مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
فِيمَا 1 لَمْ يَزَلْ إِلَى مَا لَمْ يَزَلْ، كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْهُ [بِإِسْنَادِهِ] 2 فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 115] ، مَعَ قَوْلِ 3 جَعْفَرٍ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْمِلَلِ وَجَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ [كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ] 4 ، لَيْسَ [مَعَ] 5 اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ قَدِيمٌ بِقِدَمِ اللَّهِ ) 6 . وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَهِشَامُ بْنُ سَالِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْإِمَامِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: [إِنَّ] 7 الْقُرْآنَ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ (7 وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ 7) 8 ، كَمَا قَالَهُ 9 جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ [سَائِرُ] أَئِمَّةِ السُّنَّةِ 10 ( وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ هَلْ يَقُولُونَ بِدَوَامِ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ، كَمَا يَقُولُهُ أَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَمْ
يَقُولُونَ: تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، كَمَا تَقُولُهُ الْكَرَّامِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ *) (1) .
مقالات الروافض في القرآن
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ 2 : " وَاخْتَلَفَتِ الرَّوَافِضُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمْ فِرْقَتَانِ: فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَأَصْحَابُهُ: يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا خَالِقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ، وَزَادَ بَعْضُ مَنْ يُخْبِرُ عَنْ 3 الْمَقَالَاتِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ هِشَامِ فَزَعَمَ 4 أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا خَالِقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ، وَلَا يُقَالُ 5 أَيْضًا: غَيْرُ مَخْلُوقٍ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تُوصَفُ ". قَالَ: " وَحَكَى زَرْقَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ 6 أَنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَسْمُوعَ فَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الصَّوْتَ الْمُقَطَّعَ وَهُوَ 7 رَسْمُ الْقُرْآنِ، فَأَمَّا الْقُرْآنُ 8 فَهُوَ فِعْلُ اللَّهِ 9 مِثْلَ الْعِلْمِ وَالْحَرَكَةِ، لَا هُوَ هُوَ، وَلَا غَيْرَهُ 10 . وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمْ: يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، كَمَا تَزْعُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ ". قَالَ: " وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ 11 ".1
قُلْتُ 1 : وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ جَعْفَرِ [بْنِ مُحَمَّدٍ] 2 الصَّادِقِ، وَهَؤُلَاءِ (3 الَّذِينَ قَالُوا مِنَ السَّلَفِ 3) 3 : لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، لَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْذُوبٍ، بَلْ أَرَادُوا أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ 4 ، كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَهَذَا قَوْلُ مُتَأَخِّرِي الرَّافِضَةِ.
5 * فَإِنَّ [طَائِفَةً مِنْ مُتَأَخَّرِي الْإِمَامِيَّةِ] كَأَبِي الْقَاسِمِ الْمُوسَوِيِّ 6 الْمَعْرُوفِ بِالْمُرْتَضَى وَغَيْرِهِ لَمَّا وَافَقُوا الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى أَنَّهُ مُحْدَثٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمَكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، وَلَيْسَ لَهُ كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ، بَلْ كَلَامُهُ مِنْ جُمْلَةِ مَصْنُوعَاتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ، ثُمَّ سَمِعُوا عَنِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِثْلِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ 7 . قَالُوا: لَا نَقُولُ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ مُتَابَعَةً لِهَؤُلَاءِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ مُحْدَثٌ مَجْعُولٌ 8 مُوَافَقَةً 9 لِمَا ظَنُّوهُ مِنْ لَفْظِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 3] ، وَقَوْلِهِ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 2] .
وَكَثِيرٌ 10 مِنَ النَّاسِ - غَيْرِ الشِّيعَةِ 11 - يَقُولُونَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ،
وَيَقْصِدُونَ 1 فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مَكْذُوبٍ مُفْتَرًى، فَإِنَّهُ يُقَالُ: خَلَقَ 2 هَذَا الْحَدِيثَ وَاخْتَلَقَهُ [إِذَا افْتَرَاهُ] 3 . قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 17] ، وَقَالَ عَنْ قَوْمِ هُودٍ: قَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ - وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 137 - 138] . فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: كُلُّ مَنْ تَدَبَّرَ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ السَّلَفِ، وَمَا وَقَعَ مِنَ النِّزَاعِ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نِزَاعُهُمْ فِي أَنَّهُ مُفْتَرًى أَوْ غَيْرُ مُفْتَرًى، فَإِنَّ مَنْ يُقِرُّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ مُفْتَرًى، بَلْ إِنَّمَا يَقُولُ: إِنَّهُ مُفْتَرًى مَنْ قَالَ 4 : إِنَّ مُحَمَّدًا كَاذِبٌ افْتَرَى الْقُرْآنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 38] ، وَقَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 13] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 4] ، وَقَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 35] . وَالَّذِينَ تَنَازَعُوا فِي الْقُرْآنِ: هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ لِلْقُرْآنِ عَنِ اللَّهِ [تَعَالَى] 5 لَمْ يَفْتَرِهِ
هُوَ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَالْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا كَانَ أَصْلُهُمْ أَنَّ الرَّبَّ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ وَالْكَلَامُ، لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: كَلَامُهُ بَائِنٌ عَنْهُ مَخْلُوقٌ [مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ] (1) . وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَنْهُ هَذَا (2) الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ (3) ثُمَّ الْجَهْمَ [ابْنَ صَفْوَانَ] (4) ، ثُمَّ صَارَ هَذَا فِي الْمُعْتَزِلَةِ.
أقوال أئمة الإسلام في القرآن
وَلَمَّا ظَهَرَ هَذَا سَأَلُوا أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ مِثْلَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ 5 وَأَمْثَالِهِ، فَقَالُوا لِجَعْفَرٍ [الصَّادِقِ] 6 : الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَمْ مَخْلُوقٌ؟ 7 فَقَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ: " لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ " لَمْ يُرِدْ بِهِ [أَنَّهُ] 8 لَيْسَ بِكَاذِبٍ وَلَا مَكْذُوبٍ، لَكِنْ أَرَادَ [أَنَّهُ] 9 لَيْسَ هُوَ الْخَالِقَ لِلْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا هُوَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ.
وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -[رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 10 - لَمَّا قِيلَ1234
لَهُ: حَكَّمْتَ مَخْلُوقًا! ؟ قَالَ: لَمْ أُحَكِّمْ مَخْلُوقًا وَإِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ.
وَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ " 1 . قَالَ: " كَتَبَ إِلَيَّ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، 2 ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حَكَّمَ عَلِيٌّ الْحَكَمَيْنِ، قَالَتِ الْخَوَارِجُ: حَكَّمْتَ رَجُلَيْنِ؟ قَالَ: مَا حَكَّمْتُ مَخْلُوقًا، إِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ.
حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، ثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِلْحَكَمَيْنِ: احْكُمَا بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ كُلَّهُ لِي ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " ثَنَا أَبِي 3 ، ثَنَا الصُّهَيْبِيُّ ابْنُ عَمِّ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ وَعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ 4 ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ
عَبَّاسٍ فِي جِنَازَةٍ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ ارْحَمْهُ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْ، الْقُرْآنُ مِنْهُ، الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَرْبُوبٍ، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، ثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الطَّبَرِيُّ بِمَكَّةَ - يَعْنِي الْحَكَمَ بْنَ مُحَمَّدٍ - ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: سَمِعْتُ مَشْيَخَتَنَا مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ ". وَهَذَا رَوَاهُ 1 غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ [سُفْيَانَ] 2 بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " 3 .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " ثَنَا أَبِي، ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، ثَنَا رُوَيْمُ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ، وَرَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ رُوَيْمٍ، فَذَكَرَهُ.
وَحَدَّثَنَا 4 جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصْعَبٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ الْكُوفِيُّ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا مَعْبَدٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُعَاوِيَةَ 1 بْنِ عَمَّارٍ الذَّهَبِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: إِنَّهُمْ يَسْأَلُونِي عَنِ الْقُرْآنِ: مَخْلُوقٌ أَوْ خَالِقٌ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَهُ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي 2 ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا مَعْبَدٌ بِمِثْلِهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَ: قَالَ أَبِي 3 : وَحُدِّثْتُ 4 عَنْ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَعْبَدٍ، قَالَ 5 : رَأَيْتُ مَعْبَدًا هَذَا وَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ 6 ثُمَّ قَالَ: كَانَ يُفْتِي بِرَأْيِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سُئِلَ أَبِي [جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ] 7 عَنِ الْقُرْآنِ: خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: لَوْ كَانَ خَالِقًا لَعُبِدَ، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَنَفِدَ ".
وَمِثْلُ هَذِهِ الْآثَارِ كَثِيرَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ 8
وَغَيْرِهِمْ.
فَعَلِيٌّ -[رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 1 - لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: مَا حَكَّمْتُ مَخْلُوقًا وَإِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ، أَيْ: مَا حَكَّمْتُ كَلَامًا مُفْتَرًى ; فَإِنَّ الْخَوَارِجَ إِنَّمَا قَالُوا لَهُ: حَكَّمْتَ مَخْلُوقًا مِنَ النَّاسِ! ؟ - وَهُمَا أَبُو مُوسَى وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ 2 - فَقَالَ: لَمْ أُحَكِّمْ مَخْلُوقًا، وَإِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ يَصِفُ كَلَامَهُ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ وَيَقُصُّ 3 [وَيُفْتِي] 4 ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: 76] وَكَقَوْلِهِ 5 : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 127] أَيْ: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 213) .
وَإِذَا أُضِيفَ الْحُكْمُ وَالْقَصَصُ وَالْإِفْتَاءُ 6 إِلَى الْقُرْآنِ - الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ - فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي 7 حَكَمَ بِهِ وَأَفْتَى بِهِ وَقَصَّ بِهِ، كَمَا أَضَافَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
فَهَذَا هُوَ مُرَادُ عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] وَجَعْفَرِ [بْنِ مُحَمَّدٍ] وَغَيْرِهِمَا 1 مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ -[رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ] 2 - وَسَائِرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ بِلَا رَيْبٍ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةَ مُخَالِفُونَ لِأَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَسَائِرِ السَّلَفِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ كَمَا خَالَفُوهُمْ فِي غَيْرِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مَجْعُولٌ، فَاللَّهُ لَمْ يَصِفْهُ بِأَنَّهُ مَجْعُولٌ مُعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، بَلْ قَالَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 3] ، فَإِذَا قَالُوا: هُوَ مَجْعُولٌ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فَهَذَا حَقٌّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 2] ، فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ " الذِّكْرَ " نَوْعَانِ: مُحْدَثٌ وَغَيْرُ مُحْدَثٍ، كَمَا تَقُولُ: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ عَدْلٍ إِلَّا قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ، وَصِفَةُ النَّكِرَةِ لِلتَّخْصِيصِ، وَعِنْدَهُمْ كُلُّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ، وَالْمُحْدَثُ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ هُوَ الْمُحْدَثُ فِي كَلَامِهِمْ، فَلَمْ يُوَافِقُوا الْقُرْآنَ.
ثُمَّ إِذَا قِيلَ: هُوَ مُحْدَثٌ 3 ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا بَائِنًا 4 عَنِ اللَّهِ، بَلْ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ 5 بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ بِهِ، جَازَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُحْدَثٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كَلَامُهُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا
يَشَاءُ (1) ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا (2) فِي الصَّلَاةِ» " (3) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي أَحْدَثَهُ هُوَ أَمْرُهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ، لَا عَدَمُ تَكَلُّمِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِاخْتِيَارِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ النَّهْيِ، لَكِنْ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ (4) .
معارضة أدلة الإمامية بأدلة غيرهم من المبتدعة
وَالْمَقْصُودُ هُنَا 5 أَنَّهُ * 6 يُقَالُ لِهَذَا الْإِمَامِيِّ 7 : إِخْوَانُكَ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْحَقُّ دُونَ قَوْلِكَ، وَأَنْتَ لَمْ تَحْتَجْ لِقَوْلِكَ إِلَّا بِمُجَرَّدِ قَوْلِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، (7 وَهَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ جِسْمٌ 7) 8 ، فَنَاظِرْهُمْ فَإِنَّهُمْ إِخْوَانُكَ فِي الْإِمَامَةِ وَخُصُومُكَ فِي التَّوْحِيدِ.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُنَاظِرَ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ هُمْ خُصُومُكَ، وَأَمَّا 9 أَهْلُ السُّنَّةِ فَهُمْ وَسَطٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ خُصُومِكَ، وَأَنْتَ لَا تَقْدِرُ عَلَى قَطْعِ [خُصُومِكَ لَا] هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ 101234
فَإِنْ قُلْتَ: حُجَّتِي عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ قَالَ لَكَ إِخْوَانُكَ: بَلِ الْجِسْمُ عِنْدَنَا يَنْقَسِمُ إِلَى 1 قِسْمَيْنِ: قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، كَمَا أَنَّ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ وَالْمَوْجُودَ 2 وَالْحَيَّ 3 وَالْعَالِمَ وَالْقَادِرَ يَنْقَسِمُ إِلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ.
فَإِنْ قَالَ النَّافِي: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ، (* وَمَا لَمْ يَخْلُ عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ.
قَالَ لَهُ إِخْوَانُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ 4 الْحَوَادِثِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا لَمْ يَخْلُ عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ.
فَإِنْ 5 قَالَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ الْحَوَادِثِ *) 6 أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَالْأَعْرَاضُ حَادِثَةٌ 7 [فَإِنَّ الْعَرَضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُلَّابِيَّةِ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا اعْتَمَدَ الْآمِدِيُّ 8 وَطَعَنَ فِي كُلِّ دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَشْعَرِيَّةِ.
وَضَعَّفَ ذَلِكَ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامَهُ، وَقَالَ: هَذَا يَقْتَضِي بِنَاءً هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ الضَّعِيفَةِ،] وَقَدْ رَأَيْتُ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ،
فَرَأَيْتُهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، فَاحْتَجَّ بِاسْتِلْزَامِهَا لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَهَذَا النَّوْعُ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَكْوَانِ لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى نَفْيِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَا يُبَيِّنُ أُصُولَ الطَّوَائِفِ، وَأَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَفْسَدِ أَقْوَالِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ يُمْكِنُهُمُ الِانْتِصَافُ بِهَا مِنْ إِخْوَانِهِمْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ ضَالِّينَ مُبْتَدِعِينَ أَيْضًا 1 ، وَهُمْ مُنَاقِضُونَ لَهُمْ غَايَةَ الْمُنَاقَضَةِ، فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ هُمْ وَسَطٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَسَطٌ فِي الْمِلَلِ؟ !
فَإِذَا قَالَ النَّافِي: الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِهَا اسْتِلْزَامُهَا لِلْأَعْرَاضِ 2 ] 3 .
قَالُوا لَهُ 4 : لَيْسَ هَذَا قَوْلَكَ وَ [قَوْلَ] أَئِمَّتِكِ 5 الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ
الْأَشْعَرِيَّةِ 1 ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ يَخْلُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي الْأَكْوَانِ أَوْ فِي الْأَلْوَانِ 2 .
وَقَالُوا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَعْرَاضَ حَادِثَةٌ وَأَنَّهَا لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ قَوْلَكَ وَقَوْلَ شُيُوخِكَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ.
[فَإِنْ] 3 قَالَ الْإِمَامِيُّ النَّافِي: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُو مِنَ 4 الْحَوَادِثِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ الْأَكْوَانِ، وَالْأَكْوَانُ حَادِثَةٌ، (* إِذْ لَا يَخْلُو 5 عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا حَادِثَانِ.
قَالُوا لَهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَكْوَانَ كُلَّهَا 6 حَادِثَةٌ *) 7 ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السُّكُونَ حَادِثٌ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَنَا جِسْمٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ سَاكِنٌ، ثُمَّ تَحَرَّكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّكًا 8 ; لِأَنَّ السُّكُونَ إِنْ كَانَ عَدَمِيًّا جَازَ أَنْ يَحْدُثَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، وَإِنْ كَانَ وُجُودِيًّا جَازَ أَنْ يَزُولَ بِحَادِثٍ 9 .
قَالَ النَّافِي: الْقَدِيمُ لَا يَزُولُ.
قَالَ إِخْوَانُهُ: الْقَدِيمُ إِنْ كَانَ مَعْنًى عَدَمِيًّا جَازَ زَوَالُهُ بِاتِّفَاقِ 10 [الْعُقَلَاءِ] 11 ، (11 فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَادِثٍ إِلَّا وَعَدَمُهُ قَدِيمٌ 11) 12 ، وَالسُّكُونُ عِنْدَ كَثِيرٍ
مِنَ النَّاسِ عَدَمِيٌّ، وَنَحْنُ نَخْتَارُ أَنَّهُ عَدَمِيٌّ فَيَجُوزُ زَوَالُهُ، وَإِنْ كَانَ وُجُودِيًّا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زَوَالُهُ.
[فَإِنْ] قَالَ النَّافِي 1 : السُّكُونُ [وُجُودِيٌّ] ، وَإِذَا كَانَ 2 وُجُودِيًّا قَدِيمًا، فَالْمُقْتَضِي 3 لِقِدَمِهِ قَدِيمٌ مِنْ لَوَازِمِ الْوَاجِبِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا بِوُجُوبِ سَبَبِهِ 4 .
قَالَ إِخْوَانُهُ الْمُجَسِّمَةُ: هَذَا الْمَوْضِعُ يَرُدُّ عَلَى جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمُنَازِعِينَ 5 لَنَا مِنَ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ الْبَارِئَ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا، فَعُلِمَ جَوَازُ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ [كُلِّهَا] 6 بِلَا 7 سَبَبٍ حَادِثٍ.
[وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ - بَلْ يَجِبُ 8 - حُدُوثُ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا بِغَيْرِ 9 سَبَبٍ حَادِثٍ] 10 (11 لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا عِنْدَهُمْ 11) 11 ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ اخْتَرْنَا 12 أَنْ يَكُونَ السُّكُونُ عَدَمِيًّا، وَالْحَادِثُ هُوَ 13 الْحَرَكَةُ الَّتِي هِيَ وُجُودِيَّةٌ، فَإِذَا جَازَ إِحْدَاثُ جُرْمٍ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ فَإِحْدَاثُ حَرَكَةٍ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ أَوْلَى.
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ السُّكُونَ وُجُودِيٌّ، فَإِذَا جَازَ وُجُودُ أَعْيَانٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ،
وَذَلِكَ تَحَوُّلٌ 1 مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ ; سَوَاءٌ سُمِّيَ مِثْلُ هَذَا تَغَيُّرًا وَانْتِقَالًا 2 أَوْ لَمْ يُسَمَّ، جَازَ أَنْ يَتَحَرَّكَ السَّاكِنُ وَيَنْتَقِلَ 3 مِنَ السُّكُونِ إِلَى الْحَرَكَةِ 4 [وَإِنْ كَانَا وُجُودِيَّيْنِ 5 .
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْمُقْتَضِي لِقِدَمِهِ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُوبِ.
جَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ يَكُونُ بَقَاؤُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِزَوَالِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُونَهُ فِي سَبَبِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ انْتَقَلَ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ، فَمَا كَانَ جَوَابُهُمْ عَنْ ذَلِكَ 6 كَانَ جَوَابًا عَنْ هَذَا، وَإِنْ قَالُوا بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ بِطَلَ قَوْلُهُمْ وَقَوْلُنَا.
وَبِالْجُمْلَةِ 7 هَلْ يَجُوزُ 8 أَنْ يَحْدُثَ عَنِ الْقَدِيمِ أَمْرٌ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَتَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفِيِ الْمُمْكِنِ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ؟ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ الْقَادِرُ مَا بِهِ يُزِيلُ السُّكُونَ الْمَاضِي مِنَ الْحَرَكَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السُّكُونُ وُجُودِيًّا أَوْ عَدَمِيًّا] 9 .
قَالَ النَّافِي: هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ مَحَلًّا لِلْحَرَكَةِ وَلِلْحَوَادِثِ 10 أَوْ لِلْأَعْرَاضِ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
قَالَ إِخْوَانُهُ الْإِمَامِيَّةُ: قَدْ صَادَرْتَنَا عَلَى الْمَطْلُوبِ فَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِنَا، فَإِنَّا نَقُولُ 1 : إِنَّهُ يَتَحَرَّكُ وَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ وَالْأَعْرَاضُ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِنَا؟
قَالَ النَّافِي: لِأَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا، وَمَا لَا يَخْلُو مِنَ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ.
قَالَ إِخْوَانُهُ: قَوْلُكَ: مَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا، فَهَذَا 2 لَيْسَ قَوْلَ الْإِمَامِيَّةِ وَلَا قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ.
وَقَدِ اعْتَرَفَ الرَّازِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِضَعْفِهِ وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهُمْ وَأَنْتُمْ تُسَلِّمُونَ لَنَا أَنَّهُ أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَادِثٌ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، فَإِذَا حَدَثَتِ 3 الْحَوَادِثُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسْبَابٌ حَادِثَةٌ، جَازَ أَنْ تَقُومَ بِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً بِهِ.
فَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةُ، وَيَقُولُهُ 4 مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ إِثْبَاتِ أَنَّهُ جِسْمٌ قَدِيمٌ، وَأَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا، أَوْ تَحَرَّكَ 5 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّكًا، لَا يُمَكِنُ لِهَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ 6 وَمُوَافَقِيهِمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ [وَالْكُلَّابِيَّةِ] 7 إِبْطَالُهُ، فَإِنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمْ بِامْتِنَاعِ (* الْحَوَادِثِ بِهِ،
وَهَؤُلَاءِ قَدْ جَوَّزُوا ذَلِكَ *) 1 ، [ثُمَّ الْكُلَّابِيَّةُ 2 لَا تَنْفِي قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهِ لِانْتِفَاءِ 3 الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: بِقِيَامِ أَعْيَانِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ بِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفُونَ قِدَمَ النَّوْعِ لِتَجَدُّدِ أَعْيَانِهِ فَإِنَّهَا حَوَادِثُ.
وَعُمْدَتُهُمْ فِي نَفْيِ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَبْلَ الْحَوَادِثَ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا، وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ حُذَّاقِهِمْ، كَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا أَبُو الْمَعَالِي وَأَمْثَالُهُ فَلَمْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَقْلِيَّةً عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى تَنَاقُضِ 4 أَقْوَالِ مَنْ نَازَعَهُمْ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَتَنَاقُضُ أَقْوَالِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهَا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ مَعَ فَسَادِ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا 5 لَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ قَوْلِ الْكُلَّابِيَّةِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ إِفْسَادُ بَعْضِهِمْ قَوْلَ الْآخَرِينَ وَبَيَانُ تَنَاقُضِهِ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ قَوْلٌ صَحِيحٌ يُقَالُ بِهِ.
وَلِهَذَا كَانَتِ الْفَائِدَةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ كَلَامِهِمْ نَقْضَ بَعْضِهِمْ كَلَامَ بَعْضٍ فَلَا يُعْتَقَدُ شَيْءٌ مِنْهَا، ثُمَّ إِنْ عُرِفَ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَإِلَّا اسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ السَّلَامَةُ مِنْ
تِلْكَ الْاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الْحَقُّ فَالْجَهْلُ الْبَسِيطُ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ، وَعَدَمُ اعْتِقَادِ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ خَيْرٌ مِنِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ مِنْهَا] 1 .
(2 وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَتَنْفِي 2) 2 قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ فَلَا تَقُومُ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: بَلْ تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ.
وَعُمْدَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَوْ قَامَتْ بِهِ لَكَانَ جِسْمًا ; وَهَؤُلَاءِ الْتَزَمُوا أَنَّهُ جِسْمٌ.
وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ فِي نَفْيِ كَوْنِهِ جِسْمًا أَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُو مِنَ الْحَوَادِثِ.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ نَازَعُوهُمْ فِي هَذَا وَقَالُوا: بَلْ يَخْلُو 3 عَنِ الْحَوَادِثِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْبَارِئَ جِسْمٌ قَدِيمٌ ; كَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ: إِنَّهُ 4 ذَاتٌ قَدِيمَةٌ، وَإِنَّهُ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا، [وَتَجْعَلُونَ مَفْعُولَهُ هُوَ فِعْلَهُ] 5 . لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَهُ 6 فِعْلٌ قَائِمٌ بِهِ وَمُنْفَصِلٌ عَنْهُ ; وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: [لَهُ] 7 مَفْعُولٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَلَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ.
وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ فِي الْأَزَلِ: إِنْ كَانَ سَاكِنًا لَمْ تَجُزْ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ 8 ; لِأَنَّ السُّكُونَ مَعْنًى وُجُودِيٌّ أَزَلِيٌّ فَلَا يَزُولُ، وَإِنْ كَانَ مُتَحَرِّكًا لَزِمَ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: بَلْ كَانَ سَاكِنًا فِي الْأَزَلِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ 9
السُّكُونَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ، (1 أَوْ عَدَمُ الْحَرَكَةِ عَمَّا يُمْكِنُ تَحْرِيكُهُ 1) 1 ، أَوْ عَدُمُهَا 2 عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ، فَلَا يُسَلِّمُونَ أَنَّ السُّكُونَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ 3 فِي الْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْجَهْلِ الْبَسِيطِ.
(* وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ عَدَمِيَّةٌ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَحْدَهُمْ، كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْكَلَامِ، بَلْ هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ النُّظَّارِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ [وَالصَّلَاةِ] 4 ، وَتَنَازُعُهُمْ فِي هَذَا كَتَنَازُعِهِمْ فِي نَظَائِرِهِ، مِثْلُ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ *) 5 .
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ وُجُودِيٌّ، فَلَا يُسَلِّمُونَ أَنَّ 6 كُلَّ أَزَلِيٍّ يَزُولُ، بَلْ يَقُولُونَ فِي تَبَدُّلِ 7 السُّكُونِ بِالْحَرَكَةِ مَا يَقُولُهُ مُنَاظِرُوهُمْ فِي تَبَدُّلِ 8 الِامْتِنَاعِ بِالْإِمْكَانِ، فَإِنَّ الطَّائِفَتَيْنِ اتَّفَقَتَا عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي الْأَزَلِ فَصَارَ مُمْكِنًا، فَهَكَذَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ فِي السُّكُونِ الْوُجُودِيِّ إِنْ 9 كَانَ تَبَدُّلُهُ بِالْحَرَكَةِ فِي الْأَزَلِ 10 مُمْتَنِعًا وَهُوَ - فِيمَا لَا يَزَالُ - مُمْكِنٌ فَتَبَدَّلَ 11 حَيْثُ أَمْكَنَ التَّبَدُّلُ 12 ، كَمَا يَقُولُونَ جَمِيعًا: إِنَّهُ حَدَثَ 13 الْفِعْلُ حَيْثُ كَانَ الْحُدُوثُ مُمْكِنًا.
فَهَذَا بَحْثُ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ [وَالْكُلَّابِيَّةِ] 1 وَأَتْبَاعِهِمْ 2 فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَعْتَمِدُونَ فِيهَا عَلَى الْعَقْلِ 3 ، وَقَدْ أَجَابَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ 4 وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ الدَّلِيلَ [الدَّالَّ] 5 عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ هُوَ هَذَا الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا صَحِيحًا انْسَدَّ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ 6 حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ 7 .
فَقَالَ 8 الْمُخَالِفُ لِهَؤُلَاءِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ 9 حُدُوثِ الْعَالَمِ وَلَا إِلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ، بَلْ هَذَا طَرِيقٌ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا الْقَرَابَةِ 10 وَلَا التَّابِعِينَ يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَ 11 ، وَإِنَّمَا سَلَكَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ 12 لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ لَكَانَ بَيَانُهَا مِنَ الدِّينِ، وَلَمْ يَحْصُلِ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهَا.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِأُمَّتِهِ، وَلَا دَعَاهُمْ بِهَا وَلَا إِلَيْهَا 13 وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ 14 الْإِيمَانَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ،
وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا طَرِيقٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَسْلُكْهَا السَّلَفُ، وَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ فِي صِحَّتِهَا، فَكَيْفَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ بِالصَّانِعِ وَالْعِلْمَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا؟
وَقَالُوا: 1 [بَلْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ تُنَافِي الْعِلْمَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَكَوْنَهُ خَالِقًا لِلْعَالَمِ آمِرًا بِالشَّرَائِعِ، مُرْسِلًا لِلرُّسُلِ، فَالَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَإِنَّ الْعِلْمَ بِالنُّبُوَّةِ وَصِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا، مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ جَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، لَا سِيَّمَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ، وَكَلَامُهُمْ فِي تَبْدِيعِ أَهْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَذَمِّهِ وَذَمِّ أَهْلِهِ وَنِسْبَتِهِمْ إِلَى الْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ السَّلَفِ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ هُوَ مِمَّا أَنْكَرَهُ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ 2 ، لَكِنْ سَلَّمَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَازَعُوهُمْ فِي مُوجِبِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَنَازَعُوهُمْ أَيْضًا فِي تَوَقُّفِ صِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ ; مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي " رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الثَّغْرِ بِبَابِ الْأَبْوَابِ " 3 ، وَذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ
وَأَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ 1 وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى 2 وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فَبَيَّنُوا أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ أَيْضًا، وَأَنَّهَا تُنَافِي صِحَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا فِي الْعِلْمِ بِهِ، وَأَيْنَ اللَّازِمُ لِدِينِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُنَافِي لَهُ؟ !
وَبَيَّنُوا أَنَّ تَقْدِيرَ ذَاتٍ لَمْ تَزَلْ غَيْرَ فَاعِلَةٍ وَلَا مُتَكَلِّمَةٍ بِمَشِيئَتِهَا وَقُدْرَتِهَا، ثُمَّ حُدُوثُ مَا يَحْدُثُ مِنْ مَفْعُولَاتٍ - مِثْلِ كَلَامٍ مُؤَلَّفٍ مَنْظُومٍ وَأَعْيَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ - بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ، مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِكَوْنِهِ سُبْحَانَهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلِكَوْنِ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرُّسُلُ، بَلْ حَقِيقَتُهُ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ لِامْتِنَاعِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَعَّالًا أَوْ مُقَالًا لَهُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى مَجَامِعِ الطُّرُقِ وَالْمَقَالَاتِ.
قَالَتِ النُّفَاةُ: فَإِذَا كَانَتْ طُرُقُنَا فِي إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَحُدُوثِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ طُرُقًا بَاطِلَةً] 3 فَمَا الطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ؟ 4
قَالُوا: [أَوَّلًا] : لَا يَجِبُ 5 عَلَيْنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَانُ ذَلِكَ، بَلِ الْمَقْصُودُ [هَهُنَا] 6 أَنَّ هَذِهِ طَرِيقٌ مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ
الطَّرِيقَ (1) الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً أَوْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْوَاجِبُ أَوِ الْإِيمَانُ [بِصِدْقِهِ] (2) مَوْقُوفًا عَلَيْهَا.
وَقَالُوا: (3) كُلٌّ مِنَ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
طرق إثبات وجود الله عند أهل السنة
أَمَّا إِثْبَاتُ الصَّانِعِ فَطَرْقُهُ لَا تُحْصَى، بَلِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ 4 أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالصَّانِعِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ مَغْرُوزٌ 5 فِي الْجِبِلَّةِ، 6 ، [وَلِهَذَا كَانَتْ دَعْوَةُ عَامَّةِ الرُّسُلِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَكَانَ عَامَّةُ الْأُمَّةِ مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ مَعَ إِشْرَاكِهِمْ بِهِ بِعِبَادَةِ مَا دُونِهُ، وَالَّذِينَ أَظْهَرُوا إِنْكَارَ الصَّانِعِ كَفِرْعَوْنَ خَاطَبَتْهُمُ الرُّسُلُ خِطَابَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ حَقٌّ، كَقَوْلِ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 102] ، وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 23] ، قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 24 - 28] .123
وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سُورَةُ طه: 49 - 50] ، فَكَانَ جَوَابُ مُوسَى لَهُ جَوَابًا لِلْمُتَجَاهِلِ الَّذِي يُظْهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ، فَإِنَّ سُؤَالَ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِوُجُودِهِ، لَيْسَ هُوَ اسْتِفْهَامَ طَلَبٍ لِتَعْرِيفِ مَاهِيَّتِهِ كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَالُوا: إِنَّ فِرْعَوْنَ طَالَبَهُ بِبَيَانِ الْمَاهِيَّةِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ الْجَوَابِ بِذِكْرِهَا، فَإِنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالصَّانِعِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ كَانَ جَاحِدًا لَهُ، وَكَانَ اسْتِفْهَامُهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ لِوُجُودِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 38] ، وَقَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 24] ، وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُودِهِ طَالِبًا لِمَعْرِفَةِ مَاهِيَّتِهِ لَمْ يَقِلْ هَذَا، وَلَكَانَ مُوسَى مَا أَجَابَهُ إِجَابَةً لَمْ تُذْكَرْ فِيهَا مَاهِيَّتُهُ 1 .
مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ هِيَ مَا يَقُولُهُ الْمَنْطِقِيُّونَ مِنْ ذِكْرِ الذَّاتِيِّ الْمُشْتَرَكِ وَالذَّاتِيِّ الْمُمَيَّزِ، وَهُمَا الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ، كَلَامٌ بَاطِلٌ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبُيِّنَ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُغَايِرَةَ لِلْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إِنَّمَا هِيَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّ مَا فِي الْأَذْهَانِ مِنَ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ.
وَأَمَّا دَعْوَى أَهْلِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ أَنَّ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّةً وَوُجُودًا غَيْرَ
الْمَاهِيَّةِ، وَأَنَّ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى لَازِمَةٍ مُقَوِّمَةٍ دَاخِلَةٍ فِي الْمَاهِيَةِ، وَمُفَارِقَةٍ عَرَضِيَّةٍ لَهَا غَيْرِ مُقَوِّمَةٍ، وَإِلَى لَازِمَةٍ لِوُجُودِهَا الْخَارِجِيِّ دُونَ مَاهِيَّتِهَا الْخَارِجِيَّةِ، فَكَلَامٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ، وَبُيِّنَ أَنَّ الصِّفَاتِ تَنْقَسِمُ إِلَى لَازِمَةٍ لِلْمَوْصُوفِ وَعَارِضَةٍ لَهُ فَقَطْ، كَمَا عَلَيْهِ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَبُيِّنَ كَلَامُ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ، وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ أَصَحُّ مِنْ كَلَامِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْيُونَانِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمِلَلِ] 1 . وَأَيْضًا فَنَفْسُ حُدُوثِ الْإِنْسَانِ يُعْلَمُ 2 بِهِ 3 صَانِعُهُ، وَكَذَلِكَ حُدُوثُ كُلِّ مَا يُشَاهَدُ 4 حُدُوثُهُ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ 5 . وَأَيْضًا، فَالْوُجُودُ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ مُوجِدٍ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ 6 ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ مَا هُوَ حَادِثٌ، فَقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ انْقِسَامُ الْمَوْجُودِ 7 إِلَى قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ وَإِلَى مُحْدَثٍ.
[طرق إثبات حُدُوثُ الْعَالَمِ]
وَأَمَّا حُدُوثُ الْعَالَمِ فَيُمْكِنُ عِلْمُهُ 8 بِالسَّمْعِ وَبِالْعَقْلِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِالصَّانِعِ إِمَّا بِالضَّرُورَةِ وَالْفِطْرَةِ، وَإِمَّا بِمُشَاهَدَةِ حُدُوثِ الْمُحْدَثَاتِ 9 ،
وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْلَمُ صِدْقُ الرَّسُولِ بِالطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَدَلَالَةُ الْمُعْجِزَاتِ طَرِيقٌ مِنَ الطُّرُقِ، وَطَرِيقُ التَّصْدِيقِ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ، ثُمَّ يُعْلَمُ بِخَبَرِ الرَّسُولِ حُدُوثُ الْعَالَمِ.
وَأَمَّا بِالْعَقْلِ فَيُعْلَمُ 1 أَنَّ الْعَالَمَ لَوْ كَانَ قَدِيمًا لَكَانَ: إِمَّا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ 2 مِنْ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ ; وَإِمَّا وَاجِبًا بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمُقْتَضِي لَهُ مُوجِبًا بِذَاتِهِ بِمَعْنَى 3 أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِمُقْتَضَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ شَاعِرًا مُرِيدًا أَمْ 4 لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ مَفْعُولٌ 5 ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةٌ 6 تَامَّةٌ مُقْتَضِيَةً لَهُ فِي الْأَزَلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ بِذَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ مُبْدِعُهُ مُوجِبًا بِذَاتِهِ 7 عِلَّةً تَامَّةً لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهِ 8 وَمُقْتَضَاهُ، وَالْحَوَادِثُ مَشْهُودَةٌ فِي الْعَالَمِ، فَعُلِمَ أَنَّ فَاعِلَهُ لَيْسَ عِلَّةً تَامَّةً، [وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً] 9 لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا.
وَهَذِهِ 10 الْحَوَادِثُ الَّتِي فِي الْعَالَمِ إِنْ قِيلَ: إِنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ امْتَنَعَ أَنْ
تَكُونَ الْعِلَّةُ الْأَزَلِيَّةُ التَّامَّةُ عِلَّةً لِلْمَلْزُومِ 1 دُونَ لَازِمِهِ، وَامْتَنَعَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلَازِمِهِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ لَا تَقْتَضِي حُدُوثَ شَيْءٍ، وَإِنْ 2 لَمْ تَكُنِ الْحَوَادِثُ مِنْ لَوَازِمِهِ كَانَتْ حَادِثَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، فَإِنْ 3 لَمْ يَكُنْ لَهَا مُحْدِثٌ لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ 4 بِلَا مُحْدِثٍ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مُحْدِثٌ غَيْرُ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ، كَانَ الْقَوْلُ فِي حُدُوثِ إِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا كَالْقَوْلِ فِي ذَلِكَ الْمُحْدِثِ، وَإِنْ 5 كَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُحْدِثُ فَقَدْ حَدَثَتْ عَنْهُ الْحَوَادِثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَدْ تَغَيَّرَ 6 وَصَارَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ الْأَزَلِيَّةُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا التَّغَيُّرُ وَالِانْتِقَالُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَغَيُّرَهَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ [الْأَزَلِيَّةُ] 7 لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدَثَ فِيهَا حَادِثٌ، فَإِنَّهُ إِنْ حَدَثَ 8 بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ لَزِمَ الْحُدُوثُ بِلَا سَبَبٍ 9 ، وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ بِهَا لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا فَاعِلٍ، فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً، وَإِنَّ جَوَّزَ مُجَوِّزٌ 10 عَلَيْهَا الِانْتِقَالَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، جَازَ أَنْ يَحْدُثَ الْعَالَمُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَبَطَلَ 11 حُجَّةُ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ 1 لَا يَكُونُ الْمُنْتَقِلُ 2 مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ إِلَّا فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ لَا مُوجِبًا بِالذَّاتِ.
وَإِيضَاحُ هَذَا 3 أَنَّ الْحَوَادِثَ إِمَّا أَنْ يَجُوزَ دَوَامُهَا لَا إِلَى أَوَّلٍ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَوَّلٌ، فَإِنْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَوَّلٌ بَطَلَ مَذْهَبُ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ حَرَكَاتِ 4 الْأَفْلَاكِ أَزَلِيَّةٌ.
وَأَيْضًا، فَإِذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَوَّلٌ لَزِمَ حُدُوثُ الْعَالَمِ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْحَوَادِثِ 5 ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَوَادِثِ أَوْ 6 تَكُونَ عَارِضَةً لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لَهَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهَا، فَإِذَا 7 كَانَ لَهَا ابْتِدَاءٌ كَانَ لَهُ 8 (* ابْتِدَاءٌ لَازِمًا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ لَا يَسْبِقُهَا وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا، فَإِذَا قُدِّرَ 9 أَنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا كَائِنَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَادِثٌ أَصْلًا، كَانَ الْمَقْرُونُ بِهَا الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهَا كَائِنًا 10 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَطْعًا ) 11 ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَوَادِثُ 12 عَارِضَةً لِلْعَالَمِ 13 ثَبَتَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، ( وَإِذَا جَازَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ [كُلِّهَا] 14 بِلَا سَبَبٍ [حَادِثٍ] 15 ، جَازَ حُدُوثُ الْعَالَمِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ ) 16 17 ، ( فَبَطَلَتْ كُلُّ حُجَّةٍ تُوجِبُ قِدَمَهُ، وَكَانَ الْقَائِلُ بِقِدَمِهِ قَائِلًا بِلَا حُجَّةٍ أَصْلًا *) 18 .
وَإِذَا قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ قَدِيمًا عَنْ عِلَّتِهِ 1 بِلَا حَادِثٍ فِيهِ، ثُمَّ حَدَثَتْ فِيهِ الْحَوَادِثُ كَانَ هَذَا بَاطِلًا ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُحْدِثَهَا 2 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا 3 لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا 4 بَلْ فَاعِلًا بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، (5 وَالْفَاعِلُ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ 5) 5 لَا يُقَارِنُهُ مَفْعُولُهُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَلِأَنَّهُ عَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهُ الْقَدِيمُ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ، وَيَجِبُ أَنْ 6 يَبْقَى مُعَطَّلًا عَنِ الْفِعْلِ إِلَى أَنْ يُحْدِثَ الْحَوَادِثَ، فَإِيجَابُ تَعْطِيلِهِ 7 وَإِيجَابُ فِعْلِهِ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ 8 ، وَتَخْصِيصٌ 9 بِلَا مُخَصِّصٍ 10 ، فَإِنَّهُ 11 بِذَاتِهِ إِمَّا أَنْ يَجِبَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ.
(12 وَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ كَوْنُهُ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ الْأَمْرَانِ.
فَإِنْ وَجَبَ كَوْنُهُ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ، جَازَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ، وَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا ابْتِدَاءٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ لَهَا ابْتِدَاءً 12) 12 ، وَإِنِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ [فَاعِلًا] 13 فِي الْأَزَلِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ قَدِيمٌ 14 فِي الْأَزَلِ غَيْرَهُ، فَلَا يَجُوزُ قِدَمُ الْعَالَمِ خَالِيًا عَنِ الْحَوَادِثِ وَلَا مَعَ الْحَوَادِثِ.
وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ (1 وَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ 1) 1 ، فَجَازَ 2 حُدُوثُ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ.
3 [وَإِنْ قِيلَ: بَلْ يَكُونُ فَاعِلًا لِغَيْرِ الْحَوَادِثِ ثُمَّ يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ فِيمَا لَا يَزَالُ ; كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ 4 بِقِدَمِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ، وَأَنَّ الْأَجْسَامَ حَدَثَتْ عَنْ بَعْضِ مَا حَدَثَ لِلنَّفْسِ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْإِرَادَاتِ 5 ، وَكَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ 6 ، كَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ أَوْجَبَ حُدُوثَهَا إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي تَجَدُّدَ إِحْدَاثِ الْحَوَادِثِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ بِقِدَمِ النَّفْسِ يَقْتَضِي دَوَامَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّ مَا يَحْدُثُ مِنْ تَصَوُّرَاتِ النَّفْسِ وَإِرَادَاتِهَا حَوَادِثُ دَائِمَةٌ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ 7 ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَالَّذِينَ قَالُوا بِدَوَامٍ مَعْلُولٍ مُعَيَّنٍ عَنْهُ الْتَزَمُوا دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ فِرَارًا مِنْ هَذَا الْمَحْذُورِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَازِمًا لَهُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمُمْتَنِعِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ جَوَازُ كَوْنِهِ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ، يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْرَفْ مَنْ قَالَ بِكَوْنِهِ فَاعِلًا فِي الْأَزَلِ مَعَ امْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ عَنْ تَصَوُّرٍ مِنْ تَصَوُّرَاتٍ النَّفْسِ يَقُولُونَ بِدَوَامِ الْحَوَادِثِ فِي النَّفْسِ، وَالْقَائِلِينَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ فَاعِلٌ لَهَا فِي الْأَزَلِ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ بِنَفْسِهَا، هَذَا هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُمْ، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا مَعْلُولَةٌ لَهُ لَا مَفْعُولَةٌ لَهُ] 1 . فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلْعَالَمِ فِي الْأَزَلِ، وَقُدِّرَ امْتِنَاعُ الْحُدُوثِ فِي الْأَزَلِ، جُمِعَ بَيْنَ [وُجُوبِ] 2 كَوْنِهِ فَاعِلًا، وَامْتِنَاعِ كَوْنِهِ فَاعِلًا.
وَإِذَا قِيلَ 3 : يَفْعَلُ مَا هُوَ قَدِيمٌ وَلَا يَفْعَلُ مَا هُوَ حَادِثٌ.
قِيلَ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْقَدِيمِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ الْمَعْلُولَ الْقَدِيمَ 4 حَدَثَتْ فِيهِ الْحَوَادِثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِلَا سَبَبٍ [حَادِثٍ] 5 ، وَالْمَعْلُولُ الْقَدِيمُ 6 لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي (7 تَغْيِيرَ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ.
ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمُتَضَمِّنِ إِثْبَاتَ قَدِيمٍ مَعْلُولٍ لِلَّهِ أَوْ 7) 7 إِثْبَاتَ قُدَمَاءَ مَعْلُولَةٍ 8 عَنِ اللَّهِ مَعَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ (9 الدَّائِمَةِ فِي ذَلِكَ الْقَدِيمِ، أَوْ مَعَ تَجَدُّدِ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ 9) 9 فِيهَا هُوَ 10 قَوْلٌ بِحُدُوثِ [هَذَا] 11
الْعَالَمِ، كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ دِيمُقْرَاطِيسْ 1 وَمُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِمَا - وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ 2 -[وَكَمَا هُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ كُلِّهَا، وَالرَّازِيُّ قَدْ يَجْعَلُ الْقَوْلَيْنِ قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي " مُحَصَّلِهِ " 3 وَغَيْرِ مُحَصَّلِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْحَرْنَانِيِّينَ 4 هُوَ الْقَوْلُ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَيْهِ تَصَوُّرَ النَّفْسِ وَ (قَدْ حَدَثَ لَهَا عِشْقٌ) تَعَلَّقَتْ بِسَبَبِهِ بِالْهُيُولِي لِيَكُونَ لِلْأَجْسَامِ سَبَبٌ اقْتَضَى حُدُوثَهَا 5 6 ، لَكِنَّهُ 7 مَعَ هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ 8 حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ إِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، (9 وَإِذَا كَانَتْ أَحْوَالُ الْفَاعِلِ وَاحِدَةً، وَهُوَ لَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ امْتَنَعَ أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضُ الْأَحْوَالِ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ الْأَجْسَامِ 9) 9 ، وَإِنَّ
كَانَ مُمْكِنًا أَمْكَنَ حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْقُدَمَاءُ مِمَّا يَجُوزُ حُدُوثُهُ.
وَأَيْضًا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ مُوجِبًا بِذَاتِهِ 1 لِمَعْلُولَاتِهِ 2 ع: لَمْ يَصِرْ، وَهُوَ خَطَأٌ.
فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ لِغَيْرِهَا، وَالْقَوْلُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُنَاقِضُ الْآخَرَ] 3 . .
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْحَوَادِثَ يَجُوزُ دَوَامُهَا، امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً أَزَلِيَّةً لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَالْعَالَمُ لَا يَخْلُو مِنْهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ع (فَقَطْ) : وَالْعَالَمُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَفِي الْعِبَارَةِ نَقْصٌ وَتَحْرِيفٌ.
بَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لَهَا، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً [تَامَّةً] تَامَّةً: 4 . لَهَا فِي الْأَزَلِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْمَلْزُومِ دُونَ لَازِمِهِ.
(7 وَأَيْضًا، فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى الْوَاجِبِ يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَوْجُودًا بَعْدَ عَدَمِهِ 7) 5 . 6 7 . [وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُعَيَّنَ يُقَارِنُ فَاعِلَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، حَتَّى أَرِسْطُو وَأَصْحَابِهِ الْقُدَمَاءِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ لَا يَكُونُ
إِلَّا مُحْدَثًا مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ.
وَإِنَّمَا أَثْبَتَ مُمْكِنًا قَدِيمًا ابْنُ سِينَا وَمَنْ وَافَقَهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ الْفَلَاسِفَةُ وَبَيَّنُوا أَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ سَلَفِهِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ مَفْعُولٌ أَوْ مُبْدَعٌ أَوْ مَصْنُوعٌ لَا يَكُونُ إِلَّا مُحْدَثًا.
وَلِهَذَا كَانَ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ إِذَا تَصَوَّرُوا أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ تَصَوَّرُوا أَنَّهُ أَحْدَثَهَا، لَا يُتَصَوَّرُ فِي عُقُولِهِمْ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً قَدِيمَةً، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِبَارَاتٍ أُخَرَ مِثْلِ أَنْ يُقَالَ: هِيَ مُبْدَعَةٌ قَدِيمَةٌ أَوْ مُفْعُولَةٌ قَدِيمَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، بَلْ هَذَا وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ، وَمَا يَذْكُرُهُ مَنْ يُثْبِتُ مُقَارَنَةَ الْمَفْعُولِ لِفَاعِلِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَرَّكْتُ يَدِي فَتَحَرَّكَ الْخَاتَمُ وَنَحْوُهُ، تَمْثِيلٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَذْكُرُونَهُ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْمَعْلُولِ الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ شَرْطٌ أَوْ سَبَبٌ كَالشَّرْطِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَ الْمَشْرُوطَ، هَذَا إِذَا سُلِّمَ مُقَارَنَةُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَفِي كَثِيرٍ مِمَّا يَذْكُرُونَهُ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ مَعَ اتِّصَالِهِ بِهِ، كَأَجْزَاءِ الزَّمَانِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ، هُوَ مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مَعَ التَّأَخُّرِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ فِي " مُحَصَّلِهِ " وَغَيْرِ مُحَصَّلِهِ ; حَيْثُ قَالَ 1 .: " اتَّفَقَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ يَمْتَنِعُ اسْتِنَادُهُ 2 . إِلَى الْفَاعِلِ، وَاتَّفَقَتْ
الْفَلَاسِفَةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ زَمَانًا، فَإِنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ عِنْدَهُمْ زَمَانًا مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى ".
فَيُقَالُ: أَمَّا نَقْلُهُ عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَصَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَأَمَّا نَقْلُهُ عَنِ الْفَلَاسِفَةِ، فَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ كَابْنِ سِينَا، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ: لَا الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَلَا الْقَائِلِينَ بِحُدُوثِ صُورَتِهِ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِهِ لَمْ يَكُونُوا يُثْبِتُونَ لَهُ فَاعِلًا مُبْدِعًا كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُثْبِتُ لَهُ عِلَّةَ فَاعِلَةً.
وَأَرِسْطُو يُثْبِتُ لَهُ عِلَّةً غَائِيَّةً يَتَشَبَّهُ بِهَا الْفَلَكُ، لَمْ يُثْبِتْ عِلَّةَ فَاعِلَةً، كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ، وَأَمَّا مَنْ قَبْلَ أَرِسْطُو فَكَانُوا يَقُولُونَ بِحُدُوثِ السَّمَاوَاتِ، كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمِلَلِ.
ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ: " وَعِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ إِسْنَادِ الْقَدِيمِ 1 . إِلَى الْمُؤَثِّرِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ، وَكَذَلِكَ زَعَمَ مُثْبِتُو الْحَالِ 2 . بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَالِمِيَّةَ اللَّهِ وَعِلْمَهُ 3 . قَدِيمَانِ 4 .، مَعَ أَنَّ الْعَالِمِيَّةَ وَالْقَادِرِيَّةَ مُعَلَّلَةٌ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ الْمُحَصَّلِ: مَعَ أَنَّ الْعَالِمِيَّةَ مُعَلَّلَةٌ بِالْعِلْمِ.
. وَزَعَمَ أَبُو هَاشِمٍ أَنَّ الْعَالِمِيَّةَ وَالْقَادِرِيَّةَ وَالْحَيِّيَّةَ وَالْمَوْجُودِيَّةَ 5 مُعَلِّلَةٌ بِحَالٍ 6 . خَامِسَةٍ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ
قَدِيمٌ.
وَزَعَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ 1 . أَنَّ الْعَالِمِيَّةَ حَالٌ 2 . مُعَلَّلَةٌ بِالذَّاتِ، وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْقَدِيمِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَكِنَّهُمْ يُغَطُّونَ الْمَعْنَى 3 . فِي الْحَقِيقَةِ ".
فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْمَفْعُولَ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا: سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ، أَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِذَاتِهِ بِلَا مَشِيئَةٍ، وَالصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ لِلْمَوْصُوفِ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا قَدِيمَةٌ فَلَيْسَتْ مُفْعُولَةً عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ، بَلْ هِيَ لَازِمَةٌ لِلذَّاتِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولَاتِ الْمُمْكِنَةِ الْمُبَايِنَةِ لِلْفَاعِلِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْعُولُ الَّذِي أَنْكَرَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ عَلَى مَنْ قَالَ بِقِدَمِهِ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ وَسَائِرُ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَفْعُولَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِالطَّبْعِ كَمَا تَفْعَلُ الْأَجْسَامُ الطَّبِيعِيَّةُ، فَمَا ذَكَرَهُ عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ 4 .: " وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا جَوَّزُوا إِسْنَادَ الْعَالَمِ الْقَدِيمِ إِلَى الْبَارِئِ لِكَوْنِهِ عِنْدَهُمْ 5 . مُوجِبًا بِالذَّاتِ، حَتَّى لَوِ اعْتَقَدُو فِيهِ كَوْنَهُ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ لَمَا جَوَّزُوا كَوْنَهُ مُوجِبًا 6 . لِلْعَالَمِ الْقَدِيمِ ".
قَالَ 1 .: " فَظَهَرَ مِنْ هَذَا اتِّفَاقُ الْكُلِّ عَلَى جَوَازِ إِسْنَادِ الْقَدِيمِ إِلَى الْمُوجِبِ الْقَدِيمِ وَامْتِنَاعِ إِسْنَادِهِ إِلَى الْمُخْتَارِ ".
فَيُقَالُ: بَلِ الْفَلَاسِفَةُ فِي كَوْنِهِ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لَهُمْ.
وَأَبُو الْبَرَكَاتِ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ بِأَنَّهُ فَاعِلٌ بِمَشِيئَتِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ بَاطِلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ الْفَلَاسِفَةِ بَاطِلٌ.
أَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى بُطْلَانِ مَا حَكَاهُ عَنْهُمْ أَوْ أَلْزَمَهُمْ بِهِ، بَلْ هُمْ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ كُلَّ مَفْعُولٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ، ثُمَّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِالْمَشِيئَةِ أَوْ بِالطَّبْعِ مَقَامٌ ثَانٍ 2 . .
وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْمَفْعُولِ مُحْدَثًا مَبْنِيًّا عَلَى كَوْنِ الْفَاعِلِ مُرِيدًا، فَإِنَّ الْفِعْلَ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ إِلَّا مِنْ قَادِرٍ مُرِيدٍ، لَكِنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَهُمَا أَيْضًا قَضِيَّتَانِ مُتَلَازِمَتَانِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ الْمُبْطِلِينَ لِأُصُولِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ بِهَذِهِ
الطُّرُقِ] 1 .، فَهَذِهِ الطُّرُقُ 2 . وَغَيْرُهَا مِمَّا يُبَيَّنُ 3 . بِهِ حُدُوثُ كُلِّ 4 مَا سِوَى اللَّهِ [تَعَالَى] 5 .، سَوَاءٌ قِيلَ بِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ مَسْبُوقٌ بِحَادِثٍ أَوْ لَمْ يُقَلْ.
وَأَيْضًا 6 .، فَمَا يَقُولُهُ قُدَمَاءُ الشِّيعَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ، لِهَؤُلَاءِ 7 . أَنْ يَقُولُوا: نَحْنُ عَلِمْنَا أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِمَا فِيهِ مِنْ آثَارِ الْحَاجَةِ، كَمَا قَدْ تَبَيَّنَ 8 . قَبْلَ هَذَا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْعَالَمِ مُحْتَاجٌ، فَلَا يَكُونُ (9 وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ 9) 9 . مُفْتَقِرًا إِلَى الصَّانِعِ، فَثَبَتَ 10 . الصَّانِعُ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
ثُمَّ يَقُولُوا 11 .: وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، فَثَبَتَ حُدُوثُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلِهَذَا كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْصَمِ 12 . وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْقَاضِي أَبِي خَازِمِ بْنِ
الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى 1 . [فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " بِالتَّلْخِيصِ "] 2 . لَا يَسْلُكُونَ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ الطَّرِيقَ الَّتِي يَسْلُكُهَا [أُولَئِكَ " الْمُعْتَزِلَةُ 3 . وَمَنْ وَافَقَهُمْ [حَيْثُ يُثْبِتُونَ أَوَّلًا حُدُوثَ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ] 4 .، بَلْ يَبْتَدِئُونَ 5 . بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ ثُمَّ يُثْبِتُونَ حُدُوثَ الْعَالَمِ بِتَنَاهِي الْحَوَادِثِ وَلَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَقُولُوا: كُلُّ جِسْمٍ [مُحْدَثٌ] 6 . . وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّقْدِيرَاتُ أَرْبَعَةٌ، فَإِنَّ الْحَوَادِثَ: إِمَّا أَنْ يَجُوزَ دَوَامُهَا، [وَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ دَوَامُهَا وَيَجِبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا ابْتِدَاءٌ] 7 ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: