منهاج السنة النبويةصفحات 407-445
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 407-445
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

هَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي رَفَعَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتِهِ بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ مِنْ فَقْرِ الْعُبُودِيَّةِ وَكَمَالِ الرُّبُوبِيَّةِ] 1 . . وَالْغِنَى عَنِ الْحَاجَةِ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ [فَكَمَالُهُ] 2) . فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ وَعُبُودِيَّتِهِ وَفَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ فَكُلَّمَا 3 . كَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أَكْمَلَ كَانَ أَفْضَلَ وَصُدُورُ مَا يُحْوِجُهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا يَزِيدُهُ عُبُودِيَّةً وَفَقْرًا وَتَوَاضُعًا.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ لَيْسَتْ كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ، بَلْ كَمَا يُقَالُ: " حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ " لَكِنْ كُلٌّ يُخَاطَبُ 4 . عَلَى قَدْرِ مَرْتَبَتِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» " 5 وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ وَالتَّنْفِيرِ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الْإِصْرَارِ وَالْإِكْثَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا اللَّمَمُ الَّذِي يَقْتَرِنُ 6 . بِهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، [أَوْ مَا يَقَعُ بِنَوْعٍ مِنَ

التَّأْوِيلِ، وَمَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ] 1 . مِمَّا ب (فَقَطْ) : فَمِمَّا.
يَعْظُمُ بِهِ الْإِنْسَانُ عِنْدَ أُولِي الْأَبْصَارِ.
وَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 2 . قَدْ عَلِمَ تَعْظِيمَ رَعِيَّتِهِ لَهُ وَطَاعَتَهُمْ، مَعَ كَوْنِهِ دَائِمًا كَانَ يَعْتَرِفُ 3 . بِمَا يَرْجِعُ عَنْهُ 4 . مِنْ خَطَأٍ وَكَانَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَعَادَ إِلَى الصَّوَابِ زَادَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَازْدَادُوا 5 . لَهُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا نَقِمَهُ الْخَوَارِجُ (7 عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ مِنْ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ، وَهُمْ 7) 6 . وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا [فِي ذَلِكَ] 7 . [فَهُوَ] يَدُلُّ 8 . عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَمْ تَكُنْ تُنَفِّرُهُمْ، وَإِنَّمَا نَفَّرَهُمُ الْإِصْرَارُ عَلَى مَا ظَنُّوهُ هُمْ ذَنْبًا.
وَالْخَوَارِجُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِلذُّنُوبِ وَنُفُورًا عَنْ أَهْلِهَا، حَتَّى إِنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ وَلَا يَحْتَمِلُونَ لِمُقَدَّمِهِمْ ن 9 . ذَنْبًا، وَمَعَ هَذَا فَكُلُّ مُقَدَّمٍ لَهُمْ تَابَ عَظَّمُوهُ وَأَطَاعُوهُ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عَادُوهُ فِيمَا يَظُنُّونَهُ ذَنْبًا 10 . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا.

فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ لَا تُوجِبُ تَنْفِيرًا وَلَا تُزِيلُ وُثُوقًا، بِخِلَافِ دَعْوَى الْبَرَاءَةِ مِمَّا يُتَابُ مِنْهُ وَيُسْتَغْفَرُ، [وَدَعْوَى] السَّلَامَةِ 1 . مِمَّا يُحْوِجُ الرُّجُوعَ ب 2 . إِلَى اللَّهِ وَاللَّجَأَ 3 . إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَفِّرُ الْقُلُوبَ وَيُزِيلُ الثِّقَةَ.
فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ صَدَرَ إِلَّا عَنْ كَذَّابٍ، أَوْ جَاهِلٍ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ يَصْدُرُ 4 . عَنِ الصَّادِقِينَ الْعَالِمِينَ.
5 . [وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ طَعَنَ فِي نُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا قَدَحَ فِي الثِّقَةِ بِهِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الَّتِي تِيبَ مِنْهَا، وَلَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى تَأْوِيلِ النُّصُوصِ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ التَّحْرِيفِ لَهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَالتَّوْرَاةُ فِيهَا قِطْعَةٌ مِنْ هَذَا، وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدَحُوا فِي نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِتَوْبَتِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقْدَحُونَ فِيهِمْ بِالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانُوا يُؤْذُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِلَّا فَمُوسَى قَدْ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَتَابَ مِنْ سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قُدِحَ فِيهِ بِمِثْلِ هَذَا.
وَمَا جَرَى فِي سُورَةِ " النَّجْمِ " مِنْ قَوْلِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى، عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّهُ وَأَبْطَلَهُ 6 ، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفْتَرَيَاتِ عَلَى قَوْلِ

هَؤُلَاءِ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُكَذِّبُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُجَوِّزًا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ: إِمَّا قَبْلَ النُّبُوةِ وَإِمَّا بَعْدَهَا، لِظَنِّهِ أَنَّ فِي ذَلِكَ خَطَأً فِي التَّبْلِيغِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ فِي التَّبْلِيغِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالْعِصْمَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي التَّبْلِيغِ بِالْإِجْمَاعِ، وَمِنْ هَذَا فَلَمْ يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَفَرَ بِرُجُوعِهِ عَنْ هَذَا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ، وَلَكِنْ رَوَى أَنَّهُمْ نَفَرُوا لَمَّا رَجَعَ إِلَى ذَمِّ آلِهَتِهِمْ بَعْدَ ظَنِّهِمْ أَنَّهُ مَدَحَهَا، فَكَانَ رُجُوعُهُمْ لِدَوَامِهِ عَلَى ذَمِّهَا، لَا لِأَنَّهُ قَالَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَاهُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا لَمْ يُنَفِّرْ فَغَيْرُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يُنَفِّرَ.
وَأَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّسَخَ نَفَّرَ طَائِفَةً كَمَا قَالَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 142] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 101 - 102] ، فَالتَّبْدِيلُ الَّذِي صَرَّحُوا بِأَنَّهُ مُنَفِّرٌ وَنَفَّرُوا بِهِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ نَفَّرُوا مِنْهُ، وَهُوَ أَقَلُّ تَنْفِيرًا؟ ! لِأَنَّ النَّسَخَ فِيهِ رُجُوعٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَى حَقٍّ، وَهَذَا رُجُوعٌ إِلَى حَقٍّ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُحْمَدُ عَلَى تَرْكِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ مَا لَا يُحْمَدُ عَلَى

تَرْكِ مَا لَمْ يَزَلْ يَقُولُ إِنَّهُ حَقٌّ 1 . . وَإِذَا كَانَ جَائِزًا فَهَذَا أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ فَفِي هَذَا أَيْضًا مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ، وَلَوْلَا أَنَّ فِيهَا وَفِي الْعِلْمِ بِهَا مَصَالِحَ لِعِبَادِهِ لَمْ يَقُصَّهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - لَمْ يُذْكَرْ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ذَنْبًا إِلَّا ذَكَرَ مَعَهُ تَوْبَتَهُ لِيُنَزِّهَهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ ارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ وَعَظُمَتْ دَرَجَتُهُ وَعَظُمَتْ حَسَنَاتُهُ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي فَعَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أُسْوَةً لِمَنْ يَتَّبِعُ الْأَنْبِيَاءَ وَيَقْتَدِي بِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ عَنْ يُوسُفَ تَوْبَةً فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ دَلَّ عَلَى أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يُذْنِبْ أَصْلًا، فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ كَمَا يَذْكُرُ مَنْ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ نَزَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 24] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 24] . وَالْهَمُّ - كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَمَّانِ، هَمُّ خَطِرَاتٍ وَهَمُّ إِصْرَارٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّاي» " 2 .

فَيُوسُفُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا هَمَّ تَرَكَ هَمَّهُ لِلَّهِ، فَكَتَبَ اللَّهُ بِهِ حَسَنَةً كَامِلَةً وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً قَطُّ، بِخِلَافِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فَإِنَّهَا هَمَّتْ وَقَالَتْ وَفَعَلَتْ، فَرَاوَدَتْهُ بِفِعْلِهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ سَيِّدِهَا وَاسْتَعَانَتْ بِالنِّسْوَةِ، وَحَبَسَتْهُ لَمَّا اعْتَصَمَ وَامْتَنَعَ عَنِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الذَّنْبِ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 53] ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، لَيْسَ مِنْ كَلَامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَلْ لَمَّا قَالَتْ هَذَا كَانَ يُوسُفُ غَائِبًا فِي السِّجْنِ لَمْ يَحْضُرْ عِنْدَ الْمَلِكِ، بَلْ لَمَّا بَرَّأَتْهُ هِيَ وَالنِّسْوَةُ اسْتَدْعَاهُ الْمَلِكُ بَعْدَ هَذَا وَقَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 54] . وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَبَارَكَ عَنْهُ ذَنْبًا كَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى - ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [سُورَةُ طَه: 121، 122] وَقَالَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 37] .

وَقَالَ تَعَالَى عَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ - فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [سُورَةُ ص: 24، 25] . وَقَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالصَّلَاةُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: 10، 11] وَمَنِ احْتَجَّ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ بِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ مَشْرُوعٌ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالذَّنْبِ لَا يَجُوزُ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا يُقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ، لَا فِيمَا نُهُوا 1 . عَنْهُ، كَمَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْسَخْ وَلَمْ يُنْسَهُ فِيمَا نُسِخَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ التَّأَسِّي بِهِمْ مَشْرُوعًا مَأْمُورًا بِهِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ مَا يُنْهَوْنَ عَنْهُ وَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ اتِّبَاعُهُمْ فِي الْمَنْسُوخِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّسْخَ أَشَدُّ تَنْفِيرًا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ إِلَى آخَرَ، وَقَالَ: الْأَوَّلُ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ حَقٌّ أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وَرُجُوعِي عَنْهُ حَقٌّ أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، كَانَ هَذَا أَقْرَبَ إِلَى النُّفُورِ عَنْهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: رَجَعْتُ عَمَّا لَمْ يَأْمُرْنِي اللَّهُ بِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَحْمَدُونَ مَنْ قَالَ هَذَا.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: أَمْرِي بِهَذَا حَقٌّ وَنَهْيِي عَنْهُ حَقٌّ، فَهَذَا مِمَّا نَفَرَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ السُّفَهَاءِ، وَأَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ.

[لَوَازِمُ النُّبُوَّةُ وَشُرُوطُهَا]

وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِصْمَةِ أَنْ تُعْرَفَ النُّبُوَّةُ وَلَوَازِمُهَا وَشُرُوطُهَا، فَإِنَّ النَّاسَ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ بِحَسْبِ أُصُولِهِمْ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ

تَعَالَى، إِذَا كَانَ جَعْلُ الشَّخْصِ نَبِيًّا رَسُولًا مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ نَفَى الْحُكْمَ وَالْأَسْبَابَ فِي أَفْعَالِهِ وَجَعَلَهَا مُعَلَّقَةً بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَجَوَّزَ عَلَيْهِ فِعْلَ كُلِّ مُمْكِنٍ وَلَمْ يُنَزِّهْهُ عَنْ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ - كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ أَتْبَاعِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ - فَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ بِعْثَةَ كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَالنُّبُوَّةُ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدُ إِعْلَامِهِ بِمَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ، وَالرِّسَالَةُ مُجَرَّدُ أَمْرِهِ بِتَبْلِيغِ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَتِ النُّبُوَّةُ عِنْدَهُمْ صِفَةً ثُبُوتِيَّةً وَلَا مُسْتَلْزَمَةً لِصِفَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَالْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِمَا وَلِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِهَا كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِمَا يَقُولُ: إِنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ عِصْمَةَ النَّبِيِّ إِلَّا فِي التَّبْلِيغِ خَاصَّةً فَإِنَّ هَذَا هُوَ مَدْلُولُ الْمُعْجِزَةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ إِنْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ عِصْمَتُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ مُحَقِّقُو هَؤُلَاءِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِ إِنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمْعِ قَاطِعٌ يُوجِبُ الْعِصْمَةَ، وَالظَّوَاهِرُ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ 1 .، وَكَذَلِكَ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا يُثْبِتُ مَا يُثْبِتُهُ مِنَ الْعِصْمَةِ فِي غَيْرِ التَّبْلِيغِ إِذَا كَانَ مِنْ مَوَارِدِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيَقُولُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ.
وَإِذَا احْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ وَمُوَافِقُوهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ

التَّنْفِيرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ مَنْعُهُمْ مِنْهُ، قَالُوا: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.
قَالُوا: وَنَحْنُ نَقُولُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ وَيَحْسُنُ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا نَنْفِي مَا نَنْفِيهِ بِالْخَبَرِ السَّمْعِيِّ، وَنُوجِبُ وُقُوعَ مَا يَقَعُ بِالْخَبَرِ السَّمْعِيِّ أَيْضًا، كَمَا أَوْجَبْنَا ثَوَابَ الْمُطِيعِينَ وَعُقُوبَةَ الْكَافِرِينَ لِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَفَيْنَا أَنْ يَغْفِرَ لِمُشْرِكٍ لِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ 1 ". . وَكَثِيرٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَصْلِهِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيرِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُفَضِّلُ شَخْصًا عَلَى شَخْصٍ إِلَّا بِعَمَلِهِ، يَقُولُ: إِنِ النُّبُوَّةَ، أَوِ الرِّسَالَةَ جَزَاءٌ عَلَى عَمَلٍ مُتَقَدِّمٍ، فَالنَّبِيُّ فَعَلَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا اسْتَحَقَّ بِهِ أَنْ يَجْزِيَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ.
وَهَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ فِي شِقٍّ وَأُولَئِكَ الْجَهْمِيَّةُ الْجَبْرِيَّةُ فِي شِقٍّ.
وَأَمَّا الْمُتَفَلْسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَصُدُورِهِ عَنْ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ - مَعَ إِنْكَارِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ فَالنُّبُوَّةُ عِنْدَهُمْ فَيْضٌ يَفِيضُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِحَسْبِ اسْتِعْدَادِهِ وَهِيَ مُكْتَسَبَةٌ عِنْدَهُمْ، وَمَنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا - فِي قُوَّتِهِ الْعِلْمِيَّةِ 2 . بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّعْلِيمِ، وَشُكِّلَ فِي نَفْسِهِ خِطَابٌ يَسْمَعُهُ كَمَا يَسْمَعُ النَّائِمُ، وَشَخْصٌ

يُخَاطِبُهُ كَمَا يُخَاطِبُ النَّائِمُ، وَفِي الْعَمَلِيَّةِ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْعُنْصُرِيَّاتِ تَأْثِيرًا غَرِيبًا - كَانَ نَبِيًّا عِنْدَهُمْ (1) ". . وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مَلَكًا مُفَضَّلًا يَأْتِي بِالْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مَلَائِكَةً (2) . بَلْ وَلَا جِنًّا يَخْرُقُ اللَّهُ بِهِمُ الْعَادَاتِ لِلْأَنْبِيَاءِ، إِلَّا قُوَى النَّفْسِ (3) ". . وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا مِنْ أَقْوَالِ كُفَّارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهُوَ أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِقْ عَلَيْهِمْ نُورُ النُّبُوَّةِ مِنَ الْمُدَّعِينَ لِلنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ وَالْكَشْفِ الْخَيَالِيِّ الصُّوفِيِّ وَإِنْ كَانَ غَايَةَ هَؤُلَاءِ الْأَقْيِسَةُ الْفَاسِدَةُ وَالشَّكُّ، وَغَايَةَ هَؤُلَاءِ الْخَيَالَاتُ الْفَاسِدَةُ وَالشَّطْحُ.

الأنبياء هم أفضل الخلق

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ 4 .: - وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَكَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ - أَنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ، فَالنَّبِيُّ يَخْتَصُّ بِصِفَاتٍ مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَفِي عَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَاسْتَعَدَّ بِهَا لِأَنْ يَخُصَّهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾123

[سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 31، 32] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 105] ، وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ - وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 84 - 87] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اجْتَبَاهُمْ وَهَدَاهُمْ.
وَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَهُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ فَلَوْلَا وُجُوبُ كَوْنِهِمْ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، الَّذِينَ هُمْ فَوْقَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، لَكَانَ الصِّدِّيقُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ.
وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ خَلْقَهُ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ، فَقَالَ تَعَالَى: فِي تَقْسِيمِهِمْ فِي الْآخِرَةِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً - فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [سُورَةُ الْوَاقِعَةِ: 7 - 12] ، وَقَالَ فِي تَقْسِيمِهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ - فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ - فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ - وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [سُورَةُ الْوَاقِعَةِ: 88 - 94] وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالْمُطَفِّفِينَ هَذِهِ الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ.

وَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَهُمْ (أَصْحَابُ) 1 ، السِّيَاقُ يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا.
الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْآخِرَةِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ مِنَ الْفُجَّارِ بَلْ وَلَا يَكُونُ مِنْ عُمُومِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ بَلْ مِنْ أَفْضَلِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ، فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ عُمُومِ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ أَيْضًا يُوصَفُ بِأَنَّهُ صِدِّيقٌ وَصَالِحٌ وَقَدْ يَكُونُ شَهِيدًا، لَكِنَّ ذَاكَ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِمْ لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، كَمَا قَالَ عَنِ الْخَلِيلِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 27] ، وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 101] . فَهَذَا مِمَّا يُوجِبُ تَنْزِيهَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْفُجَّارِ وَالْفُسَّاقِ، وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَجَمَاهِيرِهَا.
وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ النَّبِيِّ أَفْضَلَ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ بَعْضِ مَلَاحِدَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَمَا يُحْكَى عَنِ 2 . أَنَّهُمْ جَوَّزُوا الْكُفْرَ عَلَى النَّبِيِّ، فَهَذَا بِطَرِيقِ اللَّازِمِ لَهُمْ لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ، وَقَدْ جَوَّزُوا الْمَعَاصِيَ عَلَى النَّبِيِّ، وَهَذَا يَقْتَضِي فَسَادَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ

وَقَوْلِهِمْ بِجَوَازِ الْمَعَاصِي عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلَمْ يَلْتَزِمُوا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ كَافِرًا، وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا.
وَطَوَائِفُ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ بَعْثَةَ كُلِّ مُكَلَّفٍ، مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ، مُتَّفِقُونَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ فَاجِرًا.
لَكِنْ يَقُولُونَ: هَذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ بَلْ عُلِمَ بِالسَّمْعِ، بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِهِمْ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مُمْكِنٍ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الْحِكْمَةَ وَالْأَسْبَابَ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ بِمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ نَبِيًّا فَاجِرًا وَأَنَّ مَا يَنْزِلُ عَلَى الْبَرِّ الصَّادِقِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَلَائِكَةً، لَا تَكُونُ شَيَاطِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ - وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 192 - 226] . فَهَذَا مِمَّا بَيَّنَ اللَّهُ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالنَّبِيِّ وَبَيْنَ الشَّاعِرِ وَالنَّبِيِّ، لَمَّا زَعَمَ الْمُفْتَرُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاعِرٌ وَكَاهِنٌ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَتَاهُ الْوَحْيُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ مَلَكٌ قَالَ لِخَدِيجَةَ: " لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ". قَالَتْ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينَ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» 1) . . فَاسْتَدَلَّتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِحُسْنِ عَقْلِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ يَكُونُ اللَّهُ قَدْ خَلَقَهُ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْأَبْرَارِ الْمَمْدُوحِينَ، أَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ فَيُفْسِدُ الشَّيْطَانُ عَقْلَهُ وَدِينَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَحَيٌّ تَعْلَمُ بِهِ انْتِفَاءَ ذَلِكَ، بَلْ عَلِمَتْهُ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهَا الرَّاجِحِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ مَنِ ادَّعَاهَا مِنَ الْكَذَّابِينَ، مِثْلُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَالْعَنْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ مَا كَانَ يُشْتَبَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، لِمَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَيُوحُونَ إِلَيْهِمْ، حَتَّى يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا يَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَيُوحَى إِلَيْهِمْ، فَكَانَ مَا يَبْلُغُ الْعُقَلَاءَ وَمَا يَرَوْنَهُ 2 . مِنْ سِيرَتِهِمْ وَالْكَذِبِ الْفَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُبِينُ لَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، إِذْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ كَاذِبًا وَلَا فَاجِرًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَالَ لَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ، أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» " 3 ، وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْفَتْحِ أَيْ أَنْتَ خَاسِرٌ خَائِبٌ إِنْ لَمْ

أَعْدِلْ إِنْ ظَنَنْتَ أَنِّي ظَالِمٌ مَعَ اعْتِقَادِكَ أَنِّي نَبِيٌّ، فَإِنَّكَ تُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الَّذِي آمَنْتَ بِهِ ظَالِمًا، وَهَذَا خَيْبَةٌ وَخُسْرَانٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي النُّبُوَّةَ وَيَقْدَحُ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 161] ، وَفِيهِ قِرَاءَتَانِ: يَغُلَّ وَيُغَلَّ، أَيْ يُنْسَبُ إِلَى الْغُلُولِ، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَا لِأَحَدٍ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الْغُلُولِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَغُلَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ غَالًّا.
وَدَلَائِلُ هَذَا الْأَصْلِ عَظِيمَةٌ، لَكِنْ مَعَ وُقُوعِ الذَّنْبِ الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ذَنْبٌ - وَقَدْ لَا يَكُونُ ذَنْبًا مِنْ غَيْرِهِ مَعَ تَعَقُّبِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الرَّجُلِ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ وَلَا الْأَبْرَارِ، وَلَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنَ الْفُجَّارِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي عُمُومِ وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سُورَةُ النَّجْمِ: 31، 32] . وَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 133 - 136] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ - لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ - لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33 - 35] . وَقَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَحْقَافِ: 15، 16] . وَقَدْ قَالَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 26] ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ - قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 88، 89] ، وَقَالَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 13] . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى وَتَبَارَكَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ رَفَعَ نُبُوَّةَ مُوسَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَتْلِهِ

نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ - وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ - قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ - فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 18 - 21] ، وَكَانَ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ - قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 15، 16] . فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ قَدْ غَفَرَ لَهُ فَلِمَاذَا يَمْتَنِعُونَ مِنَ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ مَا بَدَا مِنْهُمْ 1 .، فَيَقُولُ آدَمُ إِذَا طُلِبَتْ مِنْهُ الشَّفَاعَةُ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَأَكَلْتُ مِنْهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا 2 . فَيَقُولُ: إِنِّي دَعَوْتُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ دَعْوَةً لَمْ أُومَرْ بِهَا، وَالْخَلِيلُ يَذْكُرُ تَعْرِيضَاتِهِ الثَّلَاثَ الَّتِي سَمَّاهَا كَذِبًا وَكَانَتْ تَعْرِيضًا، وَمُوسَى يَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ 3 . .

قِيلَ: هَذَا مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِمْ وَخَوْفِهِمْ وَعُبُودِيَّتِهِمْ وَتَوَاضُعِهِمْ، فَإِنَّ مِنْ فَوَائِدِ مَا يُتَابُ 1 . مِنْهُ أَنَّهُ يُكَمِّلُ عُبُودِيَّةَ الْعَبْدِ وَيَزِيدُهُ خَوْفًا وَخُضُوعًا فَيَرْفَعُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَرَجَتَهُ، وَهَذَا الِامْتِنَاعُ مِمَّا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَاتِهِمْ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَنْ تَصِيرَ الشَّفَاعَةُ لِمَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.

وَلِهَذَا كَانَ مِمَّنِ امْتَنَعَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا الْمَسِيحُ، وَإِبْرَاهِيمُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ ذَنْبًا، وَلَكِنْ قَالَ الْمَسِيحُ: لَسْتُ هُنَاكُمُ اذْهَبُوا إِلَى عَبْدٍ غَفَرَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
وَتَأَخَّرَ الْمَسِيحُ عَنِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي خُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ مِنْ فَضَائِلِ الْمَسِيحِ وَمِمَّا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ.
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَعُلِمَ أَنَّ تَأَخُّرَهُمْ عَنِ الشَّفَاعَةِ لَمْ يَكُنْ لِنَقْصِ دَرَجَاتِهِمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، بَلْ لِمَا عَلِمُوهُ مِنْ عَظَمَةِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَسْتِدْعِي مِنْ كَمَالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَكَمَالِ عُبُودِيَّةِ الْعَبْدِ لِلَّهِ مَا اخْتَصَّ بِهِ مَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ: اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَإِنَّهُ إِذَا غَفَرَ لَهُ مَا تَأَخَّرَ لَمْ يَخَفْ أَنْ يُلَامَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ لِيَشْفَعَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْفَعْ إِلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ، بَلْ إِذَا سَجَدَ وَحَمِدَ رَبَّهُ بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لَهُ: «أَيْ مُحَمَّدُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا مَنْ (قِيلَ لَهُ) 1 . تَقَدَّمَ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَأَخَّرَ فَيَخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُهُ إِلَى الشَّفَاعَةِ - قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ - ذَنْبًا، فَتَأَخَّرَ لِكَمَالِ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَقُولُ أَنَا قَدْ أَذْنَبْتُ وَمَا غُفِرَ لِي فَأَخَافَ أَنْ أُذْنِبَ ذَنْبًا 2 . آخَرَ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» " 1 \ 70. . وَمِنْ مَعَانِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْتَى مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ، فَإِذَا ذَاقَ الذَّائِقُ مَا فِي الذَّنْبِ مِنَ الْأَلَمِ وَزَالَ عَنْهُ خَافَ أَنْ يُذْنِبَ ذَنْبًا آخَرَ فَيَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَلَمِ، وَهَذَا كَمَنْ مَرِضَ مِنْ أَكْلَةٍ ثُمَّ عُوفِيَ، فَإِذَا دُعِيَ إِلَى أَكْلِ شَيْءٍ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ الْأَوَّلِ لَمْ يَأْكُلْهُ، يَقُولُ قَدْ أَصَابَنِي بِتِلْكَ الْأَكْلَةِ مَا أَصَابَنِي فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مِثْلَ تِلْكَ، وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ 2 ادَّعَوُا الْعِصْمَةَ مِمَّا يُتَابُ مِنْهُ عُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ لَكَانُوا أَقَلَّ دَرَجَةً مِنْ عُصَاةِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ دَرَجَتَهُمْ أَعْلَى فَالذَّنْبُ مِنْهُمْ أَقْبَحُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ فَلَا يَكُونُ إِيذَاؤُهُ مُحَرَّمًا، وَأَذَى الرَّسُولِ مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِأَحَدٍ فِي ذَنْبٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُقُوبَةَ وَنَقْصَ الدَّرَجَةِ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْإِصْرَارِ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَيْضًا، فَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي بَعْضِ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغِيرَةِ 3 .، وَجُمْهُورُ

الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَنْزِيهِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ لَا سِيَّمَا الْفَوَاحِشُ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نَبِيٍّ كَبِيرَةً فَضْلًا عَنِ الْفَاحِشَةِ، بَلْ ذَكَرَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَصْرِفُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ عَنْ عِبَادِهِ الْمُخْلِصِينَ ; وَإِنَّمَا يُقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ.
وَأَيْضًا، فَالذُّنُوبُ أَجْنَاسٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ كُلُّ جِنْسٍ، بَلِ الْكَذِبُ لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ بِحَالٍ أَصْلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي مُطْلَقَ الصِّدْقِ، وَلِهَذَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ لِلْكِذْبَةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَلَوْ تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ مِنَ الْكَذِبِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تَابَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ لِيُقْبَلَ حَدِيثُهُ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَمُّدُ الْكَذِبِ أَلْبَتَّةَ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً، بَلْ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» " 1 . . وَأَمَّا قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ -: " «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ» 1 . " فَتِلْكَ كَانَتْ مَعَارِيضَ 2 ". فَكَانَ مَأْمُورًا بِهَا، وَكَانَتْ مِنْهُ طَاعَةً لِلَّهِ، وَالْمَعَارِيضُ قَدْ تُسَمَّى كَذِبًا لِكَوْنِهِ أَفْهَمَ خِلَافَ مَا فِي نَفْسِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ: «لَمْ أَسْمَعِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَخِّصُ فِيمَا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: حَدِيثُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، وَإِصْلَاحُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الْحَرْبِ» 3) . .

قَالَتْ: فِيمَا 1 . يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ، وَهُوَ الْمَعَارِيضُ.
وَأَمَّا مَا تَقَوَّلَهُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا لَا يَقَعُ مِنْهُ خَطَأٌ وَلَا ذَنْبٌ صَغِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ، فَهَذَا مِمَّا انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ فِرَقِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
وَمِنْ مَقْصُودِهِمْ بِذَلِكَ الْقَدْحُ فِي إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِكَوْنِهِمَا أَسْلَمَا بَعْدَ الْكُفْرِ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَزَلْ مُؤْمِنًا، وَأَنَّهُ لَمْ يُخْطِ قَطُّ وَلَمْ يُذْنِبْ قَطُّ، وَكَذَلِكَ تَمَامُ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
وَهَذَا مِمَّا يُظْهِرُ كَذِبَهُمْ وَضَلَالَهُمْ فِيهِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ يَعْرِفُ أَحْوَالَهُمْ، وَلِهَذَا كَانُوا هُمْ أَغْلَى الطَّوَائِفِ فِي ذَلِكَ وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ.
وَنُكْتَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ ظَنُّوا وُقُوعَ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ نَقْصًا، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ تَنْزِيهُهُمْ عَنْهُ، وَهُمْ مُخْطِئُونَ إِمَّا فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، وَإِمَّا فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَلَيْسَ مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَابَ إِلَيْهِ بِحَيْثُ صَارَ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَعْلَى دَرَجَةً مِمَّا كَانَ قَبْلَهَا مَنْقُوصًا وَلَا مَغْضُوضًا مِنْهُ، بَلْ هَذَا مُفَضَّلٌ عَظِيمٌ مُكَرَّمٌ، وَبِهَذَا يَنْحَلُّ جَمِيعُ مَا يُورِدُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ وَآمَنَ بَعْدَ نِفَاقِهِ وَأَطَاعَ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِ، كَمَا كَانَ أَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ - يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا الْأَصْلِ.

وَالْإِنْسَانُ يَنْتَقِلُ مِنْ نَقْصٍ إِلَى كَمَالٍ، فَلَا يُنْظَرُ إِلَى نَقْصِ الْبِدَايَةِ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ إِلَى كَمَالِ النِّهَايَةِ، فَلَا يُعَابُ الْإِنْسَانُ بِكَوْنِهِ كَانَ نُطْفَةً ثُمَّ صَارَ عَلَقَةً ثُمَّ صَارَ مُضْغَةً، إِذَا كَانَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَلَقَهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَا كَانَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ إِبْلِيسَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [سُورَةُ ص: 76] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ - فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سُورَةُ ص: 71، 72] ، فَأَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ إِكْرَامًا لِمَا شَرَّفَهُ اللَّهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ طِينٍ، وَالْمَلَائِكَةُ مَخْلُوقُونَ مِنْ نُورٍ، وَإِبْلِيسُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ إِبْلِيسَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وَصَفَ لَكُمْ» " 1 . . وَكَذَلِكَ التَّوْبَةُ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ ; قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 222] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: " «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ إِذَا بِدَابَّتِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَكَيْفَ تَجِدُونَ فَرَحَهُ بِهَا؟ قَالُوا: عَظِيمًا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ» " 2 . .

وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَفْعَلُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ.
وَإِذَا ابْتَلَى الْعَبْدَ بِالذَّنْبِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَتُوبُ مِنْهُ وَيَتَجَنَّبُهُ، فَفِي ذَلِكَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِعَبْدِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ عُبُودِيَّةً وَتَوَاضُعًا وَخُشُوعًا وَذُلًّا وَرَغْبَةً فِي كَثْرَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَنَفْرَةً قَوِيَّةً عَنِ السَّيِّئَاتِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» " 1 . . وَذَلِكَ أَيْضًا يَدْفَعُ عَنْهُ الْعُجْبَ وَالْخُيَلَاءَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ أَيْضًا يُوجِبُ الرَّحْمَةَ لِخَلْقِ اللَّهِ وَرَجَاءَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ إِذَا أَذْنَبُوا وَتَرْغِيبَهُمْ فِي التَّوْبَةِ.
وَهُوَ أَيْضًا يُبَيِّنُ 2 . مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ مَا لَا يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» " 3 \ 414. .

وَهُوَ أَيْضًا يُبَيِّنُ قُوَّةَ حَاجَةِ الْعَبْدِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَاللَّجَأِ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي طَاعَتِهِ وَيُجَنِّبَهُ مَعْصِيَتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِعَانَتِهِ لَهُ، فَإِنَّ مَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ الِابْتِلَاءِ وَعَجْزَهُ عَنْ دَفْعِهِ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، كَانَ شُهُودُ قَلْبِهِ وَفَقْرُهُ إِلَى رَبِّهِ وَاحْتِيَاجُهُ إِلَيْهِ فِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَيُجَنِّبَهُ مَعْصِيَتَهُ أَعْظَمَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ دَاوُدُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ لَمَا ابْتَلَى بِالذَّنْبِ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ.
وَلِهَذَا تَجِدُ التَّائِبَ الصَّادِقَ أَثْبَتَ عَلَى الطَّاعَةِ وَأَرْغَبَ فِيهَا وَأَشَدَّ حَذَرًا مِنَ الذَّنْبِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُبْتَلَوْا بِذَنْبٍ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَتَلَ رَجُلًا بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ " 1) . أَثَّرَ هَذَا فِيهِ حَتَّى كَانَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ هَذَا مِمَّا أَوْجَبَ امْتِنَاعَهُ مِنَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مُوجِبَةً لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا لَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَكُنْ مِثْلُهُ (تَائِبًا) مِنَ الذَّنْبِ 2 .، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ:

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 117] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 118] . وَإِذَا ذُكِرَ حَدِيثُ كَعْبٍ فِي قَضِيَّةٍ تَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ دَرَجَتَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ أَعْظَمَ مِمَّا ابْتَلَانِي 1 . . وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَوَاةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي كَانَ مِنْ أَشَدِّ الْكُفَّارِ هِجَاءً وَإِيذَاءً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمَّا تَابَ وَأَسْلَمَ كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ إِسْلَامًا وَأَشَدِّهِمْ حَيَاءً وَتَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ الْحَارِثُ: مَا نَطَقْتُ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ 2 . ; وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي أَخْبَارِ التَّوَّابِينَ.

فَمَنْ يَجْعَلُ التَّائِبَ الَّذِي اجْتَبَاهُ اللَّهُ وَهَدَاهُ مَنْقُوصًا بِمَا كَانَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ، وَقَدْ صَارَ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِمَّا كَانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَهُوَ جَاهِلٌ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ مَعَ وُجُودِ مَا ذُكِرَ فَجَمِيعُ مَا يَذْكُرُونَهُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ، وَهُوَ نَقْصٌ إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ، أَوْ هُوَ نَقْصٌ عَمَّنْ سَاوَاهُ إِذَا لَمْ يُصِرَّ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِثْلَهُ، فَأَمَّا إِذَا تَابَ تَوْبَةً مَحَتْ أَثَرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَدَّلَتْ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ فَلَا نَقْصَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِهِ، وَإِذَا صَارَ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَفْضَلَ مِمَّنْ يُسَاوِيهِ أَوْ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ نَاقِصًا عَنْهُ 1 . . وَلَسْنَا نَقُولُ إِنَّ كُلَّ مَنْ أَذْنَبَ وَتَابَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يُذْنِبْ ذَلِكَ الذَّنْبَ، بَلْ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَفْضَلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُودُ إِلَى مَا كَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعُودُ إِلَى مِثْلِ حَالِهِ، وَالْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يُذْنِبْ وَيَتُبْ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ دُونَهُ.
وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا، وَلِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ، وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ.
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقِينَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ، لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الْقَوْلُ بِمَا أَحْدَثَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ وَمَنْ

تَبِعَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ كُتُبُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ وَالزُّهْدِ وَأَخْبَارِ السَّلَفِ مَشْحُونَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِمِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ حَرَّفَ الْآيَاتِ كَتَحْرِيفِ هَؤُلَاءِ، وَلَا مَنْ كَذَّبَ بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ كَتَكْذِيبِ هَؤُلَاءِ، وَلَا مَنْ قَالَ هَذَا يَمْنَعُ الْوُثُوقَ، أَوْ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ، بَلْ أَقْوَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَلَوْا بِجَهْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُبْتَدَعَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَهُمْ قَصَدُوا تَعْظِيمَ الْأَنْبِيَاءِ بِجَهْلٍ كَمَا قَصَدَتِ النَّصَارَى تَعْظِيمَ الْمَسِيحِ وَأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ بِجَهْلٍ، فَأَشْرَكُوا بِهِمْ وَاتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَعْرَضُوا عَنِ اتِّبَاعِهِمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ وَنَهَوْهُمْ عَنْهُ.

غلو الرافضة أدخلهم فيما حرمه الله من العبادات الشركية

وَكَذَلِكَ الْغُلَاةُ فِي الْعِصْمَةِ يُعْرِضُونَ عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنْ طَاعَةِ أَمْرِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِمْ 1 . إِلَى مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْغُلُوِّ وَالْإِشْرَاكِ بِهِمْ فَيَتَّخِذُونَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ فِي مَغِيبِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ وَعِنْدَ قُبُورِهِمْ، وَيَدْخُلُونَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي ضَاهَوْا بِهَا النَّصَارَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: " لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "

يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوهُ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزَ قَبْرَهُ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» 1 \ 472. . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّهُ «ذُكِرَ لَهُ فِي مَرَضِهِ كَنِيسَةٌ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذُكِرَ

حُسْنُهَا وَتَصَاوِيرُ فِيهَا فَقَالَ: " إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ التَّصَاوِيرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " 1 . . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ: " «أَلَا إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خَلِيلِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ، يَعْنِي نَفْسَهُ» " 2 . . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» " 3 . . وَفِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» " 4) . . وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» " 5) . .

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَبِي هَيَّاجٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَرَنِي أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ» 6«فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَرْسَلَ عَلِيٌّ فِي خِلَافَتِهِ مَنْ يَفْعَلُ مِثْلَ مَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَوِّيَ الْقُبُورَ الْمُشْرِفَةَ وَيَطْمِسَ التَّمَاثِيلَ» ، فَإِنَّ هَذِهِ وَهَذِهِ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [سُورَةُ نُوحٍ: 23، 24] . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: كَانَ هَؤُلَاءِ قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا مَاتُوا وَعَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ 7 . . فَالْمَشَاهِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنَ الْعَامَّةِ وَمِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كُلُّهَا مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الْمُحَرَّمَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُقْصَدَ لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَسَاجِدُ لَا الْمَشَاهِدُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ

مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 29] ، وَقَالَ تَعَالَى: " ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ - إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 17 - 18] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سُورَةُ الْجِنِّ: 18] ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ عَلَى وَجْهَيْنِ: زِيَارَةُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْمُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ، وَزِيَارَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالشِّرْكِ.
فَالْأُولَى مَقْصُودُهَا أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيُدْعَى لَهُ، وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ، يَقْصِدُ بِهَا الدُّعَاءَ لَهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُثِيبُ هَذَا الدَّاعِيَ لَهُ عِنْدَ قَبْرِهِ كَمَا يُثِيبُ الدَّاعِيَ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ مَقْصُودُهَا أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْحَوَائِجُ، أَوْ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ، أَوْ يُظَنَّ أَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ عِنْدَ قَبْرِهِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، بَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا فَتَحُوا أَرْضَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا وَجَدُوا قَبْرًا يُقْصَدُ الدُّعَاءُ عِنْدَهُ غَيَّبُوهُ، كَمَا وَجَدُوا بِتَسْتُرَ قَبْرَ دَانْيَالَ فَحَفَرُوا لَهُ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا وَدَفَنُوهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَانَ مَكْشُوفًا وَكَانَ الْكُفَّارُ يَسْتَسْقُونَ بِهِ، فَغَيَّبَهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ انْظُرِ الْخَبَرَ وَتَعْلِيقَنَا عَلَيْهِ 1/480 - 481. .

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» " 1 .، فَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهَا، وَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ قَالَ: " «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» " 2 . . وَالسَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نُهِي عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ هُوَ سَدُّ ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، كَمَا نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَالْمُشْرِكُونَ يَسْجُدُونَ لَهَا حِينَئِذٍ، فَنَهَى عَنْ قَصْدِ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُشَابَهَةِ لَهُمْ فِي الصُّورَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَ الْقَصْدُ.
كَذَلِكَ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ لِلَّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ مَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، وَأَنَّ الْمُصَلَّى لِلَّهِ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ.
فَأَمَّا إِذَا قَصَدَ لِيُصَلِّيَ هُنَاكَ لِيَدْعُوَ 3 . عِنْدَ الْقُبُورِ ظَنًّا أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُنَاكَ أَجْوَبُ، فَهَذَا ضَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُدْعَى وَيُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِالْمَيِّتِ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ

يُسْأَلَ اللَّهُ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ لِهَذَا الْقَصْدِ، أَوْ يُنْذَرُ لَهُ أَوْ لِمَنْ عِنْدَهُ دُهْنٌ أَوْ شَمْعٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ قَنَادِيلُ أَوْ سُتُورٌ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ نُذُورِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا النَّذْرِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» " 1 . . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْذُرَ أَحَدٌ إِلَّا طَاعَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْذُرَهَا إِلَّا لِلَّهِ، فَمَنْ نَذَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، كَمَنْ صَامَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَسَجَدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَمَنْ حَجَّ إِلَى قَبْرٍ مِنَ الْقُبُورِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، بَلْ لَوْ سَافَرَ إِلَى مَسْجِدٍ لِلَّهِ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِيَعْبُدَ اللَّهَ فِيهَا كَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَكَيْفَ إِذَا سَافَرَ إِلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ لِيُشْرِكَ بِاللَّهِ! وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» " 2) . .

وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ الْمَشَاهَدِ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزِ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا سُمِّيَ ذَلِكَ حَجًّا وَصُنِّفَتْ فِيهِ مُصَنَّفَاتٌ وَسُمِّيَتْ مَنَاسِكُ حَجِّ الْمَشَاهَدِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُفَضِّلُ قَصْدَ الْمَشَاهَدِ وَحَجَّهَا وَالسَّفَرَ إِلَيْهَا عَلَى حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ حَجَّهُ عَلَى النَّاسِ.
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ وَقَعَ فِيهِ الْغُلَاةُ فِي الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ وَإِلَى الشِّيعَةِ، حَتَّى إِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي بَيْتِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِقَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِلَا تَدَبُّرٍ وَلَا خُشُوعٍ، وَإِذَا زَارَ قَبْرَ مَنْ يَغْلُو فِيهِ بَكَى وَخَشَعَ، وَاسْتَكَانَ وَتَضَرَّعَ، وَانْتَحَبَ وَدَمَعَ، كَمَا يَقَعُ إِذَا سَمِعَ الْمُكَاءَ وَالتَّصْدِيَةَ الَّذِي كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْبَيْتِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَحُجُّ لِأَجْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، بَلْ لِقَصْدِ زِيَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَزُورُ شُيُوخَهُ وَأَئِمَّتَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَالْأَحَادِيثُ الْمَأْثُورَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ، كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ، فَلَمْ يُخْرِجْ أَهْلُ الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ رَجُلٍ

يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» " 1 . . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا عَامًّا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَهُ فَقَالَ: " «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» " 2 . . وَفِي النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً تُبَلِّغُنِي عَنْ أُمَّتَيِ السَّلَامَ» " 3) . . وَفِي السُّنَنِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ - عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ

عَلَيَّ " ; قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ - أَيْ قَدْ صِرْتَ رَمِيمًا - فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ» " 1 . . فَهَذَا الْمَعْرُوفُ عَنْهُ فِي السُّنَنِ: هُوَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 56] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» " 2 . لَكِنْ إِذَا صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ بَلَغَ ذَلِكَ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ قَرِيبِ سَمِعَ هُوَ سَلَامَ الْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ.
وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا أَتَى أَحَدُهُمْ قَبْرَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقِفُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ.

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا وَلَا يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ.
ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ كَأَبِي حَنِيفَةَ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا وَيَسْتَدِيرُ الْقَبْرَ وَيَجْعَلُهُ عَنْ يَسَارِهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ - مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ - بَلْ عِنْدَ السَّلَامِ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَيَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ، وَأَمَّا عِنْدَ الدُّعَاءِ فَإِنَّمَا يَدْعُو اللَّهَ وَحْدَهُ كَمَا يُصَلِّي لِلَّهِ وَحْدَهُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، كَمَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ إِذَا دَعَا بِعَرَفَةَ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ.
وَكَرِهَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنَ الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ كَالزِّيَارَةِ لِطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُ، فَكَرِهُوا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَفْظٍ يَتَضَمَّنُ شِرْكًا أَحْدَثَهُ النَّاسُ فِي هَذَا اللَّفْظِ مِنَ الْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الزِّيَارَةِ إِذَا عُنِيَ بِهِ الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ يَقِفُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَغَيْرُ هَذَا مِنَ الْبِدَعِ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا.
وَمَالِكٌ قَدْ أَدْرَكَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ خَلْقِ اللَّهِ إِذْ ذَاكَ بِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا 1 فِي حَقِّ خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، وَصَاحِبِ لِوَاءِ الْحَمْدِ الَّذِي آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَفَدُوا عَلَى رَبِّهِمْ، وَإِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا اجْتَمَعُوا، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ،

وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَأَفْضَلُ الْمُرْسَلِينَ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِأَفْضَلِ شَرِيعَةٍ إِلَى خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلَ كُتُبِهِ وَجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ الْخَلْقَ وَأَخْرَجَهُمْ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَهَدَاهُمْ بِهِ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وَهُوَ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَبَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ وَطَرِيقِ الْجَنَّةِ وَطَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ: فَالسَّعِيدُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ وَالشَّقِيُّ مَنْ كَذَّبَهُ وَعَصَاهُ، وَعَلَّقَ بِهِ النَّجَاةَ وَالسَّعَادَةَ فَلَا سَبَبَ يَنْجُو بِهِ الْعَبْدُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَيَنَالُ السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِمَّنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِرِسَالَتِهِ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي أَنْزَلَ مَعَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 156، 157] . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّسُولُ مِنَ الْحُقُوقِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سُورَةُ الْفَتْحِ: 8، 9] ، فَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَالتَّعْزِيرُ وَالتَّوْقِيرُ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل