منهاج السنة النبويةصفحات 174-213
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 174-213
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْوِلَايَاتُ، فَلَا يَتَوَلَّى، وَمَا قَتَلَهُ أَحَدٌ، وَقَدْ عُيِّنَ لِلْخِلَافَةِ يَوْمَ الْحَكَمَيْنِ [فَتَغَيَّبَ عَنْهُ] 1 وَمَا آذَاهُ أَحَدٌ قَطُّ، وَمَا سُمِعَ قَطُّ أَنَّ أَحَدًا امْتَنَعَ مِنَ الْوِلَايَةِ فَقُتِلَ عَلَى ذَلِكَ.
فَهَذَا مِنِ اخْتِلَاقِ مُفْتَرٍ [لَا يَدْرِي] مَا يَكْتُبُ 2 لَا شَرْعًا وَلَا عَادَةً.
ثُمَّ نَقُولُ جَوَابًا مُرَكَّبًا: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَمَرَ بِهَذَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ أَمَرَ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَطَلَ إِنْكَارُهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَيْسَ كَوْنُ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوْ كَوْنُهُ وَلِيًّا لِلَّهِ مِمَّا يَمْنَعُ قَتْلَهُ إِذَا اقْتَضَى الشَّرْعُ ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ، وَقَالَ: " «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ.
وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ» " 3 فَهَذِهِ يَشْهَدُ لَهَا الرَّسُولُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْحَدُّ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهَا أَمَرَ بِرَجْمِهَا.
وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ قِصَاصٌ، وَكَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَتَابَ مِنْ قَتْلِ الْعَمْدِ تَوْبَةً نَصُوحًا، لَوَجَبَ أَنْ يُمَكَّنَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْهُ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَيَكُونُ قَتْلُهُ كَفَّارَةً لَهُ.

وَالتَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْمَصْلَحَةُ بِدُونِهِ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ 1 ، كَقَتْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ، لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ 2 قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: [يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَالثَّانِي:] 3 لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» " 4 وَقَالَ فِي «شَارِبِ الْخَمْرِ: " إِنْ شَرِبَهَا 5 فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» " 6 . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحُكْمِ: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لَا؟ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِقَتْلِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ السَّائِغِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَمْ يَقْدَحْ لَا فِي عَدْلِ هَذَا، وَلَا فِي دُخُولِ هَذَا الْجَنَّةَ.
فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ ثُمَّ مِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الرَّافِضَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِينَ أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ، بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا النَّقْلِ، يَسْتَحِقُّونَ الْقَتْلَ إِلَّا عَلِيًّا.
فَإِنْ كَانَ عُمَرُ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَلِمَاذَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ يُحَابِيهِمْ فِي الْوِلَايَةِ وَيَأْمُرُ

بِقَتْلِهِمْ؟ فَهَذَا جَمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: كَانَ مَقْصُودُهُ قَتْلَ عَلِيٍّ.
قِيلَ: لَوْ بَايَعُوا إِلَّا عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَضُرُّ الْوِلَايَةَ، فَإِنَّمَا يَقْتُلُ مَنْ يَخَافُ.
وَقَدْ تَخَلَّفَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَضْرِبُوهُ وَلَمْ يَحْبِسُوهُ، فَضْلًا عَنِ الْقَتْلِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا وَبَنِي هَاشِمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَقُولُ 1 : إِنَّهُمْ لَمْ يَضْرِبُوا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا أَكْرَهُوهُ عَلَى الْبَيْعَةِ.
فَإِذَا لَمْ يُكْرَهْ أَحَدٌ عَلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ مُتَعَيَّنَةٌ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ النَّاسِ عَلَى مُبَايَعَةِ عُثْمَانَ، وَهِيَ عِنْدَهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنَةٍ؟ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مُدَّةَ خِلَافَتِهِمَا مَا زَالَا [مُكْرِمَيْنِ] 2 غَايَةَ الْإِكْرَامِ لِعَلِيٍّ وَسَائِرِ بَنِي هَاشِمٍ يُقَدِّمُونَهُمْ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَيَقُولُ [أَبُو بَكْرٍ] 3 : أَيُّهَا النَّاسُ ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْلِ 4 بَيْتِهِ.
وَأَبُو بَكْرٍ يَذْهَبُ وَحْدَهُ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ، وَعِنْدَهُ بَنُو هَاشِمٍ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ 5 فَضْلَهُمْ، وَيَذْكُرُونَ لَهُ فَضْلَهُ، وَيَعْتَرِفُونَ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْخِلَافَةَ، وَيَعْتَذِرُونَ مِنَ التَّأَخُّرِ، وَيُبَايِعُونَهُ وَهُوَ عِنْدَهُمْ وَحْدَهُ.
وَالْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِمَا كَانَ بَيْنَ الْقَوْمِ 6 مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالِائْتِلَافِ تُوجِبُ كَذِبَ مَنْ نَقَلَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.

وَلَوْ أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ [فِي وِلَايَتِهِمَا] 1 إِيذَاءَ عَلِيٍّ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، لَكَانَا أَقْدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ الْأَمْرِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَؤُلَاءِ الْمُفْتَرُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ظَلَمُوهُ فِي حَالٍ كَانَ فِيهَا أَقْدَرَ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْعِهِمَا مِنْ ظُلْمِهِ، وَكَانَا أَعْجَزَ عَنْ ظُلْمِهِ لَوْ أَرَادَا ذَلِكَ 2 ، فَهَلَّا ظَلَمَاهُ بَعْدَ قُوَّتِهِمَا وَمُطَاوَعَةِ النَّاسِ لَهُمَا إِنْ كَانَا مُرِيدَيْنِ لِظُلْمِهِ؟ وَمِنَ الْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى وِلَايَةً، وَهُنَاكَ مَنْ هُوَ مُرَشَّحٌ لَهَا يَخَافُ أَنْ يُنَازِعَهُ 3 ، أَنَّهُ لَا يَقَرُّ حَتَّى يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ: إِمَّا بِحَبْسٍ، وَإِمَّا بِقَتْلٍ 4 سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً 5 ، كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ.
فَإِذَا كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا ظَالِمَانِ لَهُ، وَهُوَ مَظْلُومٌ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلْوِلَايَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَخَافَا مِنْهُ.
فَكَانَ يَنْبَغِي لَوْ كَانَ هَذَا حَقًّا أَنْ يَسْعَيَا فِي قَتْلِهِ أَوْ حَبْسِهِ وَلَوْ بِالْحِيلَةِ.
وَهَذَا لَوْ أَرَادَاهُ 6 لَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمَا مِنْ مَنْعِهِ ابْتِدَاءً مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَلَوْ أَرَادَا تَأْمِيرَهُ عَلَى بَعْضِ الْجُيُوشِ، وَأَوْصَيَا 7 بَعْضَ أَهْلِ الْجُيُوشِ 8 أَنْ يَقْتُلَهُ

وَيَسُمَّهُ، كَانَ هَذَا مُمْكِنًا.
فَفِي الْجُمْلَةِ دَفْعُ الْمُتَوَلِّي لِمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُنَازِعُهُ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْهُ، أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَذَلِكَ بِأَنْوَاعٍ مِنْ إِهَانَةٍ وَإِيذَاءٍ وَحَبْسٍ وَقَتْلٍ وَإِبْعَادٍ.
وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَا زَالَا مُكْرِمَيْنِ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، مُقَدِّمَيْنِ لَهُ، [بَلْ] 1 وَلِسَائِرِ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي الْعَطَاءِ، مُقَدِّمَيْنِ لَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ وَالْحُرْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، كَمَا يَفْعَلَانِ بِنُظَرَائِهِ، وَيُفَضِّلَانِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ 2 كَلِمَةُ سُوءٍ فِي عَلِيٍّ قَطُّ، [بَلْ] 3 وَلَا فِي أَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُعَادَاةَ الَّتِي فِي الْقَلْبِ تُوجِبُ إِرَادَةَ الْأَذَى لِمَنْ يُعَادَى.
فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَادِرًا، اجْتَمَعَتِ الْقُدْرَةُ مَعَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ.
فَلَوْ كَانَا مُرِيدَيْنِ بِعَلِيٍّ سُوءًا، لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ ظُهُورَهُ لِقُدْرَتِهِمَا.
فَكَيْفَ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا إِلَّا الْمَحَبَّةُ وَالْمُوَالَاةُ؟ ! وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ مَحَبَّتِهِمَا وَمُوَالَاتِهِمَا وَتَعْظِيمِهِمَا وَتَقْدِيمِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَّةِ 4 ، مَا يُعْلَمُ بِهِ حَالُهُ فِي ذَلِكَ.
وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ قَطُّ كَلِمَةُ سُوءٍ فِي حَقِّهِمَا، وَلَا أَنَّهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْأَمْرِ مِنْهُمَا.
وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَنْ عَرَفَ 5 الْأَخْبَارَ الثَّابِتَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَالْمَنْقُولَةَ بِأَخْبَارِ الثِّقَاتِ.

وَأَمَّا مَنْ رَجَعَ إِلَى مَا يَنْقُلُهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِالْمَنْقُولَاتِ، وَأَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَةِ أُمُورِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِافْتِرَاءِ الْكَذِبِ الْكَثِيرِ، الَّذِي لَا يَرُوجُ إِلَّا عَلَى الْبَهَائِمِ، وَيَرُوجُ كَذِبُهُ عَلَى قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَ الْإِسْلَامَ: إِمَّا قَوْمٌ سُكَّانُ الْبَوَادِي، أَوْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، أَوْ بَلَدٌ أَهْلُهُ مِنْ أَقَلِّ النَّاسِ عِلْمًا وَأَكْثَرِهِمْ كَذِبًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَضِلُّ.
وَهَكَذَا الرَّافِضَةُ لَا يُتَصَوَّرُ قَطُّ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ يَرُوجُ عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ، فِيهَا أَهْلُ عِلْمٍ وَدِينٍ.
وَإِنَّمَا يَرُوجُ عَلَى جُهَّالٍ [سَكَنُوا الْبَوَادِيَ وَالْجِبَالَ] (1) أَوْ عَلَى مَحِلَّةٍ فِي مَدِينَةٍ أَوْ بُلَيْدَةٍ، أَوْ طَائِفَةٍ يُظْهِرُونَ لِلنَّاسِ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ، حَتَّى أَنَّ الْقَاهِرَةَ لَمَّا كَانَتْ مَعَ الْعُبَيْدِيِّينَ، وَكَانُوا يُظْهِرُونَ التَّشَيُّعَ، لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى مَنَعُوا مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ إِظْهَارِ عِلْمِهِمْ.
وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا خَائِفِينَ مِنْ سَائِرِ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ، يُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْغَرِيبُ مِنَ الْبَلَدِ الْبَعِيدِ (2) ، فَيَكْتُمُونَ عَنْهُ قَوْلَهُمْ، وَيُدَاهِنُونَهُ وَيَتَّقُونَهُ، كَمَا يُخَافُ الْمَلِكُ الْمُطَاعُ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُ فِرْيَةٍ وَكَذِبٍ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 152] قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هِيَ لِكُلِّ مُفْتَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

الرد على قول الرافضي أن عمر رضي الله عنه أمر بقتل من خالف الأربعة ثم الثلاثة

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ خَالَفَ [الْأَرْبَعَةَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ خَالَفَ] 3 الثَّلَاثَةَ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ".12

فَيُقَالُ: هَذَا 1 مِنَ الْكَذِبِ الْمُفْتَرَى.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ [قَدْ] 2 خَالَفَ الدِّينَ، بَلْ يَكُونُ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ يَقْصِدُ الْفِتْنَةَ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» " 3 . وَالْمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِبَيْعَةٍ بِلَا مُشَاوَرَةٍ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا قَتْلُ الْوَاحِدِ الْمُتَخَلِّفِ عَنِ الْبَيْعَةِ إِذَا لَمْ تَقُمْ فِتْنَةٌ، فَلَمْ يَأْمُرْ عُمَرُ بِقَتْلِ [مِثْلِ] 4 هَذَا، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ مِثْلِ هَذَا.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنِ الْإِشَارَةِ إِلَى قَتْلِ عُثْمَانَ، وَمِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَرْكِ وِلَايَةِ عَلِيٍّ، كَذِبٌ بَيِّنٌ عَلَى عُمَرَ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لَئِنْ فَعَلْتَ لَيَقْتُلَنَّكَ [النَّاسُ] 5 " إِخْبَارٌ عَمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ، لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ لَهُمْ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَا يُوَلُّونَهُ إِيَّاهَا ". إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ، لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ لَهُمْ عَنِ الْوِلَايَةِ.
مَعَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ بِهَذَا السِّيَاقِ لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ عُمَرَ.
بَلْ هُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ.
[وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ] 6 .

فصل كلام الرافضي على عثمان رضي الله عنه

الأمور التي أنكرها الرافضي على عثمان رضي الله عنه

فَصْلٌ 1 قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَأَمَّا عُثْمَانُ فَإِنَّهُ وَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْوِلَايَةِ، حَتَّى ظَهَرَ مِنْ بَعْضِهِمُ الْفُسُوقُ 3 ، وَمِنْ بَعْضِهِمُ الْخِيَانَةُ، وَقَسَّمَ الْوِلَايَاتِ بَيْنَ أَقَارِبِهِ، وَعُوتِبَ عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا فَلَمْ يَرْجِعْ، وَاسْتَعْمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ سَكْرَانُ.
وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَظَهَرَ مِنْهُ مَا أَدَّى إِلَى أَنْ أَخْرَجَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْهَا.
وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ 4 مِصْرَ حَتَّى تَظَلَّمَ مِنْهُ أَهْلُهَا، وَكَاتَبَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى وِلَايَتِهِ سِرًّا، خِلَافَ مَا كَتَبَ إِلَيْهِ جَهْرًا، وَأَمَرَ 5 بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ الشَّامَ، فَأَحْدَثَ مِنَ الْفِتَنِ مَا أَحْدَثَ.
وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ 6 الْبَصْرَةَ 7

فَفَعَلَ مِنَ الْمَنَاكِيرِ 1 مَا فَعَلَ.
وَوَلَّى مَرْوَانَ أَمْرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ مَقَالِيدَ أُمُورِهِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ خَاتَمَهُ، فَحَدَثَ مِنْ ذَلِكَ قَتْلُ عُثْمَانَ، وَحَدَثَ مِنَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ مَا حَدَثَ.
وَكَانَ يُؤْثِرُ أَهْلَهُ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ 2 ، حَتَّى أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى أَرْبَعَةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ - زَوَّجَهُمْ بَنَاتِهِ - أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إِلَى مَرْوَانَ أَلْفَ [أَلْفَ] دِينَارٍ 3 . وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَطْعَنُ عَلَيْهِ وَيُكَفِّرُهُ، وَلَمَّا حَكَمَ ضَرَبَهُ حَتَّى مَاتَ.
وَضَرَبَ عَمَّارًا حَتَّى صَارَ بِهِ فَتْقٌ.
وَقَدْ قَالَ فِيهِ 4 النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَمَّارٌ جِلْدَةٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ 5 تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، لَا أَنَالَهُمُ اللَّهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَكَانَ عَمَّارٌ يَطْعَنُ عَلَيْهِ.
وَطَرَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَمَّ عُثْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ مَرْوَانُ، فَلَمْ يَزَلْ هُوَ - وَابْنُهُ - طَرِيدًا 6 فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ آوَاهُ وَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَ مَرْوَانَ كَاتِبَهُ وَصَاحِبَ تَدْبِيرِهِ.
مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 22] .

وَنَفَى أَبَا ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَقِّهِ: «مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى 1 ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ» . وَقَالَ 2 : «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ يُحِبُّ أَرْبَعَةً مِنْ أَصْحَابِي وَأَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ.
فَقِيلَ 3 : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سَيِّدُهُمْ عَلِيٌّ وَسَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ 4 وَأَبُو ذَرٍّ» . وَضَيَّعَ حُدُودَ اللَّهِ فَلَمْ يُقْتَلْ 5 عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حِينَ قَتَلَ الْهُرْمُزَانَ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ 6 بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَطْلُبُ عُبَيْدَ اللَّهِ لِإِقَامَةِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ، فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ.
وَأَرَادَ أَنْ يُعَطِّلَ حَدَّ الشُّرْبِ 7 فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ 8 حَتَّى حَدَّهُ 9 أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ: لَا يَبْطُلُ حَدُّ اللَّهِ 10 وَأَنَا حَاضِرٌ.
وَزَادَ الْأَذَانَ الثَّانِيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، وَصَارَ 11 سُنَّةً

إِلَى الْآنِ.
وَخَالَفَهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وَعَابُوا أَفْعَالَهُ، وَقَالُوا لَهُ: غِبْتَ عَنْ بَدْرٍ، وَهَرَبْتَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ تَشْهَدْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ.
وَالْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ 1 أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى ". وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ نُوَّابُ عَلِيٍّ خَانُوهُ وَعَصَوْهُ أَكْثَرَ مِمَّا خَانَ عُمَّالُ عُثْمَانَ لَهُ وَعَصَوْهُ.
وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ كُتُبًا فِيمَنْ وَلَّاهُ 2 عَلِيٌّ فَأَخَذَ الْمَالَ وَخَانَهُ، وَفِيمَنْ تَرَكَهُ وَذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ.
وَقَدْ وَلَّى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ قَاتِلَ الْحُسَيْنِ، وَوَلَّى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَمْثَالَ هَؤُلَاءِ.
وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ خَيْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الشِّيعَةَ يُنْكِرُونَ عَلَى عُثْمَانَ مَا يَدَّعُونَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَبْلَغَ فِيهِ مِنْ عُثْمَانَ.
فَيَقُولُونَ: إِنَّ عُثْمَانَ وَلَّى أَقَارِبَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا وَلَّى أَقَارِبَهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيِ الْعَبَّاسِ.
فَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ [بْنَ عَبَّاسٍ] 3 عَلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ.
وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَقِيلَ: إِنَّهُ وَلَّى عَلَيْهَا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ.
وَقِيلَ: ثُمَامَةَ بْنَ الْعَبَّاسِ.
وَأَمَّا الْبَصْرَةُ فَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ.
وَوَلَّى عَلَى مِصْرَ رَبِيبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي رَبَّاهُ فِي حِجْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ تَدَّعِي أَنَّ عَلِيًّا نَصَّ عَلَى أَوْلَادِهِ فِي الْخِلَافَةِ، أَوْ عَلَى

وَلَدِهِ، وَوَلَدِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ، وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ تَوْلِيَةُ الْأَقْرَبِينَ مُنْكَرًا، فَتَوْلِيَةُ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى أَعْظَمُ مِنْ إِمَارَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ 1 ، وَتَوْلِيَةُ الْأَوْلَادِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْكَارِ مِنْ تَوْلِيَةِ بَنِي الْعَمِّ.
وَلِهَذَا كَانَ الْوَكِيلُ وَالْوَلِيُّ الَّذِي لَا يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ لَا يَشْتَرِي لِابْنِهِ [أَيْضًا] 2 فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَالَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ لِيُعْطِيَهُ لِمَنْ يَشَاءُ 3 لَا يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِيهُ لِوَلَدِهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي الْخِلَافَةِ: هَلْ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا لِوَلَدِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالشَّهَادَةُ لِابْنِهِ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ لِبَنِي عَمِّهِ.
وَهَكَذَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» " 4 . وَقَالَ: " «لَيْسَ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ» ". 5

الرد على قولهم أن عليا رضي الله عنه فعل ذلك بالنص وبيان غلو الرافضة في علي والأئمة

فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَلَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ.
قِيلَ 1 : أَوَّلًا: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةٌ رَاشِدٌ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ حُجَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا فَعَلَ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ تَطَرُّقَ الظُّنُونِ وَالتُّهَمِ إِلَى مَا فَعَلَهُ عَلِيٌّ أَعْظَمُ مِنْ تَطَرُّقِ التُّهَمِ وَالظُّنُونِ إِلَى مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ.
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لِعَلِيٍّ حُجَّةٌ فِيمَا فَعَلَهُ 2 . قِيلَ لَهُ: وَحَجَّةُ عُثْمَانَ فِيمَا فَعَلَهُ أَعْظَمُ.
وَإِذَا ادُّعِيَ لِعَلِيٍّ الْعِصْمَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَقْطَعُ عَنْهُ أَلْسِنَةَ الطَّاعِنِينَ، كَانَ مَا يُدَّعَى لِعُثْمَانَ مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يَقْطَعُ أَلْسِنَةَ الطَّاعِنِينَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْقُولِ [وَالْمَنْقُولِ] 3 . فَإِنَّ الرَّافِضِيَّ يَجِيءُ إِلَى أَشْخَاصٍ ظَهَرَ بِصَرِيحِ 4 الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْمَلُ سِيرَةٍ مِنْ بَعْضٍ، فَيَجْعَلُ الْفَاضِلَ مَذْمُومًا مُسْتَحِقًّا لِلْقَدْحِ، وَيَجْعَلُ الْمَفْضُولَ مَعْصُومًا مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ، كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى: يَجِيئُونَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ

عَلَى بَعْضٍ، فَيَجْعَلُونَ الْمَفْضُولَ إِلَهًا وَالْفَاضِلَ مَنْقُوصًا دُونَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ صَحِبُوا الْمَسِيحَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَلْبًا لِلْحَقَائِقِ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ لَيْسُوا أَنْبِيَاءً مَعْصُومِينَ عَنِ الْخَطَأِ، وَيَقْدَحُونَ فِي بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا أَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْمَسِيحِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ، بَلْ وَكَذَلِكَ مُوسَى.
فَكَيْفَ يَجْعَلُ الَّذِينَ صَحِبُوا الْمَسِيحَ أَفْضَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ؟ وَهَذَا مِنَ الْجَهْلِ وَالْغُلُوِّ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 171] . وَكَذَلِكَ الرَّافِضَةُ مَوْصُوفُونَ بِالْغُلُوِّ عِنْدَ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ فِي عَلِيٍّ.
وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنَ النَّصَارَى، وَفِيهِمْ (1) مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِيهِ.
وَمَنْ أَثْبَتَ نَبِيًّا بَعْدَ مُحَمَّدٍ فَهُوَ شَبِيهٌ بِأَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ، إِلَّا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ كَمُسَيْلِمَةَ وَأَمْثَالِهِ.

الرد على دعوى الرافضة بالنص وعصمة الأئمة

وَهَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةُ يَدَّعُونَ ثُبُوتَ إِمَامَتِهِ بِالنَّصِّ، وَأَنَّهُ كَانَ مَعْصُومًا هُوَ وَكَثِيرٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَأَنَّ الْقَوْمَ ظَلَمُوهُ وَغَصَبُوهُ.
وَدَعْوَى الْعِصْمَةِ تُضَاهِي الْمُشَارَكَةَ فِي النُّبُوَّةِ.
فَإِنَّ الْمَعْصُومَ يَجِبُ1

اتِّبَاعُهُ فِي [كُلِّ] مَا يَقُولُ 1 ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالَفَ فِي شَيْءٍ.
وَهَذِهِ خَاصَّةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِهَذَا أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 136] ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ: آمَنَّا بِمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 285] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 177] . فَالْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ مِمَّا أُمِرْنَا أَنْ نَقُولَهُ وَنُؤْمِنَ بِهِ.
وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ: أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ نَبِيٍّ، وَمَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَبَّهُ وَجَبَ قَتْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ، سَوَاءٌ سُمُّوا أَوْلِيَاءَ أَوْ أَئِمَّةً [أَوْ حُكَمَاءَ] 2 أَوْ عُلَمَاءَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَمَنْ جَعَلَ بَعْدَ الرَّسُولِ مَعْصُومًا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ فَقَدْ أَعْطَاهُ مَعْنَى النُّبُوَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَفْظَهَا.
وَيُقَالُ لِهَذَا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا

مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ؟ وَكَثِيرٌ مِنَ الْغُلَاةِ فِي الْمَشَايِخِ يَعْتَقِدُ أَحَدُهُمْ فِي شَيْخِهِ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَيَقُولُونَ 1 : الشَّيْخُ مَحْفُوظٌ، وَيَأْمُرُونَ بِاتِّبَاعِ الشَّيْخِ فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ، لَا يُخَالَفُ فِي شَيْءٍ أَصْلًا.
وَهَذَا مِنْ جِنْسِ غُلُوِّ الرَّافِضَةِ وَالنَّصَارَى وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ: تَدَّعِي فِي أَئِمَّتِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا مَعْصُومِينَ.
وَأَصْحَابُ ابْنِ تُومَرْتَ 2 الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مَعْصُومٌ، وَيَقُولُونَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ: الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ وَالْمَهْدِيُّ الْمَعْلُومُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَتَلُوا بَعْضَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُخَالِفَةٌ لِدِينِ الْإِسْلَامِ: لِلْكِتَابِ 3 وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59]

، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَّا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ 1 ، فَمَنْ أَثْبَتَ شَخْصًا مَعْصُومًا غَيْرَ الرَّسُولِ أَوْجَبَ رَدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ 2 إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ عِنْدَهُ إِلَّا الْحَقَّ كَالرَّسُولِ.
وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْصُومَ تَجِبُ طَاعَتُهُ مُطْلَقًا بِلَا قَيْدٍ، وَمُخَالِفُهُ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ.
وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا أَثْبَتَ هَذَا فِي حَقِّ الرَّسُولِ خَاصَّةً.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 69] . وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سُورَةُ الْجِنِّ: 23] . فَدَلَّ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ طَاعَةَ مَعْصُومٍ آخَرَ.
وَمَنْ عَصَى الرَّسُولَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَطَاعَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعْصُومٌ، فَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَبَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ، وَبَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْغَيِّ وَالرَّشَادِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَجَعَلَهُ الْقَسِيمَ الَّذِي قَسَّمَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ فَهُوَ السَّعِيدُ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ الشَّقِيُّ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ لِغَيْرِهِ.
وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ - أَهْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - عَلَى أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ

سِوَى الرَّسُولِ فَإِنَّهُ 1 يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، فَإِنَّهُ الْمَعْصُومُ الَّذِي 2 لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وَهُوَ الَّذِي يُسْأَلُ النَّاسُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 6] . وَهُوَ الَّذِي يُمْتَحَنُ بِهِ النَّاسُ 3 فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وَيُقَالُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ.
وَلَوْ ذَكَرَ بَدَلَ الرَّسُولِ مَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ 4 وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَلَا يُمْتَحَنُ فِي قَبْرِهِ بِشَخْصٍ غَيْرِ الرَّسُولِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ يُعْتَذَرُ بِأَقْوَى 5 مِنْهُ عَنْ عُثْمَانَ، فَإِنَّ عَلِيًّا قَاتَلَ عَلَى الْوِلَايَةِ، وَقُتِلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ [عَظِيمٌ] 6 ، وَلَمْ يَحْصُلْ فِي وِلَايَتِهِ لَا قِتَالٌ لِلْكُفَّارِ، وَلَا فَتْحٌ لِبِلَادِهِمْ، وَلَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي زِيَادَةِ خَيْرٍ، وَقَدْ وَلَّى مِنْ أَقَارِبِهِ مَنْ وَلَّاهُ، فَوِلَايَةُ الْأَقَارِبِ مُشْتَرَكَةٌ، وَنُوَّابُ عُثْمَانَ كَانُوا أَطْوَعَ مِنْ نُوَّابِ عَلِيٍّ وَأَبْعَدَ عَنْ

الشَّرِّ.
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الَّتِي تَأَوَّلَ فِيهَا [عُثْمَانُ] 1 ، فَكَمَا تَأَوَّلَ عَلِيٌّ فِي الدِّمَاءِ.
وَأَمْرُ الدِّمَاءِ أَخْطَرُ وَأَعْظَمُ.
وَيُقَالُ: ثَانِيًا: هَذَا النَّصُّ الَّذِي تَدَّعُونَهُ أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلَافًا يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكُمْ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ مِنْكُمْ يَفْتَرُونَ مَا شَاءُوا.
وَأَيْضًا فَجَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّا نَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا 2 ، بَلْ ضَرُورِيًّا كَذِبَ هَذَا النَّصِّ، بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ مَبْسُوطَةٍ فِي مَوَاضِعِهَا.
وَيُقَالُ 3 : ثَالِثًا: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَتْ حُجَّةُ عُثْمَانَ؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي حَيَاتِهِ، وَاسْتَعْمَلَهُمْ بَعْدَهُ مَنْ لَا يُتَّهَمُ بِقَرَابَةٍ: فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَلَا نَعْرِفُ قَبِيلَةً مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فِيهَا عُمَّالٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرَفٌ وَسُؤْدُدٌ، فَاسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِزَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَفْضَلِ الْأَرْضِ مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى نَجْرَانَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ [أَيْضًا] 4 خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي مَذْحِجٍ

وَعَلَى صَنْعَاءَ الْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا 1 حَتَّى مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَعْمَلَ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى تَيْمَاءَ وَخَيْبَرَ وَقُرَى عُرَيْنَةَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى بَعْضِ السَّرَايَا، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْبَحْرِينِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَعْمَلَ 2 الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ حَتَّى أَنْزَلَ [اللَّهُ] فِيهِ: 3 ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 6] . فَيَقُولُ عُثْمَانُ: أَنَا لَمْ أَسْتَعْمِلْ إِلَّا مَنِ اسْتَعْمَلَهُ 4 النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ 5 وَمِنْ جِنْسِهِمْ وَمِنْ قَبِيلَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ، [فَقَدْ وَلَّى أَبُو بَكْرٍ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي فُتُوحِ الشَّامِ، وَأَقَرَّهُ عُمَرُ، ثُمَّ وَلَّى عُمَرُ بَعْدَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ] 6 . وَهَذَا النَّقْلُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اسْتِعْمَالِ هَؤُلَاءِ ثَابِتٌ مَشْهُورٌ [عَنْهُ] 7 ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ 8 أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ 9 ، وَمِنْهُ مَا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ، وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِالنَّصِّ الثَّابِتِ عَنِ

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَظْهَرَ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ مِنْ دَعْوَى كَوْنِ الْخِلَافَةِ فِي وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ هَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ، [وَذَاكَ صِدْقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ 1 . وَأَمَّا بَنُو هَاشِمٍ فَلَمْ يَسْتَعْمِلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْيَمَنِ.
وَوَلَّى أَيْضًا عَلَى الْيَمَنِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَوَلَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى قِتَالِ مُؤْتَةَ، وَوَلَّى قَبْلَ جَعْفَرٍ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ 2 [مَوْلَاهُ] 3 ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ.
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَدِّمُ فِي الْوِلَايَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، وَهُوَ مِنْ كَلْبٍ، عَلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَهُ وِلَايَةً فَلَمْ يُولِّهِ إِيَّاهَا.
وَلَيْسَ فِي بَنِي هَاشِمٍ بَعْدَ عَلِيٍّ أَفْضَلُ مِنْ حَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ [وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ] 4 ، فَحَمْزَةُ 5 لَمْ يَتَوَلَّ شَيْئًا، فَإِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَمَا يَنْقُلُهُ بَعْضُ التُّرْكِ، بَلْ وَشُيُوخُهُمْ، مِنْ سِيرَةِ حَمْزَةَ وَيَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَذْكُرُونَ لَهُ حُرُوبًا وَحِصَارَاتٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ 6 كَذِبٌ، مِنْ جِنْسِ مَا يَذْكُرُهُ الذَّاكِرُونَ 7 مِنَ الْغَزَوَاتِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي

طَالِبٍ، بَلْ وَعَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، [مِنْ جِنْسِ مَا يَذْكُرُهُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ صَاحِبُ " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " فِيمَا وَضَعَهُ مِنَ السِّيرَةِ 1 ، فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَفْتَرِيهِ الْكَذَّابُونَ مِنْ سِيرَةِ دَاهِمَةٍ وَالْبَطَّالِينَ 2 وَالْعَيَّارِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ] 3 . فَإِنَّ مَغَازِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْرُوفَةٌ مَضْبُوطَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَتْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، لَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْقِتَالُ مِنْهَا إِلَّا فِي تِسْعِ مُغَازٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَبَنِي الْمُصْطَلَقِ، وَالْغَابَةِ، وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ، وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ الْقِتَالِ.
لَكِنْ لَمَّا حَاصَرَ الطَّائِفَ 4 ، وَكَانَ بَعْدَهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ الْمَغَازِي وَأَكْثَرُهَا عَدَدًا وَأَشَقُّهَا عَلَى النَّاسِ، وَفِيهَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ بَرَاءَةَ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ.
وَمَا يَذْكُرُهُ جُهَّالُ الْحُجَّاجِ مِنْ حِصَارِ تَبُوكَ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بِتَبُوكَ حِصْنٌ وَلَا مُقَاتِلَةٌ.
وَقَدْ أَقَامَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ 5 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.
وَإِذَا كَانَ جَعْفَرٌ أَفْضَلَ بَنِي هَاشِمٍ بَعْدَ عَلِيٍّ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ مَعَ هَذَا أَمَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ - وَهُوَ مِنْ كَلْبٍ - عَلَيْهِ (1) ، عُلِمَ أَنَّ التَّقْدِيمَ بِفَضِيلَةِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَبِحَسْبِ أُمُورٍ أُخَرَ، بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ لَا بِالنَّسَبِ.
وَلِهَذَا قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى أَقَارِبِهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَيْسَ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ بِأَهْوَائِهِمْ لِأَقَارِبِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ وَأَصْدِقَائِهِمْ.
وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حَتَّى قَالَ عُمَرُ: " مَنْ أَمَّرَ رَجُلًا لِقَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ يَجِدُ فِي الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ ".

فصل قاعدة كلية أن لا نعتقد بعصمة أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم

(فَصْلٌ) 2 وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ فِي هَذَا أَنْ لَا نَعْتَقِدَ أَنَّ أَحَدًا مَعْصُومٌ 3 بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلِ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُ الْخُلَفَاءِ 4 يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ، وَالذُّنُوبُ الَّتِي تَقَعُ مِنْهُمْ، قَدْ يَتُوبُونَ مِنْهَا، وَقَدْ تُكَفَّرُ 5 عَنْهُمْ بِحَسَنَاتِهِمُ الْكَثِيرَةِ، وَقَدْ يُبْتَلَوْنَ [أَيْضًا] 6 بِمَصَائِبَ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِهَا،1

وَقَدْ يُكَفَّرُ عَنْهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَكُلُّ 1 مَا يُنْقَلُ عَنْ عُثْمَانَ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبًا أَوْ خَطَأً.
وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ حَصَلَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْمَغْفِرَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا سَابِقَتُهُ وَإِيمَانُهُ وَجِهَادُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ طَاعَاتِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهِدَ لَهُ، بَلْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ 2 . وَمِنْهَا أَنَّهُ تَابَ مِنْ عَامَّةِ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ عَظِيمٍ، فَكَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ، وَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا مَظْلُومًا.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا.
[وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا تُنْكِرُهُ الْخَوَارِجُ وَغَيْرُهُمْ عَلَيْهِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبًا أَوْ خَطَأً، وَكَانَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْمَغْفِرَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
مِنْهَا سَابِقَتُهُ وَإِيمَانُهُ وَجِهَادُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَشَهَادَةِ 3 النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِالْجَنَّةِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ تَابَ مِنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ وَنَدِمَ

عَلَيْهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا] 1 . فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُغْنِينَا أَنْ نَجْعَلَ كُلَّ مَا فَعَلَ [وَاحِدٌ مِنْهُمْ] 2 هُوَ الْوَاجِبَ أَوِ الْمُسْتَحَبَّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِنَا إِلَى ذَلِكَ.
وَالنَّاسُ الْمُنْحَرِفُونَ فِي هَذَا الْبَابِ صِنْفَانِ: الْقَادِحُونَ الَّذِينَ يَقْدَحُونَ فِي الشَّخْصِ بِمَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهُ.
وَالْمَادِحُونَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْأُمُورَ الْمَغْفُورَةَ مِنْ بَابِ السَّعْيِ الْمَشْكُورِ.
فَهَذَا يَغْلُو فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَجْعَلَ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ.
وَذَلِكَ يَجْفُو فِيهِ حَتَّى يَجْعَلَ السَّيِّئَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْهُ مُحْبِطَةً لِلْحَسَنَاتِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ [كُلُّهُمْ] 3 - حَتَّى الْخَوَارِجُ - عَلَى أَنَّ الذُّنُوبَ تُمْحَى بِالتَّوْبَةِ، وَأَنَّ مِنْهَا مَا يُمْحَى بِالْحَسَنَاتِ.
وَمَا يُمْكِنُ أَحَدٌ 4 أَنْ يَقُولَ: إِنَّ عُثْمَانَ [أَوْ عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُمَا] لَمْ يَتُوبُوا 5 مِنْ ذُنُوبِهِمْ.
فَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعَلَى الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَقْدَحُونَ فِي عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى النَّاصِبَةِ الَّذِينَ يَخُصُّونَ عَلِيًّا بِالْقَدْحِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَقَابَلَتْ 6 فِيهِ طَائِفَتَانِ: شِيعَتُهُ 7 مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ، وَمُبْغِضُوهُ 8 مِنَ الْخَوَارِجِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

لَكِنَّ شِيعَتَهُ أَقَلُّ غُلُوًّا فِيهِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، فَمَا بَلَغَنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمُ اعْتَقَدَ فِيهِ بِخُصُوصِهِ إِلَاهِيَّةً وَلَا نُبُوَّةً، وَلَا بَلَغَنَا أَنَّ أَحَدًا اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
لَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ مَنْ يَغْلُو فِي جِنْسِ الْمَشَايِخِ، وَيَعْتَقِدُ فِيهِمُ الْحُلُولَ أَوِ الِاتِّحَادَ أَوِ الْعِصْمَةَ 1 ، يَقُولُ ذَلِكَ فِي هَؤُلَاءِ، لَكِنْ لَا يَخُصُّهُمْ بِذَلِكَ.
وَلَكِنْ شِيعَةُ عُثْمَانَ، الَّذِينَ كَانَ فِيهِمِ انْحِرَافٌ عَنْ عَلِيٍّ، كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً يَقْبَلُ 2 مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَيَتَجَاوَزُ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ طَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِ الشِّيعَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَعُلَمَائِهَا.
وَلِهَذَا لَمَّا حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَتَكَلَّمَ مَعَ أَبِي حَازِمٍ فِي ذَلِكَ، قَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سُورَةُ ص: 26] . وَمَوْعِظَةُ أَبِي حَازِمٍ لِسُلَيْمَانَ مَعْرُوفَةٌ 3 .

وَلَمَّا تَوَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَظْهَرَ مِنَ السُّنَّةِ وَالْعَدْلِ مَا كَانَ قَدْ خَفِيَ، ثُمَّ مَاتَ، فَطَلَبَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَسِيرَ سِيرَتَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ عِشْرُونَ شَيْخًا مِنْ شُيُوخِ [الشِّيعَةِ] 1 الْعُثْمَانِيَّةِ، فَحَلَفُوا لَهُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً تَقَبَّلَ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوُزَ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، حَتَّى أَمْسَكَ عَنْ مِثْلِ طَرِيقَةِ عُمَرَ [بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ] 2 . وَلِهَذَا كَانَتْ فِيهِمْ طَاعَةٌ مُطْلَقَةٌ لِمُتَوَلِّي أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ طَاعَةَ وَلِيِّ أَمْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ كَانَ يَعْتَقِدُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ عَلَى ذَنْبٍ، كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ سَيِّئَاتِ الْوُلَاةِ مُكَفَّرَةٌ بِحَسَنَاتِهِمْ، كَمَا تُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
فَهَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا لَا يَرَوْنَ خُلَفَاءَ بَنِي أُمَيَّةَ، مُعَاوِيَةَ فَمَنْ بَعْدَهُ، مُؤَاخَذِينَ بِذَنْبٍ، فَكَيْفَ يَقُولُونَ فِي عُثْمَانَ - مَعَ سَابِقَتِهِ [وَفَضْلِهِ] 3 وَحُسْنِ سِيرَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؟ وَأَمَّا الْخَوَارِجُ، فَأُولَئِكَ يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا جَمِيعًا.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ اخْتِصَاصٌ بِذَمِّ عُثْمَانَ.
وَأَمَّا شِيعَةُ عَلِيٍّ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ - أَوْ أَكْثَرُهُمْ - يَذُمُّ عُثْمَانَ، حَتَّى الزَّيْدِيَّةُ الَّذِينَ يَتَرَحَّمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فِيهِمْ مَنْ يَسُبُّ عُثْمَانَ وَيَذُمُّهُ، وَخِيَارُهُمُ الَّذِي يَسْكُتُ عَنْهُ فَلَا يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْعَنُهُ.

وَقَدْ كَانَ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ مَنْ يَسُبُّ عَلِيًّا، وَيَجْهَرُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنَابِرِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَجْلِ الْقِتَالِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ.
وَكَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ تُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَكَانَ الْمُتَمَسِّكُ بِالسُّنَّةِ يُظْهِرُ مَحَبَّةَ عَلِيٍّ وَمُوَالَاتَهُ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ 1 فِي مَوَاقِيتِهَا.
حَتَّى رُئِيَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: شَيْخُ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ، بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِحُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُحَافَظَتِي عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَوَاقِيتِهَا.
وَغَلَتْ شِيعَةُ عَلِيٍّ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، حَتَّى صَارُوا يُصَلُّونَ الْعَصْرَ مَعَ الظُّهْرِ دَائِمًا قَبْلَ وَقْتِهَا الْخَاصِّ، وَيُصَلُّونَ الْعِشَاءَ مَعَ الْمَغْرِبِ دَائِمًا قَبْلَ وَقْتِهَا الْخَاصِّ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ دَائِمًا فِي وَقْتِ الْأُولَى.
وَهَذَا خِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الْجَمْعَ إِنَّمَا كَانَ [يَفْعَلُهُ] 2 لِسَبَبٍ، لَا سِيَّمَا الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَإِنَّ الَّذِي تَوَاتَرَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِعَرَفَةَ.
وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ بِغَيْرِهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ دَائِمًا لَا فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي السَّفَرِ، بَلْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَجْمَعْ إِلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ.
وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْهُ الْجَمْعُ فِي غَزْوَةِ 3 تَبُوكَ.
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ، لَكِنْ نَادِرًا لِسَبَبٍ.
وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْجَمْعِ.
فَكَيْفَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ دَائِمًا؟ وَأُولَئِكَ إِذَا كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ تَقْدِيمِ 4 الْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ.
فَإِنَّ جَمْعَ التَّأْخِيرِ خَيْرٌ مِنْ جَمْعِ التَّقْدِيمِ.
فَإِنَّ

الصَّلَاةَ يَفْعَلُهَا النَّائِمُ وَالنَّاسِي قَضَاءً بَعْدَ الْوَقْتِ.
وَأَمَّا الظُّهْرُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا تُصَلَّى بِحَالٍ.
وَهَكَذَا تَجِدُ فِي غَالِبِ الْأُمُورِ بِدَعَ هَؤُلَاءِ أَشْنَعَ مِنْ بِدَعِ أُولَئِكَ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَتَعَرَّضُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا بِالْمَحَبَّةِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَا بَلَغَنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ كَفَّرَ عَلِيًّا، كَمَا كَفَّرَتْهُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَإِنَّمَا غَايَةُ مَنْ يَعْتَدِي 1 مِنْهُمْ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ: كَانَ ظَالِمًا، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَيَرْوُونَ عَنْهُ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ، وَالْإِشَارَةِ بِقَتْلِهِ فِي الْبَاطِنِ، وَالرِّضَا بِقَتْلِهِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَدْ حَلَفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ الصَّادِقُ بِلَا يَمِينٍ - أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ عُثْمَانَ، وَلَا مَالَأَ عَلَى قَتْلِهِ، بَلْ وَلَا رَضِيَ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ يَلْعَنُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ بِدُونِ قَوْلِهِ.
فَهُوَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ، أَوْ يَرْضَى بِذَلِكَ.
فَمَا قَالَتْهُ شِيعَةُ عَلِيٍّ فِي عُثْمَانَ أَعْظَمُ مِمَّا قَالَتْهُ شِيعَةُ عُثْمَانَ فِي عَلِيٍّ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُكَفِّرُ عُثْمَانَ.
وَشِيعَةُ عُثْمَانَ لَمْ تُكَفِّرْ عَلِيًّا.
وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ يَسُبُّهُ وَيَبْغَضُهُ أَعْظَمَ مِمَّا كَانَتْ شِيعَةُ عُثْمَانَ تُبْغِضُ عَلِيًّا.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَوَلَّوْنَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا جَمِيعًا، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنَ التَّشَيُّعِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ، الَّذِي يُوجِبُ مُوَالَاةَ أَحَدِهِمَا وَمُعَادَاةَ الْآخَرِ.
وَقَدِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ مَشْهُودٌ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَلِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمَا

مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ بِالْجَنَّةِ، [كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ] 1 . وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُونَ: لَا نَشْهَدُ 2 بِالْجَنَّةِ إِلَّا الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً.
وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَطَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ 3 ، يَقُولُونَ: هُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا يَقُولُونَ 4 : نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ كَمَا اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَدْ نَاظَرَ أَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] 5 لِعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَهَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَنَا بِخَبَرِ الصَّادِقِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْكَلَامُ هُنَا فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمْ مِنْ أُمُورٍ يُرَادُ بِهَا الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ.
فَطَائِفَةٌ تَغْلُو فِيهِمْ فَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَهُمْ مَعْصُومِينَ [أَوْ كَالْمَعْصُومِينَ] 6 . وَطَائِفَةٌ تُرِيدُ أَنْ تَسُبَّهُمْ وَتَذُمَّهُمْ بِأُمُورٍ، إِنْ كَانَتْ صِدْقًا فَهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ، أَوْ هُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ بِهَا، فَإِنَّهُ مَا ثَمَّ إِلَّا ذَنْبٌ أَوْ خَطَأٌ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَالْخَطَأُ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَالذَّنْبُ لِمَغْفِرَتِهِ عِدَّةُ أَسْبَابٍ كَانَتْ مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ.
وَهُمَا 7 أَصْلَانِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ.
أَمَّا الْعَامُّ فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَسْبَابُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عِنْدَ عَامَّةِ

الْمُسْلِمِينَ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ بِإِحْسَانٍ] 1 وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مَا ثَمَّ إِلَّا مُثَابٌ فِي الْآخِرَةِ أَوْ مُعَاقَبٌ، وَمَنْ دَخَلَ النَّارَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا: لَا بِشَفَاعَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْكَبِيرَةَ تُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ، وَلَا يَبْقَى مَعَ صَاحِبِهَا مِنِ الْإِيمَانِ شَيْءٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِخْرَاجُ قَوْمٍ 2 مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا امْتُحِشُوا.
وَثَبَتَ أَيْضًا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ.
وَالْآثَارُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، أَعْظَمُ مِنْ تَوَاتُرِ الْآثَارِ بِنِصَابِ 3 السَّرِقَةِ، وَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَنُصُبِ الزَّكَاةِ، وَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ، وَمِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
لَكِنْ 4 هَذَا الْأَصْلُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مِثْلِ 5 عُثْمَانَ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ 6 عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، [الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] 7 . وَقَدْ دَخَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ مِنْ

هَؤُلَاءِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَالَّذِي قَتَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ هُوَ أَبُو الْغَادِيَةِ (1) ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ.
فَنَحْنُ نَشْهَدُ لِعَمَّارٍ بِالْجَنَّةِ، وَلِقَاتِلِهِ إِنْ كَانَ مِنْ [أَهْلِ] بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (2) بِالْجَنَّةِ.
وَأَمَّا عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطِلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَهُمْ أَجَّلُ قَدْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ مَا كَانَ، فَنَحْنُ لَا نَشْهَدُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يُذْنِبُ، بَلِ الَّذِي نَشْهَدُ بِهِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ إِذَا أَذْنَبَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ، بَلْ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بِلَا رَيْبٍ، وَعُقُوبَةُ الْآخِرَةِ تَزُولُ عَنْهُ: إِمَّا بِتَوْبَةٍ مِنْهُ، وَإِمَّا بِحَسَنَاتِهِ الْكَثِيرَةِ (3) ، وَإِمَّا بِمَصَائِبِهِ الْمُكَفِّرَةِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.

العقوبة عن الذنوب في الآخرة تندفع بنحو عشرة أسباب

السبب الأول التوبة

فَإِنَّ الذُّنُوبَ مُطْلَقًا مِنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ سَبَبُ الْعَذَابِ، لَكِنَّ الْعُقُوبَةَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ فِي جَهَنَّمَ تَنْدَفِعُ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ.123

السَّبَبُ الْأَوَّلُ: التَّوْبَةُ؛ فَإِنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
وَالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ: الْكُفْرِ، وَالْفُسُوقِ، وَالْعِصْيَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 38] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 11] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 73 - 74] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سُورَةُ الْبُرُوجِ: 10] . قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ، فَتَنُوا أَوْلِيَاءَهُ وَعَذَّبُوهُمْ بِالنَّارِ، ثُمَّ هُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ.
وَالتَّوْبَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ [عَبْدٍ] 1 مُؤْمِنٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 72 - 73] . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ تَوْبَةِ أَنْبِيَائِهِ وَدُعَائِهِمْ بِالتَّوْبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 37]

وَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 127، 128] . وَقَالَ مُوسَى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ - وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 155، 156] . وَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: 16] . وَقَوْلِهِ: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 143] . وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا الْمَأْثُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ فَكَثِيرٌ مَشْهُورٌ.
وَأَصْحَابُهُ كَانُوا أَفْضَلَ قُرُونِ الْأُمَّةِ، فَهُمْ أَعْرَفُ الْقُرُونِ بِاللَّهِ، وَأَشَدَّهُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَكَانُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بِالتَّوْبَةِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ.
فَمَنْ ذَكَرَ مَا عِيبَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَوْبَتَهُمْ، الَّتِي بِهَا رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُمْ، كَانَ ظَالِمًا لَهُمْ، كَمَا جَرَى مِنْ بَعْضِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ تَابُوا مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَصْدُهُمُ الْخَيْرَ.
وَكَذَلِكَ قِصَّةُ حَاطِبِ [بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ] تَابَ مِنْهَا 1 ، بَلْ زَانِيهِمْ كَانَ يَتُوبُ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، كَمَا تَابَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ وَأَتَى [إِلَى] 2 النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى

طَهَّرَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ 1 . وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ [بَعْدَهُ] 2 . وَكَذَلِكَ كَانُوا زَمَنَ عُمَرَ [وَغَيْرِهِ] 3 إِذَا شَرِبَ أَحَدُهُمُ الْخَمْرَ أَتَى إِلَى أَمِيرِهِ، فَقَالَ: طَهِّرْنِي وَأَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ.
فَهَذَا فِعْلُ مَنْ يَأْتِي الْكَبِيرَةَ مِنْهُمْ حِينَ 4 يَعْلَمُهَا حَرَامًا، فَكَيْفَ إِذَا أَتَى أَحَدُهُمُ الصَّغِيرَةَ 5 أَوْ ذَنْبًا تَأَوَّلَ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ؟ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَابَ تَوْبَةً ظَاهِرَةً مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي صَارُوا 6 يُنْكِرُونَهَا، وَيَظْهَرُ لَهُ 7 أَنَّهَا مُنْكَرٌ.
وَهَذَا مَأْثُورٌ مَشْهُورٌ عَنْهُ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ -] 8 . وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - نَدِمَتْ عَلَى مَسِيرِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْهُ تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا.
وَكَذَلِكَ طَلْحَةُ نَدِمَ عَلَى [مَا ظَنَّ مِنْ] 9 تَفْرِيطِهِ فِي نَصْرِ عُثْمَانَ وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالزُّبَيْرُ نَدِمَ عَلَى مَسِيرِهِ يَوْمَ الْجَمَلِ.

وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَدِمَ عَلَى أُمُورٍ فَعَلَهَا مِنَ الْقِتَالِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَقَدْ عَجَزْتُ عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ ... سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرّْ وَأَجْمَعُ الرَّأْيَ الشَّتِيتَ الْمُنْتَشِرْ وَكَانَ يَقُولُ لَيَالِيَ صِفِّينَ: " لِلَّهِ دَرُّ مَقَامٍ قَامَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ؛ إِنْ كَانَ بِرًّا إِنَّ أَجْرَهُ لَعَظِيمٌ، وَإِنْ كَانَ إِثْمًا إِنَّ خَطَرَهُ لَيَسِيرٌ " وَكَانَ يَقُولُ: " يَا حَسَنُ يَا حَسَنُ مَا ظَنَّ أَبُوكَ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ إِلَى هَذَا، وَدَّ أَبُوكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ هَذَا بِعِشْرِينَ سَنَةً ". وَلِمَا رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ تَغَيَّرَ كَلَامُهُ، وَكَانَ يَقُولُ: " لَا تَكْرَهُوا إِمَارَةَ 1 مُعَاوِيَةَ، فَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُوهُ لَرَأَيْتُمُ الرُّءُوسَ تَتَطَايَرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا ". وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وَجْهَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.
وَتَوَاتَرَتِ الْآثَارُ بِكَرَاهَتِهِ 2 الْأَحْوَالَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَرُؤْيَتِهِ اخْتِلَافَ النَّاسِ وَتَفَرُّقَهُمْ، وَكَثْرَةَ الشَّرِّ الَّذِي أَوْجَبَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَقْبَلَ مِنْ أَمْرِهِ مَا اسْتَدْبَرَ مَا فَعَلَ مَا فَعَلَ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ وَاحِدٍ تَابَ، وَلَكِنْ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ لِكُلِّ عَبْدٍ: لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِمَنْ دُونَهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - يَرْفَعُ عَبْدَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَإِذَا ابْتَلَاهُ بِمَا يَتُوبُ مِنْهُ، فَالْمَقْصُودُ كَمَالُ النِّهَايَةِ لَا نَقْصُ الْبِدَايَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَهُوَ يُبَدِّلُ بِالتَّوْبَةِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ.

وَالذَّنْبُ مَعَ التَّوْبَةِ يُوجِبُ لِصَاحِبِهِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَفْعَلُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيَفْعَلُ الْحَسَنَةَ (* فَيَدْخُلُ بِهَا النَّارَ.
يَفْعَلُ الذَّنْبَ فَلَا يَزَالُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ (1) ، إِذَا ذَكَرَهُ تَابَ إِلَى اللَّهِ وَدَعَاهُ وَخَشَعَ لَهُ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيَفْعَلُ الْحَسَنَةَ *) (2) فَيُعْجَبُ بِهَا فَيَدْخُلُ النَّارَ.
وَفِي الْأَثَرِ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَهُوَ الْعُجْبُ» . وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: «لَوْ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ لَمَا ابْتَلَى بِالذَّنْبِ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ» . وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقَنِّطُهُمْ (3) مِنْ رَحْمَتِي، إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] (4) ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ، أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ» " (5) . وَالتَّائِبُ حَبِيبُ اللَّهِ سَوَاءٌ كَانَ شَابًّا أَوْ شَيْخًا.

السبب الثاني الاستغفار

ُ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ [هُوَ] 6 طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ، وَهُوَ مَقْرُونٌ بِالتَّوْبَةِ فِي الْغَالِبِ [وَمَأْمُورٌ12345

بِهِ] 1 ، لَكِنْ قَدْ يَتُوبُ الْإِنْسَانُ [وَلَا يَدْعُو] 2 ، وَقَدْ يَدْعُو وَلَا يَتُوبُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَذْنَبَ 3 عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ.
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: [أَيْ] 4 رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ.
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: [أَيْ] 5 رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ تَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ.
قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي» " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» " 6 . وَالتَّوْبَةُ تَمْحُو جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ إِلَّا التَّوْبَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
وَأَمَّا التَّوْبَةُ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 53] وَهَذِهِ لِمَنْ تَابَ.
[وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ بَلْ تُوبُوا إِلَيْهِ] ، وَقَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمُرِ: 54]

(1) . وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، فَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَغْفِرَةَ، وَلَكِنْ هُوَ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ.

السبب الثالث الأعمال الصالحة

ُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 114] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يُوصِيهِ: " «يَا مُعَاذُ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» " 2 . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ] 3 : " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ 4 . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ1

إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " 1 . وَقَالَ: " «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " 2 . وَقَالَ: " «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ بِبَابِ أَحَدِكُمْ نَهْرًا غَمْرًا يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ كَانَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: كَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا كَمَا يَمْحُو الْمَاءُ الدَّرَنَ» ". وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ 3 .

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل