منهاج السنة النبويةصفحات 223-262
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 223-262
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

" «الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ: حَبِيبُ بْنُ مُوسَى النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يَاسِينَ، الَّذِي قَالَ: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
وَحَزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ.
وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الثَّالِثُ 1 ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ» . وَنَحْوُهُ رَوَى ابْنُ الْمَغَازِلِيِّ 2 الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ 3 وَصَاحِبُ كِتَابِ " الْفِرْدَوْسِ ". وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ تَدُلُّ عَلَى إِمَامَتِهِ ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ.
وَمُجَرَّدُ رِوَايَتِهِ لَهُ فِي الْفَضَائِلِ، لَوْ كَانَ رَوَاهُ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَرْوِي مَا رَوَاهُ النَّاسُ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُهُ.
وَكُلُّ مَنْ عَرَفَ الْعِلْمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ 4 لَيْسَ كُلُّ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْفَضَائِلِ وَنَحْوِهِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، بَلْ وَلَا كُلُّ حَدِيثٍ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، بَلْ أَحَادِيثُ مُسْنَدِهِ هِيَ الَّتِي رَوَاهَا النَّاسُ عَمَّنْ هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ بِالنَّقْلِ وَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا عِلَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ بَاطِلٌ.
لَكِنَّ غَالِبَهَا وَجُمْهُورَهَا أَحَادِيثُ جَيِّدَةٌ يُحْتَجُّ بِهَا، وَهِيَ أَجْوَدُ مِنْ أَحَادِيثِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ فِي الْفَضَائِلِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَهُ.
وَالْحَدِيثُ قَدْ يُعْرَفُ أَنَّ مُحَدِّثَهُ غَلِطَ فِيهِ، أَوْ كَذَّبَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ 5 بِحَالِ الْمُحَدِّثِ، بَلْ بِدَلَائِلَ أُخَرَ.

وَالْكُوفِيُّونَ كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ كَذِبُهُمْ بِصِدْقِهِمْ، فَقَدْ يَخْفَى كَذِبُ أَحَدِهِمْ أَوْ غَلَطُهُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَكِنْ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
فَكَيْفَ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ أَحْمَدُ: لَا فِي الْمُسْنَدِ وَلَا فِي كِتَابِ " الْفَضَائِلِ "، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَاتِ الْقُطَيْعِيِّ 1 رَوَاهُ 2 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْقُرَشِيِّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ 3 حَدَّثَنَا عَمْرُو 4 بْنُ جُمَيْعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى 5 (6 عَنْ أَخِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى 6 6) [عَنْ أَبِيهِ] 7 قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ 8 .

وَرَوَاهُ الْقُطَيْعِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ قَالَ 1 : كَتَبَ إِلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامٍ الْكُوفِيُّ 2 يَذْكُرُ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْمَكْفُوفَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا 3 عَمْرُو بْنُ جُمَيْعٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عِيسَى 4 ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ 5 . وَعَمْرُو بْنُ جُمَيْعٍ مِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ، بَلْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُتَّهَمُ 6 بِالْوَضْعِ.
قَالَ يَحْيَى: كَذَّابٌ خَبِيثٌ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ: مَتْرُوكٌ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الْأَثْبَاتِ، وَالْمَنَاكِيرَ عَنِ الْمَشَاهِيرِ، لَا يَحِلُّ 7 كَتْبُ حَدِيثِهِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِبَارِ 8 . الثَّانِي: أَنَّ هَذَا 9 الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الثَّالِثُ: أَنَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ تَسْمِيَةَ غَيْرِ عَلِيٍّ صِدِّيقًا، كَتَسْمِيَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: الصِّدِّيقُونَ الثَّلَاثَةُ؟ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَعِدَ أُحُدًا،

وَتَبِعَهُ 1 أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اثْبُتْ أُحُدُ ; فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» " 2 . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ 3 . وَفِي رِوَايَةٍ " «ارْتَجَّ بِهِمْ أُحُدٌ» 4 ". وَفِي الصَّحِيحِ 5 عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ; فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ; فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» " 6 . الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى مَرْيَمَ صِدِّيقَةً، فَكَيْفَ يُقَالُ: الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ؟ !

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ، إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا صِدِّيقَ إِلَّا هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُ 1 كَذِبٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ أَرَادَ 2 أَنَّ الْكَامِلَ فِي الصِّدِّيقِيَّةِ هُمُ الثَّلَاثَةُ، فَهُوَ أَيْضًا خَطَأٌ ; لِأَنَّ أُمَّتَنَا خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ; فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُصَدِّقُ بِمُوسَى وَرُسُلِ عِيسَى أَفْضَلَ مِنَ الْمُصَدِّقِينَ بِمُحَمَّدٍ؟ ! وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُسَمِّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ صِدِّيقًا، وَلَا يُسَمَّى 3 صَاحِبُ آلِ يَاسِينَ صِدِّيقًا، وَلَكِنَّهُمْ صَدَّقُوا بِالرُّسُلِ 4 . وَالْمُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ صِدِّيقِينَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: 41] ، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: 56] وَقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 46] . الْوَجْهُ السَّادِسُ 5 : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 19] . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ آمَنَ 6 بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ 7 فَهُوَ صِدِّيقٌ 8 .

السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الصِّدِّيقُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ، فَأَحَقُّ النَّاسِ بِكَوْنِهِ صِدِّيقًا أَبُو بَكْرٍ ; فَإِنَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ هَذَا الِاسْمُ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ، وَبِالتَّوَاتُرِ الضَّرُورِيِّ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، حَتَّى إِنَّ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْإِمَامَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ صِدِّيقًا يَسْتَلْزِمُ الْإِمَامَةَ بَطَلَتِ الْحُجَّةُ.

فصل البرهان السابع والعشرون " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً " والجواب عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " الْبُرْهَانُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 274] . مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ 2 بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ 3 نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ 4 ، كَانَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَأَنْفَقَ دِرْهَمًا بِاللَّيْلِ، وَدِرْهَمًا بِالنَّهَارِ، وَدِرْهَمًا سِرًّا، وَدِرْهَمًا عَلَانِيَةً، وَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ 5 ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ.
وَرِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ وَالثَّعْلَبِيِّ لَا تَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ.

الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ لَيْسَ بِثَابِتٍ 1 . الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يُنْفِقُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فَمَنْ عَمِلَ بِهَا دَخَلَ فِيهَا 2 ، سَوَاءٌ كَانَ عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يُرَادَ بِهَا إِلَّا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ 3 . الرَّابِعُ: أَنَّ مَا ذَكَرَ 4 مِنَ الْحَدِيثِ يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْآيَةِ ; فَإِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي الزَّمَانَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو الْوَقْتُ عَنْهُمَا، وَفِي الْحَالَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو الْفِعْلُ مِنْهُمَا.
فَالْفِعْلُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَمَانٍ، وَالزَّمَانُ إِمَّا لَيْلٌ وَإِمَّا نَهَارٌ.
وَالْفِعْلُ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا عَلَانِيَةً ; فَالرَّجُلُ إِذَا أَنْفَقَ بِاللَّيْلِ سِرًّا، كَانَ قَدْ أَنْفَقَ لَيْلًا سِرًّا.
وَإِذَا أَنْفَقَ عَلَانِيَةً نَهَارًا، كَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَانِيَةً نَهَارًا.
وَلَيْسَ الْإِنْفَاقُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً خَارِجًا عَنِ الْإِنْفَاقِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا بِالسِّرِّ، وَدِرْهَمًا فِي الْعَلَانِيَةِ، وَدِرْهَمًا بِاللَّيْلِ، وَدِرْهَمًا بِالنَّهَارِ - كَانَ جَاهِلًا، فَإِنَّ الَّذِي أَنْفَقَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً قَدْ أَنْفَقَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالَّذِي قَدْ أَنْفَقَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا قَدْ أَنْفَقَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
فَعُلِمَ أَنَّ الدِّرْهَمَ الْوَاحِدَ يَتَّصِفُ بِصِفَتَيْنِ، لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَرْبَعَةً.
لَكِنَّ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ الْبَاطِلَةَ يَقُولُ مِثْلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ، كَمَا يَقُولُونَ:

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ (أَبُو بَكْرٍ) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ (عُمَرُ) رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (عُثْمَانُ) تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا (عَلِيٌّ) يَجْعَلُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِمَوْصُوفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَيُعَيِّنُونَ الْمَوْصُوفَ 1 فِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي إِبْطَالِ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا لِقَوْمٍ يَتَّصِفُونَ بِهَا كُلِّهَا، وَإِنَّهُمْ كَثِيرُونَ لَيْسُوا وَاحِدًا.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ أَفْضَلُ هَؤُلَاءِ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ مَوْصُوفٌ بِهَذَا كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الصِّفَاتِ فِي بَعْضٍ أَقْوَى مِنْهَا فِي آخَرَ.
وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ جُهَّالِ 2 الْمُفَسِّرِينَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ - وَطُورِ سِينِينَ - وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [سُورَةُ التِّينِ: 1 - 3] إِنَّهُمُ الْأَرْبَعَةُ ; فَإِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ.
لَكِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِالْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَنْزَلَ فِيهَا كُتُبَهُ الثَّلَاثَةَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ، وَظَهَرَ مِنْهَا مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِينَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ 3 . فَالتِّينُ وَالزَّيْتُونُ: الْأَرْضُ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا الْمَسِيحُ، وَكَثِيرًا مَا تُسَمَّى الْأَرْضُ بِمَا يَنْبُتُ فِيهَا، فَيُقَالُ: فُلَانٌ خَرَجَ إِلَى الْكَرْمِ وَإِلَى الزَّيْتُونِ وَإِلَى الرُّمَّانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيُرَادُ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ، فَعَبَّرَ عَنْهَا بِبَعْضِهَا.
وَطُورُ سِينِينَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وَهَذَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ مَكَّةُ أُمُّ الْقُرَى الَّتِي بُعِثَ بِهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَالْجَاهِلُ بِمَعْنَى الْآيَةِ، لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ الَّذِي أَنْفَقَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً غَيْرُ الَّذِي أَنْفَقَهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ - يَقُولُ: نَزَلَتْ فِيمَنْ أَنْفَقَ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، إِمَّا عَلِيٍّ وَإِمَّا غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ * لَمْ يَعْطِفْ بِالْوَاوِ، فَيَقُولُ: وَسِرًّا وَعَلَانِيَةً.
بَلْ هَذَانِ دَاخِلَانِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، سَوَاءٌ * (1) قِيلَ: هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنَ الْإِنْفَاقِ، أَوْ قِيلَ: عَلَى الْحَالِ.
فَسَوَاءٌ قُدِّرَا سِرًّا وَعَلَانِيَةً (2) ، أَوْ مُسِرًّا وَمُعْلِنًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي كَذَّبَ هَذَا كَانَ جَاهِلًا بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ.
وَالْجَهْلُ فِي الرَّافِضَةِ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ.
الْخَامِسُ: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ ذَلِكَ، وَنَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ، فَهَلْ هُنَا إِلَّا إِنْفَاقُ (3) أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ؟ ! وَهَذَا عَمَلٌ مَفْتُوحٌ بَابُهُ (4) مُيَسَّرٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالْعَامِلُونَ بِهَذَا وَأَضْعَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَوْا، وَمَا مِنْ أَحَدٍ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يُنْفِقَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَارَةً بِاللَّيْلِ وَتَارَةً بِالنَّهَارِ، وَتَارَةً فِي السِّرِّ وَتَارَةً فِي الْعَلَانِيَةِ.
فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْخَصَائِصِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْإِمَامَةِ (5) .

فصل البرهان الثامن والعشرون " لَيْسَ مِنْ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلِيٌّ رَأْسُهَا وَأَمِيرُهَا. . . " والجواب عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 6 : " الْبُرْهَانُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ12345

حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ مِنْ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إِلَّا عَلِيٌّ رَأْسُهَا وَأَمِيرُهَا، وَشَرِيفُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ 1 فِي الْقُرْآنِ، وَمَا ذَكَرَ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ.
وَهَذَا 2 يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ.
وَلَيْسَ هَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَلَا مُجَرَّدُ رِوَايَتِهِ لَهُ - لَوْ رَوَاهُ - فِي " الْفَضَائِلِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِدْقٌ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحْمَدُ: لَا فِي الْمُسْنَدِ، وَلَا فِي " الْفَضَائِلِ " وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَاتِ الْقُطَيْعِيِّ، رَوَاهُ 3 عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَرِيكٍ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْكِسَائِيُّ حَدَّثَنَا عِيسَى 4 عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ 5 ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; فَإِنَّ زَكَرِيَّا بْنَ يَحْيَى الْكِسَائِيَّ: قَالَ فِيهِ يَحْيَى: " رَجُلُ سُوءٍ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ يَسْتَأْهِلُ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ بِئْرٌ فَيُلْقَى فِيهَا " وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: " مَتْرُوكٌ ". وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: " كَانَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ فِي مَثَالِبِ الصَّحَابَةِ " 6 . الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَهُ مُعَايَبَاتٌ يَعِيبُ بِهَا عَلِيًّا، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ فِي أَشْيَاءَ مِنْ

أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا حَرَّقَ الزَّنَادِقَةَ الَّذِينَ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَذَّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ 1 . وَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا ذَلِكَ قَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِنَ الثَّابِتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي - إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَصٌّ - بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
فَهَذَا اتِّبَاعُهُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهَذِهِ مُعَارَضَتُهُ لِعَلِيٍّ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مُجَاوَبَتَهُ لِعَلِيٍّ لَمَّا أَخَذَ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً فِيهَا تَغْلِيطٌ عَلَيْهِ، فَأَجَابَ عَلِيًّا 2 بِجَوَابٍ يَتَضَمَّنُ أَنَّ مَا فَعَلْتُهُ دُونَ مَا فَعَلْتَهُ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ لِعَلِيٍّ ; فَإِنَّ اللَّهَ كَثِيرًا مَا يُخَاطِبُ النَّاسَ بِمِثْلِ هَذَا فِي مَقَامِ عِتَابٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سُورَةُ الصَّفِّ: 2 - 3] ، فَإِنْ كَانَ عَلِيٌّ رَأْسَ هَذِهِ الْآيَةِ ; فَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ هَذَا الْفِعْلُ الَّذِي أَنْكَرَهُ اللَّهُ وَذَمَّهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ: 1] . وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ لَمَّا كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ لِيَأْتِيَا بِالْمَرْأَةِ 3 الَّتِي كَانَ مَعَهَا الْكِتَابُ 4 ، وَعَلِيٌّ كَانَ بَرِيئًا

مِنْ ذَنْبِ حَاطِبٍ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ رَأْسَ الْمُخَاطَبِينَ الْمُلَامِينَ عَلَى هَذَا الذَّنْبِ؟ ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 94] . وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ وَجَدُوا رَجُلًا فِي غَنِيمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِالتَّثَبُّتِ وَالتَّبَيُّنِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَكْذِيبِ مُدَّعِي الْإِسْلَامِ طَمَعًا فِي دُنْيَاهُ.
وَعَلَيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَرِيءٌ مِنْ ذَنْبِ هَؤُلَاءِ، فَكَيْفَ يُقَالُ هُوَ رَأْسُهُمْ؟ ! وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
الرَّابِعُ: هُوَ مِمَّنْ شَمِلَهُ لَفْظُ الْخِطَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ سَبَبُ الْخِطَابِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّفْظَ شَمِلَهُ كَمَا يَشْمَلُ 1 غَيْرَهُ.
وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ تَفْرِيقٌ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنٍ.
الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ رَأْسُ الْآيَاتِ وَأَمِيرُهَا وَشَرِيفُهَا وَسَيِّدُهَا، كَلَامُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خُوطِبَ بِهَا، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّ الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُ الْمُخَاطَبِينَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، لَا يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُمْ بِمَا تَنَاوَلَهُ عَنْ بَعْضٍ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّ فِي الْآيَاتِ آيَاتٍ قَدْ عُمِلَ بِهَا مِنْ قَبْلِ عَلِيٍّ، وَفِيهَا آيَاتٌ لَمْ يَحْتَجْ عَلِيٌّ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَنَاوُلَهَا لِغَيْرِهِ أَوْ عَمْلَ غَيْرِهِ بِهَا مَشْرُوطٌ بِهِ، كَالْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ شُمُولَ الْخِطَابِ لِبَعْضِهِمْ لَيْسَ مَشْرُوطًا

بِشُمُولِهِ لِآخَرِينَ، وَلَا وُجُوبَ الْعَمَلِ عَلَى بَعْضِهِمْ مَشْرُوطٌ عَلَى آخَرِينَ بِوُجُوبِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مَنْ عُنِيَ بِهَا، فَهَذَا يُبْنَى عَلَى كَوْنِهِ أَفْضَلَ النَّاسِ.
فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا، فَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا بَاطِلًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَغَايَةُ مَا عِنْدَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُفَضِّلُ عَلِيًّا، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ 1 هَذَا كَذِبٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ عَنْهُ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ - مَعَ مُخَالَفَةِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ - لَمْ يَكُنْ حُجَّةً.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ وَمَا ذَكَرَ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ، كَذِبٌ مَعْلُومٌ ; فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ اللَّهَ عَاتَبَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْقُرْآنِ، بَلْ وَلَا أَنَّهُ سَاءَ رَسُولَ 2 اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: " «أَيُّهَا النَّاسُ، اعْرَفُوا لِأَبِي بَكْرٍ حَقَّهُ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَسُؤْنِي يَوْمًا قَطُّ» " 3 . وَالثَّابِتُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْتَصِرُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَيَنْهَى النَّاسَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ سَاءَهُ، كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُطْبَةَ الْمَعْرُوفَةَ 4 ، وَمَا حَصَلَ مِثْلُ هَذَا فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ قَطُّ.

وَأَيْضًا فَعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ كَمَا كَانَ يَدْخُلُ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، مِثْلَ الْمُشَاوَرَةِ فِي وِلَايَتِهِ وَحُرُوبِهِ وَإِعْطَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الْوَزِيرَيْنِ لَهُ، شَاوَرَهُمَا 1 فِي أَسْرَى بَدْرٍ مَا يَصْنَعُ بِهِمْ، وَشَاوَرَهُمَا 2 فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ لِمَنْ يُوَلِّي عَلَيْهِمْ، وَشَاوَرَهُمَا 3 فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ يَخُصُّهُمَا بِالشُّورَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا مَاتَ قَالَ لَهُ: " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْشُرَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ ; فَإِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا مَا أَسْمَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» " 4 . وَكَانَ يُشَاوِرُ أَبَا بَكْرٍ 5 بِأُمُورِ حُرُوبِهِ يَخُصُّهُ، كَمَا شَاوَرَهُ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، كَمَا 6 اسْتَشَارَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَكَمَا سَأَلَ بَرِيرَةَ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَخُصُّهُ ; فَإِنَّهُ لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَتَرَدَّدَ هَلْ يُطَلِّقُ لِمَا بَلَغَهُ عَنْهَا أَمْ يُمْسِكُهَا، صَارَ يَسْأَلُ عَنْهَا بَرِيرَةَ لِتُخْبِرَهُ بِبَاطِنِ أَمْرِهَا، وَيُشَاوِرُ فِيهَا عَلِيًّا: أَيُمْسِكُهَا أَمْ يُطَلِّقُهَا؟ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: «أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا» ، وَقَالَ عَلِيٌّ: «لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَاسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ» . وَمَعَ

هَذَا فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِبَرَاءَتِهَا وَإِمْسَاكِهَا، مُوَافَقَةً لِمَا أَشَارَ بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1 ، وَكَانَ عُمَرُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الشُّورَى، وَيَتَكَلَّمُ مَعَ نِسَائِهِ فِيمَا يَخُصُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حَتَّى قَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عُمَرُ لَقَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى دَخَلْتَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ نِسَائِهِ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَامَّةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَحْيٌ خَاصٌّ، فَكَانَ يُشَاوِرُ فِيهَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنْ دَخَلَ غَيْرُهُمَا فِي الشُّورَى، لَكِنْ هُمَا الْأَصْلُ فِي الشُّورَى، وَكَانَ عُمَرُ تَارَّةً يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يَرَاهُ، وَتَارَةً يَتَبَيَّنُ لَهُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ مَا رَآهُ فَيَرْجِعُ عَنْهُ.
وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا 2 ، وَلَا كَانَ أَيْضًا يَتَقَدَّمُ فِي شَيْءٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا لَمَّا تَنَازَعَ هُوَ وَعُمَرُ فِيمَنْ يُوَلَّى مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 2] ، وَلَيْسَ تَأَذِّي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ تَأَذِّيهِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 23] . وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَلِيٍّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 43] لَمَّا صَلَّى فَقَرَأَ وَخَلَطَ 3 .

«وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ لَمَّا قَالَ لَهُ وَلِفَاطِمَةَ: " أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ " فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى» - " (1) .

فصل البرهان التاسع والعشرون " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " والجواب عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " الْبُرْهَانُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى1

: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 56] مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: «سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا 1 : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ". وَفِي صَحِيحِ 2 مُسْلِمٍ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: " قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ 3 ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» . وَلَا شَكَّ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ آلِ مُحَمَّدٍ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ ". وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ عَلِيًّا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ الدَّاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ: " «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» " 4 ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ ; فَإِنَّ جَمِيعَ بَنِي هَاشِمٍ دَاخِلُونَ فِي هَذَا، كَالْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَوَلَدِهِ 5 ، وَكَبَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوْجَتَيْ عُثْمَانَ: رُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَبِنْتِهِ فَاطِمَةَ.
وَكَذَلِكَ

أَزْوَاجُهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَوْلُهُ: " «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ» " 1 بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِخْوَةُ عَلِيٍّ كَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ دُخُولَ هَؤُلَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَمْ يَدْخَلْ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَنَّهُ يَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلْإِمَامَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ عَمَّارًا وَالْمِقْدَادَ وَأَبَا ذَرٍّ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنِ اتَّفَقَ [أَهْلُ] السُّنَّةِ 2 وَالشِّيعَةُ عَلَى فَضْلِهِمْ لَا يَدْخُلُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، وَيَدْخُلُ فِيهَا 3 عَقِيلٌ وَالْعَبَّاسُ وَبَنُوهُ، وَأُولَئِكَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِاتِّفَاقِ [أَهْلِ] 4 السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهَا عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ، وَلَا تَصْلُحُ امْرَأَةٌ لِلْإِمَامَةِ، وَلَيْسَتْ أَفْضَلَ النَّاسِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، فَهَذِهِ فَضِيلَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» " 5 . التَّابِعُونَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ.
وَتَفْضِيلُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَفْصِيلَ الْأَفْرَادِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ ; فَإِنَّ الْقَرْنَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ،

كَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ رِجَالِ الْفِتَنِ، وَكَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ 1 وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْكَذَّابِينَ وَالْمُفْتَرِينَ ; وَالْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالشَّرِّ.
وَلَيْسَ عَلِيٌّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْبَيْتِ، بَلْ أَفْضَلُ أَهْلِ الْبَيْتِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ.
كَمَا قَالَ لِلْحَسَنِ: " «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» " 2 وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَكَلِّمَ وَمَنْ مَعَهُ.
وَكَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 73] وَإِبْرَاهِيمُ فِيهِمْ.
وَكَمَا قَالَ: " «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ; كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ» "، [وَإِبْرَاهِيمُ] 3 دَاخِلٌ فِيهِمْ.
وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ﴾ [سُورَةُ الْقَمَرِ: 34] ، فَإِنَّ لُوطًا دَخَلَ فِيهِمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 33] ، فَقَدْ دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ فِي الِاصْطِفَاءِ 4 .

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 130] [فَقَدَ] دَخَلَ يَاسِينُ فِي السَّلَامِ 1 . وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» " دَخَلَ فِي ذَلِكَ أَبُو أَوْفَى.
2 وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " «لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» " 3 . وَلَيْسَ إِذَا كَانَ عَلِيٌّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْبَيْتِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ مِنْهُمْ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُهُمْ بَعْدَهُ أَفْضَلَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ.
كَمَا أَنَّ التَّابِعِينَ إِذَا كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ، وَكَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ أَفْضَلُ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَفْضَلَ مِنْ أَفْضَلِ تَابِعِي التَّابِعِينَ.
بَلِ الْجُمْلَةُ إِذَا فُضِّلَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَكَانَ أَفْضَلُهُمَا 4 أَفْضَلَ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى، حَصَلَ مَقْصُودُ التَّفْضِيلِ، وَمَا 5 بَعْدَ ذَلِكَ فَمَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ.
بَلْ قَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُهَا أَفْضَلَ مِنْ فَاضَلِ الْأُخْرَى إِلَّا بِدَلِيلٍ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي 1 إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ 2 ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» " 3 . فَإِذَا كَانَ جُمْلَةُ قُرَيْشٍ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا 4 لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، بَلْ فِي سَائِرِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ، وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ مَعْدُودُونَ 5 ، وَغَالِبُهُمْ إِنَّمَا أَسْلَمُوا عَامَ الْفَتْحِ 6 ، وَهُمُ الطُّلَقَاءُ.
وَلَيْسَ كُلُّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، بَلِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ 7 - كَابْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ 8 ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ - وَهَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ بَنِي هَاشِمٍ، فَالسَّابِقُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ.
وَأَهْلُ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَمِنْهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ثَلَاثَةٌ، وَسَائِرُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ بَنِي هَاشِمٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ 9 وَأَهْلِ بَيْتِهِ تَقْتَضِي

أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْبُيُوتِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: بَنُو هَاشِمٍ أَفْضَلُ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ أَفْضَلُ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ أَفْضَلُ بَنِي آدَمَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ عَمَّنْ لَقِيَهُمْ مِثْلَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى مَنْعِ التَّفْضِيلِ بِذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " الْمُعْتَمَدِ " وَغَيْرِهِمَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ (1) أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى هَاشِمًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» " (2) . وَرُوِيَ: " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ " وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

فصل البرهان الثلاثون " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ " والجواب عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " الْبُرْهَانُ الثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ - بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 19 - 20] 4 .12

1 مِنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ وَطَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ 2 قَالَ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ 3 ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ : النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلُهُ 4 : ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 22] : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ 5 ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ " 6 . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ إِنَّمَا يَقُولُهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ، وَهَذَا بِالْهَذَيَانِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ تَفْسِيرِ الْمَلَاحِدَةِ وَالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ لِلْقُرْآنِ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُ.
وَالتَّفْسِيرُ بِمِثْلِ هَذَا طَرِيقٌ لِلْمَلَاحِدَةِ عَلَى الْقُرْآنِ وَالطَّعْنُ فِيهِ 7 ، بَلْ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَدْحِ فِيهِ وَالطَّعْنِ فِيهِ.
وَلِجُهَّالِ الْمُنْتَسِبِينَ 8 إِلَى السُّنَّةِ تَفَاسِيرُ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ إِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً فَهِيَ أَمْثَلُ مِنْ هَذَا، كَقَوْلِهِمْ: الصَّابِرِينَ: مُحَمَّدٌ، وَالصَّادِقِينَ: أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَانِتِينَ: عُمَرُ، وَالْمُنْفِقِينَ: عُثْمَانُ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ: عَلِيٌّ.
وَكَقَوْلِهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَبُو بَكْرٍ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ: عُمَرُ، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ: عُثْمَانُ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا: عَلِيٌّ.

وَكَقَوْلِهِمْ: وَالتِّينِ: أَبُو بَكْرٍ، وَالزَّيْتُونِ: عُمَرُ، وَطُورِ سِينِينَ: عُثْمَانُ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ: عَلِيٌّ.
وَكَقَوْلِهِمْ: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ : أَبُو بَكْرٍ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ : عُمَرُ، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ : عُثْمَانُ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلِيٌّ.
فَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ مِنْ جِنْسِ [تِلْكَ] 1 التَّفَاسِيرِ، وَهِيَ أَمْثَلُ مِنْ إِلْحَادَاتِ الرَّافِضَةِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [سُورَةُ يس:] عَلِيٌّ، وَكَقَوْلِهِمْ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 4] : إِنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 60] : بَنُو أُمَيَّةَ، وَأَمْثَالُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ 2 مَنْ يَرْجُو لِلَّهِ وَقَارًا، وَلَا يَقُولُهُ مَنْ 3 يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكِتَابِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 19] : عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 20] النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 22] : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
وَكُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ وَعَقْلٍ يَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ بُطْلَانَ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَقُلْ هَذَا.
وَهَذَا مِنَ 4 التَّفْسِيرِ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ، وَذَكَرَهُ بِإِسْنَادٍ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
وَهُوَ كَذِبٌ عَلَى سُفْيَانَ.
قَالَ

: " الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَرَأَ أَبِي عَلَى أَبِي مُحَمَّدِ 1 بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُلْوِيَّةَ الْقَطَّانِ مِنْ كِتَابِهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ طَسْمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ - بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ قَالَ: فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَ ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِنَّمَا وُلِدَا بِالْمَدِينَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذَيْنِ بَحْرَيْنِ، وَهَذَا لُؤْلُؤًا، وَهَذَا مَرْجَانًا، وَجَعْلَ النِّكَاحِ مَرَجًا - أَمْرٌ لَا تَحْتَمِلُهُ لُغَةُ الْعَرَبِ بِوَجْهٍ، لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، بَلْ كَمَا أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْقُرْآنِ، فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ 2 . الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يُوجَدُ فِي سَائِرِ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَوُلِدَ لَهُمَا وَلَدَانِ * فَهُمَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَلَيْسَ فِي ذِكْرِ

هَذَا مَا يُسْتَعْظَمُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، إِلَّا مَا فِي نَظَائِرِهِ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّينَ * 1 فَلَا مُوجِبَ 2 لِلتَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِفَضِيلَةِ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلَدَيْنِ، فَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ.
وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ فَقَالَ: " أَتْقَاهُمْ ". فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ.
فَقَالَ: " يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ» " 3 . وَآلُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِينَ أُمِرْنَا أَنْ نَسْأَلَ لِمُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَنَحْنُ - وَكُلُّ مُسْلِمٍ - نَعْلَمُ أَنَّ آلَ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مِنْ آلِ عَلِيٍّ، لَكِنْ مُحَمَّدٌ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ.
* وَلِهَذَا وَرَدَ هُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَفْضَلَ، فَلِمَ 4 قِيلَ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * 5 6 ، وَالْمُشَبَّهُ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ آلَ إِبْرَاهِيمَ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَمُحَمَّدٌ 7 فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُحَمَّدٌ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ.
فَمَجْمُوعُ آلِ إِبْرَاهِيمَ بِمُحَمَّدٍ أَفْضَلُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدٌ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى

آلِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ طَلَبْنَا لَهُ مِنَ اللَّهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ مِثْلَ مَا صَلَّى عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْخُذُ أَهْلُ بَيْتِهِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَيَبْقَى سَائِرُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَكُونُ قَدْ طُلِبَ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ مَا جُعِلَ 1 لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ.
وَالَّذِي يَأْخُذُهُ الْفَاضِلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ لَا يَكُونُ مِثْلَمَا يَحْصُلُ لِنَبِيٍّ، فَتَعْظُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ: إِنَّ التَّشْبِيهَ 2 فِي الْأَصْلِ لَا فِي الْقَدْرِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّهُ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ فِي آيَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 53] فَلَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ 3 وَفَاطِمَةُ لَكَانَ ذَلِكَ ذَمًّا لِأَحَدِهِمَا، وَهَذَا بَاطِلٌ 4 بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ فَلَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ ; لَكَانَ الْبَرْزَخُ الَّذِي هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزَعْمِهِمْ - أَوْ غَيْرُهُ هُوَ الْمَانِعُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبْغِيَ عَلَى الْآخَرِ.
وَهَذَا بِالذَّمِّ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمَدْحِ.
السَّادِسُ: أَنَّ أَئِمَّةَ التَّفْسِيرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى خِلَافِ هَذَا، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَحْرُ السَّمَاءِ وَبَحْرُ الْأَرْضِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، يَعْنِي بَحْرَ فَارِسَ وَالرُّومِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ: هُوَ الْجَزَائِرُ 5 .

وَقَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 22] قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا يَخْرُجُ (1) مِنَ الْبَحْرِ الْمِلْحُ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُمَا لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدْ خَرَجَ (2) مِنْهُمَا، مِثْلُ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ . وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: أَرَادَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّمَا قَالَ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْدَافِ الْبَحْرِ عَنْ قَطْرِ السَّمَاءِ.
وَأَمَّا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فَفِيهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَرْجَانَ مَا صَغُرَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، وَاللُّؤْلُؤُ الْعِظَامُ.
قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالْفَرَّاءُ وَالضَّحَّاكُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: اللُّؤْلُؤُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْحَبِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْمَرْجَانُ صِغَارُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ اللُّؤْلُؤَ الصِّغَارُ، وَالْمَرْجَانَ الْكِبَارُ.
قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَتَحَتِ الْأَصْدَافُ أَفْوَاهَهَا، فَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْمَطَرِ فَهُوَ لُؤْلُؤٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ (3) : حَيْثُ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ كَانَتْ لُؤْلُؤَةً.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْمَرْجَانُ الْخَرَزُ الْأَحْمَرُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَرْجَانُ أَبْيَضُ شَدِيدُ الْبَيَاضِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يَعْلَى أَنَّ الْمَرْجَانَ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ كَالْقُضْبَانِ (4) .

فصل البرهان الحادي والثلاثون " وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ " والجواب عليه

فَصْلٌ.
قَالَ الرَّافِضِيُّ 5 : " الْبُرْهَانُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى:1234

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 43] . مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ 1 عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ 2 : قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ 3 . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ لَهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمَا.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 43] ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ عَلِيٌّ لَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَسْتَشْهِدُ 4 عَلَى مَا قَالَهُ بِابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا لَوْ شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَبِكُلِّ مَا قَالَ، لَمْ يَنْتَفِعْ مُحَمَّدٌ بِشَهَادَتِهِ لَهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً لَهُ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ 5 ، وَلَا يَنْقَادُ بِذَلِكَ أَحَدٌ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مِنْ أَيْنَ لِعَلِيٍّ ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتَفَادَ ذَلِكَ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَيَكُونُ مُحَمَّدٌ هُوَ الشَّاهِدَ لِنَفْسِهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يُقَالَ: [إِنَّ] 6 هَذَا ابْنُ عَمِّهِ وَمِنْ أَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ، فَيُظَنُّ بِهِ

الْمُحَابَاةُ وَالْمُدَاهَنَةُ.
وَالشَّاهِدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا يَشْهَدُ بِهِ، بَرِيئًا مِنَ التُّهْمَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِهَا إِلَّا مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُ بِتَصْدِيقِهِ 1 فِيمَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَغَيْرُهُمَا، كَانَ أَنْفَعَ لَهُ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أَبْعَدَ عَنِ التُّهْمَةِ، وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا وَقَدْ سَمِعُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنَ الْكُهَّانِ أَشْيَاءَ عَلِمُوهَا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ مُحَمَّدٍ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا، فَكَانَ الْخُصُومُ يَقُولُونَ: لَا يَعْلَمُ مَا شَهِدَ بِهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَإِذَا شَهِدُوا بِمَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِمَا عُلِمَ صِدْقُهُ 2 كَانَتْ تِلْكَ 3 شَهَادَةً نَافِعَةً، كَمَا لَوْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ مَوْجُودِينَ وَشَهِدُوا لَهُ ; لَأَنَّ مَا ثَبَتَ نَقْلُهُ عَنْهُمْ بِالتَّوَاتُرِ وَغَيْرِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَتِهِمْ أَنْفُسِهِمْ.
وَلِهَذَا نَحْنُ نَشْهَدُ عَلَى الْأُمَمِ بِمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ نَبِيِّنَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 143] . فَهَذَا الْجَاهِلُ الَّذِي جَعَلَ هَذَا فَضِيلَةً لِعَلِيٍّ قَدَحَ بِهَا فِيهِ وَفِي النَّبِيِّ 4 الَّذِي صَارَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي الْأَدِلَّةِ 5 الدَّالَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَلَا يَقُولُ هَذَا إِلَّا زِنْدِيقٌ أَوْ جَاهِلٌ مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ.

فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَدْ ذَكَرَ الِاسْتِشْهَادَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 52] ، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [سُورَةُ الْأَحْقَافِ: 10] أَفَتَرَى عَلِيًّا هُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 94] ، فَهَلْ كَانَ عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ؟ وَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 109] ، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 43] فَهَلْ أَهْلُ الذِّكْرِ 1 الَّذِينَ 2 يَسْأَلُونَهُمْ هَلْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ 3 رِجَالًا هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ! السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الشَّاهِدُ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ، مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ * وَسَلْمَانَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَغَيْرِهِمْ، لَيْسُوا أَفْضَلَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ * 4 ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَغَيْرِهِمْ 5 .

فصل البرهان الثاني والثلاثون " يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ " والجواب عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " الْبُرْهَانُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [سُورَةُ التَّحْرِيمِ: 8] . رَوَى 2 أَبُو نُعَيْمٍ مَرْفُوعًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى 3 مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ: إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِخُلَّتِهِ مِنَ اللَّهِ 4 ، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُ صَفْوَةُ اللَّهِ، ثُمَّ عَلِيٌّ يُزَفُّ بَيْنَهُمَا إِلَى الْجِنَانِ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قَالَ: عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ 5 ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ.

الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ 1 . الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي 2 أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ وَسَطٌ وَهُمَا طَرَفَانِ.
وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ، فَمَنْ فَضَّلَ عَلَيْهِمَا عَلِيًّا كَانَ أَكْفَرَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ» " 3 . وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ وَلَا عَلِيٍّ.
وَتَقْدِيمُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكُسْوَةِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدٍ مُطْلَقًا 4 ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: " «إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ، فَأَجِدُ 5 مُوسَى بَاطِشًا 6 بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي هَلِ اسْتَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ» " 7 ،

فَتَجْوِيزُ 1 أَنْ يَكُونَ سَبَقَهُ فِي الْإِفَاقَةِ أَوْ لَمْ يُصْعَقْ 2 بِحَالٍ - لَا يَمْنَعُنَا 3 أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى.
وَلَكِنْ إِذَا كَانَ التَّفْضِيلُ عَلَى وَجْهِ الْغَضِّ مِنَ الْمَفْضُولِ فِي النَّقْصِ لَهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا نَهَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ تَفْضِيلِهِ عَلَى مُوسَى، وَكَمَا قَالَ لِمَنْ قَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ.
قَالَ: " «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ» " 4 وَصَحَّ قَوْلُهُ: " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» " 5 .

وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ يُتَّقَى فِيهِ نَقْصُ أَحَدٍ عَنْ رُتْبَتِهِ أَوِ الْغَضُّ مِنْ 1 دَرَجَتِهِ، أَوْ دُخُولُ الْهَوَى وَالْفِرْيَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَتِ الرَّافِضَةُ وَالنَّوَاصِبُ الَّذِينَ يَبْخَسُونَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ حُقُوقَهُمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةُ التَّحْرِيمِ: 8] وَقَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 12] نَصٌّ عَامٌّ فِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا يُعْطَى نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; فَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُطْفَأُ [نُورُهُ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ 2 ، وَالْمُؤْمِنُ يُشْفِقُ مِمَّا يَرَى 3 مِنْ إِطْفَاءِ نُورِ الْمُنَافِقِ 4 ، فَهُوَ يَقُولُ: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا 5 ، فَإِنَّ الْعُمُومَ 6 فِي ذَلِكَ

يُعْلَمُ قَطْعًا وَيَقِينًا، وَأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ عَلَى وَحْدِهِ، وَلَوْ أَنَّ قَائِلًا قَالَ فِي كُلِّ مَا جَعَلُوهُ عَلِيًّا أَنَّهُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ أَوْ عُثْمَانُ (1) أَيُّ فَرْقٍ كَانَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ إِلَّا مَحْضَ الدَّعْوَى وَالِافْتِرَاءِ (2) ؟ بَلْ يُمْكِنُ ذِكْرُ شُبَهٍ لِمَنْ يَدَّعِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْظَمَ مِنْ شُبَهِ الرَّافِضَةِ الَّتِي تَدَّعِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِعَلِيٍّ.
وَحِينَئِذٍ فَدُخُولُ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَدُخُولِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ هُمْ أَحَقُّ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا أَفْضَلِيَّتُهُ وَلَا إِمَامَتُهُ (3) .

فصل البرهان الثالث والثلاثون " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ " والجواب عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : " الْبُرْهَانُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: 7] . رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا 5 نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ 6 : « [تَأْتِي] أَنْتَ وَشِيعَتُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ 7 ، وَيَأْتِي خُصَمَاؤُكَ123

غِضَابًا مُفْحَمِينَ 1 ، وَإِذَا كَانَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِمَامَ» ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كُنَّا غَيْرَ مُرْتَابِينَ فِي كَذِبِ ذَلِكَ، لَكِنَّ مُطَالَبَةَ الْمُدَّعِي بِصِحَّةِ النَّقْلِ لَا يَأْبَاهُ إِلَّا مُعَانِدٌ.
وَمُجَرَّدُ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ بِاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مِمَّا هُوَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ [الْعُلَمَاءِ وَ] أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ 2 بِالْمَنْقُولَاتِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِمَنْ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هُمُ النَّوَاصِبُ، كَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ 3 . وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ تَوَلَّاهُ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 44] قَالُوا: وَمَنْ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَيَكُونُ كَافِرًا، وَمَنْ تَوَلَّى الْكَافِرَ 4 فَهُوَ كَافِرٌ ; لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ 5 وَقَالُوا: إِنَّهُ هُوَ وَعُثْمَانُ وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا مُرْتَدُّونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي.
فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» " 6 .

  • قَالُوا: وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ 1 حَكَمُوا فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
    وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: " «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا * 2 يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» " 3 . قَالُوا: وَالَّذِينَ 4 ضَرَبَ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ رَجَعُوا بَعْدَهُ كُفَّارًا.
    فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ حُجَجِ الْخَوَارِجِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بِلَا رَيْبٍ فَحُجَجُ الرَّافِضَةِ أَبْطَلُ مِنْهُ، وَالْخَوَارِجُ أَعْقَلُ وَأَصْدَقُ وَأَتْبَعُ لِلْحَقِّ مِنَ الرَّافِضَةِ ; فَإِنَّهُمْ صَادِقُونَ لَا يَكْذِبُونَ، أَهْلُ دِينٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لَكِنَّهُمْ ضَالُّونَ جَاهِلُونَ مَارِقُونَ، مَرَقُوا مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَالْجَهْلُ وَالْهَوَى وَالْكَذِبُ غَالِبٌ عَلَيْهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ زَنَادِقَةٌ مَلَاحِدَةٌ، لَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي الدِّينِ، بَلْ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سُورَةُ النَّجْمِ: 33] .

وَالْمَرْوَانِيَّةُ الَّذِينَ قَاتَلُوا 1 عَلِيًّا، وَإِنْ كَانُوا لَا يُكَفِّرُونَهُ، فَحُجَجُهُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَجِ الرَّافِضَةِ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْجَاحِظُ كِتَابًا لِلْمَرْوَانِيَّةِ ذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْحُجَجِ الَّتِي لَهُمْ مَا لَا يُمْكِنُ الرَّافِضَةَ نَقْضُهُ، بَلْ لَا يُمْكِنُ الزَّيْدِيَّةَ نَقْضُهُ، دَعِ الرَّافِضَةَ! أَهْلُ السُّنَّةِ 2 وَالْجَمَاعَةِ لَمَّا كَانُوا مُعْتَدِلِينَ 3 مُتَوَسِّطِينَ صَارَتِ الشِّيعَةُ تَنْتَصِرُ بِهِمْ فِيمَا يَقُولُونَهُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ مِنَ الْحَقِّ، وَلَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ قَالُوا ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ يَثْبُتُ 4 بِهَا فَضْلُ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَيْسَ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا غَيْرِهِمْ حُجَّةٌ تَخُصُّ عَلِيًّا بِالْمَدْحِ وَغَيْرَهُ بِالْقَدَحِ، فَإِنَّ 5 هَذَا مُمْتَنِعٌ لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْكَذِبِ الْمُحَالِ، لَا بِالْحَقِّ الْمَقْبُولِ فِي مَيْدَانِ النَّظَرِ وَالْجِدَالِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: 7] عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ 6 ، فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ تَخْصِيصَهُ بِالشِّيعَةِ؟ . فَإِنْ قِيلَ 7 ; لِأَنَّ مَنْ سِوَاهُمْ كَافِرٌ.
قِيلَ: إِنْ ثَبَتَ 8 كُفْرُ مَنْ سِوَاهُمْ بِدَلِيلٍ، كَانَ ذَلِكَ مُغْنِيًا لَكُمْ عَنْ هَذَا التَّطْوِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ هَذَا الدَّلِيلُ، فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَا يَثْبُتُ، فَإِنْ أَمْكَنَ إِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصَلٍ، فَذَاكَ هُوَ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لَا هَذِهِ الْآيَةُ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُوَالِي غَيْرَ شِيعَةِ عَلِيٍّ أَكْثَرَ مِمَّا يُوَالِي كَثِيرًا مِنَ الشِّيعَةِ، حَتَّى الْخَوَارِجُ كَانَ يُجَالِسُهُمْ وَيُفْتِيهِمْ وَيُنَاظِرُهُمْ.
فَلَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هُمُ الشِّيعَةُ فَقَطْ، وَأَنَّ مَنْ سِوَاهُمْ كُفَّارٌ، لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ هَذَا.
وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ كَانَتْ مُعَامَلَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ لَهُمْ مِنْ أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ لَا كُفَّارٌ 1 . فَإِنْ قِيْلَ: نَحْنُ لَا نُكَفِّرُ مَنْ سِوَى الشِّيعَةِ، لَكِنْ نَقُولُ: هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.
قِيلَ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ مَنْ سِوَاهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَقُولُوا: هُوَ كَافِرٌ أَوْ تَقُولُوا: فَاسِقٌ 2 ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، * وَإِنْ دَخَلَ اسْمُهُمْ فِي الْإِيمَانِ، وَإِلَّا فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِفَاسِقٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ * 3 . فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ فَاسِقٌ.
قِيلَ لَكُمْ: إِنْ ثَبَتَ فِسْقُهُمْ كَفَاكُمْ ذَلِكَ فِي الْحُجَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَمَا تَذْكُرُونَ بِهِ فِسْقَ 4 طَائِفَةٍ مِنَ الطَّوَائِفِ إِلَّا وَتِلْكَ الطَّائِفَةُ تُبَيِّنُ لَكُمْ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَلَيْسَ لَكُمْ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ تَدْفَعُونَ بِهَا هَذَا.

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
فصل البرهان السابع والعشرون " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً " والجواب عليهفصل البرهان الثامن والعشرون " لَيْسَ مِنْ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلِيٌّ رَأْسُهَا وَأَمِيرُهَا. . . " والجواب عليهفصل البرهان التاسع والعشرون " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " والجواب عليهفصل البرهان الثلاثون " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ " والجواب عليهفصل البرهان الحادي والثلاثون " وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ " والجواب عليهفصل البرهان الثاني والثلاثون " يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ " والجواب عليهفصل البرهان الثالث والثلاثون " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ " والجواب عليه
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل