منهاج السنة النبويةصفحات 132-171
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 132-171
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

يُعْبُرُوا، ثُمَّ أَخْبَرَهُ آخَرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَمْ 1 . يَعْبُرُوا، وَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَمَصْرَعُهُمْ، فَكَانَ كَذَلِكَ.
وَأَخْبَرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ.
وَأَخْبَرَ شَهْرَبَانَ بِأَنَّ اللَّعِينَ يَقْطَعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَصْلُبُهُ 2 ، فَفَعَلَ بِهِ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ.
وَأَخْبَرَ مِيثَمَ التَّمَّارَ 3 . بِأَنَّهُ يُصْلَبُ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ

حُرَيْثٍ 1 عَاشِرَ عَاشِرَةٍ، وَهُوَ 2 أَقْصَرُهُمْ خَشَبَةً، وَأَرَاهُ النَّخْلَةَ الَّتِي يُصْلَبُ 3 . عَلَيْهَا، فَوَقَعَ كَذَلِكَ.
وَأَخْبَرَ رُشَيْدًا الْهَجَرِيَّ 4 بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَصَلْبِهِ، وَقَطْعِ لِسَانِهِ، فَوَقَعَ 5 . وَأَخْبَرَ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ 6 -. أَنَّ الْحَجَّاجَ يَقْتُلُهُ 7 .، وَأَنْ قَنْبَرًا يَذْبَحُهُ الْحَجَّاجُ فَوَقَعَ.

وَقَالَ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: إِنَّ ابْنِي الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ وَلَا تَنْصُرُهُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَأَخْبَرَهُ 1 بِمَوْضِعِ قَتْلِهِ.
وَأَخْبَرَ بِمُلْكِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَخْذِ التُّرْكِ الْمُلْكَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ يَسِيرٌ 2 لَا عُسْرَ فِيهِ، لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ التُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ وَالْهِنْدُ 3 وَالْبَرْبَرُ وَالطَّيْلَسَانُ عَلَى أَنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُمْ مَا قَدَرُوا أَنْ يُزِيلُوهُ، حَتَّى يَشِذَّ عَنْهُمْ 4 مَوَالِيهِمْ وَأَرْبَابُ دَوْلَتِهِمْ، وَيُسَلَّطُ 5 . عَلَيْهِمْ مَلِكٌ مِنَ التُّرْكِ يَأْتِي عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ 6 . مُلْكُهُمْ، لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا فَتَحَهَا، وَلَا يُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ إِلَّا نَكَّسَهَا، الْوَيْلُ ثُمَّ 7 الْوَيْلُ لِمَنْ نَاوَأَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَظْفَرَ بِهِمْ 8 ، ثُمَّ يَدْفَعُ ظَفَرَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ عِتْرَتِي، يَقُولُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ 9 .، أَلَا وَإِنَّ الْأَمْرَ 10 كَذَلِكَ ; حَيْثُ ظَهَرَ هُولَاكُو مِنْ نَاحِيَةِ 11 . خُرَاسَانَ.

وَمِنْهُ ابْتَدَأَ 1 مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ حَتَّى بَايَعَ لَهُمْ 2 . أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ ". 3 . وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْإِخْبَارُ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ، فَمَنْ هُوَ دُونَ عَلِيٍّ يُخْبِرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَعَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي أَتْبَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَنْ يُخْبِرُ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَلَا هُمْ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا مَوْجُودٌ فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِ زَمَانِنَا.
وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُحَدِّثُونَ النَّاسَ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ.
وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُذَيْفَةُ تَارَةً يُسْنِدُهُ وَتَارَةً لَا يُسْنِدُهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُسْنَدِ.
وَمَا أَخْبَرَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا كُوشِفَ هُوَ بِهِ.
وَعَمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ أَخْبَرَ بِأَنْوَاعٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَخْبَارِهِمْ، مِثْلَ مَا فِي كِتَابِ " الزُّهْدِ " لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَ " حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ " وَ " صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ " وَ " كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ " لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالِ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَاللَّالْكَائِيِّ - فِيهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ عَنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَالْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ نَائِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمَا، وَأَبِي الصَّهْبَاءِ، وَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ عَلِيٌّ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ

عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ هُوَ الْأَفْضَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَضْلًا عَنِ الْخُلَفَاءِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ لِشَيْءٍ مِنْهَا إِسْنَادًا، (1 وَفِيهَا مَا يُعْرَفُ صِحَّتُهُ 1) 1 .، وَفِيهَا مَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ، وَفِيهَا مَا لَا يُعْرَفُ: هَلْ هُوَ صِدْقٌ أَمْ كَذِبٌ؟ فَالْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ مَلِكِ التُّرْكِ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ ظَفَرَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنِ الْعِتْرَةِ، وَهَذَا مِمَّا وَضَعَهُ مُتَأَخِّرُوهُمْ 2 . . وَالْكُتُبُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى عَلِيٍّ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فِي الْإِخْبَارِ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ كُلُّهَا كَذِبٌ، مِثْلُ كِتَابِ " الْجَفْرِ " وَ " الْبِطَاقَةِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ.
3 . وَكَذَلِكَ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ [عِنْدَهُ] 4 . عِلْمٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لَعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ 5 . . وَكَذَلِكَ مَا يُنْقَلُ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ الْبَاطِنِ، كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ.

وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِرَابَيْنِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ أَبُثُّهُ لَقَطَعْتُمْ هَذَا الْبُلْعُومَ» " فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ 1 .، لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّ أَبَا هُرَيْرَةَ بِمَا فِي ذَلِكَ الْجِرَابِ، بَلْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظَ مِنْ غَيْرِهِ ; فَحَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ حُذَيْفَةُ: " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ س، ب:.
. النَّاسِ مِنْ فِتْنَةٍ.
. هِيَ كَائِنَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَا بِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ.
. . الْحَدِيثَ.
وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الرَّهْطِ غَيْرُهُ» 2 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: " «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» " 3 . وَحَدِيثُ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ 4 . فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَالَ: " «صَلَّى

بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ خَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» " 1 . وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، فَلَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَذَلِكَ الْجِرَابُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ: عِلْمِ الْإِيمَانِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، مِثْلِ الْفِتَنِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: فِتْنَةِ الْجَمَلِ، وَصِفِّينَ، وَفِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْفِتَنِ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ حَدَّثَكُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ خَلِيفَتَكُمْ، وَتَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا، لَقُلْتُمْ: كَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: " اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
قَالَ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ - أَوْ فِيكُمْ - الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - يَعْنِي مِنَ

الشَّيْطَانِ: يَعْنِي عَمَّارًا -؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ - أَوْ فِيكُمْ - صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى.
. الْحَدِيثَ 1 . . وَذَلِكَ السِّرُّ 2 كَانَ مَعْرِفَتَهُ بِأَعْيَانِ نَاسٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، هَمُّوا بِأَنْ يَحُلُّوا حِزَامَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ لِيَسْقُطَ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ قَرِيبًا، فَعَرَّفَهُ بِهِمْ، وَكَانَ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ الْمَجْهُولُ حَالُهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ عُمَرُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ ; خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
وَمَعْرِفَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالصَّالِحِينَ بِبَعْضِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا كُلِّهَا.
وَالْغُلَاةُ الَّذِينَ [كَانُوا] 3 . يَدَّعُونَ عِلْمَ عَلِيٍّ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ مُطْلَقًا كَذِبٌ ظَاهِرٌ ; فَالْعِلْمُ بِبَعْضِهَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَالْعِلْمُ بِهَا كُلِّهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ 4 . أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْمُسْتَقْبَلَاتِ أَنَّهُ فِي وِلَايَتِهِ وَحُرُوبِهِ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ كَانَ يَظُنُّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، فَيَتَبَيَّنُ لَهُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا

ظَنَّ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إِذَا قَاتَلَ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ يَجْرِي مَا جَرَى لَمْ يُقَاتِلْهُمْ ; فَإِنَّهُ كَانَ لَوْ لَمْ يُقَاتِلْ أَعَزَّ وَانْتَصَرَ 1 .، وَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَعَهُ، وَأَكْثَرُ الْبِلَادِ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، فَلَمَّا قَاتَلَهُمْ ضَعُفَ أَمْرُهُ، حَتَّى صَارَ مَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ فِي 2 . طَاعَتِهِ، مِثْلَ مِصْرَ وَالْيَمَنِ، وَكَانَ الْحِجَازُ دُوَلًا.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا حَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ يَحْكُمَانِ بِمَا حَكَمَا لَمْ يُحَكِّمْهُمَا.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَفْعَلُ بِالْآخَرِ مَا فَعَلَ حَتَّى يَعْزِلَاهُ، لَمْ يُوَلِّ مَنْ يُوَافِقُ عَلَى عَزْلٍ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُ الْحَكَمُ الْآخَرُ 3 .، بَلْ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ أَشَارَ أَنْ يُقِرَّ مُعَاوِيَةَ عَلَى إِمَارَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ لَهُ الْأَمْرُ، وَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ أَحْزَمَ عِنْدَ الَّذِينَ يَنْصَحُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّى أَبَا سُفْيَانَ - أَبَا مُعَاوِيَةَ - نَجْرَانَ 4 .، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَحْسَنَ إِسْلَامًا مِنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُعَاوِيَةَ بِنِفَاقٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَبِيهِ.
وَالصِّدِّيقُ كَانَ قَدْ وَلَّى أَخَاهُ - يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - أَحَدَ الْأُمَرَاءِ فِي فَتْحِ الشَّامِ، لَمَّا وَلَّى خَالِدًا وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا فَتَحُوا الشَّامَ، بَقِيَ أَمِيرًا إِلَى أَنْ مَاتَ بِالشَّامِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، رَجُلًا صَالِحًا

أَفْضَلَ مِنْ أَخِيهِ وَأَبِيهِ، لَيْسَ هَذَا هُوَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الَّذِي تَوَلَّى بَعْدَ مُعَاوِيَةَ الْخِلَافَةَ ; فَإِنَّ ذَاكَ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ سُمِّيَ 1 . بَاسِمِ عَمِّهِ، (* فَطَائِفَةٌ مِنَ الْجُهَّالِ يَظُنُّونَ يَزِيدَ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ *) 2 . وَبَعْضُ غَلَّاتِهِمْ 3 يَجْعَلُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنَّ آخَرِينَ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا أَوْ مُرْتَدًّا، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ خَلِيفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ 4 . وَالْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَعَنَ قَاتِلَهُ - قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا فِي خِلَافَتِهِ بِسَبَبِ خِلَافِهِ 5 ، لَكِنَّهُ هُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يُظْهِرِ الرِّضَا بِهِ، وَلَا انْتَصَرَ مِمَّنْ قَتَلَهُ.
وَرَأْسُ الْحُسَيْنِ حُمِلَ إِلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ 6 . .

وَأَمَّا حَمْلُهُ إِلَى عِنْدِ يَزِيدَ 1 . فَبَاطِلٌ.
وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ 2 . . وَعَمُّهُ يَزِيدُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ هُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ مَكَانَ أَخِيهِ.
وَعُمَرُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ الرِّجَالِ، وَأَحْذَقِهِمْ فِي السِّيَاسَةِ، وَأَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْهَوَى، لَمْ يُولِّ فِي خِلَافَتِهِ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَخْتَارُ لِلْوِلَايَةِ مَنْ يَرَاهُ أَصْلَحَ لَهَا ; فَلَمْ يُوَلِّ مُعَاوِيَةَ إِلَّا وَهُوَ عِنْدُهُ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَارَةِ.
ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ 3 زَادَ عُثْمَانُ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى جَمَعَ لَهُ الشَّامَ.
وَكَانَتِ الشَّامُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ: فِلَسْطِينَ، وَدِمَشْقَ، وَحِمْصَ، وَالْأُرْدُنَّ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فُصِلَتْ قِنَّسْرِينَ وَالْعَوَاصِمَ مِنْ رُبْعِ حِمْصَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا عُمِّرَتْ حَلَبُ وَخُرِّبَتْ قِنَّسْرِينُ، وَصَارَتِ الْعَوَاصِمُ دُوَلًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَقَامَ مُعَاوِيَةُ نَائِبًا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَوَلَّى عِشْرِينَ سَنَةً، وَرَعِيَّتُهُ شَاكِرُونَ لِسِيرَتِهِ وَإِحْسَانِهِ، رَاضُونَ بِهِ، حَتَّى أَطَاعُوهُ فِي مِثْلِ قِتَالِ عَلِيٍّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَحَقَّ بِالْجَوَازِ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ، فَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ وِلَايَتُهُ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ غَيْرَهُ كَانَ

أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْهُ، أَوْ أَنَّهُ مِمَّنْ 1 يَحْصُلُ بِهِ مَعُونَةٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ فِيهِ ظُلْمٌ، لَكَانَ الشَّرُّ الْمَدْفُوعُ بِوِلَايَتِهِ أَعْظَمَ مِنَ الشَّرِّ الْحَاصِلِ بِوِلَايَتِهِ.
وَأَيْنَ أَخْذُ الْمَالِ، وَارْتِفَاعُ بَعْضِ الرِّجَالِ، مِنْ قَتْلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِصِفِّينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عِزٌّ وَلَا ظَفَرٌ؟ ! فَدَلَّ هَذَا وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا حَازِمِينَ.
وَعَلِيٌّ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ، لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا مَا رَآهُ مَصْلَحَةً.
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ الْكَوَائِنَ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ إِقْرَارَهُ عَلَى الْوِلَايَةِ أَصْلَحُ لَهُ مِنْ حَرْبِ صِفِّينَ، الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ بِهَا إِلَّا زِيَادَةُ الشَّرِّ وَتَضَاعُفُهُ، لَمْ يَحْصُلْ بِهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ شَيْءٌ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَكْثَرَ خَيْرًا وَأَقَلَّ شَرًّا مِنْ مُحَارَبَتِهِ، وَكُلُّ مَا يُظَنُّ فِي وِلَايَتِهِ مِنَ الشَّرِّ، فَقَدْ كَانَ فِي مُحَارَبَتِهِ أَعْظَمُ مِنْهُ.
وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ كَثِيرٌ مِمَّا يُبَيِّنُ جَهْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ الْأُمُورَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، بَلِ الرَّافِضَةُ تَدَّعِي الْأُمُورَ الْمُتَنَاقِضَةَ: يَدَّعُونَ عَلَيْهِ عِلْمَ الْغَيْبِ، مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِذَلِكَ، وَيَدَّعُونَ لَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يَزْعُمُونَ مَعَهُ أَنَّهُ كَانَ هُوَ الَّذِي يَنْصُرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَغَازِيهِ، وَهُوَ الَّذِي قَامَ 2 . الْإِسْلَامَ بِسَيْفِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَعَ ضَعْفِ الْإِسْلَامِ.

ثُمَّ يَذْكُرُونَ مِنْ عَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ ضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ ; فَإِنَّ

أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالٌ يَسْتَعْطِفُ بِهِ النَّاسَ، وَلَا كَانَ لَهُ قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ يَنْصُرُونَهُ، وَلَا مَوَالٍ، وَلَا دَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ، لَا بِرَغْبَةٍ وَلَا بِرَهْبَةٍ.
وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى دَفْعِهِ أَقْدَرَ مِنْهُ عَلَى دَفْعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ حَارَبُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَثِيرٍ، فَلَوْ كَانَ 1 . هُوَ الَّذِي دَفَعَ الْكُفَّارَ، وَلَوْ كَانَ 2 . مُرِيدًا لِدَفْعِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَكَانَ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرَ، لَكِنَّهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ فِي حَرْبِهِ لِمُعَاوِيَةَ قَدْ قُهِرَ وَعَسْكَرُهُ أَعْظَمُ، وَتَحْتَ طَاعَتِهِ مَنْ هُمْ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا رَيْبَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْهَرَ مُعَاوِيَةَ وَعَسْكَرَهُ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي نَصَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ كَثْرَةِ الْكُفَّارِ وَضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّتِهِمْ ; لَكَانَ مَعَ كَثْرَةِ عَسْكَرِهِ عَلَى عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ أَقْدَرَ عَلَى قَهْرِ مُعَاوِيَةَ وَجَيْشِهِ مِنْهُ عَلَى قَهْرِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَاتَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَجْمَعُ بَيْنَ تِلْكَ الشَّجَاعَةِ وَالْقُوَّةِ وَبَيْنَ هَذَا الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ، إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ مُتَنَاقِضٌ؟ ! بَلْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُ بِنْصِرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَكَانَ تَأْيِيدُهُ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْظَمَ مِنْ تَأْيِيدِهِ بِغَيْرِهِمَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.

وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الْمُسْتَقْبَلَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى أَشْيَاءَ مِمَّا فَعَلَهَا، وَكَانَ يَقُولُ: لَقَدْ عَجِزْتُ عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرْ وَأَجْمَعُ الرَّأْيَ الشَّتِيتَ الْمُنْتَشِرْ.
وَكَانَ يَقُولُ لَيَالِيَ صِفِّينَ: يَا حَسَنُ يَا حَسَنُ، مَا ظَنَّ أَبُوكَ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا! لِلَّهِ دَرُّ مَقَامٍ قَامَهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، إِنْ كَانَ بِرًّا إِنَّ أَجْرَهُ لَعَظِيمٌ، وَإِنْ كَانَ إِثْمًا إِنَّ خَطَرَهُ لَيَسِيرٌ.
وَهَذَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُونَ.
وَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَضَجَّرُ وَيَتَمَلْمَلُ مِنِ اخْتِلَافِ رَعِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ مَا بَلَغَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ رَأْيُهُ تَرْكُ الْقِتَالِ.
وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ الصَّحِيحُ بِتَصْوِيبِ الْحَسَنِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " 2 . فَمَدَحَ الْحَسَنَ عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ عَنِ الْقِتَالِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الْفِتْنَةِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الِاعْتِبَارِ ; فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلْعَمَلِ بِظُهُورِ ثَمَرَتِهِ، فَمَا كَانَ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ

وَرَسُولِهِ.
وَقَدْ دَلَّ الْوَاقِعُ عَلَى أَنَّ رَأْيَ الْحَسَنِ كَانَ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ ; لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْعَاقِبَةِ فِي هَذَا وَ [فِي] هَذَا 1 . . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ لِلْحَسَنِ وَأُسَامَةَ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» " 2 . . وَكِلَاهُمَا كَانَ يَكْرَهُ الدُّخُولَ فِي الْقِتَالِ.
أَمَّا أُسَامَةُ فَإِنَّهُ اعْتَزَلَ الْقِتَالَ، فَطَلَبَهُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
كَمَا اعْتَزَلَ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِثْلَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَكَانَ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا فَعَلَهُ الْحُسَيْنُ ; فَإِنَّهُ وَأَخَاهُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُتِلَ الْحُسَيْنُ شَهِيدًا مَظْلُومًا.
وَصَارَ النَّاسُ فِي قَتْلِهِ ثَلَاثَةَ أَحْزَابٍ: حِزْبٌ يَرَوْنَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمَاعَتِكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» " 3 . . قَالُوا: وَهُوَ جَاءَ وَالنَّاسُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَهُمْ.
وَحِزْبٌ يَرَوْنَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ كُفَّارٌ، بَلْ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إِمَامَتَهُ كَافِرٌ.

وَالْحِزْبُ الثَّالِثُ - وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - يَرَوْنَ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَتَنَاوَلُهُ بِوَجْهٍ، فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا بَعَثَ ابْنَ عَمِّهِ عَقِيلًا إِلَى الْكُوفَةِ فَبَلَغَهُ أَنَّهُ قُتِلَ بَعْدَ أَنْ بَايَعَهُ طَائِفَةٌ، فَطَلَبَ 1 . الرُّجُوعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ السَّرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَتْهُ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى يَزِيدَ، أَوْ يَتْرُكُوهُ يَرْجِعُ إِلَى مَدِينَتِهِ، أَوْ يَتْرُكُوهُ يَذْهَبُ إِلَى الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ لِيَأْخُذُوهُ أَسِيرًا.
وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ تَمْكِينُهُ مِمَّا طَلَبَ، فَقَاتَلُوهُ ظَالِمِينَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُرِيدًا لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا طَالِبًا لِلْخِلَافَةِ، وَلَا قَاتَلَ عَلَى طَلَبِ خِلَافَةٍ، بَلْ قَاتَلَ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ لِمَنْ صَالَ عَلَيْهِ وَطَلَبَ أَسْرَهُ.
وَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْحِزْبُ الثَّانِي فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنْ أَظْهَرِهَا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِمَّنْ قَاتَلَهُ، حَتَّى وَلَا الْخَوَارِجَ، وَلَا سَبَى ذُرِّيَّةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا غَنِمَ مَالَهُ، وَلَا حَكَمَ فِي أَحَدٍ مِمَّنْ قَاتَلَهُ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ، كَمَا حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، بَلْ عَلِيٌّ كَانَ يَتَرَضَّى 2 . عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ قَاتَلَهُ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ وَفِي أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ مِمَّنْ قَاتَلَهُ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ مُنَادِيَهُ نَادَى يَوْمَ الْجَمَلِ: " لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ،

وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُغْنَمُ مَالٌ " 1 . وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَتْهُ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ، حَتَّى نَاظَرَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَاسْتَفَاضَتِ الْآثَارُ 2 . عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْ قَتْلَى عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ: إِنَّهُمْ جَمِيعًا مُسْلِمُونَ، لَيْسُوا كُفَّارًا وَلَا مُنَافِقِينَ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَذَلِكَ عَمَّارٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَحْزَابُ الثَّلَاثَةُ بِالْعِرَاقِ، [وَكَانَ بِالْعِرَاقِ أَيْضًا] 3 . طَائِفَةٌ نَاصِبَةٌ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ تُبْغِضُ عَلِيًّا وَالْحُسَيْنَ، وَطَائِفَةٌ 4 . مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ تُبْغِضُ عُثْمَانَ وَأَقَارِبَهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ» " 5 . . فَكَانَ الْكَذَّابُ الَّذِي فِيهَا هُوَ الْمُخْتَارَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ هُوَ الْمُبِيرَ، وَكَانَ هَذَا يَتَشَيَّعُ لِعُثْمَانَ وَيُبْغِضُ شِيعَةَ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْكَذَّابُ يَتَشَيَّعُ لَعَلِيٍّ، حَتَّى قَاتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَقَتَلَهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ ; فَظَهَرَ كَذِبُهُ.
وَانْقَسَمَ النَّاسُ بِسَبَبِ هَذَا يَوْمَ 6 . عَاشُورَاءَ - الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ - إِلَى قِسْمَيْنِ: فَالشِّيعَةُ اتَّخَذَتْهُ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ يُفْعَلُ فِيهِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ مَا

لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ، وَقَوْمٌ اتَّخَذُوهُ 1 بِمَنْزِلَةِ الْعِيدِ، فَصَارُوا يُوَسِّعُونَ فِيهِ فِيهِ: 2 . النَّفَقَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ وَاللِّبَاسِ، وَرَوَوْا فِيهِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً، كَقَوْلِهِ: " «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» " وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 3 . قَالَ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ: سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ.
وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَرْوِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا «أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: جَرَّبْنَاهُ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا.
قُلْتُ: وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ هَذَا مِنْ فُضَلَاءِ الْكُوفِيِّينَ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِمَّنْ سَمِعَهُ وَلَا عَمَّنْ بَلَغَهُ 4 . . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الْحُسَيْنِ، لِيُتَّخَذَ يَوْمُ قَتْلِهِ عِيدًا، فَشَاعَ هَذَا عِنْدَ الْجُهَّالِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ، حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثٍ: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ جَرَى كَذَا وَجَرَى كَذَا، حَتَّى جَعَلُوا أَكْثَرَ حَوَادِثِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، مِثْلَ مَجِيءِ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ وَرَدِّ بَصَرِهِ، وَعَافِيَةِ أَيُّوبَ، وَفِدَاءِ الذَّبِيحِ، وَأَمْثَالِ هَذَا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " 5 . وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ هُوَ فِي كِتَابِ " النُّورِ فِي

فَضَائِلِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ " 1 . وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " وَهُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ.
وَابْنُ نَاصِرٍ رَاجَ عَلَيْهِ ظُهُورُ حَالِ رِجَالِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ، وَإِنَّمَا دُلِّسَ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
كَمَا جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ 2 . أُخَرَ، حَتَّى فِي أَحَادِيثَ نُسِبَتْ إِلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَتْ مِنْهُ، مِثْلَ حَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ الْمُذَهَّبِ، عَنِ الْقَطِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى 3 .، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ» " وَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ، لَكِنَّ رِوَايَةَ هَذَا اللَّفْظِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذِبٌ، وَعَزْوُهُ إِلَى الْمُسْنَدِ لِأَحْمَدَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ 4 . ; فَإِنَّ مُسْنَدَهُ مَوْجُودٌ وَلَيْسَ هَذَا فِيهِ.

وَأَحْمَدُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْمِحْنَةِ، وَقَدْ جَرَى لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ مَا اشْتُهِرَ فِي الْآفَاقِ، وَكَانَ يَحْتَجُّ لِأَنَّ 1 . الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِحُجَجٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ قَطُّ، وَلَا احْتَجَّ بِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ؟ ! وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا عُرِفَ عَنْ هَذَا الشَّيْخِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ دَسَّهُ فِي جُزْءٍ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ، فَرَاجَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ، وَالَّذِي صَحَّ فِي فَضْلِهِ هُوَ صَوْمُهُ، وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً، وَأَنَّ اللَّهَ نَجَّى فِيهِ مُوسَى مِنَ الْغَرَقِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَبَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ مَا يُفْعَلُ فِيهِ - سِوَى الصَّوْمِ - بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، لَمْ يَسْتَحِبَّهَا 2 . أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِثْلَ الِاكْتِحَالِ، وَالْخِضَابِ، وَطَبْخِ الْحُبُوبِ، وَأَكْلِ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ، وَالتَّوْسِيعِ فِي النَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَصْلُ هَذَا مِنِ ابْتِدَاعِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ وَنَحْوِهِمْ 3 . وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ مَا تَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ مِنِ اتِّخَاذِهِ مَأْتَمًا يُقْرَأُ فِيهِ الْمَصْرَعُ، وَيُنْشَدُ فِيهِ قَصَائِدُ النِّيَاحَةِ، وَيُعَطِّشُونَ فِيهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَلْطِمُونَ فِيهِ 4 . الْخُدُودَ، وَيَشُقُّونَ الْجُيُوبَ، وَيَدْعُونَ فِيهِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» " 1 . . وَهَذَا مَعَ حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالْمُصِيبَةِ، فَكَيْفَ 2 . إِذَا كَانَتْ بَعْدَ سِتَّمِائَةٍ وَنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً؟ وَقَدْ قُتِلَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَأْتَمًا.
وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ 3 فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ - وَكَانَتْ قَدْ شَهِدَتْ قَتْلَهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ، فَيَذْكُرُ مُصِيبَتَهُ وَإِنْ قَدُمَتْ، فَيُحْدِثُ لَهَا اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِهِ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا» " 4 . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمُصِيبَةِ إِذَا ذُكِرَتْ، وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا، أَنْ يُسْتَرْجَعَ 5 .، كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 155 - 157] . وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ نَتْفُ النَّعْجَةِ تَشْبِيهًا لَهَا بِعَائِشَةَ، وَالطَّعْنُ فِي الْجِبْسِ الَّذِي فِي جَوْفِهِ سَمْنٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِعُمَرَ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: يَا ثَارَاتِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ! إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُ يَطُولُ وَصْفُهَا.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الْبِدَعِ فَهُوَ مُنْكَرٌ، وَمَا أَحْدَثَهُ مَنْ يُقَابِلُ بِالْبِدْعَةِ الْبِدْعَةَ، وَيُنْسَبُ إِلَى السُّنَّةِ، هُوَ أَيْضًا مُنْكَرٌ مُبْتَدَعٌ.
وَالسُّنَّةُ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ بَرِيَّةٌ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ، فَمَا يُفْعَلُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنِ اتِّخَاذِهِ عِيدًا بِدْعَةٌ أَصْلُهَا مِنْ بِدَعِ النَّوَاصِبِ، وَمَا يُفْعَلُ مِنِ اتِّخَاذِهِ مَأْتَمًا بِدْعَةٌ أَشْنَعُ مِنْهَا، وَهِيَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الرَّوَافِضِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذِهِ الْأُمُورَ س، ب. . . الْأُمُورَ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
.

فصل قال الرافضي السادس أن عليا رضي الله عنه كان مستجاب الدعوة والرد عليه

(فَصْلٌ) قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " السَّادِسُ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَجَابَ الدُّعَاءِ 2 . دَعَا عَلَى بُسْرِ بْنِ أَرْطَأَةَ 3 بِأَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَقْلَهُ فَخُولِطَ فِيهِ، وَدَعَا عَلَى الْعَيْزَارِ 4 بِالْعَمَى فَعَمِيَ، وَدَعَا عَلَى أَنَسٍ 5 لَمَّا

كَتَمَ شَهَادَتَهُ بِالْبَرَصِ فَأَصَابَهُ، وَعَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِالْعَمَى فَعَمِيَ " 1 . وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَمِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، مَا دَامَ فِي الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ.
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ لَا تُخْطِئُ لَهُ دَعْوَةٌ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» " 2 . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَى الْكُوفَةِ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ سَعْدٍ، فَكَانَ النَّاسُ يُثْنُونَ خَيْرًا، حَتَّى سُئِلَ عَنْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ فَقَالَ: أَمَّا إِذْ أَنْشَدْتُمُونَا سَعْدًا، فَكَانَ لَا يَخْرُجُ فِي السَّرِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ.
فَقَالَ سَعْدٌ: " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَعَظِّمْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ " فَكَانَ يُرَى وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، تَدَلَّى حَاجِبَاهُ مِنَ الْكِبَرِ، يَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي يَغْمِزُهُنَّ فِي الطُّرُقَاتِ، وَيَقُولُ: " شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ " 3 .

وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ.
فَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أَوْسٍ اسْتَعْدَتْ مَرْوَانَ عَلَى سَعِيدٍ، وَقَالَتْ: " سَرَقَ مِنْ أَرْضِي مَا أَدْخَلَهُ فِي أَرْضِهِ " فَقَالَ سَعِيدٌ: " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَذْهِبْ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا " فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَمَاتَتْ فِي أَرْضِهَا 1 . وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ فَيَبَرُّ قَسَمَهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ: " «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ» " 2 . وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، نَائِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَائِبُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْبَحْرَيْنِ، مَشْهُورٌ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ.
رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ، قَالَ سَهْمُ بْنُ مِنْجَابٍ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ دَارِينَ 3 ، فَدَعَا بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ، قَالَ: سِرْنَا مَعَهُ، وَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، وَطَلَبْنَا الْوُضُوءَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ، فَقَالَ: اللَّهُ يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، إِنَّا عَبِيدُكَ، وَفِي سَبِيلِكَ نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، فَاسْقِنَا غَيْثًا نَشْرَبُ مِنْهُ

وَنَتَوَضَّأُ مِنَ الْإِحْدَاثِ، وَإِذَا تَرَكْنَاهُ فَلَا تَجْعَلْ فِيهِ نَصِيبًا لِأَحَدٍ غَيْرِنَا.
قَالَ: فَمَا جَاوَزْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَإِذَا نَحْنُ بِبِئْرٍ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ تَتَدَفَّقُ.
قَالَ: فَنَزَلْنَا فَرَوَيْنَا 1 ، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي 2 ، ثُمَّ تَرَكْتُهَا وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ؟ فَسِرْنَا مِيلًا أَوْ نَحْوَهُ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: إِنِّي نَسِيتُ إِدَاوَتِي 3 ، فَجِئْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكَأَنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ قَطُّ، فَأَخَذْتُ إِدَاوَتِي 4 ، فَلَمَّا أَتَيْتُ دَارِينَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْبَحْرُ، فَدَعَا لِلَّهِ فَقَالَ: اللَّهُ يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، إِنَّا عَبِيدُكَ وَفِي سَبِيلِكَ نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، فَاجْعَلْ لَنَا سَبِيلًا إِلَى عَدُوِّكَ.
ثُمَّ اقْتَحَمَ بِنَا 5 الْبَحْرَ، فَوَاللَّهِ مَا ابْتَلَّتْ سُرُوجُنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَجَعْنَا اشْتَكَى الْبَطْنَ فَمَاتَ، فَلَمْ نَجِدْ مَاءً نُغَسِّلُهُ، فَلَفَفْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ، فَدَفَنَّاهُ، فَلَمَّا سِرْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ إِذَا نَحْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ارْجِعُوا نَسْتَخْرِجْهُ فَنُغَسِّلْهُ، فَرَجَعْنَا فَخَفِيَ عَلَيْنَا قَبْرُهُ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَدْعُو اللَّهَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، اخْفِ حُفْرَتِي، وَلَا تُطْلِعْ عَلَى عَوْرَتِي أَحَدًا، فَرَجَعْنَا وَتَرَكْنَاهُ 6 . وَقَدْ كَانَ عُمَرُ دَعَا بِدَعَوَاتٍ أُجِيبَ فِيهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَازَعَهُ بِلَالٌ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ فِي الْقِسْمَةِ - قِسْمَةِ الْأَرْضِ - فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ " فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطَرِفُ 7 .

وَقَالَ: " اللَّهُمَّ قَدْ (1) كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ وَلَا مُضَيِّعٍ " فَمَاتَ مِنْ عَامِهِ (2) . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا.
وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي " مُجَابِي الدَّعْوَةِ " كِتَابًا (3) ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا، فَتَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الصِّحَّةِ، مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا هُوَ كَذِبٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، كَدُعَائِهِ عَلَى أَنَسٍ بِالْبَرَصِ، وَدُعَائِهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِالْعَمَى.

فصل قال الرافضي: السابع أنه لما توجه إلى صفين لحق أصحابه عطش شديد والرد عليه

(فَصْلٌ) قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : " السَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى صِفِّينَ لَحِقَ أَصْحَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَعَدَلَ بِهِمْ قَلِيلًا، فَلَاحَ لَهُمْ دَيْرٌ فَصَاحُوا بِسَاكِنِهِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْمَاءِ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُوتَى مَا يَكْفِينِي 5 كُلَّ شَهْرٍ عَلَى التَّقْتِيرِ لِتَلِفْتُ عَطَشًا،123

فَأَشَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الدَّيْرِ، وَأَمَرَ بِكَشْفِهِ، فَوَجَدُوا صَخْرَةً عَظِيمَةً، فَعَجِزُوا عَنْ إِزَالَتِهَا، فَقَلَعَهَا وَحْدَهُ، ثُمَّ شَرِبُوا الْمَاءَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ 1 الرَّاهِبُ، فَقَالَ 2 : أَنْتَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ؟ فَقَالَ 3 : لَا، وَلَكِنِّي وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ 4 ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الدَّيْرَ بُنِيَ عَلَى طَالِبِ هَذِهِ 5 الصَّخْرَةِ، وَمَخْرَجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِهَا، وَقَدْ مَضَى جَمَاعَةٌ 6 قَبْلِي لَمْ يُدْرِكُوهُ.
وَكَانَ الرَّاهِبُ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَهُ، وَنَظَمَ الْقِصَّةَ 7 السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ " 8 . وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي يَظُنُّهَا 9 الْجُهَّالُ مِنْ أَعْظَمِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلِ الَّذِي وَضَعَ هَذِهِ كَانَ جَاهِلًا بِفَضْلِ عَلِيٍّ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمَمَادِحِ، فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ مِنَ الْمَنْقَبَةِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى صَخْرَةٍ فَوَجَدُوا تَحْتَهَا الْمَاءَ، وَأَنَّهُ قَلَعَهَا.
وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي لِخَلْقٍ كَثِيرٍ، عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 10 - أَفْضَلُ مِنْهُمْ، بَلْ فِي الْمُحِبِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ

وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَنْ يَجْرِي لَهُمْ أَضْعَافُ هَذَا، وَأَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ إِذَا جَرَى عَلَى يَدِ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَانَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ وَكَرَامَةً لَهُ، فَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ مِنَ الصَّالِحِينَ كَثِيرًا.
وَأَمَّا سَائِرُ مَا فِيهَا، مِثْلَ قَوْلِهِ: " إِنَّ هَذَا الدَّيْرَ بُنِيَ عَلَى طَالِبِ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، وَمَخْرَجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِهَا ". فَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا تُبْنَى الْكَنَائِسُ وَالدَّيَّارَاتُ وَالصَّوَامِعُ عَلَى أَسْمَاءِ الْمُقْتَدِيَةِ بِسِيَرِ النَّصَارَى، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا يَبْنُونَ مَعَابِدَهُمْ - وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ - إِلَّا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، لَا عَلَى اسْمِ مَخْلُوقٍ.
وَقَوْلُ 1 الرَّاهِبِ: " أَنْتَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ " يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَضَلِّ الْخَلْقِ ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَشْرَبُ الْمَاءَ، وَلَا تَحْتَاجُ [إِلَى] 2 أَنْ تَسْتَخْرِجَهُ مِنْ تَحْتِ صَخْرَةٍ.
وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الرَّاهِبَ قَدْ سَمِعَ بِخَبَرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَتَحُوا تِلْكَ الْمَوَاضِعَ، فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولٌ بَعْدَ الْمَسِيحِ، فَمُحَمَّدٌ هُوَ الرَّسُولُ، وَمُعْجِزَاتُهُ ظَاهِرَةٌ بَاطِنَةٌ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ بِمُجَرَّدِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَاءٍ تَحْتَ صَخْرَةٍ، أَوْ لِكَوْنِ الدَّيْرِ بُنِيَ عَلَى اسْمِهِ، وَهُمْ يَبْنُونَ الدَّيَّارَاتِ عَلَى أَسْمَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ لَيْسُوا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَلَا الرُّسُلِ؟ ! وَمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ: " وَلَكِنِّي وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

هُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَدَّعِ هَذَا قَطُّ، لَا فِي خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ وَلَا لَيَالِي صِفِّينَ.
وَقَدْ كَانَتْ لَهُ مَعَ مُنَازِعِيهِ مُنَاظَرَاتٌ وَمَقَامَاتٌ، مَا ادَّعَى هَذَا قَطُّ، وَلَا ادَّعَاهُ أَحَدٌ لَهُ.
وَقَدْ حَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ، وَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ لِمُنَاظَرَةِ الْخَوَارِجِ، فَذَكَرُوا فَضَائِلَهُ وَسَوَابِقَهُ وَمَنَاقِبَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ أَنَّهُ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، بِدُونِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِنَقْلِهِ لَوْ كَانَ حَقًّا، فَكَيْفَ مَعَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؟ ! فَلَمَّا رَوَوْا فَضَائِلَهُ وَمَنَاقِبَهُ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، [وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ] " (1) . وَكَقَوْلِهِ عَامَ تَبُوكَ: " «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» " (2) . وَقَوْلُهُ: " «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» " (3) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهِ، وَلَمْ يَرْوُوا هَذَا مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ [وَلَا ادَّعَاهُ عَلِيٌّ قَطُّ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ] (4) - عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا افْتَرَاهُ الْكَذَّابُونَ.

فصل قال الرافضي الثامن قتل علي لكفار الجن والرد عليه

(فَصْلٌ) قَالَ الرَّافِضِيُّ 5 : " الثَّامِنُ: مَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ; حَيْثُ خَرَجُوا عَنِ1234

الطَّرِيقِ 1 ، وَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ، بِقُرْبِ 2 وَادٍ وَعْرٍ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ 3 طَائِفَةً مِنْ كُفَّارِ الْجِنِّ قَدِ اسْتَبْطَنُوا الْوَادِيَ يُرِيدُونَ كَيْدَهُ وَإِيقَاعَ الشَّرِّ بِأَصْحَابِهِ، فَدَعَا بِعَلِيٍّ وَعَوَّذَهُ، وَأَمَرَهُ 4 بِنُزُولِ الْوَادِي، فَقَتَلَهُمْ» ". وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ أَوَّلًا: عَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ هَذَا، وَإِهْلَاكُ الْجِنِّ مَوْجُودٌ لِمَنْ هُوَ دُونَ عَلِيٍّ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى عَلِيٍّ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَلَمْ يَجْرِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ هَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ " إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ، أَوْ فِي كِتَابٍ يُعْتَمَدُ عَلَى مُجَرَّدِ نَقْلِهِ، أَوْ صَحَّحَهُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى تَصْحِيحِهِ - فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ [أَنَّ] 5 جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ رَوَوْهُ فَهَذَا كَذِبٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ رَوَاهُ مَنْ لَا يَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، فَهَذَا لَا يُفِيدُ.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَاتَلَ الْجِنَّ فِي بِئْرِ ذَاتِ الْعَلَمِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.

وَعَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ تَثْبُتَ الْجِنُّ لِقِتَالِهِ، وَلَمْ يُقَاتِلْ أَحَدٌ مِنَ الْإِنْسِ الْجِنَّ، بَلْ كَانَ [الْجِنُّ] 1 الْمُؤْمِنُونَ يُقَاتِلُونَ الْجِنَّ الْكُفَّارَ.
وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَبُو الْبَقَاءِ خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ النَّابُلْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَأَلَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ عَنْ قِتَالِ عَلِيٍّ 2 الْجِنَّ، فَقَالَ: أَنْتُمْ مَعْشَرَ الشِّيعَةِ لَيْسَ لَكُمْ عَقْلٌ، أَيُّمَا أَفْضَلُ عِنْدَكُمْ: عُمَرُ أَوْ عَلِيٌّ؟ فَقَالُوا: بَلْ عَلِيٌّ.
فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: " «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» " 3 فَإِذَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَهْرُبُ مِنْ عُمَرَ، فَكَيْفَ يُقَاتِلُ عَلِيًّا؟ ! وَأَيْضًا فَدَفْعُ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَإِهْلَاكُهُمْ مَوْجُودٌ لِكَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَفِي ذَلِكَ قِصَصٌ يَطُولُ وَصْفُهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُحَارَبَتِهِ لِلْجِنِّ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي الْحَجِّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّهُ حَارَبَهُمْ بِبِئْرِ ذَاتِ الْعَلَمِ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّامِرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا عِمَارَةُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى مَكَّةَ أَصَابَ النَّاسَ عَطَشٌ شَدِيدٌ وَحُرٌّ شَدِيدٌ، فَنَزَلَ

رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (* الْحُجْفَةَ مُعَطَّشًا وَالنَّاسُ عِطَاشٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - *) 1 : " هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَمْضِي فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمُ الْقِرَبُ فَيَرِدُونَ بِئْرَ 2 ذَاتِ الْعَلَمِ، ثُمَّ يَعُودُ، يَضْمَنُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَنَّةَ؟ " فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَفَزِعَ مِنَ الْجِنِّ فَرَجَعَ، ثُمَّ بَعَثَ آخَرَ وَأَنْشَدَ شِعْرًا، فَذُعِرَ مِنَ الْجِنِّ فَرَجَعَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَنَزَلَ الْبِئْرَ وَمَلَأَ الْقِرَبَ بَعْدَ هَوْلٍ شَدِيدٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: الَّذِي هَتَفَ بِكَ مِنَ الْجِنِّ هُوَ سَمَاعَةُ بْنُ غُرَابٍ 3 الَّذِي قَتَلَ عَدُوَّ اللَّهِ مِسْعَرًا شَيْطَانَ الْأَصْنَامِ الَّذِي يُكَلِّمُ قُرَيْشًا مِنْهَا، وَفَزِعَ مِنْ هِجَائِي» . ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ: " وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ مُحَالٌ، وَالْفُنَيْدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَالسَّكُونِيُّ مَجْرُوحُونَ.
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَوْدِيُّ: وَعِمَارَةٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ " 4 . قُلْتُ: وَكُتُبُ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ النَّاسُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا.

فصل قال الرافضي التاسع حديث رد الشمس لعلي رضي الله عنه والرد عليه

(فَصْلٌ) قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " التَّاسِعُ: رُجُوعُ الشَّمْسِ لَهُ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالثَّانِيَةُ: بَعْدَهُ.
أَمَّا الْأُولَى فَرَوَى جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ 2 يَوْمًا يُنَاجِيهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا تَغَشَّاهُ الْوَحْيُ تَوَسَّدَ فَخِذَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى عَلِيٌّ الْعَصْرَ 3 بِالْإِيمَاءِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: سَلِ اللَّهَ تَعَالَى يَرُدَّ عَلَيْكَ الشَّمْسَ لِتُصَلِّيَ الْعَصْرَ قَائِمًا، فَدَعَا ; فَرُدَّتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الْعَصْرَ قَائِمًا» . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرَاتَ بِبَابِلَ اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ [بِتَعْبِيرِ] دَوَابِّهِمْ 4 ، وَصَلَّى لِنَفْسِهِ 5 فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَصْرَ، وَفَاتَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَ اللَّهَ رَدَّ الشَّمْسِ فَرُدَّتْ.
وَنَظَمَهُ الْحِمْيَرِيُّ 6 فَقَالَ:

رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَمَّا فَاتَهُ ... وَقْتُ الصَّلَاةِ وَقَدْ دَنَتْ لِلْمَغْرِبِ حَتَّى تَبَلَّجَ نُورُهَا فِي وَقْتِهَا ... لِلْعَصْرِ ثُمَّ هَوَتْ هُوِيَّ الْكَوْكَبِ وَعَلَيْهِ قَدْ رُدَّتْ بِبَابِلَ مَرَّةً ... أُخْرَى وَمَا رُدَّتْ لِخَلْقٍ مُعْرِبٍ 1 . وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: فَضْلُ عَلِيٍّ وَوِلَايَتُهُ لِلَّهِ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ 2 ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَفَادَتْنَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى كَذِبٍ وَلَا إِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ.
وَحَدِيثُ رَدِّ الشَّمْسِ لَهُ قَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ، كَالطَّحَاوِيِّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَكِنِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 3 فَرَوَاهُ مِنْ كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ 4 بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ 5 ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، (* فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَّيْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: لَا *) 6 . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ.
    فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَرَأَيْتُهَا غَرَبَتْ، ثُمَّ رَأَيْتُهَا طَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ» ". قَالَ أَبُو الْفَرَجِ 1 : " وَهَذَا حَدِيثٌ 2 مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدِ اضْطَرَبَ الرُّوَاةُ فِيهِ، فَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ 3 ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ 4 ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ 5 ، عَنْ أَسْمَاءَ ". قَالَ: 6 " وَفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ضَعَّفَهُ يَحْيَى، وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَيُخْطِئُ عَلَى الثِّقَاتِ.
    قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: " وَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْهُ " 7 . قُلْتُ: وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَسْعُودٍ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَسْمَاءَ.
    وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْأَشْقَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ 8 ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ

الْحُسَيْنِ 1 ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ، عَنْ أَسْمَاءَ 2 ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ 3 : " وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا 4 أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا 5 أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا 6 عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُشَيْرٍ 7 ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَحَدَّثَتْنِي [أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ حَدَّثَتْهَا] 8 أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.
. وَذَكَرَ حَدِيثَ رُجُوعِ الشَّمْسِ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ 9 : " وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ.
أَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ 10 ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ 11 : هُوَ وَاهِي الْحَدِيثِ.
قَالَ: وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا ابْنَ عُقْدَةَ 12 ; فَإِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا يُحَدِّثُ بِمَثَالِبِ الصَّحَابَةِ ". " قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي طَالِبٍ 13 يَقُولُ: ابْنُ عُقْدَةَ لَا يَتَدَيَّنُ بِالْحَدِيثِ، كَانَ يَحْمِلُ شُيُوخًا 14 بِالْكُوفَةِ عَلَى الْكَذِبِ، يُسَوِّي لَهُمْ نُسَخًا، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَرْوُوهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مِنْهُ فِي

غَيْرِ نُسْخَةٍ 1 ، (* وَسُئِلَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ: رَجُلُ سُوءٍ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: " وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ فَرَاهِيجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَدَاوُدُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ *) " 2 . قُلْتُ: فَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا دُونَ هَذَا.
وَأَمَّا الثَّانِي بِبَابِلَ فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ 3 . وَإِنْشَادُ الْحِمْيَرِيِّ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ قَدِيمٌ، فَقَدْ سَمِعَهُ فَنَظَمَهُ.
وَأَهْلُ الْغُلُوِّ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ يَنْظِمُونَ مَا لَا تَتَحَقَّقُ صِحَّتُهُ، لَا سِيَّمَا وَالْحِمْيَرِيُّ مَعْرُوفٌ بِالْغُلُوِّ 4 . وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا

يَبْنِ، وَلَا رَجُلٌ قَدْ بَنَى بَيْتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سَقْفَهُ 1 ، وَلَا رَجُلٌ اشْتَرَى غَنَمًا - أَوْ خَلِفَاتٍ - وَهُوَ يَنْتَظِرُ 2 وِلَادَهَا.
قَالَ: فَغَزَوْا، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ، حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» " الْحَدِيثَ 3 . فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِذَا كَانَتْ قَدْ رُدَّتْ لِيُوشَعَ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ تُرَدَّ لِفُضَلَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَيُقَالُ: يُوشَعُ لَمْ تُرَدَّ لَهُ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ غُرُوبُهَا، طُوِّلَ لَهُ النَّهَارُ، وَهَذَا قَدْ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ ; فَإِنَّ طُولَ النَّهَارِ وَقِصَرَهُ لَا يُدْرَكُ.
وَنَحْنُ إِنَّمَا عَلِمْنَا وُقُوفَهَا لِيُوشَعَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَيْضًا لَا مَانِعَ مِنْ طُولِ ذَلِكَ 4 ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَفَعَلَ ذَلِكَ.
لَكِنَّ يُوشَعَ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ; لِأَجْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَيَوْمَ السَّبْتِ.
وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الَّذِي فَاتَتْهُ الْعَصْرُ إِنْ كَانَ مُفَرِّطًا لَمْ يَسْقُطْ ذَنْبُهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَمَعَ التَّوْبَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى

رَدٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَلَا مَلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ.
وَأَيْضًا فَبِنَفْسِ غُرُوبِ الشَّمْسِ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِلصَّلَاةِ، فَالْمُصَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُصَلِّيًا فِي الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ عَادَتِ الشَّمْسُ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [سُورَةُ طه: 130] يَتَنَاوَلُ الْغُرُوبَ الْمَعْرُوفَ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ هَذَا الْغُرُوبِ، وَإِنْ طَلَعَتْ ثُمَّ غَرَبَتْ.
وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ حَصَلَتْ بِذَلِكَ الْغُرُوبِ، فَالصَّائِمُ يُفْطِرُ، وَلَوْ عَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَقَعُ لِأَحَدٍ، وَلَا وَقَعَتْ لِأَحَدٍ، فَتَقْدِيرُهَا تَقْدِيرُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ ; وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمٍ مِثْلِ هَذَا فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ الْمُفَرِّعِينَ.
وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ الْعَصْرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَصَلَّاهَا قَضَاءً، هُوَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ رَدَّ الشَّمْسِ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: " «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ". فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا تَفْوِيتَ الصَّلَاةِ فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا نُصَلِّي إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ 1 . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّوُا الْعَصْرَ بَعْدَ

غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ عَلِيٌّ بِأَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا صَلَّاهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ ; فَعَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا تُجْزِئُ، أَوْ نَاقِصَةً تَحْتَاجُ إِلَى رَدِّ الشَّمْسِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِرَدِّ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَتْ كَامِلَةً مُجْزِئَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى رَدِّهَا.
وَأَيْضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْعَادَةِ، الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْقُلْهَا إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عُلِمَ بَيَانُ كَذِبِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ كَانَ بِاللَّيْلِ وَقْتَ نَوْمِ النَّاسِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَوَاهُ الصَّحَابَةُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَأَخْرَجُوهُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ 1 مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ 2 ، وَنَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، فَكَيْفَ بِرَدِّ الشَّمْسِ الَّتِي تَكُونُ بِالنَّهَارِ، وَلَا يَشْتَهِرُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْقُلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ نَقْلَ مِثْلِهِ؟ !

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل