منهاج السنة النبويةصفحات 296-335
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 296-335
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» " 1 فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ.
وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: " أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَّةِ " وَيَحْتَجُّ بِهَذَا.
وَبَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَتَفَاضَلُ، فَيَكُونُ إِيمَانٌ أَكْمَلَ مِنْ إِيمَانٍ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» " 2 فَيَقُولُونَ: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27] أَيْ مِمَّنِ اتَّقَاهُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْخُلُوَّ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا مُجَرَّدَ الْخُلُوِّ مِنَ الشِّرْكِ، بَلْ مَنِ اتَّقَاهُ فِي عَمَلٍ قَبِلَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ أُخْرَى، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 114] فَلَوْ كَانَتِ الْحَسَنَةُ لَا تُقْبَلُ مِنْ صَاحِبِ السَّيِّئَةِ لَمْ تَمْحُهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ 3 الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَلَوْ كَانَتِ الْكَبِيرَةُ تُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ لَمْ تَبْقَ حَسَنَةٌ تُوزَنُ مَعَهَا.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ بَغِيًّا سَقَتْ كَلْبًا فَغَفَرَ اللَّهُ» 1 لَهَا بِسَقْيِهِ 2 . قَالُوا: وَابْنَا آدَمَ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُشْرِكًا، وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالطَّيِّبِ مِنْ مَالِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ.
فَلِهَذَا لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ قُرْبَانَهُ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 54] فَجَعَلَ هَذِهِ مَوَانِعَ قَبُولِ النَّفَقَةِ دُونَ مُطْلَقِ الذُّنُوبِ.
قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ 3 : وَمَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِيمَانَ فَلِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهِ.
وَالْعِبَادَةُ يُنْفَى اسْمُهَا بِنَفْيِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ كَامِلَةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى بَعْضُهُ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ بَعْضُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِبَادَاتِ فِيهَا وَاجِبٌ كَالْحَجِّ، فِيهِ وَاجِبٌ إِذَا تَرَكَهُ كَانَ حَجُّهُ نَاقِصًا، يَأْثَمُ بِمَا تَرَكَ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، بَلْ يَجْبُرُهُ بِدَمٍ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَإِنْ لَمْ يَجْبُرْهُ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ.
فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ يَنْقُصُ بِالذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ عَادَ، وَإِلَّا بَقِيَ نَاقِصًا نَقْصًا يَأْثَمُ بِهِ.
وَقَدْ يَحْرُمُ فِي الْحَجِّ أَفْعَالٌ إِذَا فَعَلَهَا

نَقَصَ حَجُّهُ وَلَمْ يَبْطُلْ، كَالتَّطَيُّبِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ، بَلْ يَجْبُرُ ذَلِكَ وَلَا يُفْسِدُهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ إِلَّا الْجِمَاعُ.
فَكَذَلِكَ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ إِلَّا الْكُفْرُ الْمَحْضُ، الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَ صَاحِبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ.
قَالُوا: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُحْبِطُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ.
وَأَمَّا مَا دُونُ ذَلِكَ فَقَدْ يُحْبِطُ بَعْضَ الْعَمَلِ، كَمَا فِي آيَةِ الْمَنِّ وَالْأَذَى ; فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ تِلْكَ الصَّدَقَةَ، لَا يُبْطِلُ سَائِرَ أَعْمَالِهِ 1 . وَالَّذِينَ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ كُفَّارٌ، وَأَعْمَالُ الْقُلُوبِ، مِثْلُ حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَخَشْيَةِ اللَّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّهَا مِنَ الْإِيمَانِ.
وَكَرَاهَةُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ كُفْرٌ.
وَأَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 22] . وَقَوْلُهُ فِي السَّابِقِ وَالْمُقْتَصِدِ وَالظَّالِمِ لِنَفْسِهِ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 23] لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ قَدْ عُذِّبَ قَبْلَ هَذَا ثُمَّ يَدْخُلُهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [سُورَةُ اللَّيْلِ: 15] لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصِّلِيِّ نَوْعًا مِنَ التَّعْذِيبِ ; كَمَا قِيلَ: إِنَّ الَّذِي تَصْلِيهِ النَّارُ هُوَ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ، وَأَهْلُ الْقِبْلَةِ لَا تَحْرِقُ النَّارُ مِنْهُمْ مَوَاضِعَ السُّجُودِ، أَوْ تَكُونُ نَارًا مَخْصُوصَةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 16] كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: " «إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ» " 1 . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 59] وَالْآيَاتُ الَّتِي خَوَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ 2 تَكُونُ سَبَبًا فِي شَرٍّ يَنْزِلُ بِالنَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وُقِيَ ذَلِكَ الشَّرَّ.
وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ أَصْلًا لَمْ يَخَفْ أَحَدٌ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَرَّ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى التَّخْوِيفُ لِلْجَاهِلِ الْفَدْمِ 3 كَمَا يَفْزَعُ الصِّبْيَانُ بِالْخَيَالِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 16] فَخَوَّفَ الْعِبَادَ مُطْلَقًا، وَأَمْرَهُمْ بِتَقْوَاهُ، لِئَلَّا يُنْزِلَ الْمُخَوِّفَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالْإِنْذَارُ هُوَ الْإِعْلَامُ بِمَا يُخَافُ مِنْهُ، وَقَدْ وُجِدَتِ الْمُخَوِّفَاتُ فِي الدُّنْيَا، وَعَاقَبَ اللَّهُ عَلَى الذُّنُوبِ أُمَمًا كَثِيرَةً، كَمَا قَصَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَكَمَا شُوهِدَ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَخْبَرَ عَنْ دُخُولِ أَهْلِ النَّارِ النَّارَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سُورَةُ فَاطِرٍ: 28] وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الْجَاهِلُ لَكَانَ إِنَّمَا يَخْشَاهُ مِنْ عِبَادِهِ الْجُهَّالُ الَّذِينَ

يَتَخَيَّلُونَ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ 1 مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا التَّمْثِيلُ بِأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفِينَ 2 الَّتِي كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا تَنَازَعَ فِي الْقَدَرِ الْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُجْبِرَةُ 3 مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالُوا جَمِيعًا: إِرَادَةُ اللَّهِ هِيَ مَحَبَّتُهُ وَهِيَ رِضَاهُ 4 . ثُمَّ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَيَكْرَهُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، فَلَا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ.
قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 7] وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 10] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 205] .

وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْبِرِّ تَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، وَالْمُسْتَحَبُّ هُوَ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ 5 كُلُّهُ مَكْرُوهٌ، كَرِهَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَالْكَرَاهَةُ نَوْعَانِ: كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَكَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 38] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ

الْمَالِ» " 1 وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» " 2 قَالُوا: فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعَالَمِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ لِلَّهِ، [فَلَا يَكُونُ مُرَادًا لِلَّهِ] 3 فَيَكُونُ فِي الْعَالَمِ مَا لَا يُرِيدُهُ اللَّهُ، وَهُوَ مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ أَوْ يَنْهَ عَنْهُ 4 . قَالُوا: وَالْأَمْرُ لَا يُعْقَلُ أَمْرًا إِلَّا بِإِرَادَةِ الْآمِرِ لِمَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْمَأْمُورِ، وَمَنْ قَدَّرَ أَنَّ الْآمِرَ يَطْلُبُ الْمَأْمُورَ بِهِ طَلَبًا لَا يَكُونُ إِرَادَةً وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلْإِرَادَةِ، فَهَذَا قَدِ ادَّعَى مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَمَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِأَمْرِ الْمُمْتَحِنِ، فَذَاكَ لَمْ يَكُنْ طَالِبًا 5 لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا مُرِيدًا لَهُ فِي الْبَاطِنِ، بَلْ أَظْهَرَ أَنَّهُ مُرِيدٌ طَالِبٌ.
[وَقَالُوا] 6 : قَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 185] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 6] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 26 - 28] . وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] . فَهَذِهِ الْمُرَادَاتُ كُلُّهَا قَدْ أَمَرَ بِهَا عِبَادَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَى، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ مِنَ الْعِبَادِ مَا لَا يَفْعَلُونَهُ، كَمَا يَأْمُرُهُمْ 1 بِمَا لَا يَفْعَلُونَهُ.
قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ الْجَبْرِيَّةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ: بَلْ إِرَادَتُهُ - تَعَالَى - تَتَنَاوَلُ مَا وُجِدَ دُونَ مَا لَمْ يُوجَدْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ إِرَادَةَ مَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَمَنٍّ.
وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 27] ، فَكُلُّ مَا يَشَاؤُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 13] فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُرِدْ هُدَى كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَمَرَ بِهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 125] ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِضْلَالَ، كَمَا يُرِيدُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإِسْلَامِ.
وَقَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 34] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ إِغْوَاءَ مَنْ غَوَى.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 16] ، فَكُلُّ مَا وُجِدَ مِنْ أَفْعَالِ [الْعِبَادِ] 1 . وَغَيْرِهَا فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ.
[قَالُوا] 2 : وَمَا أَرَادَهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 205] أَيْ: مِمَّنْ لَمْ يُفْسِدْ، أَوْ لَا يُحِبُّهُ دِينًا 3 . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 7] أَيْ: مِمَّنْ لَمْ يَكْفُرْ، أَوْ لَا يَرْضَاهُ 4 دِينًا، كَمَا أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْإِيمَانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ، أَوْ لَا يُحِبُّهُ غَيْرَ دِينٍ.
قَالَ الْمُنَازِعُونَ لَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: فَقَدْ قَالَ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 108] . وَأُولَئِكَ مُنَافِقُونَ، وَذَاكَ الْقَوْلُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ وَاقِعٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ 5 . مَا وَقَعَ مِنَ الْمَعَاصِي لَا يَرْضَاهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾

[سُورَةُ الزُّمَرِ: 7] : أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ يَرْضَى كُلَّ مَوْجُودٍ.
وَقَوْلُكُمْ: لَا يَرْضَاهُ دِينًا، فَالرِّضَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْفِعْلِ، [لَا بِشَيْءٍ] 1 مَحْذُوفٍ، وَكَوْنُهُ لَا يَرْضَاهُ دِينًا عِنْدَكُمْ، مَعْنَاهُ: لَا يُرِيدُ أَنْ يُثِيبَ صَاحِبَهُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْلِيسَ وَالشَّيَاطِينَ لَا يَرْضَوْنَهُ دِينًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، مَعَ أَنَّ إِبْلِيسَ يَرْضَى الْكُفْرَ وَيَخْتَارُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يُحِبُّ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَيُبْغِضُ مَا يُحِبُّهُ [اللَّهُ] 2 لِيُغْوِيَ النَّاسَ بِذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: 50] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [سُورَةُ يس: 60 - 61] . قَالُوا: وَالْأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَيُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَيُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، وَلَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ وَلَا يَرْضَاهَا.
وَاحْتِجَاجُنَا بِهَذَا الْإِجْمَاعِ أَقْوَى مِنِ احْتِجَاجِكُمْ بِقَوْلِهِمْ 3 : " مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ " فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقُولُونَ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ: هَذَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

فَأَنْتُمْ خَالَفْتُمُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ فِي قَوْلِكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنَ الْكُفْرِ [وَالْفُسُوقِ] 1 وَالْعِصْيَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ الْمُجْبِرَةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْتَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةٍ اهْتَدَوْا بِهَا، بَلْ نِعْمَتُهُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ سَوَاءٌ، وَهَذَا خِلَافُ الشَّرْعِ [وَالْعَقْلِ] 2 ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 7] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 17] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 53] ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [سُورَةُ النُّورِ: 21] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 24] . وَقَالَ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 128] . وَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 35 - 36] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ التَّكْوِيرِ: 28 - 29] .

وَقَالَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ: 19] . [وَقَالَ] 1 : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 30] . وَقَالَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ - وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ: 55 - 56] . وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ فِي الصَّلَاةِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: 6 - 7] . وَالَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: هُمُ 2 الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 69] .

وَالْإِنْعَامُ الْمُطْلَقُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى [أَنَّ] الطَّاعَةَ 3 الْحَاصِلَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ كَنِعْمَتِهِ عَلَى الْكُفَّارِ لَكَانَ الْجَمِيعُ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، أَهْلِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: 7] صِفَةٌ لَا اسْتِثْنَاءٌ 4 ; لِأَنَّهُ خَفَضَ " غَيْرِ " كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: إِنِّي لَأَمُرُّ بِالصَّادِقِ غَيْرِ

الْكَاذِبِ.
فَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَخْرُجُوا، بَلْ بَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُغَايِرُونَ لِأُولَئِكَ، كَمُغَايَرَةِ الصَّادِقِ لِلْكَاذِبِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: 17] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ اهْتَدَى، وَلَوْ هَدَى الْكَافِرَ كَمَا هَدَى الْمُؤْمِنَ لَاهْتَدَى.
وَقَالَ الْخَلِيلُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 40 - 41] فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُقِيمَ الصَّلَاةِ.
[وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ] 1 [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 73] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 41] فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةَ هُدًى وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةَ ضَلَالٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 159] فَبَيَّنَ أَنَّ لِينَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 43] . وَقَالَ - تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 87 - 90] فَأَخْبَرَ: أَنَّهُ يَخُصُّ بِهَذَا الْهُدَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَخْبَرَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ خَصَّ بِهَذَا الْهُدَى مَنِ اهْتَدَى بِهِ دُونَ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ بِهِ 1 ، وَدَلَّ عَلَى تَخْصِيصِ الْمُهْتَدِينَ بِأَنَّهُ هَدَاهُمْ وَلَمْ يَهْدِ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ.
وَالْهُدَى يَكُونُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ وَالدَّعْوَةِ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ.
كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 17] . وَيَكُونُ بِمَعْنَى جَعَلَهُ 2 مُهْتَدِيًا، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: 7] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 2] . وَذَلِكَ أَنَّ هَدَى بِمَعْنَى دَلَّ وَأَرْشَدَ قَدْ يَكُونُ بِالْقُوَّةِ، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ فَهَذَا مُخْتَصٌّ.
كَمَا تَقُولُ 3 : عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ، وَعَلَّمْتُهُ فَمَا تَعَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ: هَدَيْتُهُ فَاهْتَدَى، وَهَدَيْتُهُ فَمَا اهْتَدَى، فَالْأَوَّلُ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَالثَّانِي مُشْتَرَكٌ.
وَلَيْسَ تَعْلِيمُهُ وَهُدَاهُ كَتَعْلِيمِ الْبَشَرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ يَقُولُ، وَالْمُتَعَلِّمُ يَتَعَلَّمُ بِأَسْبَابٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْمُعَلِّمُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْعِلْمَ فِي قُلُوبِ 4 مَنْ عَلَّمَهُ.
وَلِهَذَا يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ فَيُقَالُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلْبَشَرِ 5 ; فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.

وَيَطْلُبُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُفَهِّمَهُ وَيُعَلِّمَهُ 1 وَيَشْرَحَ صَدْرَهُ، وَأَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَلَا يَطْلُبُ هَذَا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 22] . وَقَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 125] . وَقَالَ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 79] ، فَخَصَّ سُلَيْمَانَ بِالتَّفْهِيمِ مَعَ أَنَّهُمَا كَانَا حَاكِمَيْنِ، لَمْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِعِلْمٍ ظَاهِرٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سُورَةُ الشَّمْسِ: 7 - 8] . «وَكَانَتْ أَكْثَرُ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبَ» " 2 . وَقَالَ: " «مَا مِنْ قَلْبٍ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ

الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ» " 1 . وَ [قَدْ] قَالَ [تَعَالَى] فِي دُعَاءِ 2 الْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 8] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: 39] . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 99] . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 118] . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 253] . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 13] . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 112] . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 107] . وَقَالَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ - وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

[سُورَةُ يس: 8 - 9] . وَالْآيَاتُ وَالنُّصُوصُ الْمُثْبِتَةُ لِلْقَدَرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهَذَا كُلُّهُ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ النَّافِيَةِ، فَصَارَ مَعَ هَؤُلَاءِ نُصُوصٌ يَقُولُونَ بِهَا، وَمَعَ هَؤُلَاءِ نُصُوصٌ.
وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَتَأَوَّلُ نُصُوصَ الْأُخْرَى بِتَأْوِيلَاتٍ فَاسِدَةٍ، وَيُضَمُّ إِلَى النُّصُوصِ الَّتِي يَحْتَجُّ 1 بِهَا أُمُورٌ لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا النُّصُوصُ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ] وَعُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَآمَنُوا 2 بِالْكِتَابِ كُلِّهِ، وَلَمْ يُحَرِّفُوا شَيْئًا مِنَ النُّصُوصِ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَقُولُ: " مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ " وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، فَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ 3 ، حَادِثٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاؤُهُ وَيَخْلُقُهُ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ اللَّهَ عَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ وَيُكَوِّنَهُ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]] 4 [سُورَةُ فَاطِرٍ: 2] . وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَيَنْهَى عَنِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَيُحِبُّ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَرْضَاهُ، وَيَكْرَهُ مَا نَهَى عَنْهُ

وَيُسْخِطُهُ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.
قَالُوا: وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَمَرَ الْعِبَادَ بِهِ وَأَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، أَرَادَ هُوَ أَنْ يَخْلُقَهُ لَهُمْ وَيُعِينَهُمْ عَلَيْهِ، بَلْ إِعَانَتُهُ عَلَى الطَّاعَةِ لِمَنْ أَمَرَهُ بِهَا فَضْلٌ مِنْهُ كَسَائِرِ النِّعَمِ، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ.
وَالطَّائِفَتَانِ غَلِطُوا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ [لَمْ] 1 يُمَيِّزُوا بَيْنَ إِرَادَتِهِ لِمَا يَخْلُقُهُ فِي عِبَادِهِ، وَإِرَادَتُهُ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ عِبَادَهُ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 54] ، فَالرَّبُّ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ مَا خَلَقَهُ فَبِإِرَادَتِهِ خَلَقَهُ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَمَا لَمْ يَكُنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَمَا كَانَ فَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ [أَنْ يَخْلُقَ] 2 إِلَّا مَا سَبَقَ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يُطَابِقُ الْمَعْلُومَ.

وَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ 3 بِالْحَسَنَاتِ الَّتِي تَنْفَعُهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنِ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تَضُرُّهُمْ.
وَالْحَسَنَاتُ مَحْبُوبَةٌ لِلَّهِ مَرْضِيَّةٌ 4 وَالسَّيِّئَاتُ مَكْرُوهَةٌ لَهُ يَسْخَطُهَا وَيَسْخَطُ عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مَخْلُوقًا لَهُ، فَإِنَّهُ خَلَقَ جِبْرِيلَ وَإِبْلِيسَ، وَهُوَ يُحِبُّ جِبْرِيلَ وَيُبْغِضُ إِبْلِيسَ، وَخَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، وَخَلَقَ الظِّلَّ وَالْحَرُورَ، وَخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ، وَ [خَلَقَ] الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَ [خَلَقَ] الْأَعْمَى 5 وَالْبَصِيرَ.

وَقَدْ قَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سُورَةُ الْحَشْرِ: 20] . وَقَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ - وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ - وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ - وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [سُورَةُ فَاطِرٍ: 19 - 22] . وَقَالَ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سُورَةُ الْقَلَمِ: 35 - 36] . وَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [سُورَةُ ص: 28] . وَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 21] . وَقَدْ خَلَقَ الطَّيِّبَاتِ وَالْخَبَائِثَ، وَلَيْسَ 1 الطَّيِّبَاتُ كَالْخَبَائِثِ، وَلَا الْفَوَاكِهُ وَالْحُبُوبُ كَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، وَهُوَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَهُوَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، وَجَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَلَقَهُ يَصْعَدُ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ [طَيِّبًا] 2 مَحْبُوبًا لَهُ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ، بَلْ إِنَّمَا يُسْكِنُ فِي جَنَّتِهِ مَنْ يُنَاسِبُهَا وَيَصْلُحُ لَهَا، وَكَذَلِكَ النَّارُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 73] .

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ إِذَا عَبَرَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الصِّرَاطَ، وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ 1 مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا بَعْدَ التَّهْذِيبِ وَالتَّنْقِيَةِ 2 كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 73] . وَلَمَّا قَالَ إِبْلِيسُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ - قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 12 - 13] ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَتَكَبَّرَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ " 3 قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا 4 أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ قَالَ: " لَا.
إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ

الْجَمَالَ.
الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» " 1 وَقَوْلُهُ: " «جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» " أَيْ: يُحِبُّ أَنْ يَتَجَمَّلَ الْعَبْدُ لَهُ وَيَتَزَيَّنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 31] . وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَبْدُ لَهُ عُرْيَانًا، بَلْ يَكْرَهُ - سُبْحَانَهُ - أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ لَهُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» " 2 . وَلِهَذَا [لَمَّا] 3 كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِهَذَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 28] . فَتَحْسِينُ النَّعْلِ وَالثَّوْبِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ هُوَ مِنَ التَّجَمُّلِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَلَوْ تَزَيَّنَ [بِهِ] 4 لِمَعْصِيَةٍ 5 لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ.
وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ يَظْهَرُ نُورُ الْإِيمَانِ عَلَى وَجْهِهِ، وَيُكْسَى مَحَبَّةً وَمَهَابَةً، وَالْمُنَافِقُ

بِالْعَكْسِ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ الْمُجَرَّدَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَسَنَةً مُشْتَهَاةً، كَشَهْوَةِ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ لِلرِّجَالِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مُشْتَهَاةً، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» " 1 ، وَيُقَالُ: وَلَا إِلَى لِبَاسِكُمْ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا - وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: 73 - 74] ، وَالْأَثَاثُ: اللِّبَاسُ وَالْمَالُ.
وَالرِّئْيُ: الْمَنْظَرُ وَالصُّورَةُ.
وَقَالَ - تَعَالَى -[عَنِ الْمُنَافِقِينَ] 2 : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ: 4] ، فَبَيَّنَ أَنَّ لَهُمْ أَجْسَامًا وَمَنَاظِرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا، فَصِيحًا، طَلْقَ 3 اللِّسَانِ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِحُسْنِ الصُّورَةِ وَإِبَانَةِ الْمَنْطِقِ، ثُمَّ أَبَانَ أَنَّهُمْ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِمَنْزِلَةِ الْخُشُبِ الْمُسَنَّدَةِ الْمُمَالَةِ إِلَى الْجِدَارِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَشْجَارٍ تُثْمِرُ 4 ، [بَلْ هِيَ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ إِلَى

حَائِطٍ] 1 ، ثُمَّ عَابَهُمْ بِالْجُبْنِ فَقَالَ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ صَوْتًا إِلَّا ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ أُتُوا، لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمْ.
فَصَاحِبُ الصُّورَةِ الْجَمِيلَةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ، كَانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ وَلَا يُحِبُّهُ لِجَمَالِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُورَتِهِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قَلْبِهِ وَعَمَلِهِ.
وَيُوسُفُ الصِّدِّيقُ، وَإِنْ كَانَ أَجْمَلَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي الصَّحِيحِ: " «أَنَّهُ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ» " 2 ، فَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، كَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ، - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَيُوسُفُ، وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ أَجْمَلَ، فَإِنَّ إِيمَانَ هَؤُلَاءِ وَأَعْمَالَهُمْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانِهِ وَعَمَلِهِ، وَهَؤُلَاءِ أُوذُوا عَلَى نَفْسِ الْإِيمَانِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، فَكَانَ الَّذِينَ عَادُوهُمْ مُعَادِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكَانَ صَبْرُهُمْ صَبْرًا عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ

وَطَاعَتِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ.
وَيُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا آذَاهُ إِخْوَتُهُ لِتَقْرِيبِ أَبِيهِ لَهُ، حَسَدًا عَلَى حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الْأَنْفُسِ، لَا عَلَى دِينٍ.
وَلِهَذَا كَانَ صَبْرُهُ عَلَى الَّتِي رَاوَدَتْهُ، وَحَبْسِ الَّذِينَ حَبَسُوهُ عَلَى ذَلِكَ، أَفْضَلَ لَهُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى أَذَى إِخْوَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا صَبْرٌ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ بِاخْتِيَارِهِ حَتَّى لَا يَفْعَلَ الْمُحَرَّمَ، وَذَلِكَ صَبْرٌ عَلَى أَذَى الْغَيْرِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَهَذَا مِنْ جِنْسِ صَبْرِ الْمُصَابِ عَلَى مُصِيبَتِهِ، وَذَاكَ مِنْ جِنْسِ صَبْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُ بِالْمَعَاصِي، وَيَدْعُونَهُ إِلَيْهَا فَيَصْبِرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَغْلِبُ هَوَاهُ وَشَهْوَتَهُ، وَهَذَا أَفْضَلُ.
فَأَمَّا صَبْرُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنَبِيِّنَا - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ، وَعَدَاوَتِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَذَاكَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا 1 كُلِّهِ، كَمَا أَنَّ التَّوْحِيدَ وَالْإِيمَانَ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ تَرْكِ الزِّنَا، وَكَمَا أَنَّ [تِلْكَ] 2 الطَّاعَاتِ أَعْظَمُ، فَالصَّبْرُ عَلَيْهَا وَعَلَى مُعَادَاةِ أَهْلِهَا أَعْظَمُ.
وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ كَانُوا يَطْلُبُونَ قَتْلَ مَنْ يُؤْمِنُ وَإِهْلَاكَهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، لَا يُحِبُّونَ الْمُؤْمِنِينَ أَصْلًا، بِخِلَافِ يُوسُفَ فَإِنَّهُ إِنَّمَا ابْتُلِيَ بِالْحَبْسِ 3 ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُحِبُّهُ فَلَمْ تُعَاقِبْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 3] ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَصَصُ مَصْدَرَ قَصَّ يَقُصُّ قَصَصًا، أَوْ كَانَ مَفْعُولًا: أَيْ أَحْسَنَ

الْمَقْصُوصِ، فَذَاكَ لَا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ قِصَّةُ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْهَا قَدْرًا وَأَحْسَنُ، وَلِهَذَا [كَرَّرَ] 1 ذِكْرَهَا فِي الْقُرْآنِ وَبَسْطَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 25] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 3] وَقَدْ قُرِئَ: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ بِالْكَسْرِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِقِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ كُلُّ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فَهُوَ أَحْسَنُ الْقَصَصِ، فَهُوَ أَحْسَنُ مَقْصُوصٍ، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ أَحْسَنَ قَصَصٍ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» " قَالَهُ جَوَابًا لِلسَّائِلِ فِي بَيَانِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَمَا يَكْرَهُهُ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» " 2 . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْكِبْرَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ الدَّاخِلِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَأْمُورٌ بِضِدِّهِ، فَخَافَ السَّائِلُ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ 3 الْإِنْسَانُ، فَيَكُونُ أَجْمَلُ بِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَهُ مِنَ الْكِبْرِ الْمَذْمُومِ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا [وَنَعْلِي حَسَنًا] 4 ، أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ وَحُسْنُ ثَوْبِهِ وَنَعْلِهِ هُوَ مِمَّا حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَقَصْدِهِ، لَيْسَ هُوَ شَيْئًا مَخْلُوقًا فِيهِ بِغَيْرِ كَسْبِهِ كَصُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» " فَفَرَّقَ بَيْنَ الْكِبْرِ الَّذِي يَمْقُتُهُ اللَّهُ، وَبَيْنَ الْجَمَالِ

الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ شَخْصًا أَعْظَمَ مِنْ شَخْصٍ، وَأَكْبَرَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ: إِمَّا فِي جِسْمِهِ، وَإِمَّا فِي قُوَّتِهِ، وَ [إِمَّا فِي] عَقْلِهِ 1 ، وَذَكَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُبْغَضًا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ، بَلْ هَذَا خُلِقَ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ هُوَ مُتَكَبِّرًا عَلَى غَيْرِهِ، بِذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي يَمْقُتُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ لِإِبْلِيسَ: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 13] . كَذَلِكَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ حَسَنَ اللَّوْنِ مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ جَمِيلَ الصُّورَةِ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ أَوْ يُذَمُّ، أَوْ يُثَابُ 2 أَوْ يُعَاقَبُ 3 وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُبْغِضُهُ [عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَسْوَدَ أَوْ قَصِيرًا، أَوْ طَوِيلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ أَوْ يُذَمُّ، وَيُثَابُ أَوْ يُعَاقَبُ 4 ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُبْغِضُهُ] 5 ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» " 6 . وَلِهَذَا [لَمَّا] 7 كَانَ الْمُنَافِقُونَ لَهُمْ جَمَالٌ فِي الصُّورَةِ] وَلَيْسَ فِي

قُلُوبِهِمْ إِيمَانٌ، شَبَّهَهُمُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - بِالْخُشُبِ الْمُسَنَّدَةِ الْيَابِسَةِ الَّتِي لَا تُثْمِرُ، فَالْخَشَبَةُ [الْيَابِسَةُ] إِذَا كَانَتْ [لَا ثَمَرَ فِيهَا] لَا تُمْدَحُ 1 وَلَوْ كَانَتْ عَظِيمَةً، وَهَكَذَا الصُّورَةُ مَعَ الْقَلْبِ 2 ، نَعَمْ قَدْ تَكُونُ الصُّورَةُ عَوْنًا عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، [كَمَا تَكُونُ الْقُوَّةُ] وَالْمَالُ 3 وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَيُحْمَدُ صَاحِبُهَا إِذَا اسْتَعَانَ بِهَا 4 فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَعَفَّ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ فِيهِ الْجَمَالُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَلَوْ كَانَ أَسْوَدَ، وَفَعَلَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْجَمَالِ كَانَ أَيْضًا فِيهِ الْجَمَالُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَهُوَ الَّذِي يُثَابُ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْن مُطْلَقِ الْإِرَادَةِ وَبَيْنَ الْمَحَبَّةِ مَوْجُودٌ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، فَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ بَغِيضٌ إِلَيْهِ مَكْرُوهٌ لَهُ ; يُرِيدُهُ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَا هُوَ مَحْبُوبٌ لَهُ، كَمَا يُرِيدُ الْمَرِيضُ تَنَاوُلَ 5 الدَّوَاءَ الَّذِي يَكْرَهُهُ وَيَتَأَلَّمُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْعَافِيَةِ، وَإِلَى زَوَالِ مَا هُوَ أَبْغَضُ إِلَيْهِ مِنَ الْآلَامِ 6 . والْجَهْمِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ إِنَّمَا لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يَشَاؤُهُ وَمَا يُحِبُّهُ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ مَحَبَّةً لِبَعْضِ الْأُمُورِ الْمَخْلُوقَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَفَرَحًا بِتَوْبَةِ التَّائِبِ.
وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا: الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ

عَبْدِ اللَّهِ [الْقَسْرِيُّ] 1 وَقَالَ: " ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي 2 مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَلَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا 3 ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ [بْنُ دِرْهَمٍ] 4 عُلُوًّا كَبِيرًا " ثُمَّ نَزَلَ [عَنِ الْمِنْبَرِ] 5 فَذَبَحَهُ 6 ، فَإِنَّهُ الْخُلَّةُ مِنْ تَوَابِعِ الْمَحَبَّةِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْلِهِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ وَلَا يُحَبُّ، لَمْ يَكُنْ لِلْخُلَّةِ عِنْدَهُ مَعْنًى 7 ، وَالرُّسُلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إِنَّمَا جَاءُوا بِإِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بَعْضَ الْأُمُورِ الْمَخْلُوقَةِ 8 وَيَرْضَاهَا 9 ، وَيَسْخَطُ بَعْضَ الْأُمُورِ وَيَمْقُتُهَا، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُرْضِيهِ [تَارَةً] 10 وَتُسْخِطُهُ أُخْرَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 28] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سُورَةُ الْفَتْحِ: 18] . وَقَالَ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 55] . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَغْضَبُونَا.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْأَسَفُ الْغَضَبُ، [يُقَالُ: أَسِفْتُ

أَسَفًا، أَيْ: غَضِبْتُ] 1 . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 93] . وَ [قَدْ ثَبَتَ] فِي الصَّحِيحِ 2 مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضٍ دَوِيَّةٍ 3 مُهْلِكَةٍ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَقَالَ 4 تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا هُوَ بِدَابَّتِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ.
فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ» " 5 . وَالْفَرَحُ إِنَّمَا يَكُونُ بِحُصُولِ الْمَحْبُوبِ، وَالْمُذْنِبُ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ مِنْ مَوْلَاهُ الْفَارِّ مِنْهُ، فَإِذَا تَابَ فَهُوَ كَالْعَائِدِ إِلَى مَوْلَاهُ وَإِلَى طَاعَتِهِ.
وَهَذَا الْمَثَلُ 6 الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَيِّنُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَفَرَحِهِ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ، وَمِنْ كَرَاهَتِهِ لِمَعَاصِيهِ، مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَقَدَ الدَّابَّةَ الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُهْلِكَةِ 7 ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَهُ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ مِنَ التَّأَذِّي، مِنْ جِهَةِ فَقْدِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَرْكَبِ، وَكَوْنِ الْأَرْضُ مَفَازَةً لَا يُمْكِنُ الْخَلَاصُ مِنْهَا، وَإِذَا طَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا يَئِسَ وَاطْمَأَنَّ إِلَى الْمَوْتِ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْفَرَحِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِوُجُودٍ 8 مَا يُحِبُّهُ

وَيَرْضَاهُ، بَعْدَ الْفَقْدِ الْمُنَافِي لِذَلِكَ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلتَّوْبَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمِنْ كَرَاهَتِهِ لِخِلَافِ ذَلِكَ، مَا يَرُدُّ عَلَى مُنْكِرِي الْفَرْقِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، فَإِنَّ الطَّائِفَتَيْنِ تَجْعَلُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً.
[ثُمَّ] 1 الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: هُوَ يَقْصِدُ نَفْعَ الْعَبْدِ لِكَوْنِ ذَلِكَ حَسَنًا، وَلَا يَقْصِدُ الظُّلْمَ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا، والْجَهْمِيَّةُ يَقُولُونَ: إِذَا كَانَ لَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَيْءٌ حَسَنٌ وَشَيْءٌ قَبِيحٌ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ لِلْعِبَادِ.
فَالْحُسْنُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ مَا يُلَائِمُهُ وَمَا تَرَتَّبَ 2 عَلَيْهِ ثَوَابٌ يُلَائِمُهُ، وَالْقَبِيحُ 3 بِالْعَكْسِ، وَمِنْ هُنَا جَعَلُوا الْمَحَبَّةَ وَالْإِرَادَةَ سَوَاءً، فَلَوْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يُحِبُّ وَيَفْرَحُ بِحُصُولِ مَحْبُوبِهِ - كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - تَبَيَّنَ لَهُمْ حِكْمَتُهُ، وَتَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّهُ يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ لِحِكْمَةٍ.
فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: إِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً، امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ لِحِكْمَةٍ، [وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ] 4 تَعُودُ إِلَى الْعِبَادِ.
فَقَالَتْ لَهُمُ الْجَهْمِيَّةُ: [تِلْكَ الْحِكْمَةُ] 5 يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ 6 أَوْ لَا يَعُودُ؟ فَالْأَوَّلُ 7 خِلَافُ الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلْتُمُوهُ 8 . وَالثَّانِي مُمْتَنِعٌ، فَيَمْتَنِعُ أَنَّ أَحَدًا يَخْتَارُ الْحَسَنَ عَلَى

الْقَبِيحِ 1 إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنِ مَعْنًى يَعُودُ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ فِعْلُ الْحَسَنِ يُنَاسِبُهُ، بِخِلَافِ الْقَبِيحِ.
فَإِذَا قُدِّرَ نَفْيُ ذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ لِحِكْمَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ هُوَ 2 أَصْلُ دِينِ الرُّسُلِ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ دَعَوْا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَالْإِلَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِتَعْظِيمٍ وَمَحَبَّةٍ، وَإِلَّا فَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ لِعِوَضٍ 3 يُعْطِيهِ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُحِبُّهُ، لَمْ يَكُنْ عَابِدًا [لَهُ] 4 . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 165] ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْفُونَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ وَيُحَبُّ آخِرُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ 5 لَا يَبْقَى عِنْدَهُمْ فَرْقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ، وَلَا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَلَا بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ، وَلَا بَيْنَ بُيُوتِهِ الَّتِي هِيَ الْمَسَاجِدُ وَبَيْنَ الْحَانَاتِ وَمَوَاضِعِ الشِّرْكِ.
وَغَايَةُ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنَ الْفَرْقِ أَنَّ هَذَا عَلَمٌ عَلَى لَذَّةٍ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ، وَهَذَا عَلَمٌ عَلَى أَلَمٍ يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ 6 ، فَإِنْ كَانُوا 7 مِنَ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ

يَجْعَلُونَ الْكَمَالَ فِي فَنَاءِ الْعَبْدِ عَنْ حُظُوظِهِ، دَخَلُوا فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ: 1 الْعَارِفُ لَا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُ سَيِّئَةً.
وَيَجْعَلُونَ 2 هَذَا غَايَةَ الْعِرْفَانِ، فَيَبْقَى عِنْدَهُمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِ، وَلَا بَيْنَ الْإِيمَانِ 3 وَالْكُفْرِ بِهِ، وَلَا بَيْنَ حَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَعِبَادَتِهِ، وَبَيْنَ سَبِّهِ وَشَتْمِهِ، وَجَعْلِهِ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وَلَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ 4 ، وَلَا بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ 5 فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مَا ثَمَّ إِلَّا مَا هُوَ حَظٌّ لِلْعَبْدِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ صَارُوا مُسَخَّرِينَ فِي الْعِبَادَاتِ مُسْتَثْقِلِينَ لَهَا 6 ، وَفِي قُلُوبِهِمْ مَرْتَعٌ لِلشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ لَهُمْ: لِمَ لَا يُنْعِمُ بِالثَّوَابِ بِدُونِ هَذَا التَّكْلِيفِ 7 ؟ فَإِذَا أَجَابُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ هَذَا أَلَذُّ 8 كَانَ هَذَا 9 مِنْ أَبْرَدِ الْأَجْوِبَةِ وَأَسْمَجِهَا 10 .

فَإِنَّ هَذَا [إِنَّمَا] 1 يُقَالُ فِي الْمُنَاظِرِينَ 2 ، وَأَمَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ فَلَا أَحَدَ إِلَّا [وَهُوَ] 3 مُقِرٌّ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، ثُمَّ يُقَالُ: قَدْ حَصَلَ بِطَلَبِ الْأَلَذِّ مِنْ شَقَاوَةِ الْأَكْثَرِينَ، مَا كَانَ خَلْقُهُمْ فِي الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً بِلَا هَذَا الْأَلَذِّ أَجْوَدَ لَهُمْ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ لَذَّاتٍ عَظِيمَةٍ، إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ.
وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُرْجِئَةِ، الَّذِينَ إِيمَانُهُمْ بِالْوَعِيدِ ضَعِيفٌ، اسْتَرْسَلَتْ نَفْسُهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، حَتَّى يَكُونَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ.
بِخِلَافِ مَنْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يُحِبُّ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ أَفْعَالًا وَأَشْخَاصًا، وَيُبْغِضُ أَفْعَالًا وَأَشْخَاصًا، وَيَرْضَى عَنْ هَؤُلَاءِ، وَيَغْضَبُ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ 4 الرَّسُولُ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي بِهِ يَشْهَدُ الْعَبْدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْفَرْقِ، فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهَ مَعْبُودًا مَحْبُوبًا، فَإِنَّمَا يَشْهَدُ 5 أَنْ لَا رَبَّ إِلَّا هُوَ، وَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يُقِرُّونَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ 6 ، وَالرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بُعِثُوا بِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، الْمُتَضَمِّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ.
[وَأَمَّا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ] 7 مُجَرَّدًا، فَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُقِرُّونَ 8 بِأَنَّ اللَّهَ 9 وَحْدَهُ 10 خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ [فِي

غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ] 1 . قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 38] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 106] . وَهَذَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ اللَّهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيُعَظِّمُونَ أَمْرَ مَحَبَّتِهِ، وَيَسْتَحِبُّونَ السَّمَاعَ بِالْغِنَاءِ وَالدُّفُوفِ وَالشَّبَّابَاتِ، وَيَرَوْنَهُ قُرْبَةً ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ يُحَرِّكُ مَحَبَّةَ اللَّهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِذَا حُقِّقَ أَمْرُهُمْ وُجِدَتْ مَحَبَّتُهُمْ تُشْبِهُ مَحَبَّةَ الْمُشْرِكِينَ لَا مَحَبَّةَ الْمُوَحِّدِينَ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ الْمُوَحِّدِينَ بِمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَالْمُجَاهَدَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 31] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 24] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54] . وَهَؤُلَاءِ لَا يُحَقِّقُونَ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ، وَلَا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَلْ كَثِيرٌ

مِنْهُمْ - أَوْ أَكْثَرُهُمْ - يَكْرَهُونَ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ، وَهُمْ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَلْ يُعَاوِنُونَ 1 أَعْدَاءَهُ، وَيَدَّعُونَ مَحَبَّتَهُ ; لِأَنَّ مَحَبَّتَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَحَبَّةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ 2 قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 35] . وَلِهَذَا يُحِبُّونَ سَمَاعَ الْقَصَائِدِ أَعْظَمَ مِمَّا يُحِبُّونَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ، وَيَجْتَهِدُونَ 3 فِي دُعَاءِ مَشَايِخِهِمْ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ عِنْدَ قُبُورِهِمْ، وَفِي حَيَاتِهِمْ فِي مَغِيبِهِمْ، أَعْظَمَ مِمَّا يَجْتَهِدُونَ فِي دُعَاءِ اللَّهِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ [وَالْبُيُوتِ] 4 . وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ لَيْسَ مَنْ فِعْلِ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ دِينَهُمْ، كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ بِإِحْسَانٍ] 5 ، فَأُولَئِكَ أَنْكَرُوا مَحَبَّتَهُ، وَهَؤُلَاءِ دَخَلُوا فِي مَحَبَّةِ الْمُشْرِكِينَ، وَالطَّائِفَتَانِ خَارِجَتَانِ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَنَفْسُ مَحَبَّتِهِ أَصْلٌ لِعِبَادَتِهِ، وَالشِّرْكُ فِي مَحَبَّتِهِ أَصْلُ الْإِشْرَاكِ فِي عِبَادَتِهِ، وَأُولَئِكَ فِيهِمْ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ 6 ، وَعِنْدَهُمْ كِبْرٌ مِنْ جِنْسِ كِبْرِ الْيَهُودِ.
وَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى، وَفِيهِمْ شِرْكٌ مِنْ جِنْسِ شِرْكِ النَّصَارَى.
وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ لَهُمْ عِبَادَةٌ وَرَحْمَةٌ وَرَهْبَانِيَّةٌ لَكِنْ بِلَا عِلْمٍ، وَلِهَذَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ بِلَا عِلْمٍ، قَالَ تَعَالَى [: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾

[سُورَةُ النِّسَاءِ: 171] . وَقَالَ تَعَالَى] 1 : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 77] أَيْ: وَسَطَ الطَّرِيقِ، وَهِيَ السَّبِيلُ الْقَصْدُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 9] ، وَهِيَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَأَخْبَرَ بِتَقَدُّمِ ضَلَالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ ضَلَالِهِمْ.
وَالْأَهْوَاءُ هِيَ إِرَادَاتُ النَّفْسِ 2 بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ مَا تُرِيدُهُ نَفْسُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ فَهُوَ مُتَّبِعٌ هَوَاهُ، وَالْعِلْمُ بِالَّذِي هُوَ مَصْلَحَةُ الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ [الْعِلْمُ] 3 الَّذِي [جَاءَتْ] 4 بِهِ الرُّسُلُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 50] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 120] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 48] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 18] .

التعليق على كلام بعض الصوفية الذي يتضمن الاتحاد والحلول ووحدة الوجود

وَلِهَذَا كَانَ مَشَايِخُ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفُونَ أَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ يُوصُونَ كَثِيرًا بِمُتَابَعَةِ الْعِلْمِ وَمُتَابَعَةِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ سَلَكُوا فِي الْعِبَادَةِ لِلَّهِ مُجَرَّدَ 1 مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَإِرَادَاتِهَا وَهَوَاهَا، مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ بِالْعِلْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَضَلُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَلَالًا يُشْبِهُ ضَلَالَ النَّصَارَى.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ - وَهُوَ أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ 2 -: " كُلُّ وَجْدٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهُوَ بَاطِلٌ "، وَقَالَ سَهْلٌ 3 : " كُلُّ عَمَلٍ بِلَا اقْتِدَاءٍ فَهُوَ عَيْشُ النَّفْسِ، وَكُلُّ عَمَلٍ بِاقْتِدَاءٍ فَهُوَ عَذَابٌ عَلَى النَّفْسِ ". وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ 4 : " مِنْ أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ

بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ [قَوْلًا وَفِعْلًا] 1 نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [سُورَةُ النُّورِ: 54] ". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " مَا تَرَكَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا لِكِبْرٍ فِي نَفْسِهِ ". وَهُوَ كَمَا قَالُوا، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلْأَمْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَانَ يَعْمَلُ بِإِرَادَةِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا عَيْشُ النَّفْسِ، وَهُوَ مِنَ الْكِبْرِ، فَإِنَّهُ شُعْبَةٌ 2 مِنْ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 124] . وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ يَصِلُ بِرِيَاضَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَتَصْفِيَةِ نَفْسِهِ إِلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعٍ لِطَرِيقِهِمْ 3 ، وَفِيهِمْ طَوَائِفُ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ صَارُوا أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْوَلِيَّ 4 الَّذِي يَظُنُّونَ هُمْ أَنَّهُ الْوَلِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِيهِمْ 5 مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَيَدَّعِي فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْعِلْمُ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: إِنَّ هَذَا

الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ لَهُ صَانِعٌ مُبَايِنٌ لَهُ.
لَكِنَّ هَذَا يَقُولُ: هُوَ اللَّهُ 1 ، وَفِرْعَوْنُ أَظْهَرَ الْإِنْكَارَ بِالْكُلِّيَّةِ، لَكِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ فِي الْبَاطِنِ أَعْرَفَ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ.
وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا 2 أَنَّ الْوُجُودَ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْوُجُودُ الْخَالِقُ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ 3 . وَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ مَنْ عَدَلَ عَنِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا الرَّسُولُ، إِلَى عِبَادَاتٍ بِإِرَادَتِهِ وَذَوْقِهِ وَوَجْدِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَهَوَاهُ، وَأَنَّهُمْ صَارُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الضَّلَالِ، [مَنْ جِنْسِ ضَلَالِ] 4 النَّصَارَى.
فَفِيهِمْ مَنْ يَدَّعِي إِسْقَاطَ وَسَاطَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْوُصُولَ إِلَى اللَّهِ بِغَيْرِ طَرِيقِهِمْ، وَيَدَّعِي مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي الِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ الْخَاصَّ: إِمَّا لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا لِشَيْخِهِ، وَإِمَّا لِطَائِفَتِهِ الْوَاصِلِينَ 5 ، إِلَى حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ بِزَعْمِهِ 6 . وَهَذَا قَوْلُ النَّصَارَى، وَالنَّصَارَى مَوْصُوفُونَ بِالْغُلُوِّ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ

مُبْتَدَعَةُ الْعُبَّادِ الْغُلُوُّ فِيهِمْ وَفِي الرَّافِضَةِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي إِمَّا لِنَفْسِهِ وَإِمَّا لِشَيْخِهِ [الْإِلَهِيَّةَ] 1 ، كَمَا يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ 2 لِأَئِمَّتِهِمْ بَنِي عُبَيْدٍ، وَكَمَا يَدَّعِيه كَثِيرٌ مِنَ الْغَالِيَةِ: إِمَّا لِلِاثْنَى عَشَرِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ، كَمَا تَدَّعِيهِ النُّصَيْرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ.
وَكَذَلِكَ فِي جِنْسِ الْمُبْتَدِعَةِ الْخَارِجِينَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّعَبُّدِ [وَالتَّأَلُّهِ] 3 وَالتَّصَوُّفِ، مِنْهُمْ طَوَائِفُ مِنَ الْغُلَاةِ يَدَّعُونَ الْإِلَهِيَّةَ، وَدَعْوَى مَا هُوَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُتَفَلْسِفًا يُجَوِّزُ وُجُودَ نَبِيٍّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ، كَالسُّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الزَّنْدَقَةِ 4 ، وَابْنِ سَبْعِينَ 5 ، وَغَيْرِهِمَا، صَارُوا

يَطْلُبُونَ النُّبُوَّةَ 1 ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ، وَرَأَى أَنَّ الشَّرْعَ الظَّاهِرَ لَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِهِ ; فَإِنَّهُ يَقُولُ: النُّبُوَّةُ خُتِمَتْ، لَكِنَّ الْوِلَايَةَ لَمْ تُخْتَمْ.
وَيَدَّعِي مِنَ 2 الْوِلَايَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَمَا يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَهُمْ فِي 3 الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ نَوْعَانِ 4 : نَوْعٌ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ، كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ، وَيَقُولُونَ فِي النُّبُوَّةِ: إِنَّ الْوِلَايَةَ أَعْظَمُ مِنْهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ:

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل