 : " «تَكُونُ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ
تَكُونُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ 1 ، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ» " 2 . وَلَمْ يَتَوَلَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ خَيْرًا مِنْ مُعَاوِيَةَ فَهُوَ خَيْرُ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ، وَسِيرَتُهُ خَيْرٌ مِنْ سِيرَةِ سَائِرِ الْمُلُوكِ بَعْدَهُ، وَعَلِيٌّ آخِرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ هُمْ 3 وِلَايَتُهُمْ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ، وَكُلٌّ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ مِنْ 4 أَفْضَلِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ، 5 بَلْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ 6 ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ الْقَادِحُ فَقَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: إِنَّهُمَا كَانَا ظَالِمَيْنِ مُتَعَدِّيَيْنِ 7 طَالِبَيْنِ لِلرِّئَاسَةِ مَانِعَيْنِ لِلْحُقُوقِ، (وَإِنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى الرِّئَاسَةِ) 8 ، وَإِنَّهُمَا - وَمَنْ أَعَانَهُمَا - ظَلَمُوا الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَحِقَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ، وَإِنَّهُمْ مَنَعُوا أَهْلَ الْبَيْتِ مِيرَاثَهُمْ، وَإِنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى الرِّئَاسَةِ وَالْوِلَايَةِ
الْبَاطِلَةِ مَعَ مَا قَدْ عُرِفَ مِنْ سِيرَتِهِمَا 1 - كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا الظَّنَّ لَوْ كَانَ حَقًّا فَهُوَ أَوْلَى بِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا 2 حَتَّى غُلِبَ، وَسُفِكَتِ الدِّمَاءُ بِسَبَبِ الْمُنَازَعَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُنَازِعِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِالْقِتَالِ لَا مَصْلَحَةُ الدِّينِ وَلَا مَصْلَحَةُ الدُّنْيَا، وَلَا قُوتِلَ فِي خِلَافَتِهِ كَافِرٌ، وَلَا فَرِحَ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ عَلِيًّا لَا يَفْرَحُ بِالْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشِيعَتُهُ لَمْ تَفْرَحْ بِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَغْلِبْ، وَالَّذِينَ قَاتَلُوهُ لَمْ يَزَالُوا أَيْضًا فِي كَرْبٍ وَشِدَّةٍ.
وَإِذَا كُنَّا نَدْفَعُ مَنْ يَقْدَحُ فِي عَلِيٍّ مِنَ الْخَوَارِجِ، مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَلَأَنْ نَدْفَعَ مَنْ يَقْدَحُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَإِنْ جَازَ أَنْ يُظَنَّ بِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلرِّئَاسَةِ 3 بِالْبَاطِلِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ إِلَّا ضِدُّ ذَلِكَ، فَالظَّنُّ بِمَنْ قَاتَلَ عَلَى الْوِلَايَةِ - وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَقْصُودُهُ - أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَإِذَا ضُرِبَ مَثَلُ هَذَا وَهَذَا بِإِمَامَيْ مَسْجِدٍ، وَشَيْخَيْ مَكَانٍ 4 ، أَوْ مُدَرِّسَيْ مَدْرَسَةٍ - كَانَتِ الْعُقُولُ كُلُّهَا تَقُولُ: إِنَّ هَذَا أَبْعَدُ عَنْ طَلَبِ الرِّئَاسَةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى قَصْدِ الدِّينِ وَالْخَيْرِ.
فَإِذَا كُنَّا نَظُنُّ بِعَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلْحَقِّ وَالدِّينِ، وَغَيْرَ مُرِيدٍ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، فَظَنُّ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ بِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ، فَهَذَا الظَّنُّ بِعَلِيٍّ أَجْدَرُ وَأَوْلَى.
أَمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ، وَعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، مَعَ ظُهُورِ السِّيرَتَيْنِ - فَهَذَا مُكَابَرَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا تَوَاتَرَ مِنَ السِّيرَتَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الْمُتَوَاتِرُ مِنَ السِّيرَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ أَفْضَلُ.
وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ ادَّعَوْا هَذَا لِعَلِيٍّ أَحَالُوا عَلَى مَا لَمْ يُعْرَفْ، وَقَالُوا: ثَمَّ نَصٌّ عَلَى خِلَافَتِهِ كُتِمَ، وَثَمَّ 1 عَدَاوَةٌ بَاطِنَةٌ لَمْ تَظْهَرْ، بِسَبَبِهَا مُنِعَ حَقَّهُ.
وَنَحْنُ الْآنَ مَقْصُودُنَا أَنْ نَذْكُرَ مَا عُلِمَ وَتَيَقَّنَ وَتَوَاتَرَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ 2 مِنْ مَنْقُولٍ يَدْفَعُهُ جُمْهُورُ النَّاسِ، وَمِنْ ظُنُونِ سَوْءٍ لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ بَلْ نَعْلَمُ فَسَادَهَا، فَالْمُحْتَجُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ، وَهِيَ مُقَابَلَةٌ بِالْأَحَادِيثِ مِنَ الطُّرُقِ الْأُخَرِ.
وَنَحْنُ لَمْ نَحْتَجَّ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَكَيْفَ بِالظَّنِّ الَّذِي لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا؟ !
فَالْمَعْلُومُ الْمُتَيَقَّنُ الْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَبْعَدَ عَنْ إِرَادَةِ الْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ مِنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَضْلًا عَنْ عَلِيٍّ وَحْدَهُ، 3 وَأَنَّهُ كَانَ أَوْلَى 4 بِإِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاحِ 5 الْمُسْلِمِينَ مِنَ الثَّلَاثَةِ
بَعْدَهُ، فَضْلًا عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ كَانَ أَكْمَلَ عَقْلًا وَدِينًا وَسِيَاسَةً مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ 1 وِلَايَتَهُ الْأُمَّةَ 2 خَيْرٌ مِنْ وِلَايَةِ عَلِيٍّ، وَأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ أَعْظَمُ مِنْ مَنْفَعَةِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (أَجْمَعِينَ) 3 .
وَإِذَا كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَانَ مُجْتَهِدًا مُرِيدًا وَجْهَ اللَّهِ بِمَا فَعَلَ 4 ، وَأَنَّ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، وَمَا حَصَلَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ كَانَ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَلَا الْفَسَادِ - كَانَ هَذَا الِاعْتِقَادُ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْلَى وَأَخْلَقَ وَأَحْرَى 5 .
فَهَذَا وَجْهٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُعَارِضَهُ إِلَّا بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ نَقْلٌ خَاصٌّ، كَالنَّقْلِ لِفَضَائِلِ عَلِيٍّ، وَلِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، أَوْ أَنَّ إِمَامَتَهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُعَارَضُ هَذَا بِنَقْلِ الْخَاصَّةِ - الَّذِينَ هُمْ أَصْدَقُ وَأَكْثَرُ - لِفَضَائِلِ الصِّدِّيقِ الَّتِي تَقْتَضِي أَنَّهُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَأَنَّ النُّصُوصَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ.
فَمَا مِنْ حُجَّةٍ يَسْلُكُهَا الشِّيعِيُّ إِلَّا وَبِإِزَائِهَا لِلسُّنِّيِّ حُجَّةٌ مِنْ جِنْسِهَا أَوْلَى مِنْهَا، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِسْلَامِ كَالْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ، فَمَا مِنْ حُجَّةٍ يَسْلُكُهَا كِتَابِيٌّ إِلَّا وَلِلْمُسْلِمِ فِيهَا مَا هُوَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (سُورَةِ الْفُرْقَانِ: 33)
لَكِنَّ صَاحِبَ الْهَوَى الَّذِي لَهُ غَرَضٌ فِي جِهَةٍ، إِذَا وُجِّهَ لَهُ الْمُخَالِفُ لِهَوَاهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ سَمْعُهُ وَاتِّبَاعُهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (سُورَةُ " الْمُؤْمِنُونَ ": 71) .
وَهُنَا طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: دَوَاعِي الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُتَوَجِّهَةً إِلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَصْرِفُهُمْ عَنْهُ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا 1 حَصَلَ الدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ، وَانْتَفَى الصَّارِفُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَجَبَ الْفِعْلُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّبَعُوا فِيمَا فَعَلُوهُ الْحَقَّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ 2 خَيْرُ الْأُمَمِ، وَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَهُمُ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الصِّدِّيقِ غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ يُقَدِّمُونَهُ لِأَجْلِهِ، وَلَا عِنْدَ عَلِيٍّ غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ يُؤَخِّرُونَهُ لِأَجْلِهِ، بَلْ لَوْ فَعَلُوا بِمُوجِبِ الطَّبْعِ لَقَدَّمُوا عَلِيًّا، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ لَوِ اتَّبَعَتِ الْهَوَى أَنْ تَتَّبِعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَيْمٍ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ لَا سِيَّمَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنُو مَخْزُومٍ، فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ لِمَنَافِيٍّ كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ طَاعَةِ تَيْمِيٍّ لَوِ اتَّبَعُوا الْهَوَى، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَأَمْثَالُهُ يَخْتَارُونَ تَقْدِيمَ عَلِيٍّ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ طَلَبَ مِنْ عَلِيٍّ أَنْ يَتَوَلَّى لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، وَقَدْ قَالَ أَبُو قُحَافَةَ، لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَكَ تَوَلَّى، قَالَ: " أَوَرَضِيَتْ بِذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنُو مَخْزُومٍ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، لِعِلْمِهِ
بِأَنَّ بَنِي تَيْمٍ كَانُوا مِنْ أَضْعَفِ الْقَبَائِلِ، وَأَنَّ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ كَانَتْ مِنْ تَيْنِكَ الْقَبِيلَتَيْنِ.
وَهَذَا، وَأَمْثَالُهُ مِمَّا (إِذَا) 1 تَدَبَّرَهُ الْعَاقِلُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوا أَبَا بَكْرٍ إِلَّا لِتَقْدِيمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ خَيْرَهُمْ وَسَيِّدَهُمْ وَأَحَبَّهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ إِنَّمَا يُقَدِّمُ بِالتَّقْوَى لَا بِالنَّسَبِ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ أَتْقَاهُمْ.
وَهُنَا طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، 2 ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ 3 ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ 4 مَنْ تَأَمَّلَ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَضْلًا عَنْ زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا خَيْرًا وَأَفْضَلَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ، وَأَنَّ 5 الْإِسْلَامَ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ أَقْوَى وَأَظْهَرَ، فَإِنْ كَانَ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ قَدْ جَحَدُوا حَقَّ الْإِمَامِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَمَنَعُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِمْ مِيرَاثَهُمْ، وَوَلَّوْا فَاسِقًا وَظَالِمًا، وَمَنَعُوا عَادِلًا عَالِمًا، مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْحَقِّ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ شَرُّ الْأُمَمِ ; لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ خِيَارِهَا، فَكَيْفَ بِفِعْلِ شِرَارِهَا؟ ! .
وَهُنَا طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانَ لَهُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِصَاصٌ عَظِيمٌ، وَكَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ اخْتِصَاصًا بِهِ، وَصُحْبَةً لَهُ، وَقُرْبًا إِلَيْهِ، وَاتِّصَالًا بِهِ، وَقَدْ صَاهَرَهُمْ كُلَّهُمْ، وَمَا عُرِفَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَذُمُّهُمْ، وَلَا يَلْعَنُهُمْ، بَلِ الْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّهُمْ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ.
وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ الِاسْتِقَامَةِ مَعَ هَذَا التَّقَرُّبِ، فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ: إِمَّا عَدَمُ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِهِمْ، أَوْ مُدَاهَنَتُهُ لَهُمْ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ أَعْظَمُ الْقَدْحِ فِي الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قِيلَ:
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ
وَإِنْ كَانُوا انْحَرَفُوا بَعْدَ الِاسْتِقَامَةِ فَهَذَا خِذْلَانٌ مِنَ اللَّهِ لِلرَّسُولِ فِي خَوَاصِّ أُمَّتِهِ، وَأَكَابِرِ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ قَدْ أُخْبِرَ بِمَا سَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْنَ كَانَ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ؟ وَأَيْنَ الِاحْتِيَاطُ لِلْأُمَّةِ حَتَّى لَا يُوَلَّى مِثْلُ هَذَا أَمْرَهَا، وَمَنْ وُعِدَ أَنْ يَظْهَرَ دِينُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَكَابِرُ خَوَاصِّهِ مُرْتَدِّينَ؟
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَقْدَحُ بِهِ الرَّافِضَةُ فِي الرَّسُولِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ الطَّعْنَ فِي الرَّسُولِ لِيَقُولَ الْقَائِلُ: رَجُلُ سَوْءٍ كَانَ لَهُ أَصْحَابُ سَوْءٍ، وَلَوْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَكَانَ أَصْحَابُهُ صَالِحِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ الرَّافِضَةَ دَسِيسَةُ الزَّنْدَقَةِ، وَإِنَّهُ وُضِعَ عَلَيْهَا.
وَطَرِيقٌ آخَرُ أَنْ يُقَالَ: الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِعَلِيٍّ - إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ -
قَوِيَّةٌ 1 ، وَالصَّوَارِفُ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْقُدْرَةُ حَاصِلَةٌ.
وَمَعَ وُجُودِ الدَّاعِي، وَالْقُدْرَةِ وَانْتِفَاءِ الصَّارِفِ يَجِبُ الْفِعْلُ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ 2 ابْنُ عَمِّ نَبِيِّهِمْ، وَمِنْ أَفْضَلِهِمْ نَسَبًا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ عَدَاوَةٌ: لَا عَدَاوَةُ نَسَبٍ، وَلَا إِسْلَامٍ، بِأَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: قَتَلَ أَقَارِبَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى 3 مُنْتَفٍ فِي الْأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِنْ أُقَارِبِهِمْ، وَلَهُمُ الشَّوْكَةُ، وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْ بَنِي تَيْمٍ، وَلَا عَدِيٍّ، وَلَا كَثِيرٍ مِنَ الْقَبَائِلِ 4 أَحَدًا، وَالْقَبَائِلُ 5 الَّتِي قَتَلَ مِنْهَا كَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، كَانَتْ تُوَالِيهِ، وَتَخْتَارُ وِلَايَتَهُ 6 ; لِأَنَّهُ إِلَيْهَا أَقْرَبُ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى وِلَايَتِهِ 7 ، أَوْ كَانَ 8 هُوَ الْأَفْضَلَ الْمُسْتَحِقَّ لَهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، وَعِلْمُهُمْ بِذَلِكَ يُوجِبُ انْبِعَاثَ إِرَادَتِهِمْ إِلَى وِلَايَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَارِفٌ يَمْنَعُ، وَالْأَسْبَابُ كَانَتْ مُسَاعِدَةً لِهَذَا الدَّاعِي، وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا صَارِفَ أَصْلًا.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الصَّارِفَ كَانَ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ فَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهُمْ عَنْهُ، بَلْ هُمْ قَادِرُونَ عَلَى وِلَايَتِهِ، وَلَوْ قَالَتِ الْأَنْصَارُ: عَلِيٌّ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَعْدٍ وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ - (مَا) 9 أَمْكَنَ أُولَئِكَ
النَّفَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يُدَافِعُوهُمْ، وَقَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَعَ عَلِيٍّ، لَا سِيَّمَا وَكَانَ جُمْهُورُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُبْغِضُونَ عُمَرَ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَبُغْضُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لِعُمَرَ أَعْظَمُ مِنْ بُغْضِهِمْ لِعَلِيٍّ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا، بَلْ لَمْ 1 يُعْرَفْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يُبْغِضُهُ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إِلَّا 2 كَمَا يُبْغِضُونَ أَمْثَالَهُ، بِخِلَافِ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنَ الْقِيَاسِ أَنْ يَنْفِرُوا عَنْ جِهَةٍ فِيهَا عُمَرُ.
وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ كَرِهَ خِلَافَتَهُ طَائِفَةٌ، حَتَّى قَالَ طَلْحَةُ: مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا وَلَّيْتَ عَلَيْنَا فَظًّا غَلِيظًا؟ فَقَالَ: أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي؟ أَقُولُ: وَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ.
فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْحَقِّ مَعَ عَلِيٍّ، وَأَهْلُ الْبَاطِلِ مَعَ عَلِيٍّ، فَمَنِ الَّذِي يَغْلِبُهُ إِذَا كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ؟ وَهَبْ أَنَّهُمْ إِذَا قَامُوا لَمْ يَغْلِبُوا، أَمَا كَانَتِ الدَّوَاعِي الْمَعْرُوفَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ تُوجِبُ أَنْ يَجْرِيَ فِي ذَلِكَ قِيلَ وَقَالَ وَنَوْعٌ مِنَ الْجِدَالِ؟ أَوَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْكَلَامِ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ فِي وِلَايَةِ سَعْدٍ؟ فَإِذَا كَانَتِ الْأَنْصَارُ بِشُبْهَةٍ 3 لَا أَصْلَ لَهَا طَمِعُوا أَنْ يَتَأَمَّرَ سَعْدٌ، فَمَنْ يَكُونُ فِيهِمُ الْمُحِقُّ 4 ؟
وَنَصُّ الرَّسُولِ الْجَلِيُّ كَيْفَ لَا يَكُونُ أَعْوَانُهُ أَطْمَعَ فِي الْحَقِّ، فَإِذَا كَانَ لَمْ يَنْبِزْ 5 مُتَكَلِّمٌ مِنْهُمْ 6 بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَدْعُ دَاعٍ إِلَى عَلِيٍّ:
لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ بُويِعَ لَهُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَحِينَئِذٍ قَامَ هُوَ وَأَعْوَانُهُ فَطَلَبُوا وَقَاتَلُوا وَلَمْ يَسْكُتُوا، حَتَّى كَادُوا يَغْلِبُوا 1 - عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ سُكُوتَهُمْ أَوَّلًا كَانَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضَى لَا لِوُجُودِ الْمَانِعِ، وَأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ 2 الْأَحَقُّ فَضْلًا عَنْ نَصٍّ جَلِيٍّ، وَأَنَّهُ 3 لَمَّا بَدَا لَهُمُ اسْتِحْقَاقُهُ قَامُوا مَعَهُ، مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبْعَدَهُمْ عَنِ الْمُمَانَعَةِ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، لَوْ كَانَ لِعَلِيٍّ حَقٌّ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا أَرْغَبَ وَلَا أَرْهَبَ، وَلَا 4 كَانَ طَالِبًا لِلرِّئَاسَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يُمْكِنُ أَحَدًا الْقَدْحُ فِي عَلِيٍّ، كَمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ نَسَبَهُ كَثِيرٌ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ إِلَى أَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: خَذَلَهُ، وَكَانَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ فِي عَسْكَرِهِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي مَنَعَتْ كَثِيرًا مِنْ مُبَايَعَتِهِ.
وَهَذِهِ الصَّوَارِفُ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَكَانَ جُنْدُهُ أَعْظَمَ، وَحَقُّهُ إِذْ ذَاكَ - لَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا - أَظْهَرَ، وَمُنَازِعُوهُ أَضْعَفَ دَاعِيًا وَأَضْعَفَ قُوَّةً، وَلَيْسَ هُنَاكَ دَاعٍ قَوِيٌّ يَدْعُو إِلَى مَنْعِهِ 5 ، كَمَا كَانَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَلَا جُنْدٌ 6 يُجْمِعُ عَلَى مُقَاتَلَتِهِ 7 ، كَمَا كَانَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ.