منهاج السنة النبويةصفحات 207-246
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 207-246
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

عَلَيْهِمْ] 1 : «قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْضَ خَيْبَرَ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ 2 الْحُدَيْبِيَةَ، وَقَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ 3 . مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ ; وَقَسَّمَ مِيرَاثَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ» 4 . وَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ: بَابُ 5 . قَسْمِ الْغَنَائِمِ وَالْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ 6 ، وَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَبَابُ الْقِسْمَةِ، وَذِكْرِ الْمَشَاعِ وَالْمَقْسُومِ، وَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ وَالتَّرَاضِي وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلِ الْحَاسِبِ: الضَّرْبُ وَالْقِسْمَةُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ قِسْمَةُ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمًا وَالْآخَرُ قِسْمًا، وَلَيْسَ 7 كُلُّ اسْمٍ

مِنْ أَسْمَاءِ الْمَقْسُومِ يَجِبُ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، فَإِذَا قُسِّمَ بَيْنَهُمْ جَزُورٌ فَأَخَذَ هَذَا فَخِذًا وَهَذَا رَأْسًا وَهَذَا ظَهْرًا لَمْ يَكُنِ اسْمَ الْجَزُورِ صَادِقًا عَلَى هَذِهِ الْأَبْعَاضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ شَجَرَةٌ فَأَخَذَ هَذَا نِصْفُ سَاقِهَا، وَهَذَا نِصْفًا، وَهَذَا أَغْصَانَهَا لَمْ يَكُنِ اسْمُ الْمَقْسُومِ صَادِقًا عَلَى الْأَبْعَاضِ، وَلَوْ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ سَهْمٌ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُقَسِّمُونَ، فَيَأْخُذُ هَذَا الْقَدَحَ وَهَذَا النَّصْلَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا [سَهْمًا] 1 وَلَا هَذَا سَهْمًا.
فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْمَقْسُومِ لَا يَقَعُ إِلَّا حَالَ الِاجْتِمَاعِ، (2 زَالَ بِالِانْقِسَامِ، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ حَالَ الِاجْتِمَاعِ 2) 2 وَالِافْتِرَاقِ، كَانْقِسَامِ الْمَاءِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، صَدَقَ فِيهِمَا ; وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْمَقْسُومُ هُنَا مَوْجُودَاتٌ 3 فِي الْخَارِجِ.
وَإِذَا قُلْنَا: الْحَيَوَانُ يَنْقَسِمُ إِلَى نَاطِقٍ وَبَهِيمٍ، لَمْ نُشِرْ إِلَى حَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَنُقَسِّمُهُ قِسْمَيْنِ 4 ، بَلْ هَذَا اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى يَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ [بَعْدُ] 5 وَيَتَنَاوَلُ جُزْئِيَّاتٍ لَمْ تَخْطُرْ بِالذِّهْنِ، فَهَذِهِ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةُ لَا تُوجَدُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيَّةً.
فَإِذَا قِيلَ: الْأَجْسَامُ تَشْتَرِكُ فِي مُسَمَّى الْجِسْمِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ 6 أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ هَذَا الْمُشْتَرَكُ مَعْنًى كُلِّيًّا، وَالْمِقْدَارُ الْمُعَيَّنُ

لِهَذَا الْجِسْمِ لَيْسَ هُوَ 1 الْمِقْدَارَ الْمُعَيَّنَ لِهَذَا الْجِسْمِ الْمُعَيَّنِ 2 وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ فَهُنَا اشْتِرَكًا 3 فِي نَوْعِ الْقَدْرِ لَا فِي هَذَا الْقَدْرِ، فَالِاشْتِرَاكُ الَّذِي بَيْنَ الْأَجْسَامِ هُوَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَأَمَّا ثُبُوتُ شَيْءٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، هُوَ فِي هَذَا الْإِنْسَانِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي هَذَا الْإِنْسَانِ، فَهُوَ مُكَابَرَةٌ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَادَّةُ وَالْحَقَائِقُ الْكُلِّيَّةُ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ ظَنُّوا مَا فِي الْأَذْهَانِ ثَابِتًا فِي الْأَعْيَانِ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذَا 4 الْبَابَ التَّأْلِيفُ وَالتَّرْكِيبُ فِي اصْطِلَاحِ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ [هُوَ] نَوْعٌ 5 آخَرُ غَيْرُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ، وَالْمُرَكَّبُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُفْرَدٍ.
وَإِذَا حُقِّقَ الْأَمْرُ عَلَى هَؤُلَاءِ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ مَعْنَى مُفْرَدٍ يَتَرَكَّبُ مِنْهُ هَذِهِ الْمُؤَلَّفَاتُ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَالْبَسِيطُ الْمُفْرَدُ الَّذِي يُقَدِّرُونَهُ 6 - كَالْحَيَوَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ - لَا يُوجَدُ 7 فِي الْخَارِجِ إِلَّا صِفَاتٍ مُعَيَّنَةً لِمَوْصُوفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا تَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْمُؤَلَّفِ وَالْمُرَكَّبِ بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحَاتِ الْوَضْعِيَّةِ، مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ.

وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ فِي الْجِسْمِ: هَلْ هُوَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ 1 الَّتِي لَا تَقْبَلُ الِانْقِسَامَ، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ; أَوْ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ ; أَوْ لَا مُؤَلَّفٌ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الطَّوَائِفِ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ.
وَكُلٌّ مِنْ أَصْحَابِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ مُتَنَازِعُونَ هَلْ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، لَكِنَّ مُثْبِتَةَ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ يَقُولُونَ: يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مَعَ وُجُودِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِذَا تَصَغَّرَتِ الْأَجْزَاءُ اسْتَحَالَتْ، كَمَا فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ إِذَا تَصَغَّرَتْ 2 فَإِنَّهَا تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ 3 هَوَاءً، فَمَا دَامَتْ مَوْجُودَةً فَإِنَّهُ 4 يَتَمَيَّزُ مِنْهَا جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، كَمَا يَقُولُهُ مُثْبِتَةُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَلَا يُمْكِنُ انْقِسَامُهُ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، بَلْ إِذَا صَغُرَ 5 لَمْ يَقْبَلِ الْقِسْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ غَيْرَ الْبَعْضِ الْآخَرِ 6 ، بَلْ إِذَا تَصَرَّفَ 7 فِيهِ بِقِسْمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا اسْتَحَالَ، فَالْأَجْزَاءُ الصَّغِيرَةُ - وَلَوْ عَظُمَ صِغَرُهَا - يَتَمَيَّزُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْحِسِّ وَالْعَقْلِ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ فَصْلُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ بِالتَّفْرِيقِ، بَلْ يَفْسُدُ وَيَسْتَحِيلُ لِضِعْفِ قَوَامِهِ عَنِ احْتِمَالِ ذَلِكَ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُنْفَرِدَةٍ تَنَازَعُوا 1 : هَلْ هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ بِشَرْطِ انْضِمَامِ مِثْلِهِ إِلَيْهِ، أَوْ جَوْهَرَانِ فَصَاعِدًا، أَوْ أَرْبَعَةٌ، أَوْ سِتَّةٌ، أَوْ ثَمَانِيَةٌ، أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ لَهُمْ.
فَفِي لَفْظِ الْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ وَالْمُتَحَيِّزِ مِنَ الْاصْطِلَاحَاتِ وَالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا فِيهِ، فَلِهَذَا وَغَيْرِهِ لَمْ يُسَغْ إِطْلَاقُ إِثْبَاتِهِ وَلَا نَفْيِهِ.
بَلْ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ الْبَارِي [تَعَالَى] 2 جِسْمٌ.
قِيلَ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ كَالَّذِي كَانَ مُتَفَرِّقًا فَرُكِّبَ؟ أَوْ [أَنَّهُ يَقْبَلُ] 3 التَّفْرِيقَ: سَوَاءٌ قِيلَ: اجْتَمَعَ بِنَفْسِهِ، أَوْ جَمَعَهُ غَيْرُهُ 4 ؟ أَوْ أَنَّهُ مَنْ جِنِسِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ؟ أَوْ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ؟ أَوْ مِنْ 5 الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ؟ فَإِنْ قَالَ هَذَا.
قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ.
وَإِنْ قَالَ: أُرِيدُ [بِهِ] أَنَّهُ 6 مَوْجُودٌ أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ - كَمَا يُذْكَرُ عَنْ هِشَامٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ وَغَيْرِهِمَا [مِمَّنْ أَطْلَقَ هَذَا اللَّفْظَ] 7 - أَوْ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ

بِالصِّفَاتِ، أَوْ أَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، أَوْ أَنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، أَوْ أَنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ فَوْقَهُ (1) ، وَنَحْوُ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّابِتَةِ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ مَعَانٍ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنَّ (2) إِطْلَاقَ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ، مُخَالِفٌ لِلُّغَةِ.
فَاللَّفْظُ إِذَا احْتَمَلَ الْمَعْنَى الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ لَمْ يُطْلَقْ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُثْبِتًا لِلْحَقِّ نَافِيًا لِلْبَاطِلِ.
وَإِذَا قَالَ: لَيْسَ بِجِسْمٍ.
قِيلَ: أَتُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرَكِّبْهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فَرُكِّبَ (3) ، أَوْ أَنَّهُ (4) لَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالتَّجْزِئَةَ كَالَّذِي يَنْفَصِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ؟ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَنَحْوِ هَذِهِ الْمَعَانِي.؟

مناقشة نفاة الصفات إجمالا

أَوْ تُرِيدُ بِهِ شَيْئًا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اتِّصَافِهِ بِالصِّفَاتِ بِحَيْثُ لَا يُرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ 5 بِكَلَامٍ يَقُومُ بِهِ، وَلَا يُبَايِنُ خَلْقَهُ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا تَعْرُجُ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَلَا الرَّسُولُ، وَلَا تُرْفَعُ إِلَيْهِ1234

الْأَيْدِي، وَلَا يَعْلُو عَلَى 1 شَيْءٍ، وَلَا يَدْنُو مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا هُوَ دَاخِلُ 2 الْعَالَمِ وَلَا خَارِجُهُ، وَلَا مُبَايِنَ لَهُ وَلَا مُحَايِثَ 3 لَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي السَّلْبِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ أَنْ 4 يَتَّصِفَ بِهَا إِلَّا الْمَعْدُومُ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الْأَوَّلَ.
قِيلَ: الْمَعْنَى صَحِيحٌ، لَكِنِ الْمُطْلِقُونَ لِهَذَا النَّفْيِ أَدْخَلُوا فِيهِ 5 هَذِهِ الْمَعَانِي السَّلْبِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَ مَا يُوصَفُ بِهِ 6 مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الثُّبُوتِيَّةِ مُسْتَلْزِمَةً لِكَوْنِهِ جِسْمًا، فَكُلُّ 7 مَا يُذْكَرُ مِنَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ يَقُولُونَ: هَذَا تَجْسِيمٌ وَلَا يَنْتَفِي 8 مَا يُسَمُّونَهُ تَجْسِيمًا إِلَّا بِالتَّعْطِيلِ 9 الْمَحْضِ.
وَلِهَذَا كُلُّ مَنْ نَفَى شَيْئًا قَالَ لِمَنْ أَثْبَتَهُ: إِنَّهُ مُجَسِّمٌ 10 . [فَغُلَاةُ النُّفَاةِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ يَقُولُونَ لِمَنْ أَثْبَتَ لَهُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى: إِنَّهُ مُجَسِّمٌ.
وَمُثْبِتَةُ الْأَسْمَاءِ دُونَ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ: إِنَّهُ مُجَسِّمٌ.
وَمُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ دُونَ

مَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْاخْتِيَارِيَّةِ يَقُولُونَ لِمَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ: إِنَّهُ مُجَسِّمٌ ; وَكَذَلِكَ سَائِرُ النُّفَاةِ.
وَكُلُّ مَنْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَهُ تَجْسِيمٌ يَلْزَمُهُ فِيمَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ] 1 . وَمُنْتَهَى هَؤُلَاءِ النُّفَاةِ إِلَى إِثْبَاتِ وُجُودٍ مُطْلَقٍ، وَذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ، وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَعْلَمُ أَنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ وَالذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الصِّفَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَالذِّهْنُ يُجَرِّدُ هَذَا وَيُقَدِّرُ هَذَا التَّوْحِيدَ الَّذِي يَفْرِضُونَهُ، كَمَا يُقَدِّرُ إِنْسَانًا مُطْلَقًا وَحَيَوَانًا مُطْلَقًا، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا قَدَّرَتْهُ الْأَذْهَانُ كَانَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ.
وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ غَلَطُ مَنْ قَصَدَ إِثْبَاتَ إِمْكَانِ هَذَا بِالتَّقْدِيرِ الْعَقْلِيِّ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ 2 ، فَقَالَ 3 : الْعَقْلُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّيْءَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِالْمُتَحَيِّزِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا مُتَحَيِّزًا وَلَا حَالًّا 4 .

فَيُقَالُ لَهُ: تَقْدِيرُ الْعَقْلِ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ لَا يَقْتَضِي وُجُودَهَا فِي الْخَارِجِ وَلَا إِمْكَانَ وَجُودِهَا فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ هَذَا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: الشَّيْءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا وَاجِبًا وَلَا مُمْكِنًا ; وَالشَّيْءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا قَدِيمًا وَلَا مُحْدَثًا ; وَالشَّيْءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا [أَنْ يَكُونَ] قَائِمًا بِغَيْرِهِ 1 ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَلَا قَائِمًا بِغَيْرِهِ، وَالشَّيْءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا.
فَإِنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ وَالتَّقْسِيمَاتِ لَا تُثْبِتُ إِمْكَانَ الشَّيْءِ وَوُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ إِمْكَانُ الشَّيْءِ يُعْلَمُ بِوُجُودِهِ أَوْ بِوُجُودِ 2 نَظِيرِهِ أَوْ وُجُودِ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ أَوْلَى بِالْوُجُودِ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي عُلِمَ وُجُودُهُ، أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ.
وَالْإِمْكَانُ 3 الْخَارِجِيُّ يُثْبَتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الطُّرُقِ، وَأَمَّا الْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ فَهُوَ أَنْ لَا يُعْلَمَ امْتِنَاعُ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْامْتِنَاعِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْإِمْكَانِ.
فَإِنْ قَالَ النَّافِي: كُلُّ مَا اتَّصَفَ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، أَوْ مَا كَانَ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ، أَوْ مَا يَجُوزُ أَنْ يُرَى، أَوْ مَا يَكُونُ فَوْقَ الْعَالَمِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ

مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي أَثْبَتَهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، لَا يُوصَفُ بِهَا إِلَّا مَا هُوَ [جِسْمٌ] 1 مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ 2 أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
قِيلَ: جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ لَا يَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَجْسَامَ الْمَشْهُودَةَ - كَالسَّمَاءِ وَالْكَوَاكِبِ - مُرَكَّبَةٌ لَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ 3 وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِلُزُومِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ ! وَقَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَسَادُ حُجَجِ الطَّائِفَتَيْنِ وَفَسَادُ 4 حُجَجِ نَفْيِهِمْ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَأَنَّ 5 هَؤُلَاءِ يُبْطِلُونَ حُجَّةَ هَؤُلَاءِ الْمُوَافِقِينَ لَهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَهَؤُلَاءِ يُبْطِلُونَ حُجَّةَ هَؤُلَاءِ، فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى صِحَّةِ حُجَّةٍ وَاحِدَةٍ بِنَفْيِ مَا جَعَلُوهُ مُرَكَّبًا، بَلْ هَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ، فَيُبْطِلُ أُولَئِكَ هَذِهِ الْحُجَّةَ، وَهَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ عَنِ الْأَعْرَاضِ الْحَادِثَةِ، وَمَا لَمْ يَخْلُ عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَأُولَئِكَ يُبْطِلُونَ حُجَّةَ هَؤُلَاءِ، بَلْ يَمْنَعُونَهُمُ الْمُقْدِمَتَيْنِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا [هُنَا] 6 عَلَى هَذَا الْبَابِ.
وَالْأَصْلُ الَّذِي [يَجِبُ] عَلَى الْمُسْلِمِينَ 7 أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ وَجَبَ

الْإِيمَانُ بِهِ، فَيُصَدَّقُ خَبَرُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الرَّسُولِ فَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ فِيهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ حَتَّى يُعْلَمَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ وَيُعْلَمَ صِحَّةُ نَفْيِهِ أَوْ إِثْبَاتِهِ.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُجْمَلَةُ فَالْكَلَامُ فِيهَا بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ دُونَ الِاسْتِفْصَالِ يُوقِعُ فِي الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، وَالْفِتَنِ وَالْخَبَالِ، وَالْقِيلِ وَالْقَالِ، وَقَدْ قِيلَ: أَكْثَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ.
وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ نُفَاةِ الْجِسْمِ وَمُثْبِتِيهِ مَوْجُودُونَ فِي الشِّيعَةِ وَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُقَابِلِينَ لِلشِّيعَةِ، أَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ.
وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْجِسْمِ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الشِّيعَةِ كَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، كَذَا نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ.

مقالات الرافضة في التجسيم

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ: " مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ " 1 : " اخْتَلَفَ 2 الرَّوَافِضُ أَصْحَابُ الْإِمَامَةِ فِي التَّجْسِيمِ، وَهُمْ سِتُّ فِرَقٍ: فَالْفِرْقَةُ 3 الْأُولَى الْهِشَامِيَّةُ، أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ الرَّافِضِيِّ: يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ جِسْمٌ، وَلَهُ نِهَايَةٌ وَحَدٌّ، طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ، طُولُهُ

مِثْلُ عَرْضِهِ، وَعَرْضُهُ مِثْلُ عُمْقِهِ، لَا يُوَفَّى بَعْضُهُ عَلَى 1 بَعْضٍ 2 ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ نُورٌ سَاطِعٌ، لَهُ قَدْرٌ مِنَ الْأَقْدَارِ، فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، كَالسَّبِيكَةِ الصَّافِيَةِ يَتَلَأْلَأُ 3 كَاللُّؤْلُؤَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ذُو لَوْنٍ وَطَعْمٍ وَرَائِحَةٍ وَمَجَسَّةٍ " وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا 4 . " وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَبَّهُمْ لَيْسَ بِصُورَةٍ وَلَا كَالْأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا يَذْهَبُونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ جِسْمٌ، إِلَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَلَا 5 يُثْبِتُونَ الْبَارِئَ ذَا أَجْزَاءٍ مُؤْتَلِفَةٍ وَأَبْعَاضٍ مُتَلَاصِقَةٍ 6 ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ 7 عَلَى الْعَرْشِ مُسْتَوٍ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَلَا كَيْفَ.
وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ 8 : يَزْعُمُونَ أَنَّ رَبَّهُمْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، وَيَمْنَعُونَ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا.
وَالْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ الْهِشَامِيَّةِ - أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيِّ -: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَبَّهُمْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، وَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ لَحْمًا وَدَمًا، وَيَقُولُونَ: هُوَ 9 نُورٌ سَاطِعٌ يَتَلَأْلَأُ بَيَاضًا 10 ، وَأَنَّهُ ذُو حَوَاسٍّ

خَمْسٍ كَحَوَاسِّ الْإِنْسَانِ، لَهُ يَدٌ وَرِجْلٌ 1 ، وَأَنْفٌ وَأُذُنٌ، وَفَمٌ وَعَيْنٌ 2 ، وَأَنَّهُ يَسْمَعُ بِغَيْرِ مَا بِهِ يُبْصِرُ 3 ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ حَوَاسِّهِ مُتَغَايِرَةٌ عِنْدَهُمْ ". قَالَ: " وَحَكَى أَبُو عِيسَى الْوَرَّاقُ أَنَّ هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لِرَبِّهِ وَفْرَةً 4 سَوْدَاءَ 5 ، وَأَنَّ ذَلِكَ نُورٌ أَسْوَدُ.
وَالْفِرْقَةُ الْخَامِسَةُ: يَزْعُمُونَ أَنَّ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ 6 ضِيَاءً خَالِصًا وَنُورًا بَحْتًا 7 ، وَهُوَ كَالْمِصْبَاحِ الَّذِي مِنْ حَيْثُ جِئْتَهُ يَلْقَاكَ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ 8 ، وَلَيْسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَا أَعْضَاءٍ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي الْأَجْزَاءِ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، أَوْ [عَلَى] 9 صُورَةِ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ ". قَالَ 10 : " وَالْفِرْقَةُ السَّادِسَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ 11 : يَزْعُمُونَ أَنَّ رَبَّهُمْ لَيْسَ بِجِسْمٍ 12 وَلَا بِصُورَةٍ 13 ، وَلَا يُشْبِهُ الْأَشْيَاءَ، وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَسْكُنُ وَلَا يُمَاسُّ.

وَقَالُوا فِي التَّوْحِيدِ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ ". قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ 1 : " وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ 2 ، فَأَمَّا أَوَائِلُهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِمَا حَكَيْنَاهُ 3 عَنْهُمْ مِنَ التَّشْبِيهِ ". قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ [أَبُو الْحَسَنِ] 4 الْأَشْعَرِيُّ عَنْ قُدَمَاءِ الشِّيعَةِ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّجْسِيمِ قَدِ اتَّفَقَ عَلَى نَقْلِهِ عَنْهُمْ أَرْبَابُ الْمَقَالَاتِ، حَتَّى نَفْسِ الشِّيعَةِ كَابْنِ النُّوبَخْتِيِّ وَغَيْرِهِ ذَكَرَ [ذَلِكَ عَنْ] هَؤُلَاءِ الشِّيعَةِ 5 . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْإِسْلَامِ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ [هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ] 6 ، وَكَانَ الَّذِينَ يُنَاقِضُونَهُ فِي ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ 7 مِنَ الْمُعْتَزِلِ كَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ.
فَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
فَكُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَمِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِإِمَامِيَّةٍ.
وَإِثْبَاتُ الْجِسْمِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَقُولُ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ 8 الثَّلَاثَةِ، وَالنَّفْيُ 9 قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ

بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.

معنى لفظ أهل السنة وموقفهم من إطلاق لفظ الجسم

فَلَفْظُ " أَهْلِ السُّنَّةِ " يُرَادُ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ خِلَافَةَ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَيَدْخُلُ 1 فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّوَائِفِ إِلَّا الرَّافِضَةَ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ الْمَحْضَةِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا مَنْ يُثْبِتُ 2 الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَيُثْبِتُ الْقَدْرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ 3 الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ.
وَهَذَا الرَّافِضِيُّ -[يَعْنِي الْمُصَنِّفَ] 4 - جَعَلَ أَهْلَ السُّنَّةِ بِالِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْعَامَّةِ: كُلَّ مَنْ لَيْسَ بِرَافِضِيٍّ، قَالُوا: هُوَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
ثُمَّ أَخَذَ يَنْقُلُ عَنْهُمْ مَقَالَاتٍ لَا يَقُولُهَا إِلَّا بَعْضُهُمْ مَعَ تَحْرِيفِهِ لَهَا، فَكَانَ فِي نَقْلِهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالِاضْطِرَابِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ.
وَإِذَا عُرِفَ [أَنَّ] مُرَادَهُ 5 بِأَهْلِ السُّنَّةِ السُّنَّةُ الْعَامَّةُ، فَهَؤُلَاءِ مُتَنَازِعُونَ فِي إِثْبَاتِ الْجِسْمِ وَنَفْيِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْإِمَامِيَّةُ أَيْضًا مُتَنَازِعُونَ فِي ذَلِكَ.
وَأَئِمَّةُ النُّفَاةِ هُمُ الْجَهْمِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوُهُمْ يَجْعَلُونَ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ مُجَسَّمًا، بِنَاءً عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ 6 لَا تَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ

وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْجِسْمَ مَرْكَبٌ مِنَ الْجَوَاهِبِ الْمُفْرَدَةِ 1 ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ: قَوْلُكُمْ مَنْقُوضٌ بِإِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَإِنْ 2 أَمْكَنَ إِثْبَاتُ حَيٍّ عَلِيمٍ قَدِيرٍ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ وَعَلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِثْبَاتُ 3 ذَلِكَ، فَمَا كَانَ جَوَابُكُمْ عَنْ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ كَانَ جَوَابُنَا عَنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ.
ثُمَّ الْمُثْبِتُونَ لِلصِّفَاتِ مِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةَ بِالسَّمْعِ، كَمَا يُثْبِتُ الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةَ بِالْعَقْلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخَاصَّةِ - أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ - وَهُوَ 4 قَوْلُ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلُ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيِّ 5 وَأَبِي الْحَسَنِ

الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِدٍ 1 وَأَبِي الْحَسَنِ الطَّبَرِيِّ 2 وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ 3 الْبَاقِلَّانِيِّ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَقُدَمَاءِ أَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ.
لَكِنِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِ لَا يُثْبِتُونَ إِلَّا الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَمَّا الْخَبَرِيَّةُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفِيهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِيهَا [كَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا] 4 . وَنُفَاةُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مِنْهُمْ [مَنْ يَتَأَوَّلُ نُصُوصَهَا، وَمِنْهُمْ] 5 مَنْ يُفَوِّضُ مَعْنَاهَا إِلَى اللَّهِ.

وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَهَا كَالْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ.
فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَأْوِيلُهَا بِمَا يَقْتَضِي نَفْيَهَا [تَأْوِيلٌ] 1 بَاطِلٌ، فَلَا يَكْتَفُونَ بِالتَّفْوِيضِ، بَلْ يُبْطِلُونَ تَأْوِيلَاتِ النُّفَاةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ " كَالْمُوجَزِ " وَ " الْمَقَالَاتِ الْكَبِيرِ " وَ " الْمَقَالَاتِ الصَّغِيرِ " وَ " الْإِبَانَةِ " 2 وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ كَلَامُهُ، لَكِنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ تُوَافِقُهُ وَمِمَّنْ تُخَالِفُهُ يَحْكُونَ لَهُ قَوْلًا آخَرَ، أَوْ تَقُولُ 3 : أَظْهَرَ غَيْرَ مَا أَبْطَنَ ; وَكُتُبُهُ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَيْنِ الظَّنَّيْنِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ - وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّابِتُ عَنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ، كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَذَوِيهِ 4 - فَلَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ مَأْثُورًا لَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا أُثِرَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ] (1) ، فَصَارَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ يَدْخُلُ فِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَالَّذِينَ أَثْبَتُوهُ أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ النَّقْصِ وَالتَّمْثِيلِ مَا هُوَ بَاطِلٌ، وَالَّذِينَ نَفَوْهُ أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّحْرِيفِ مَا هُوَ بَاطِلٌ.

موقف النفاة كالمعتزلة وموافقيهم

وَمُلَخَّصُ 2 ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نَفَوْهُ أَصْلُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا حُدُوثَ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، فَقَالُوا: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَمَا لَا يَخْلُو عَنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ حَادِثٍ ; لِأَنَّ الْحَرَكَةَ حَادِثَةٌ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَالسُّكُونَ إِمَّا عَدَمُ الْحَرَكَةِ وَإِمَّا ضِدٌّ يُقَابِلُ الْحَرَكَةَ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَالْجِسْمُ لَا يَخْلُوَا عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالسُّكُونُ يُمْكِنُ 3 تَبْدِيلُهُ بِالْحَرَكَةِ، فَكُلُّ جِسْمٍ يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ فَلَا يَخْلُو مِنْهَا أَوْ مِمَّا يُقَابِلُهَا 4 ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو مِنْهَا - كَمَا تَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ فِي الْفَلَكِ - فَإِنَّهُ حَادِثٌ 5 ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو مِمَّا يُقَابِلُهَا 6 فَإِنَّهُ [يَقْبَلُ] 7 الْحَرَكَةَ، وَمَا قَبِلَ الْحَرَكَةَ أَمْكَنَ1

أَنْ لَا يَخْلُوَ مِنْهَا، فَأَمْكَنَ أَنْ يَخْلُوَ مِنْ 1 الْحَوَادِثِ، وَمَا أَمْكَنَ لُزُومُ [دَلِيلِ] 2 الْحُدُوثِ لَهُ كَانَ حَادِثًا، فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَلِيلُ الْحُدُوثِ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنِ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ: مَا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ، فَإِنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنْهَا لَا يَسْبِقُهَا (3 فَلَا يَكُونُ قَبْلَهَا 3) 3 ، وَمَا لَا يَكُونُ إِلَّا مُقَارِنًا لِلْحَادِثِ لَا قَبْلَهُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا حَادِثًا.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ لَا يُوجَدُ فِيهَا إِلَّا هَذَا.
وَأَمَّا حُذَّاقُ هَؤُلَاءِ فَتَفَطَّنُوا لِلْفَرْقِ بَيْنَ عَيْنِ 4 الْحَادِثِ وَنَوْعِ الْحَادِثِ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَادِثَ الْمُعَيَّنَ فَهُوَ حَادِثٌ، وَأَمَّا مَا لَا يَسْبِقُ نَوْعَ الْحَادِثِ فَهَذَا لَا يُعْلَمُ حُدُوثُهُ، وَإِنْ 5 لَمْ يُعْلَمِ امْتِنَاعُ دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَأَنَّ لَهَا 6 ابْتِدَاءً، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ وَوُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، فَصَارَ الدَّلِيلُ مَوْقُوفًا عَلَى امْتِنَاعِ 7 حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ الْمُهِمُّ الْأَعْظَمُ فِي هَذَا الدَّلِيلِ، وَفِيهِ كَثُرَ 8 الِاضْطِرَابُ، وَالْتَبَسَ الْخَطَأُ بِالصَّوَابِ.

وَآخَرُونَ سَلَكُوا أَعَمَّ مِنْ هَذَا فَقَالُوا: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنِ الْأَعْرَاضِ، وَالْأَعْرَاضُ حَادِثَةٌ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ (1) الْأَعْرَاضِ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لَهُ، وَالْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنِ الْاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الْأَكْوَانُ، فَالْجِسْمُ (2) لَا يَخْلُو عَنِ الْأَكْوَانِ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ وَلَوَازِمِهَا كَثِيرٌ قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ.
وَهَذَا الْكَلَامُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي كَلَامِ [الْمُثْبِتِينَ لِلصِّفَاتِ، حَتَّى فِي كَلَامِ] (3) الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ الْخَاصَّةِ: الْمُنْتَسِبِينَ (4) إِلَى الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ (5) وَغَيْرِهِمْ.

موقف الأشعري من إثبات الصفات

وَهَذَا مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي بَقِيَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُ خَالَفَ 6 الْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِهِمْ فِي أُصُولِهِمُ الَّتِي اشْتُهِرُوا فِيهَا بِمُخَالَفَةِ 7 [أَهْلِ] 8 السُّنَّةِ كَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ12345

مَخْلُوقٍ، وَإِثْبَاتِ الْقَدْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ " الْمَقَالَاتِ " أَنَّهُ يَقُولُ بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ 1 . وَذَكَرَ فِي " الْإِبَانَةِ " أَنَّهُ يَأْتَمُّ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ 2 : " فَإِنَّهُ 3 الْإِمَامُ الْكَامِلُ، وَالرَّئِيسُ الْفَاضِلُ 4 ، الَّذِي أَبَانَ [اللَّهُ] بِهِ الْحَقَّ 5 ، وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ 6 ، وَقَمْعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ، وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ، وَشَكَّ الشَّاكِّينَ ". وَقَالَ 7 : " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ 8 : قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ [وَالْمُرْجِئَةِ] 9 " وَاحْتَجَّ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ بِمُقَدَّمَاتِ سَلَّمَهَا

لِلْمُعْتَزِلَةِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، فَصَارَتِ الْمُعْتَزِلَةُ [وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ] 1 يَقُولُونَ 2 : إِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ 3 ، وَإِنَّ هَذِهِ بَقِيَّةٌ 4 بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ هُوَ هَذَا الْكَلَامُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُخَالِفُ الْأَشْعَرِيَّ فِي مَسَائِلَ، وَقَدْ [وَافَقَهُ] 5 عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ تِلْكَ الْمَسَائِلُ، فَيَقُولُ النَّاسُ فِي تَنَاقُضِهِ كَمَا قَالُوهُ فِي تَنَاقُضِ الْأَشْعَرِيِّ، وَكَمَا قَالُوهُ فِي تَنَاقُضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَتَنَاقُضِ الْفَلَاسِفَةِ، فَمَا مِنْ طَائِفَةٍ فِيهَا نَوْعٌ يَسِيرٌ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْحَدِيثِ إِلَّا وَيُوجَدُ فِي كَلَامِهَا مِنَ التَّنَاقُضِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَأَعْظَمُهُمْ تَنَاقُضًا أَبْعَدُهُمْ عَنِ السُّنَّةِ، كَالْفَلَاسِفَةِ ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ.
فَلَمَّا اعْتَقَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ 6 أَثْبَتُوا بِهَذَا الدَّلِيلِ حُدُوثَ الْجِسْمِ، لَزِمَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ، فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: مَا قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ فَهُوَ جِسْمٌ ; لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ

إِلَّا بِجِسْمٍ، فَنَفَتِ الصِّفَاتِ، وَنَفَتْ أَيْضًا قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِهِ ; لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ وَلِأَنَّهَا حَوَادِثُ، فَقَالَتْ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ وَهُوَ عَرَضٌ ; وَلِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَرَكَةِ وَهِيَ حَادِثَةٌ، فَلَا يَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ.
وَقَالَتْ أَيْضًا: إِنَّهُ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تَرَى إِلَّا جِسْمًا أَوْ قَائِمًا بِجِسْمٍ.
وَقَالَتْ: لَيْسَ [هُوَ] 1 فَوْقَ الْعَالَمِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَقَامُ 2 مَكَانٍ، وَالْمَكَانُ لَا يَكُونُ [بِهِ] 3 إِلَّا جِسْمٌ 4 ، أَوْ مَا يَقُومُ بِجِسْمٍ.
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامِيُّ، وَهُوَ لَمْ يَبْسُطِ الْكَلَامَ فِيهِ، فَلِذَا 5 اقْتَصَرْنَا 6 عَلَى هَذَا الْقَدْرِ؛ إِذِ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
فَقَالَتْ مُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ لِلْمُعْتَزِلَةِ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا، فَإِنْ طَرَدْتُمْ قَوْلَكُمْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جِسْمًا، وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلْ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَنْ لَيْسَ بِجِسْمٍ 7 ، قِيلَ لَكُمْ: وَتُثْبَتُ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِمَنْ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَقَالُوا لَهُمْ أَيْضًا: إِثْبَاتُ حَيٍّ بِلَا حَيَاةٍ، وَعَالِمٍ بِلَا عِلْمٍ، وَقَادِرٍ

بِلَا قُدْرَةٍ، مِثْلُ إِثْبَاتِ أَسْوَدَ بِلَا سَوَادٍ، وَأَبْيَضَ بِلَا بَيَاضٍ، وَقَائِمٍ بِلَا قِيَامٍ، وَمُصَلٍّ بِلَا صَلَاةٍ، وَمُتَكَلِّمٍ بِلَا كَلَامٍ، وَفَاعِلٍ بِلَا فِعْلٍ، وَهَذَا 1 مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ لُغَةً وَعَقْلًا.
وَقَالُوا لَهُمْ أَيْضًا: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ، وَلَيْسَ كَوْنُهُ حَيًّا هُوَ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَلَا كَوْنُهُ عَالِمًا هُوَ كَوْنُهُ قَادِرًا.
فَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تَعْقِلُونَهَا وَتُثْبِتُونَهَا 2 هِيَ الصِّفَاتُ، سَوَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَحْكَامًا أَوْ أَحْوَالًا أَوْ مَعَانِيَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ بِالْأَلْفَاظِ بَلْ بِالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَجَدَهُمْ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ، كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ: إِنَّهُ عَاقِلٌ 3 وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ، وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَعِشْقٌ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذَا الْمَعْنَى هُوَ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّ الْعَالِمَ هُوَ الْعِلْمُ، فَيَجْعَلُونَ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ هِيَ الْأُخْرَى، وَيَجْعَلُونَ الْمَوْصُوفَ هُوَ الصِّفَةُ.
وَأَيْضًا، فَمَا يُشَنِّعُ بِهِ هَؤُلَاءِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ هُمْ يَقُولُونَ بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ 4 وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَجَدَ الْمَعَانِي الَّتِي يُثْبِتُهَا 5 هِيَ قَوْلُ الصِّفَاتِيَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ؛ إِذِ الْكَلَامُ هُنَا مُخْتَصَرٌ بِحَسَبِ هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ نَبَّهْنَا

عَلَى أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ 1 بِالْحَقِّ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ مَا مِنْ قَوْلٍ يَثْبُتُ بِشَرْعٍ 2 وَعَقْلٍ إِلَّا وَقَدْ قَالَ بِهِ أَئِمَّةُ 3 أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ.

[الْوَجْهُ السَّادِسُ وفيه أن أكثر متقدمي الإمامية كانوا مجسمة]

الْوَجْهُ السَّادِسُ 4 : أَنْ يُقَالَ لِهَذَا الْإِمَامِيِّ: أَنْتِ قَلْتَ: مَذْهَبُ الْإِمَامِيَّةِ أَحَقُّهَا وَأَصْدَقُهَا وَأَخْلَصُهَا عَنْ شَوَائِبِ الْبَاطِلِ ; لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَأَنَّ [كُلَّ] 5 مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ ; لِأَنَّهُ وَاحِدٌ 6 وَلَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا فِي مَكَانٍ وَإِلَّا لَكَانَ مُحْدَثًا.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَ [مُتَقَدِّمِي] 7 الْإِمَامِيَّةِ كَانُوا بِضِدِّ هَذَا: كَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَهِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، وَيُونُسَ 8 بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُمِّيِّ مَوْلَى آلِ يَقْطِينَ، وَزُرَاةَ بْنِ أَعْيَنَ 9

وَأَبِي مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ 1 ، وَعَلِيِّ بْنِ مِيثَمَ 2 ، وَطَوَائِفَ كَثِيرِينَ هُمْ

أَئِمَّةُ الْإِمَامِيَّةِ قَبْلَ 1 الْمُفِيدِ وَالطُّوسِيِّ 2 وَالْمُوسَوِيِّ وَالْكَرَاجِكِيِّ 3 . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ قُدَمَاءِ الْإِمَامِيَّةِ فَإِنَّ 4 قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّمَا حَدَثَ فِيهِمْ مُتَأَخِّرًا، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَتِ الْإِمَامِيَّةُ كُلُّهَا عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتُهُ هُوَ الصَّوَابُ فَشُيُوخُ الْإِمَامِيَّةِ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَشُيُوخُهُمُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى هَذَا الْخَطَأِ، فَقَدْ لَزِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ شُيُوخَ الْإِمَامِيَّةِ ضَلُّوا فِي التَّوْحِيدِ: إِمَّا مُتَقَدِّمُوهُمْ وَإِمَّا مُتَأَخِّرُوهُمْ.

[الْوَجْهُ السَّابِعُ وفيه عرض لمقالات الرافضة]

الْوَجْهُ السَّابِعُ 5 : أَنْ يُقَالَ: أَنْتَ ذَكَرْتَ اعْتِقَادًا وَلَمْ تَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلًا 6 : لَا شَرْعِيًّا وَلَا عَقْلِيًّا.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّافِضَةَ أَجْهَلُ وَأَضَلُّ [وَأَقَلُّ] 7 مِنْ أَنْ يُنَاظِرُوا عُلَمَاءَ السُّنَّةِ، لَكِنْ يُنَاظِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا يَتَنَاظَرُونَ دَائِمًا فِي الْمَعْدُومِ: هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؟ فَيُقَالُ لِهَذَا الْإِمَامِيِّ النَّافِي: أَنْتَ لَمْ تُقِمْ حُجَّةً عَلَى شُيُوخِكَ [الْإِمَامِيَّةِ] 8 الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ، وَأَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ.
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ 9 : " وَاخْتَلَفَتِ الرَّوَافِضُ 10 فِي حَمَلَةِ الْعَرْشِ [أَيَحْمِلُونَ

الْعَرْشَ] 1 أَمْ يَحْمِلُونَ الْبَارِئَ عَزَّ وَجَلَّ؟ وَهُمْ فِرْقَتَانِ: فِرْقَةٌ يُقَالُ لَهَا: " الْيُونُسِيَّةُ " أَصْحَابُ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُمِّيِّ مَوْلَى آلِ يَقْطِينَ 2 يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَمَلَةَ يَحْمِلُونَ الْبَارِيَ، وَاحْتَجَّ يُونُسُ فِي 3 أَنَّ الْحَمَلَةَ تَطِيقُ حَمْلَهُ وَشَبَّهَهُمْ 4 بِالْكُرْكِيِّ 5 وَأَنَّ رِجْلَيْهِ تَحْمِلَانِهِ وَهُمَا دَقِيقَتَانِ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: إِنَّ الْحَمْلَةَ تَحْمِلُ الْعَرْشَ، وَالْبَارِئَ 6 يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا ".

قَالَ الْأَشْعَرِيُّ 7 : " وَاخْتَلَفَ الرَّوَافِضُ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ 8 عَالِمٌ حَيٌّ 9 قَادِرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ إِلَهٌ.
وَهُمْ تِسْعُ 10 فِرَقٍ: فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ: " الزُّرَارِيَّةُ " أَصْحَابُ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ الرَّافِضِيِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ غَيْرَ سَمِيعٍ وَلَا عَلِيمٍ وَلَا بَصِيرٍ حَتَّى خَلَقَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَهُمْ يُسَمَّوْنَ التَّيْمِيَّةَ 11 ، وَرَئِيسُهُمْ زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ.

وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمْ: " السِّيَابِيَّةُ " أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيَابَةَ 1 يَقِفُونَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا مَا يَقُولُ جَعْفَرٌ كَائِنًا قَوْلُهُ [مَا كَانَ] 2 ، وَلَا يَعْرِفُونَ 3 فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ 4 قَوْلًا.
وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمْ: يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ 5 إِلَهًا قَادِرًا وَلَا 6 سَمِيعًا بَصِيرًا حَتَّى يُحْدِثَ الْأَشْيَاءَ ; لِأَنَّ 7 الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَلَنْ 8 يَجُوزَ أَنْ يُوصَفَ بِالْقُدْرَةِ لَا 9 عَلَى شَيْءٍ وَبِالْعِلْمِ [لَا بِشَيْءٍ] 10 . وَكُلُّ الرَّوَافِضِ 11 - إِلَّا شِرْذِمَةً قَلِيلَةً - يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الشَّيْءَ 12 ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِيهِ ".

قَالَ 1 : " وَالْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ الرَّوَافِضِ 2 : يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ لَا حَيًّا ثُمَّ صَارَ حَيًّا.
وَالْفِرْقَةُ الْخَامِسَةُ مِنَ الرَّوَافِضِ: وَهُمْ أَصْحَابُ " شَيْطَانِ الطَّاقِ " 3 يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِجَاهِلٍ، وَلَكِنَّهُ 4 إِنَّمَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ إِذَا قَدَّرَهَا وَأَرَادَهَا، فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُقَدِّرَهَا وَيُرِيدَهَا 5 فَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَهَا، لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَلَكِنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُقَدِّرَهُ وَيُشَيِّئَهُ 6 بِالتَّقْدِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمُ الْإِرَادَةُ ".

قَالَ 1 : " وَ [الْفِرْقَةُ] السَّادِسَةُ 2 مِنَ الرَّافِضَةِ 3 : أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِالْأَشْيَاءِ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا عَالِمًا، وَأَنَّهُ يَعْلَمُهَا [بِعِلْمٍ] 4 ، وَأَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ لَهُ، لَيْسَتْ هِيَ هُوَ 5 ، وَلَا هِيَ غَيْرُهُ 6 وَلَا بَعْضُهُ فَلَا يَجُوزُ 7 أَنْ يُقَالَ: الْعِلْمُ 8 مُحْدَثٌ أَوْ قَدِيمٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ 9 ، وَالصِّفَةُ لَا تُوصَفُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا لَكَانَتِ الْمَعْلُومَاتُ لَمْ تَزَلْ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحَّ عَالِمٌ إِلَّا بِمَعْلُومٍ مَوْجُودٍ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَفْعَلُهُ عِبَادُهُ لَمْ تَصِحَّ الْمِحْنَةُ وَالِاخْتِبَارُ 10 ". قَالَ 11 : " وَقَالَ هِشَامُ فِي سَائِرِ صِفَاتِ اللَّهِ 12 كَقُدْرَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَإِرَادَتِهِ، إِنَّهَا صِفَاتُ اللَّهِ 13 ، لَا هِيَ اللَّهُ، وَلَا غَيْرُ اللَّهِ.
وَقَدْ

اخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ: فَمِنْهُمْ 1 مَنْ يَحْكِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ 2 : إِنَّ الْبَارِئَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا حَيًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ ". قَالَ 3 : " وَالْفِرْقَةُ السَّابِعَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ: لَا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْبَارِئَ عَالِمٌ فِي نَفْسِهِ كَمَا قَالَ 4 شَيْطَانُ الطَّاقِ، وَلَكِنَّهُمْ 5 يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ حَتَّى يُؤَثِّرَ أَثَرَهُ، وَالتَّأْثِيرُ عِنْدَهُمُ الْإِرَادَةُ، فَإِذَا أَرَادَ الشَّيْءَ عَلِمَهُ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَمَعْنَى أَرَادَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ تَحَرَّكَ حَرَكَةً 6 هِيَ إِرَادَةُ، فَإِذَا تَحَرَّكَ عَلِمَ الشَّيْءَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزِ الْوَصْفُ لَهُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ 7 ". قَالَ: " وَالْفِرْقَةُ الثَّامِنَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ: يَزْعُمُونَ 8 أَنَّ مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ، فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: أَتَقُولُونَ 9 : [إِنَّ] 10 اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا

بِنَفْسِهِ؟ اخْتَلَفُوا.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَزَلْ لَا يَعْلَمُ بِنَفْسِهِ 1 حَتَّى فَعَلَ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ وَلَمَّا يَفْعَلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ بِنَفْسِهِ 2 . فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: [فَلَمْ] 3 يَزَلْ يَفْعَلُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ بِقِدَمِ 4 الْفِعْلِ ". قَالَ: " وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، إِلَّا أَعْمَالَ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا فِي 5 حَالِ كَوْنِهَا ". قَالَ: " وَالْفِرْقَةُ التَّاسِعَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ: يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى [لَمْ يَزَلْ] 6 عَالِمًا حَيًّا 7 قَادِرًا، وَيَمِيلُونَ إِلَى نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَلَا يُقِرُّونَ 8 بِحُدُوثِ الْعِلْمِ 9 ، وَلَا بِمَا حَكَيْنَاهُ مِنَ التَّجْسِيمِ وَسَائِرِ مَا أَخْبَرْنَا بِهِ مِنَ التَّشْبِيهِ [عَنْهُمْ] 10 ".

قَالَ 11 : وَاخْتَلَفَتْ 12 الرَّوَافِضُ فِي إِرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ 13 ، وَهُمْ أَرْبَعُ فِرَقٍ:

فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ: أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَهِشَامِ الْجَوَالِيقِيِّ: يَزْعُمُونَ أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ حَرَكَةٌ وَهِيَ مَعْنًى 1 ، لَا هِيَ اللَّهُ 2 وَلَا هِيَ 3 غَيْرُهُ، وَأَنَّهَا 4 صِفَةٌ لِلَّهِ لَيْسَتْ غَيْرَهُ، وَذَلِكَ 5 [أَنَّهُمْ] 6 يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ الشَّيْءَ 7 تَحَرَّكَ، فَكَانَ مَا أَرَادَ 8 . وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمْ: أَبُو مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ مِيثَمَ 9 وَمَنْ تَابَعَهُمَا: يَزْعُمُونَ أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ غَيْرُهُ، وَهِيَ حَرَكَةُ اللَّهِ، كَمَا قَالَ هِشَامُ، إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ خَالَفُوهُ فَزَعَمُوا أَنَّ الْإِرَادَةَ حَرَكَةٌ، وَأَنَّهَا غَيْرُ اللَّهِ بِهَا يَتَحَرَّكُ.
وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمُ: الْقَائِلُونَ 10 بِالِاعْتِزَالِ وَالْإِمَامَةِ 11 : يَزْعُمُونَ أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ لَيْسَتْ بِحَرَكَةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا 12 غَيْرَ الْمُرَادِ فَيَقُولُ: إِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ لَا بِإِرَادَةٍ 13 ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِرَادَةُ اللَّهِ 14 لِتَكْوِينِ الشَّيْءِ هُوَ الشَّيْءُ،

وَإِرَادَتُهُ لِأَفْعَالِ 1 الْعِبَادِ هِيَ أَمْرُهُ إِيَّاهُمْ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ غَيْرُ فِعْلِهِمْ، وَهُمْ يَأْبَوْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرَادَ الْمَعَاصِيَ فَكَانَتْ.
وَالْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: لَا نَقُولُ قَبْلَ الْفِعْلِ: إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ 2 ، فَإِذَا فُعِلَتْ 3 الطَّاعَةُ قُلْنَا: أَرَادَهَا، وَإِذَا فُعِلَتِ الْمَعْصِيَةُ 4 فَهُوَ كَارِهٌ لَهَا غَيْرُ مُحِبٍّ لَهَا 5 ". قُلْتُ: الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ قَوْلُ مُتَأَخِّرِي الشِّيعَةِ، كَالْمُفِيدِ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمُعْتَزِلَةَ، وَهُمْ طَائِفَةُ صَاحِبِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ 6 قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالثَّانِي قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ الشِّيعَةُ عَلَى قَوْلٍ 7 الْمُعْتَزِلَةِ.
8 (* فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ الَّتِي نُقِلَتْ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ لَمْ نَرَ 9 النَّاسَ نَقَلُوهَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ مِمَّا نَقَلُوهَا عَنْ قُدَمَاءِ الرَّافِضَةِ.
ثُمَّ الرَّافِضَةُ حُرِمُوا الصَّوَابَ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا حُرِمُوهُ فِي غَيْرِهِ، فَقُدَمَاؤُهُمْ

يَقُولُونَ بِالتَّجْسِيمِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ غُلَاةِ 1 الْمُجَسِّمَةِ، وَمُتَأَخِّرُوهُمْ يَقُولُونَ بِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ مُوَافَقَةً لِغُلَاةِ الْمُعَطِّلَةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَأَقْوَالُ أَئِمَّتِهِمْ دَائِرَةٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ 2 ، لَمْ تُعْرَفْ لَهُمْ مُقَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا.
وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْقَوْلِ الْوَسَطِ 3 الْمُغَايِرِ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّمْثِيلِ [وَقَوْلِ أَهْلِ] التَّعْطِيلِ 4 ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ مُخَالَفَةَ الرَّافِضَةِ لِأَئِمَّةِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ 5 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُصُولِ دِينِهِمْ، كَمَا هُمْ مُخَالِفُونَ لِأَصْحَابِهِ، بَلْ وَلِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَهَذَا لِأَنَّ مَبْنَى مَذْهَبِ الْقَوْمِ عَلَى الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالْهَوَى، وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يَدَّعُونَ اتِّبَاعَ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فِي الشَّرَائِعِ 6 ، فَلَوْ قَدَّرَ مِنْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ 7 - كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَأَمْثَالِهِمْ - لَكَانَ ذَلِكَ سَائِغًا 8 جَائِزًا عِنْدَ أَهْلِ

السُّنَّةِ، لَمْ تَقُلْ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ تَقْلِيدُ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ تَقْلِيدَ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ كَتَقْلِيدِ أَمْثَالِهِمْ، يَسُوغُ هَذَا لِمَنْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الشَّرَائِعِ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْاسْتِدْلَالِ ; هَذَا مَنْصُوصُ 1 الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُمَا، وَمَا حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ تَجْوِيزِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ غَلَطٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حُكِيَ 2 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ -[صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ] 3 - قِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ، وَقِيلَ: الْعَالِمُ.
وَهَذَا النِّزَاعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ 4 الْقَوْلُ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ 5 مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَمْ يَجُزْ [لَهُ] 6 التَّقْلِيدُ فِي خِلَافِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْعَاجِزِ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ فَيُجَوِّزُهُ الْجُمْهُورُ، وَمَنَعَ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ مِمَّا يَنْقَسِمُ وَيَتَبَعَّضُ، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ قَادِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا حَالُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ

الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْقُوَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَالْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ أَقْدُرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ حُكْمَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنَ الدِّينِ بِدَلِيلِهَا، فَمَنِ ادَّعَى هَذَا فَقْدِ ادَّعَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ 1 ، بَلِ ادَّعَى مَا يَعْرِفُ 2 أَنَّهُ بَاطِلٌ *) 3 .

[فَصْلٌ موافقة جعفر الصادق لسائر السلف في مسألة القرآن]

(فَصْلٌ) وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يُقَالَ لِهَذَا الْإِمَامِيِّ وَأَمْثَالِهِ: نَاظِرُوا إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ فِي التَّوْحِيدِ، وَأَقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكُمْ ثُمَّ ادْعُوا إِلَى ذَلِكَ، وَدَعُوا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالتَّعَرُّضَ لَهُمْ 4 ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ هُوَ الْحَقُّ، وَهُمْ 5 كَانُوا فِي عَصْرِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَأَمْثَالِهِ، فَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اسْتَفَاضَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ 6 أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ: أَخَالِقٌ هُوَ أَمْ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
(7 [وَهَذَا مِمَّا اقْتَدَى بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمِحْنَةِ، فَإِنَّ جَعْفَرَ 7) 7 بْنَ مُحَمَّدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ

وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ 1 وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ] 2 لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مَا قَالَهُ ابْنُ كُلَّابٍ [وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ] أَنَّهُ 3 قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّ 4 اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ 5 بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، بَلْ هَذَا قَوْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ ابْنُ كُلَّابٍ 6 وَاتَّبَعَهُ عَلَيْهِ طَوَائِفُ.
وَأَمَّا السَّلَفُ فَقَوْلُهُمْ 7 إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، وَإِنَّهُ 8 يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ 9 . (* وَكَذَلِكَ قَالُوا بِلُزُومِ الْفَاعِلِيَّةِ، وَنَقَلُوا عَنْ جَعْفَرِ [الصَّادِقِ] 10 بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُحْسِنًا بِمَا لَمْ يَزَلْ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل