منهاج السنة النبويةصفحات 127-166
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 127-166
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

فَإِنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يَحْكُمُ بِأَنَّ الصِّفَةَ إِذَا قَامَتْ بِمَحَلٍّ عَادَ حُكْمُهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا عَلَى غَيْرِهِ، فَالْمَحَلُّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ وَالسَّوَادُ وَالْبَيَاضُ كَانَ مُتَحَرِّكًا أَسْوَدَ أَبْيَضَ لَا غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ وَالرِّضَا، هُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُرِيدُ الْمُحِبُّ الْمُبْغِضُ الرَّاضِي دُونَ غَيْرِهِ، وَمَا لَمْ يَقُمْ بِهِ الصِّفَةُ لَا يَتَّصِفُ بِهَا، فَمَا لَمْ يَقُمْ بِهِ كَلَامٌ وَإِرَادَةٌ وَحَرَكَةٌ وَسَوَادٌ وَفِعْلٌ، لَا يُقَالُ لَهُ: مُتَكَلِّمٌ وَلَا مُرِيدٌ وَلَا مُتَحَرِّكٌ [وَلَا أَسْوَدُ] 1 وَلَا فَاعِلٌ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ، فَلَا يُسَمَّى بِأَسْمَاءِ الْمَعَانِي.
وَهَؤُلَاءِ سَمَّوْهُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، مَعَ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ، وَسَمَّوْهُ مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا مَعَ أَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ سَمَّاهُ خَالِقًا فَاعِلًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ خَلْقٌ وَلَا فِعْلٌ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ.
وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَدْ أَثْبَتَتِ اتِّصَافَهُ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ، وَاللُّغَةُ تُوجِبُ أَنَّ صِدْقَ الْمُشْتَقِّ مُسْتَلْزِمٌ لِصِدْقِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، فَيُوجِبُ إِذَا صَدَقَ اسْمُ الْفَاعِلِ وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ، أَنْ يَصْدُقَ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ، فَإِذَا قِيلَ: قَائِمٌ وَقَاعِدٌ، كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: فَاعِلٌ وَخَالِقٌ، كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلْفِعْلِ وَالْخَلْقِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: مُتَكَلِّمٌ وَمُرِيدٌ، كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ، كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ.
وَمَنْ نَفَى قِيَامَ الْأَفْعَالِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ خَالِقًا بِخَلْقٍ، لَكَانَ إِنْ كَانَ

قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمَ الْمَخْلُوقِ، وَإِنْ كَانَ حَادِثًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلْقٌ آخَرُ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ.
قَدْ أَجَابَهُ النَّاسُ بِأَجْوِبَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ: فَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِقِدَمِ الْخَلْقِ دُونَ الْمَخْلُوقِ، وَعَارَضُوهُ بِالْإِرَادَةِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا قَدِيمَةٌ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مُحْدَثٌ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ الْخَلْقُ، وَهَذَا جَوَابُ كَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: بَلِ الْخَلْقُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى خَلْقٍ آخَرَ، كَمَا أَنَّ الْمَخْلُوقَ عِنْدَهُ كُلَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى خَلْقٍ، فَإِذَا لَمْ يَفْتَقِرْ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَى خَلْقٍ عِنْدِهِ، فَأَنْ 1 لَا يَفْتَقِرُ الْخَلْقُ الَّذِي بِهِ خُلِقَ الْمَخْلُوقُ إِلَى خَلْقٍ أَوْلَى، وَهَذَا جَوَابُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: الْخَلْقُ قَائِمٌ بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَائِمٌ بِالْمَخْلُوقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَائِمٌ لَا فِي مَحَلٍّ، كَمَا يَقُولُ الْبَصْرِيُّونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْإِرَادَةِ.
وَطَائِفَةٌ الْتَزَمَتِ التَّسَلْسُلِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ صِنْفَانِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُودِ مَعَانٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّادٍ 2 وَأَصْحَابِهِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ تَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ.
وَأَمَّا التَّسَلْسُلُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَقَالَ: كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَكُمْ حَوَادِثُ مُنْفَصِلَةٌ لَا ابْتِدَاءَ لَهَا، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ قِيَامُ حَوَادِثَ بِذَاتِهِ لَا ابْتِدَاءَ لَهَا، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْهِشَامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلِ التَّسَلْسُلُ جَائِزٌ فِي الْآثَارِ دُونَ الْمُؤَثِّرَاتِ، وَالْتَزَمَ أَنَّهُ يَقُومُ بِذَاتِهِ مَا لَا يَتَنَاهَى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَلَا نِهَايَةَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٍ مِنَ النُّظَّارِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى قِيَامِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِهِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
(1 فَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُوَافِقِينَ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ صِفَةَ الْإِلَهِ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا، كَمَا أَنَّ صِفَةَ النَّبِيِّ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا 1) 1 .

وَإِذَا كَانَتْ صِفَةُ النَّبِيِّ الْمُحْدَثِ] 1 مُوَافِقَةً 2 لَهُ فِي الْحُدُوثِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا مِثْلَهُ، فَكَذَلِكَ صِفَةُ الرَّبِّ اللَّازِمَةُ لَهُ إِذَا كَانَتْ قَدِيمَةً بِقِدَمِهِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا مِثْلَهُ.
فَهَؤُلَاءِ مَذْهَبُهُمْ 3 نَفْيُ صِفَاتِ الْكَمَالِ 4 اللَّازِمَةِ لِذَاتِهِ، وَشُبْهَتُهُمُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا 5 ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَكَانَ الْقَدِيمُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، كَمَا يَقُولُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ.
وَأَخَذَ ذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَقَالُوا 6 : لَوْ كَانَ لَهُ صِفَةً وَاجِبَةً 7 لَكَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَهَذَا تَلْبِيسٌ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ الْقَدِيمُ، أَوِ الْإِلَهُ الْوَاجِبُ، أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَالتَّلَازُمُ 8 بَاطِلٌ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ صِفَةُ الْإِلَهِ إِلَهًا، وَلَا صِفَةُ الْإِنْسَانِ إِنْسَانًا، وَلَا صِفَةُ النَّبِيِّ نَبِيًّا، [وَلَا صِفَةُ الْحَيَوَانِ حَيَوَانًا] 9 . وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الصِّفَةَ تُوصَفُ بِالْقِدَمِ (* كَمَا يُوصَفُ الْمَوْصُوفُ بِالْقِدَمِ، فَهُوَ كَقَوْلِ 10 الْقَائِلِ: تُوصَفُ صِفَةُ الْمُحْدَثِ بِالْحُدُوثِ *) 11 ، كَمَا يُوصَفُ الْمَوْصُوفُ بِالْحُدُوثِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ (1 كَمَا يُوصَفُ الْمَوْصُوفُ بِالْوُجُوبِ 1) 1 ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا 2 : تُوصَفُ بِوُجُوبٍ أَوْ قِدَمٍ أَوْ حُدُوثٍ 3 عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ، فَإِنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَلَا تَسْتَقِلُّ بِذَاتِهَا، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا 4 قَدِيمَةٌ وَاجِبَةٌ بِقُدُومِ الْمَوْصُوفِ وَوُجُوبِهِ، إِذَا عُنِيَ بِالْوَاجِبِ مَا لَا فَاعِلَ لَهُ، وَعُنِيَ بِالْقَدِيمِ 5 مَا لَا أَوَّلَ لَهُ، وَهَذَا حَقٌّ لَا مَحْذُورَ فِيهِ.
[وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا بَسْطًا مُسْتَوْفًى فِي مَوَاضِعَ، بَيْنَ مَا فِي لَفْظِ " وَاجِبِ الْوُجُودِ " وَ " الْقَدِيمِ " مِنَ الْإِجْمَالِ، وَشُبْهَةُ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا إِلَّا شَيْئًا مُخْتَصَرًا، قَدْ ذَكَرْنَا مَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَوْضِعَ.
وَبَيَّنَّا فِي مَوْضِعَ آخَرَ أَنَّ لَفْظَ " الْقَدِيمِ " وَ " وَاجِبُ الْوُجُودِ " فِيهِ إِجْمَالٌ.
فَإِذَا أُرِيدَ بِالْقَدِيمِ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، أَوِ الْفَاعِلُ الْقَدِيمُ، أَوِ الرَّبُّ الْقَدِيمُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالصِّفَةُ لَيْسَتْ قَدِيمَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، بَلْ هِيَ صِفَةُ الْقَدِيمِ.
وَإِذَا أُرِيدَ مَالًا ابْتِدَاءً لَهُ، وَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ مُطْلَقًا فَالصِّفَةُ قَدِيمَةٌ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ " وَاجِبُ الْوُجُودِ " إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْمَوْجُودُ بِنَفْسِهِ، فَالصِّفَةُ لَيْسَتْ وَاجِبَةٌ، بَلْ هِيَ صِفَةُ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا لَا فَاعِلَ لَهُ، أَوْ مَا لَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ، فَالصِّفَةُ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَالًا تَعَلَّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَإِنَّ

الْبَارِئَ تَعَالَى خَالِقٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، فَلَهُ تَعَلُّقٌ (1) بِمَخْلُوقَاتِهِ، وَذَاتُهُ مُلَازِمَةٌ لِصِفَاتِهِ، وَصِفَاتُهُ مُلَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ مُلَازِمَةٌ لِصِفَتِهِ الْأُخْرَى.
وَبَيَّنَّا أَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُمْكِنَاتُ، وَالْقَدِيمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُحْدَثَاتُ، الَّذِي هُوَ الْخَالِقُ الْمَوْجُودُ بِنَفَسِهِ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَيَمْتَنِعُ عَدَمُهُ، فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الرَّبِّ وَاجِبًا بِذَاتِهِ وَجَعْلَ مَا سِوَاهُ مُمْكِنًا، لَيْسَ هُوَ قَوْلُ أَرِسْطُو وَقُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ، وَلَكِنْ كَانُوا يُسَمُّونَهُ مَبْدَءًا وَعِلَّةً، وَيُثْبِتُونَهُ مِنْ جِهَةِ الْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ.
فَرَكِبَ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مَذْهَبًا مِنْ قَوْلِ أُولَئِكَ وَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَلَمَّا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْمَوْجُودُ يَنْقَسِمُ إِلَى قَدِيمٍ وَحَادِثٍ، وَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا صِفَةَ لَهُ، قَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَالْوَاجِبُ لَا صِفَةَ لَهُ، وَلَمَّا قَالَ أُولَئِكَ: يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الْقَدِيمِ، قَالَ هَؤُلَاءِ: يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الْوَاجِبِ] (2) .

التعليق على قوله أن كل ما سواه محدث

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ [كُلَّ] 3 مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ " 4 فَهَذَا حَقٌّ، وَالضَّمِيرُ فِي " مَا سِوَاهُ " عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ إِذَا ذُكِرَ بَاسِمٍ مُظْهَرٍ12

أَوْ مُضْمَرٍ، دَخَلَ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ (1) صِفَاتُهُ، فَهِيَ لَا تَخْرُجُ (2) عَنْ مُسَمَّى أَسْمَائِهِ.
فَمَنْ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَوْ عَبَدْتُهُ، فَهُوَ إِنَّمَا دَعَا الْحَيَّ [الْقَيُّومَ] (3) ، الْعَلِيمَ الْقَدِيرَ، الْمَوْصُوفَ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ.

التعليق على قوله لأنه واحد وليس بجسم ولا جوهر

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ 4 بِجِسْمٍ " 5 . فَإِنْ أَرَادَ بِالْوَاحِدِ مَا أَرَادَهُ 6 اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِمِثْلِ 7 قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 163] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 16] 8 [وَنَحْوِ ذَلِكَ] 9 ، فَهَذَا حَقٌّ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالْوَاحِدِ مَا تُرِيدُهُ الْجَهْمِيَّةُ نَفَاةُ الصِّفَاتِ مِنْ أَنَّهُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ، فَهَذَا " الْوَاحِدُ " لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ، وَيَمْتَنِعُ123

وُجُودُ حَيٍّ عَلِيمٍ 1 قَدِيرٍ لَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ، فَإِثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ دُونَ الصِّفَاتِ سَفْسَطَةٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَقَرْمَطَةٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَيْسَ بِجِسْمٍ "، لَفْظُ الْجِسْمِ فِيهِ إِجْمَالٌ.
قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُرَكَّبُ الَّذِي كَانَتْ أَجْزَاؤُهُ مُفَرَّقَةٌ 2 فَجُمِعَتْ، أَوْ مَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالِاِنْفِصَالَ، أَوِ الْمُرَكَّبُ مِنْ مَادَّةٍ وَصُورَةٍ، [أَوِ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْجَوَاهِرُ الْفَرْدَةُ] 3 . وَاللَّهُ [تَعَالَى] 4 مُنَزَّهٌ عَنْ [ذَلِكَ كُلِّهِ] : عَنْ أَنْ يَكُونَ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ 5 ، أَوْ أَنْ يَقْبَلَ التَّفْرِيقَ وَالتَّجْزِئَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ 6 بَعْضِ الشَّيْءِ بَعْضًا وَانْفِصَالُهُ عَنْهُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّرْكِيبِ الْمُمْتَنِعِ [عَلَيْهِ] 7 . وَقَدْ يُرَادُ بِالْجِسْمِ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ مَا يُرَى، أَوْ مَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ ; وَاللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَتَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَ الدُّعَاءِ بِأَيْدِيهِمْ وَقُلُوبِهِمْ 8 وَوُجُوهِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ.
فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " لَيْسَ بِجِسْمٍ " هَذَا الْمَعْنَى.

قِيلَ لَهُ: (* هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدْتُ نَفْيَهُ 1 بِهَذَا اللَّفْظِ مَعْنًى ثَابِتٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَأَنْتَ لَمْ تُقِمْ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ.
وَأَمَّا اللَّفْظُ فَبِدْعَةٌ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إِطْلَاقُ لَفْظِ " الْجِسْمِ " فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا.
وَكَذَلِكَ لَفَظُ " الْجَوْهَرِ " وَ " الْمُتَحَيِّزِ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنَازَعُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثَ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَإِنْ قَالَ:.
. كُلُّ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُرَى وَتُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ 2 ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا مَحَلُّ نِزَاعٍ، فَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يَنْفُونَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ لَمْ تَذْكُرْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا، وَهَذَا مُنْتَهَى نَظَرِ النُّفَاةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ مَا عِنْدَهُمْ أَنْ تَقُومَ بِهِ الصِّفَاتُ، وَيَقُومَ بِهِ الْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ وَالْأَفْعَالُ، وَمَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِالْأَبْصَارِ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ 3 ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ الْعِبَارَةِ فَإِلَى هَذَا يَعُودُ.
وَقَدْ تَنَوَّعَتْ طُرُقُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ أَنَّهُ يَقُومُ بِهِ الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا، وَنَازَعَهُمْ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ نَازَعَهُمْ فِي هَذَا وَهَذَا، وَقَالَ: بَلْ لَا يَكُونُ هَذَا جِسْمًا وَلَا هَذَا جِسْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ أَنَّهُ جِسْمٌ، وَنَازَعَهُمْ فِي كَوْنِ الْقَدِيمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لَفْظَ " الْجِسْمِ " فِيهِ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَالْمُنَازَعَاتُ 1 اللَّفْظِيَّةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُنَازَعَاتُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَمِثْلُ تَنَازُعِ النَّاسِ فِيمَا يُشَارُ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً: هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ 2 ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ 3 وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ 4 ، ثُمَّ جُمْهُورُ هَؤُلَاءِ قَالُوا: إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ 5 النُّظَّارِ: بَلْ مِنْ جَوَاهِرَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ 6 . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، ثُمَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ مَنْ طَرَدَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَجْسَامِ كَابْنِ

سِينَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ هَذَا فِي الْأَجْسَامِ الْعُنْصُرِيَّةِ دُونَ الْفَلَكِيَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَرِسْطُو وَالْقُدَمَاءِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ لَا يَذْكُرُ إِلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَلِهَذَا كَانَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتِ لَا يَعْرِفُ إِلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ وَأَكْثَرُ طَوَائِفِ النُّظَّارِ: أَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ إِمَامِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْهِشَامِيَّةِ، وَالنَّجَّارِيَّةِ 1 وَالضِّرَارِيَّةِ 2 .

ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْتَهِي بِالتَّقْسِيمِ إِلَى جُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ، كَقَوْلِ الشَّهْرَسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ لَا يَزَالُ قَابِلًا لِلِانْقِسَامِ إِلَى أَنْ يَصْغُرَ فَيَسْتَحِيلَ مَعَهُ 1 تَمْيِيزُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ، مَعَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْكَلَامِ يَجْعَلُ إِثْبَاتَ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ هُوَ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ نَفْيَهُ هُوَ قَوْلُ الْمُلْحِدِينَ.
وَهَذَا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا وَجَدُوهُ فِي كُتُبِ شُيُوخِهِمْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ فِي الدِّينِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ، كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ 2 ; وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ

وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ 1 وَكَقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: عُلَمَاءُ الْكَلَامِ زَنَادِقَةٌ 2 ، وَقَوْلُهُ: مَا ارْتَدَى أَحَدٌ بِالْكَلَامِ فَأَفْلَحُ 3 ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.

وَإِلَّا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفِينَ، بَلِ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ مُنْذُ خَلَقَ الْجَوَاهِرَ الْمُنْفَرِدَةَ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لَا سَمَاءً وَلَا أَرْضًا، وَلَا حَيَوَانًا وَلَا نَبَاتًا، وَلَا مَعَادِنَ، وَلَا إِنْسَانًا وَلَا غَيْرَ إِنْسَانٍ، بَلْ إِنَّمَا يُحْدِثُ تَرْكِيبَ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ الْقَدِيمَةِ فَيَجْمَعُهَا وَيُفَرِّقُهَا، فَإِنَّمَا يُحْدِثُ أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِتِلْكَ الْجَوَاهِرِ، لَا أَعْيَانًا قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا.
فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا خَلَقَ السَّحَابَ وَالْمَطَرَ وَالْإِنْسَانَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالثِّمَارِ، لَمْ يَخْلُقْ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا خَلَقَ أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِغَيْرِهَا.
وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ وَالْعَقْلُ وَالْعِيَانُ، وَوُجُودُ جَوَاهِرَ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْأَجْسَامِ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالْعَقْلِ وَالْحِسِّ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ

يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ لَا يَسْتَحِيلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، بَلِ الْجَوَاهِرُ الَّتِي كَانَتْ مَثَلًا فِي الْأَوَّلِ هِيَ بِعَيْنِهَا بَاقِيَةٌ فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ أَعْرَاضُهَا.
وَهَذَا خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ - أَئِمَّةُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُقَلَاءِ - مِنِ اسْتِحَالَةِ بَعْضِ الْأَجْسَامِ إِلَى بَعْضٍ، كَاسْتِحَالَةِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ بِالْمَوْتِ تُرَابًا، وَاسْتِحَالَةِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَجْسَامِ النَّجِسَةِ مِلْحًا أَوْ رَمَادًا، وَاسْتِحَالَةِ الْعَذِرَاتِ تُرَابًا، وَاسْتِحَالَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا، ثُمَّ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ خَلًّا، وَاسْتِحَالَةِ مَا يَأْكُلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَشْرَبُهُ بَوْلًا وَدَمًا وَغَائِطًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّجَاسَةِ: هَلْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الِاسْتِحَالَةَ.
وَمُثْبِتَةُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ قَدْ فَرَّعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ الْعُقَلَاءُ فَسَادَهَا بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ، مِثْلَ تَفْلِيكِ الرَّحَى وَالدُّولَابِ وَالْفُلْكِ وَسَائِرِ الْأَجْسَامِ الْمُسْتَدِيرَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ 1 ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ يَفْعَلُ كُلَّمَا تَحَرَّكَتْ، وَمِثْلُ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ:

إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ فَجَمِيعُ جَوَاهِرِهِ بَاقِيَةٌ قَدْ تَفَرَّقَتْ، ثُمَّ عِنْدَ الْإِعَادَةِ يَجْمَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِهَذَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ حُذَّاقِهِمْ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي آخِرِ أَمْرِهِمْ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ 1 وَأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهُمْ فَسَادُ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ، يَذُمُّونَ أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَحْسَنَ أَمْرِهِمُ الشَّكُّ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ وَافَقُوهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا قَالُوهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِتَرْكِيبِ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ 2 الْمَحْسُوسَةِ أَوِ الْجَوَاهِرِ الْمَعْقُولَةِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُهُ الْمَشَّاءُونَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ: كَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ الْمُجَرَّدَةِ، كَالْمَادَّةِ وَالْمُدَّةِ وَالْمُثُلِ الْأَفْلَاطُونِيَّةِ، وَالْأَعْدَادِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا - أَوْ بَعْضَهَا - كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَّائِينَ أَتْبَاعِ فِيثَاغُورْسَ وَأَفْلَاطُونَ 3 وَأَرِسْطُو.
وَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِمَا أَثْبَتُوهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ وُجُودٌ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ 4 ، وَهَذَا الْمُصَنَّفُ لَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ إِلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى، فَلِذَلِكَ لَمْ نَبْسُطِ الْقَوْلَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ آخِرَ مَا يُنْتَهَى إِلَيْهِ أَصْلُ هَؤُلَاءِ - الَّذِي

نَفَوْا بِهِ مَا ثَبَتَ 1 بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ، بَلْ وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي اشْتَرَكَ فِيهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْفِطَرِ الَّتِي لَمْ تَفْسُدْ فِطْرَتُهُمْ بِمَا تَلَقَّنُوهُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ، بَلْ وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ - فَالَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ أَصْلُهُمْ هُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ، أَوْ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامٍ يَقُومُ بِهِ، وَمُرِيدًا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْإِرَادَةِ الْحِسِّيَّةِ، وَكَانَتْ رُؤْيَتُهُ (مُمْكِنَةً) فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ 2 ، لَكَانَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ: الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَهَذَا التَّلَازُمُ بَاطِلٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ فِيمَا نُشَاهِدُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَرُونَ الْكَوَاكِبَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَجْسَامِ، وَهِيَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا التَّلَازُمَ حَقٌّ، فَلَيْسَ فِي حُجَجِهِمْ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ يُوجِبُ انْتِفَاؤُهَا اللَّازِمَ، بَلْ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَطْعَنُ فِي حُجَجِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ وَتُبَيِّنُ فَسَادَهَا، فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ.
وَمُنَازِعُوهُمْ يَطْعَنُونَ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَيُبَيِّنُونَ فَسَادَهُمَا، وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَأَجْزَاؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَمُنَازِعُوهُمْ يُثْبِتُونَ فَسَادَ هَذِهِ الْحُجَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَلِهَذَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْعُقَلَاءِ الْعَارِفِينَ بِحَقِيقَةِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ:

إِنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي يُثْبِتُهُ هَؤُلَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَلِهَذَا لَمَّا بَنَى 1 الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ مَا ادَّعَوْا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يَمْتَنِعُ 2 وُجُودُهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ كَمَا يُقَدَّرُ سَائِرُ الْمُمْتَنِعَاتِ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ لَمَّا أَثْبَتُوا وَاحِدًا لَا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ، كَانُوا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ، إِنَّمَا تَوْحِيدُهُمْ تَعْطِيلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْخَالِقِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَثْبَتُوهُ فَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ، جَمَعُوا بَيْنَ مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ وَمَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتُهُ.
وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ بِالتَّعْطِيلِ، وَأَنَّهُمْ دَلَّاسُونَ وَلَا يُثْبِتُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، مِثْلَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ 3 وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ 4 وَحَمَّادِ

بْنِ زَيْدٍ (1) وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (2) وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ *) (3) وَلَا بُدَّ لِلدَّعْوَى مِنْ دَلِيلٍ.

التعليق على قوله ولا في مكان

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وَلَا 4 فِي مَكَانٍ " 5 . فَقَدْ يُرَادُ بِالْمَكَانِ 6 مَا يَحْوِي الشَّيْءَ وَيُحِيطُ بِهِ 7 ، [وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَقِرُّ الشَّيْءُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ الشَّيْءُ فَوْقَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ] 8 ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا فَوْقَ [الْعَالَمِ] 9 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَوْجُودًا.123

فَإِنْ قِيلَ: هُوَ فِي مَكَانٍ بِمَعْنَى (1) إِحَاطَةِ غَيْرِهِ بِهِ وَافْتِقَارِهِ إِلَى غَيْرِهِ.
فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغَيْرِ وَإِحَاطَةِ الْغَيْرِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَكَانِ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ وَمَا هُوَ الرَّبُّ فَوْقَهُ؛ قِيلَ: [إِذَا لَمْ يَكُنْ] (2) إِلَّا خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ، وَالْخَالِقُ بَائِنٌ مِنَ الْمَخْلُوقِ (3) ، كَانَ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ.
وَإِذَا قَالَ [الْقَائِلُ] (4) : هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ (5) بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهُ ; فَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ سَوَاءً: سَمَّيْتَ ذَلِكَ مَكَانًا أَوْ لَمْ تُسَمِّهِ.
وَإِذَا عُرِفَ الْمَقْصُودُ فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (6) مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ (7) الْمُطَابِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.

[الكلام على قوله وَإِلَّا لَكَانَ مُحْدَثًا]

الرد على دليل الرافضة والمعتزلة

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَإِلَّا لَكَانَ مُحْدَثًا " فَمَضْمُونُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جِسْمًا أَوْ فِي مَكَانٍ لَكَانَ مُحْدَثًا.
[فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ بَيَّنَّا مَا يُنْفَى عَنْهُ مِنْ مَعَانِي الْجِسْمِ وَالْمَكَانِ، وَبَيَّنَّا مَا لَا يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنْهُ، وَإِنْ سَمَّاهُ بَعْضُ النَّاسِ جِسْمًا وَمَكَانًا، لَكِنْ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُحْدَثًا] 8 وَأَنْتَ 9 لَمْ تَذْكُرْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ؟1234567

وَكَأَنَّهُ 1 اكْتَفَى بِالدَّلِيلِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يَذْكُرُهُ [سَلَفُهُ] وَشُيُوخُهُ 2 الْمُعْتَزِلَةُ: مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَمْ يَخْلُ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَمَا لَمْ يَخْلُ 3 عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا.
ثُمَّ يَقُولُونَ: وَلَوْ [كَانَ] قَامَ بِهِ 4 عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَحَيَاةٌ وَكَلَامٌ 5 وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ لَكَانَ جِسْمًا.
وَهَذَا الدَّلِيلُ عَنْهُ 6 جَوَّابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ [لَهُ: هُوَ] عِنْدَكَ 7 حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ بِجِسْمٍ عِنْدَكَ، مَعَ أَنَّكَ لَا تَعْلَمُ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا 8 إِلَّا جِسْمًا فَإِنْ كَانَ قَوْلُكَ 9 حَقًّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ عَالِيًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَا أَعْقِلُ مُبَايِنًا عَالِيًا إِلَّا جِسْمًا؛ قِيلَ لَكَ: وَلَا يُعْقَلُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ إِلَّا جِسْمٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى 10 بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ، أَمْكَنَ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّ الِاسْمَ 11 مُسْتَلْزِمٌ لِلصِّفَةِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَالَمِ لَكَانَ جِسْمًا، وَلَكَانَ إِمَّا أَكْبَرَ مِنَ الْعَالَمِ وَإِمَّا أَصْغَرَ وَإِمَّا مُسَاوِيًا لَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ.
فَإِذَا قَالَ النَّافِي 1 : قَوْلُ هَؤُلَاءِ مَعْلُومٌ فَسَادُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، قِيلَ لَهُ: فَأَنْتَ تَقُولُ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجٍ عَنْهُ، وَلَا مُبَايِنٍ لَهُ وَلَا مُحَايِثٍ 2 لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَبْعُدُ مِنْهُ شَيْءٌ، [وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ] 3 وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ النَّفْيِ الَّذِي إِذَا عَرَضَ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ جَزَمَتْ جَزْمًا قَاطِعًا أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ وَأَنَّ وُجُودَ مِثْلِ هَذَا مُمْتَنِعٌ، وَكَانَ جَزْمُهَا بِبُطْلَانِ هَذَا أَقْوَى مِنْ جَزْمِهَا بِبُطْلَانِ كَوْنِهِ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ.
فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مَقْبُولًا وَجَبَ بُطْلَانُ مَذْهَبِكَ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعَالَمِ، وَإِنْ كَانَ مَرْدُودًا بَطَلَ رَدُّكَ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ، فَإِنَّ الْفِطْرَةَ الْحَاكِمَةَ بِامْتِنَاعِ هَذَا هِيَ الْحَاكِمَةُ بِامْتِنَاعِ هَذَا، فَيَمْتَنِعُ قَبُولُ حُكْمِهَا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.

وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ النُّفَاةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحُكْمَ بِهَذَا الْمَنْعِ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ الْمَرْدُودِ لَا مِنْ حُكْمِ الْعَقْلِ الْمَقْبُولِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْوَهْمَ هُوَ أَنْ يُدْرَكَ فِي الْمَحْسُوسَاتِ 4 مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، كَمَا تُدْرِكُ الشَّاةُ عَدَاوَةَ الذِّئْبِ

وَتُدْرِكُ السَّخْلَةُ 1 صَدَاقَةُ أُمِّهَا، وَيَقُولُونَ: الْحُكْمُ الْفِطْرِيُّ الْمَوْجُودُ فِي قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، بِامْتِنَاعِ وُجُودِ مِثْلِ هَذَا هُوَ حُكْمُ الْوَهْمِ لَا حُكْمَ الْعَقْلِ 2 ، فَإِنَّ حُكْمَ الْوَهْمِ إِنَّمَا يُقْبَلُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ لَا فِيمَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ 3 . فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَقَوْلُكُمْ: إِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ هُوَ أَيْضًا مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ عِنْدَكُمْ، وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُرَى 4 فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِجِهَةٍ مِنَ الرَّائِي هُوَ حُكْمُ الْوَهْمِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَدَّعُونَ امْتِنَاعَهُ عَلَى الرَّبِّ [هُوَ] 5 مِثْلَ دَعْوَى امْتِنَاعِ كَوْنِهِ لَا مُبَايِنًا وَلَا مُحَايِثًا 6 ، فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْفِطْرَةِ بِهَذَا الِامْتِنَاعِ مَقْبُولًا فِي

شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قُبِلَ فِي نَظِيرِهِ، وَإِلَّا فَقَبُولُهُ فِي أَحَدِ الْمُتَمَاثِلِينَ وَرَدُّهُ فِي الْآخَرِ تَحَكُّمٌ.
وَهَؤُلَاءِ بَنَوْا كَلَامَهُمْ عَلَى أُصُولٍ مُتَنَاقِضَةٍ، فَإِنَّ الْوَهْمَ عِنْدَهُمْ قُوَّةٌ فِي النَّفْسِ تُدْرِكُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَهَذَا الْوَهْمُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا مَعْنًى جُزْئِيًّا لَا كُلِّيًّا كَالْحِسِّ وَالتَّخَيُّلِ، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْكُلِّيَّةُ فَهِيَ عَقْلِيَّةٌ، فَحُكْمُ الْفِطْرَةِ بِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودَيْنِ إِمَّا مُتَحَايِثَانِ 1 وَإِمَّا مُتَبَايِنَانِ، وَبِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعْدُومًا، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ مَا هُوَ كَذَلِكَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَحْكَامٌ كُلِّيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، لَيْسَتْ أَحْكَامًا جُزْئِيَّةً شَخْصِيَّةً فِي جِسْمٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهَا مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: [إِنَّ] 2 حُكْمَ الْوَهْمِ فِيمَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُدْرِكُ مَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً، أَيْ: لَا يُمْكِنُ إِحْسَاسُهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ أَوْ تُمْكِنُ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ، [فَسَلَفُ الْأُمَّةِ] 3 وَأَئِمَّتُهَا وَجُمْهُورُ نُظَّارِهَا وَعَامَّتُهَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَرُؤْيَةُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَسَائِرِ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَلَا رُؤْيَةُ الْمَلَائِكَةِ 4 الَّتِي يُسَمِّيهَا هُوَ 5 الْمُجَرَّدَاتِ

وَالنُّفُوسَ وَالْعُقُولَ، فَهُوَ يَدَّعِي وُجُودَ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ بِحَالٍ.
فَإِذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْقَضَايَا الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي تُحْكَمُ بِهَا الْفِطْرَةُ كَمَا تُحْكَمُ بِسَائِرِ الْقَضَايَا الْفِطْرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا حُكْمُ الْوَهْمِ فِيمَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، فَلَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْوَهْمَ إِنَّمَا يُدْرِكُ مَا فِي الْمَحْسُوسِ ; فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إِنَّمَا يَثْبُتُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى وَيُحَسَّ بِهِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ بَاطِلٌ إِذَا ثَبَتَ وُجُودُ مَوْجُودٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى وَيُحَسَّ بِهِ، وَأَنْتَ لَمْ تُثْبِتْ هَذَا الْمَوْجُودَ، إِلَّا بِدَعْوَاكَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ بَاطِلٌ، وَلَمْ تُثْبِتْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ بَاطِلٌ 1 إِلَّا بِدَعْوَاكَ وُجُودَ هَذَا الْمَوْجُودِ، فَصَارَ حَقِيقَةَ قَوْلِكَ دَعْوًى مُجَرَّدَةً بِلَا دَلِيلٍ.
فَإِذَا ثَبَتَ امْتِنَاعُ رُؤْيَتِهِ بِإِبْطَالِ هَذَا الْحُكْمِ، كَانَ هَذَا دَوْرًا مُمْتَنِعًا، وَكُنْتَ قَدْ جَعَلْتَ الشَّيْءَ مُقَدِّمَةً فِي إِثْبَاتِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَكَ: لَمْ تُثْبِتْ إِمْكَانَ وُجُودِ غَيْرِ مَحْسُوسٍ إِنْ لَمْ تُثْبِتْ بُطْلَانَ هَذَا الْحُكْمِ، وَلَا تُثْبِتُ بُطْلَانَهُ إِنْ لَمْ تُثْبِتْ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَلَا الْإِحْسَاسُ بِهِ.
فَإِذَا قُلْتَ: الْوَهْمُ يُسَلِّمُ 2 مُقَدِّمَاتٍ تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ هَذَا، قِيلَ لَكَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ مُقَدِّمَةً مُسْتَلْزَمَةً لِهَذَا أَصْلًا، بَلْ جَمِيعُ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ثُبُوتُ إِمْكَانِ هَذَا، وَإِمْكَانُ وُجُودِ مَا لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ، مُقَدِّمَاتٌ مُتَنَازَعٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، لَيْسَ فِيهَا مُقْدِمَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً أَوْ حِسِّيَّةً يُسَلِّمُهَا الْوَهْمُ.

ثُمَّ يُقَالُ لَكَ: إِذَا جَوَّزْتَ أَنْ يَكُونَ فِي الْفِطْرَةِ حَاكِمَانِ بَدِيهِيَّانِ: أَحَدُهُمَا حُكْمُهُ بَاطِلٌ، وَالْآخَرُ حُكْمُهُ حَقٌّ، لَمْ يُوَثَّقْ بِشَيْءٍ مِنْ حُكْمِ الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْحَقِّ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحُكْمِ الْبَاطِلِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ بَاطِلٌ حَتَّى تُعْرَفَ الْمُقَدِّمَاتُ الْبَدِيهِيَّةُ الْفِطْرِيَّةُ، الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ بَاطِلٌ، فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا 1 أَنْ لَا يُعْرَفَ شَيْءٌ بِحُكْمِ الْفِطْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْحَقُّ حَتَّى يُعْرَفُ الْبَاطِلُ، وَلَا يُعْرَفُ الْبَاطِلُ حَتَّى يُعْرَفَ الْحَقُّ، فَلَا يُعْرَفُ الْحَقُّ بِحَالٍ.
وَأَيْضًا، فَالْأَقْيِسَةُ الْقَادِحَةُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ الْفِطْرِيَّةِ الْبَدِيهِيَّةِ أَقْيِسَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَالنَّظَرِيَّاتُ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ، فَلَوْ جَازَ الْقَدْحُ فِي الْبَدِيهِيَّاتِ بِالنَّظَرِيَّاتِ لَزِمَ فَسَادُ الْبَدِيهِيَّاتِ وَالنَّظَرِيَّاتِ، فَإِنَّ فَسَادَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ فَسَادَ فَرْعِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ سَوَّغَ الْقَدْحَ فِي الْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّةِ الْأَوَّلِيَّةِ [الْفِطْرِيَّةِ بِقَضَايَا] نَظَرِيَّةٍ 2 ، فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ يَسْتَلْزِمُ فَسَادَ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ بَلْ وَالسَّمْعِيَّةِ.
وَأَيْضًا لَفْظُ " الْوَهْمِ " فِي اللُّغَةِ الْعَامَّةِ يُرَادُ بِهِ الْخَطَأُ، وَأَنْتَ أَرَدْتَ بِهِ قُوَّةً تُدْرِكُ مَا فِي الْأَجْسَامِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً، وَحِينَئِذٍ فَالْحَاكِمُ بِهَذَا الِامْتِنَاعِ إِنْ كَانَ حَكَمَ بِهِ فِي غَيْرِ جِسْمٍ فَلَيْسَ هُوَ الْوَهْمَ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَكَمَ بِهِ فِي جِسْمٍ فَحُكْمُهُ صَادِقٌ فِيهِ، فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ هَذَا هُوَ حُكْمُ الْوَهْمِ فِيمَا لَا يُقْبَلُ حُكْمُهُ فِيهِ؟ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا تَحْكُمُ بِهِ 3 الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ مِنَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ الْمَعْلُومَةِ

لَهَا، لَيْسَ فِيهَا مَا يَحْصُلُ 1 بَعْضُهُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ الْبَاطِلِ، وَبَعْضُهُ مِنْ حُكْمِ الْعَقْلِ الصَّادِقِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ الْبَاطِلِ إِذَا عُرِفَ بُطْلَانُهُ، فَأَمَّا أَنْ يَدَّعِيَ بُطْلَانَهُ بِدَعْوَى كَوْنِهِ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ، فَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، [وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ] 2 . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذَا الْمُبْتَدِعَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ نُفَاةِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالرَّافِضَةِ [وَغَيْرِهِمْ] 3 ، لَا يَعْتَمِدُونَ فِيمَا يَقُولُونَهُ عَلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ لَا سَمْعِيٍ وَلَا عَقْلِيٍّ.
أَمَّا السَّمْعِيَّاتُ فَلَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ [لَا قَطْعًا وَلَا ظَاهِرًا] 4 ، وَلَكِنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى نَقِيضِ 5 قَوْلِهِمْ، وَدَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَادِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَلِهَذَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ 6 الدَّهْرِيَّةَ الْمُنْكِرُونَ لِلْقِيَامَةِ وَلِمَعَادِ الْأَبْدَانِ، وَقَالُوا: إِذَا جَازَ لَكُمْ أَنْ تَتَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ فِي الصِّفَاتِ، جَازَ لَنَا أَنْ نَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي الْمَعَادِ، وَقَدْ أَجَابُوهُمْ بِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ.

فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ: وَهَكَذَا الْعِلْمُ بِالصِّفَاتِ 1 فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مِمَّا يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مَجِيِءُ الرَّسُولِ بِهِ، وَذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَعْظَمُ مِنْ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَعَادِ، مَعَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ لَمْ تَكُنْ تُنَازِعُ فِيهِ كَمَا كَانَتْ تُنَازِعُ فِي الْمَعَادِ، مَعَ أَنَّ التَّوْرَاةَ مَمْلُوءَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ الرَّسُولُ عَلَى الْيَهُودِ كَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّفُوهُ وَمَا وَصَفُوا بِهِ الرَّبَّ مِنَ النَّقَائِصِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 181] ، وَ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 64] [وَنَحْوِ ذَلِكَ] 2 ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ 3 أَظْهَرُ فِي السَّمْعِ وَالْعَقْلِ مِنَ الْمَعَادِ، فَإِذَا كَانَتْ نُصُوصُ الْمَعَادِ لَا [يَجُوزُ] 4 تَحْرِيفُهَا فَهَذَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ 5 .

وَالْجَوَابُ الثَّانِي: 6 أَنْ يُقَالَ: هَذَا الدَّلِيلُ قَدْ عُرِفَ ضَعْفُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا الْحَادِثُ لَيْسَ بِدَائِمٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِدَائِمٍ بَاقٍ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَوْعُ الْحَوَادِثِ لَيْسَتْ بِدَائِمَةٍ 7 بَاقِيَةٍ كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا الْحَادِثُ لَيْسَ بِبَاقٍ، [وَهَذَا الْحَادِثُ لَيْسَ بِبَاقٍ] 8 ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَوْعُ الْحَوَادِثِ لَيْسَ بِبَاقٍ.

بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ دَائِمَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْكِتَابِ 1 وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورِهَا 2 ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 35] ، وَالْمُرَادُ دَوَامُ نَوْعِهِ 3 ، لَا دَوَامُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 21] ، وَالْمُقِيمُ هُوَ نَوْعُهُ.
وَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [سُورَةُ ص: 54] ، وَالْمُرَادُ أَنَّ نَوْعَهُ لَا يَنْفَدُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ يَنْفَدُ، أَيْ: يَنْقَضِي وَيَنْصَرِمُ 4 . وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ هُوَ أَصْلُ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلْفُ وَعَابُوهُ ; لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ بَاطِلًا لَا يُقِيمُ حَقًّا وَلَا يَهْدِمُ بَاطِلًا، [وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْحُدُوثِ] 5 . وَتَمَامُ كَشْفِ 6 ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ فِي: الْوَجْهِ الْخَامِسِ 7 : إِنَّ النَّاسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُصَدِّقُوهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَيُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَ فَهَذَا أَصِلُ السَّعَادَةِ وَجِمَاعُهَا.

وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ يُقَرِّرُ هَذَا الْأَصْلَ قَالَ تَعَالَى: ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 1 - 5] ، فَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ بِالْهُدَى وَالْفَلَاحِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَوْصُوفِينَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [سُورَةُ طه: 123 - 126] ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى الَّذِي أَتَانَا مِنْهُ، وَهُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ الذِّكْرُ الَّذِي أَنْزَلَهُ، وَهُوَ كُتُبَهُ الَّتِي بَعَثَ بِهَا رُسُلَهُ 1 ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ . وَالذِّكْرُ مَصْدَرٌ يُضَافُ تَارَةً 2 إِلَى الْفَاعِلِ وَتَارَةً إِلَى الْمَفْعُولِ، كَمَا يُقَالُ: دَقَّ الثَّوْبُ، وَدَقَّ الْقَصَّارُ 3 ، وَيُقَالُ 4 : أَكْلُ زَيْدٍ، وَأَكْلُ الطَّعَامِ،

وَيُقَالُ: ذِكْرُ اللَّهِ أَيْ: ذِكْرُ الْعَبْدِ لِلَّهِ (1) ، وَيُقَالُ: ذِكْرُ اللَّهِ أَيْ: ذِكْرُ اللَّهِ الَّذِي ذِكْرُهُ هُوَ مِثْلُ ذِكْرِهِ عَبْدَهُ (2) ، وَمِثْلُ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ (3) ذِكْرُهُ.
وَقَدْ يُضَافُ الذِّكْرُ إِضَافَةَ الْأَسْمَاءِ الْمَحْضَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرِي﴾ إِنْ أُضِيفَ إِضَافَةَ الْمَصَادِرِ كَانَ (4) الْمَعْنَى: الذِّكْرَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ كَلَامُهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ، وَإِنْ أُضِيفَ إِضَافَةَ الْأَسْمَاءِ الْمَحْضَةِ، فَذِكْرُهُ هُوَ مَا اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الذِّكْرِ، وَالْقُرْآنُ مِمَّا (5) اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الذِّكْرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 50) وَقَالَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 2] ، وَقَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [سُورَةُ يس: 69] ، وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 44] ، وَقَالَ فِيمَا يَذْكُرُهُ مِنْ (6) ضَمَانِ الْهُدَى وَالْفَلَاحِ لِمَنِ اتَّبَعَ الْكِتَابَ وَالرَّسُولَ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 157] ، وَقَالَ: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 1] ، وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.

الإثبات المفصل لصفات الكمال والنفي المجمل لصفات النقص

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِمَا يَقْتَضِي الْكَمَالَ مِنْ123456

إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَالنَّفْيِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ لِلنَّقْصِ وَالتَّمْثِيلِ، فَالرَّبُّ تَعَالَى 1 مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ [الَّتِي لَا غَايَةَ فَوْقَهَا، مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ بِكُلِّ وَجْهٍ مُمْتَنِعٍ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَثِيلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ] 2 ، فَأَمَّا صِفَاتُ النَّقْصِ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهَا مُطْلَقًا وَأَمَّا صِفَاتُ الْكَمَالِ فَلَا يُمَاثِلُهُ - بَلْ وَلَا يُقَارِبُهُ - 3 فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ.
وَالتَّنْزِيهُ يَجْمَعُهُ نَوْعَانِ: نَفْيُ النَّقْصِ، وَنَفْيُ مُمَاثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَغَيْرُهَا [مِنَ الْقُرْآنِ] 4 ، مَعَ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِرْشَادِ الْقُرْآنِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْعَقْلِ، بَلْ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ مَا لَهُ شَبَهٌ 5 فِي الدُّنْيَا، كَأَنْوَاعِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ 6 ، فَحَقَائِقُ تِلْكَ

أَعْظَمُ مِنْ حَقَائِقِ هَذِهِ بِمَا 1 لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ، وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ، وَالنَّعِيمُ [الَّذِي] 2 لَا يُعْرَفُ جِنْسُهُ قَدْ أَجْمَلَهُ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] 3 بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 17] . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[أَنَّهُ] 4 قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ 5 لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعْتُ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» 6 فَإِذَا كَانَ هَذَانِ الْمَخْلُوقَانِ مُتَّفِقَيْنِ فِي الِاسْمِ مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ

تَبَايُنًا لَا يُعْرَفُ فِي الدُّنْيَا قَدْرُهُ 1 ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الرَّبُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مُبَايِنٌ لِصِفَاتِ خَلْقِهِ، أَعْظَمُ مِنْ مُبَايَنَةِ مَخْلُوقٍ لِمَخْلُوقٍ، وَلِهَذَا قَالَ أَعْلَمُ 2 الْخَلْقِ بِاللَّهِ فِي [الْحَدِيثِ] الصَّحِيحِ 3 : " «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» " 4 وَقَالَ فِي الدُّعَاءِ [الْمَأْثُورِ] 5 الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حَبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَا أَصَابَ عَبْدًا هَمٌّ قَطُّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ [ابْنُ عَبْدِكَ] 6 وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ 7 أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ

عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ 1 رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي 2 ، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي ; إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا 3 » . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ " 4 فَبَيَّنَ 5 أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ.
وَأَسْمَاؤُهُ تَتَضَمَّنُ صِفَاتَهُ، لَيْسَتْ أَسْمَاءَ أَعْلَامٍ مَحْضَةً، كَاسْمِهِ: الْعَلِيمُ، وَالْقَدِيرُ، وَالرَّحِيمُ، وَالْكَرِيمُ، وَالْمَجِيدُ، وَالسَّمِيعُ، وَالْبَصِيرُ، وَسَائِرُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَهُوَ سُبْحَانُهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الْمُطْلَقِ ; لِأَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ، يَمْتَنِعُ الْعَدَمُ عَلَيْهِ، وَيَمْتَنِعُ 6 أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، إِذْ لَوِ افْتَقَرَ إِلَى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْغَيْرِ، وَالْحَاجَةُ إِمَّا إِلَى 7 حُصُولِ كَمَالٍ لَهُ، وَإِمَّا إِلَى دَفْعِ مَا يُنْقِصُ كَمَالَهُ، وَمَنِ احْتَاجَ

فِي شَيْءٍ مِنْ كَمَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ كَمَالُهُ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَهُوَ بِدُونِ ذَلِكَ الْكَمَالِ نَاقِصٌ، وَالنَّاقِصُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، بَلْ مُمْكِنًا مُفْتَقِرًا إِلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَاقِصًا مُفْتَقِرًا إِلَى كَمَالٍ مِنْ غَيْرِهِ، لَكَانَ الَّذِي يُعْطِيهِ الْكَمَالَ: إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى وَاجِبٍ آخَرَ، وَالْقَوْلُ فِي هَذَا كَالْقَوْلِ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا نَاقِصًا، فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْأَوَّلِ ; وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا كَامِلًا فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ، وَذَاكَ الَّذِي قُدِّرَ وَاجِبًا نَاقِصًا فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى هَذَا فِي كَمَالِهِ، وَذَاكَ 1 غَنِيٌّ عَنْهُ، فَهَذَا هُوَ رَبُّ ذَاكَ، وَذَاكَ عَبْدُهُ، وَيَمْتَنِعُ مَعَ كَوْنِهِ مَرْبُوبًا مُعَبَّدًا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، فَفَرْضُ كَوْنِهُ وَاجِبًا نَاقِصًا مُحَالٌ.
وَأَيْضًا، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ فِيهِ نَقْصٌ يَفْتَقِرُ فِي زَوَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَإِلَّا لَمَا قَبِلَهُ، وَمُمْكِنَ الْعَدَمِ وَإِلَّا لَكَانَ لَازِمًا لَهُ لَا يَقْبَلُ الزَّوَالَ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مُمْكِنٌ 2 زَوَالُهُ بِحُصُولِ الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ الْوُجُودِ، فَإِنَّ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لَا يَكُونُ كَمَالًا، وَمَا هُوَ مُمْكِنٌ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَاجِبِ أَوْ مِنَ الْوَاجِبِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنَ الْخَالِقِ، فَالْخَالِقُ 3 الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ الْمُمْكِنِ الْوُجُودِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ، فَلَا تَكُونُ ذَاتُهُ مُسْتَلْزِمَةً لِذَلِكَ الْكَمَالِ ; فَيَكُونُ ذَلِكَ الْكَمَالُ - إِذَا وُجِدَ - مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ وَإِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ الْآخَرِ، يَحْصُلُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ

ذَلِكَ الْأَثَرُ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، بَلْ هُوَ شَيْءٌ 1 مُنْفَصِلٌ عَنْهُمَا.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ كَمَالَ الشَّيْءِ هُوَ مِنْ نَفْسِ الشَّيْءِ وَدَاخِلٌ فِيهِ، فَالْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا هُوَ دَاخِلٌ 2 فِي نَفْسِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ لَا يَفْتَقِرُ فِيهِ إِلَى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، فَمَتَى افْتَقَرَ فِيمَا هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ إِلَى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ وَاجِبَةً بِنَفْسِهِ، وَمَا لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي نَفْسِهِ، لَا يَكُونُ مِنْ كَمَالِهِ أَيْضًا، بَلْ يَكُونُ شَيْئًا مُبَايِنًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ شَيْءٌ قُرِنَ بِهِ وَضُمَّ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا، فَنَفْسُ وَاجِبِ الْوُجُودِ هُوَ أَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ، إِذِ الْوَاجِبُ أَكْمَلُ مِنَ الْمُمْكِنِ بِالضَّرُورَةِ، فَكُلُّ كَمَالٍ مُمْكِنٌ لَهُ: إِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ كَمَالُهُ مُسْتَفَادًا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ أَنْ 3 يَحْتَاجَ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَهُ مِنْ قَبُولِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ لَهُ، كَانَ الْمُمْكِنُ أَكْمَلَ مِنَ الْوَاجِبِ، وَمَا لَا يَقْبَلُهُ [لَا] 4 وَاجِبٌ وَلَا مُمْكِنٌ لَيْسَ كَمَالًا ; وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لَهُ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ مُسْتَلْزِمَةً 5 لَهُ، كَانَ غَيْرُهُ مُعْطِيًا لَهُ إِيَّاهُ، وَالْمُعْطِي لِلْكَمَالِ هُوَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُعْطِي أَكْمَلَ مِنْهُ، وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَكْمَلَ مِنْهُ.
وَإِذَا قِيلَ: ذَلِكَ الْغَيْرُ وَاجِبٌ أَيْضًا.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا بِنَفْسِهِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعْطِيًا لِلْآخَرِ الْكَمَالَ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ ; [لِأَنَّهُ] 1 يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ كُلٍّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ مُؤَثِّرًا فِي الْآخَرِ أَثَرًا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ تَأْثِيرِ الْآخَرِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ الْكَمَالَ لِلْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ كَامِلًا، وَلَا يَكُونُ كَامِلًا حَتَّى يُفِيدَهُ الْآخَرُ الْكَمَالَ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يُوجَدَ هَذَا حَتَّى يُوجِدَهُ 2 ذَاكَ، وَلَا يُوجَدُ ذَاكَ حَتَّى يُوجِدَهُ هَذَا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ وَاجِبًا كَامِلًا بِنَفْسِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ 3 ، وَالْآخَرُ وَاجِبٌ نَاقِصٌ يَحْتَاجُ فِي كَمَالِهِ إِلَى ذَلِكَ الْكَامِلِ الْمُكَمِّلِ، كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ مُفْتَقِرًا إِلَى ذَاكَ ; وَمَا افْتَقَرَ جُزْءٌ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ جُمْلَتُهُ وَاجِبَةً بِنَفْسِهَا.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا لَا جُزْءَ لَهُ، أَوْ يَكُونَ أَجْزَاءً.
فَإِنْ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا لَا جُزْءَ لَهُ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَعْضٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: بَعْضُهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْغَيْرِ وَبَعْضُهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْغَيْرِ، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا نَفْسُهُ، وَالْآخَرُ كَمَالُهُ.
وَإِنْ قِيلَ: هُوَ جُزْءَانِ أَوْ أَجْزَاءٌ، كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ مَجْمُوعَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمَجْمُوعُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، (* فَمَتَى كَانَ الْبَعْضُ مُفْتَقِرًا إِلَى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ الْمَجْمُوعِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ *) 4

وَهَذَا الْمَقَامُ بُرْهَانٌ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ النَّاسَ مُتَنَازِعُونَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ: فَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالشِّيعَةِ يُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ - كَالْمُعْتَزِلَةِ (1) وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِ - فَإِنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَقُولُونَ: (2) : إِنَّ إِثْبَاتَهَا تَجْسِيمٌ وَتَشْبِيهٌ وَتَرْكِيبٌ (3)

عمدة الفلاسفة على نفي الصفات هي حجة التركيب

وَعُمْدَةُ ابْنِ سِينَا [وَأَمْثَالِهِ] 4 عَلَى نَفْيِهَا هِيَ 5 حُجَّةُ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ صِفَةٌ لَكَانَ مُرَكَّبًا، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئَيْهِ، وَجُزْءَاهُ 6 غَيْرُهُ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ عَلَى إِبْطَالِ هَذِهِ الْحُجَّةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ أَنَّ لَفْظَ " التَّرْكِيبِ " وَ " الْجُزْءِ " وَ " الِافْتِقَارِ " وَ " الْغَيْرِ " أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ.
فَيُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ مَا رَكَّبَهُ غَيْرُهُ، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، وَمَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتٍ لَازِمَةٍ لَهَا، فَإِذَا سَمَّى الْمُسَمِّي هَذَا تَرْكِيبًا، كَانَ هَذَا اصْطِلَاحًا لَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الْمُرَكَّبِ.
وَالْبَحْثُ إِذَا كَانَ فِي الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ فِيهِ إِلَى اللَّفْظِ.123

فَيُقَالُ: هَبْ أَنَّكُمْ سَمَّيْتُمْ هَذَا تَرْكِيبًا 1 فَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى نَفْيِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ نَاظَرَهُمْ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي " التَّهَافُتِ ".

وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْجُزْءِ " يُرَادُ بِهِ بَعْضُ الشَّيْءِ الَّذِي رُكِّبَ مِنْهُ، كَأَجْزَاءِ الْمُرَكَّبَاتِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْأَبْنِيَةِ 2 ، وَبَعْضُهُ الَّذِي يُمْكِنُ [فَصْلُهُ] 3 عَنْهُ كَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ، وَيُرَادُ بِهِ صِفَتُهُ اللَّازِمَةُ لَهُ كَالْحَيَوَانِيَّةِ لِلْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ وَالنَّاطِقِيَّةِ لِلنَّاطِقِ، وَيُرَادُ بِهِ بَعْضُهُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُ كَجُزْءِ الْجِسْمِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مُفَارَقَتُهُ لَهُ: إِمَّا الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ، وَإِمَّا الْمَادَّةُ وَالصُّورَةُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ [وَيَقُولُ: إِنَّهُ] 4 لَا يُوجَدُ إِلَّا بِوُجُودِ الْجِسْمِ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ.
فَإِنَّ النَّاسَ مُتَنَازِعُونَ فِي الْجِسْمِ: هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا [وَلَا مِنْ هَذَا] 5 ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ كَالْهِشَامِيَّةِ وَالنَّجَّارِيَّةِ وَالضِّرَارِيَّةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ [وَالْأَشْعَرِيَّةِ] 6 وَكَثِيرٍ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ لَفْظَ " الْجُزْءِ " 7 لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ بِحَسَبِ

الِاصْطِلَاحَاتِ.

وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْغَيْرِ يُرَادُ بِهِ مَا بَايَنَ 1 الشَّيْءَ، فَصِفَةُ الْمَوْصُوفِ وَجُزْؤُهُ لَيْسَ غَيْرًا لَهُ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى الْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ، وَالْفُقَهَاءِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الشِّيعَةِ.
وَقَدْ يَقُولُونَ: الْغَيْرَانُ مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ 2 بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ وُجُودٍ، وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ " الْغَيْرِ " 3 مَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْآخَرَ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ.

وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الِافْتِقَارِ " يُرَادُ بِهِ [التَّلَازُمُ] 4 ، وَيُرَادُ بِهِ افْتِقَارُ الْمَعْلُولِ إِلَى عِلَّتِهِ الْفَاعِلَةِ، وَيُرَادُ بِهِ افْتِقَارُهُ إِلَى مَحَلِّهِ وَعِلَّتِهِ الْقَابِلَةِ 5 . وَهَذَا اصْطِلَاحُ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ لَفْظَ الْعِلَّةِ إِلَى: (* فَاعِلِيَّةٍ وَغَائِيَّةٍ وَمَادِّيَّةٍ وَصُورِيَّةٍ، وَيَقُولُونَ: الْمَادَّةُ - وَهِيَ الْقَابِلُ - وَالصُّورَةُ هُمَا عِلَّتَا الْمَاهِيَّةِ *) 6 ، وَالْفَاعِلُ وَالْغَايَةُ هُمَا عِلَّتَا وُجُودِ الْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا سَائِرُ النُّظَّارِ فَلَا يُسَمُّونَ الْمَحَلَّ الَّذِي هُوَ الْقَابِلُ عِلَّةً.

[مناقشة الحجة الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ]

فَهَذِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ، مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ.
فَإِذَا قَالُوا: " لَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل