جامع بيان العلم وفضلهصفحات 531-565
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب جامع في آداب العالم والمتعلم

صفحات 531-565

٨٦٧ - وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي حسين قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في الحائض تنفر فقال زيد: «لا تنفر حتى ⦗٥٣٢⦘ يكون آخر عهدها بالبيت الطواف»، وقال ابن عباس " إذا طافت طواف الإفاضة فلها أن تنفر ولا تودع البيت فرد عليه زيد قوله، فقال ابن عباس لزيد: سل نساءك أم سليم وصواحباتها، فذهب زيد فسألهن ثم جاء وهو يضحك فقال: القول ما قلت "

٨٦٨ - وذكر ابن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن مالك قال: قال ابن هرمز، «ما طلبنا هذا الأمر حق طلبه»

٨٦٩ - قال مالك: " وأدركت رجالا يقولون: «ما طلبناه إلا لأنفسنا وما طلبناه لنتحمل أمور الناس»

٨٧٠ - حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن الفضل، نا محمد بن جرير، نا الحارث بن أبي أسامة، نا محمد بن سعد، نا محمد بن عمر قال: سمعت مالك بن أنس يقول: " لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحدثته وسألني فأجبته، فقال: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها - يعني الموطأ - فينسخ نسخا ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدون إلى غيره، ويدعون ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث؛ فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم قال: فقلت: " يا أمير المؤمنين، لا تفعل فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ⦗٥٣٣⦘ وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم "

٨٧١ - وذكر الحسين بن سعيد في كتابه (المغرب عن المغرب)، ثنا عبد الله بن سعيد بن محمد الحداد، عن أبيه قال: سمعت سحنون يقول: قال عبد الرحمن بن القاسم، لمالك: ما أعلم أحدا أعلم بالبيوع من أهل مصر فقال له مالك: «وبم ذلك؟» قال: بك، فقال: «أنا لا أعرف البيوع فكيف يعرفونها بي؟»

٨٧٢ - وقال خالد بن يزيد بن معاوية: «عنيت بجمع الكتب فما أنا من العلماء ولا من الجهال»

٨٧٣ - وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك:

[البحر المتقارب]

إذا ما تحدثت في مجلسي ... تناهى حديثي إلى ما علمت

ولم أعد علمي إلى غيره ... وكان إذا ما تناهى سكت ⦗٥٣٤⦘

٨٧٤ - وروينا عن الشعبي، أنه قال: «ما رأيت مثلي، ما أشاء أن أرى أعلم مني إلا وحدثته»

٨٧٥ - وقال غيره: علمنا أشياء وجهلنا أشياء، فلا نبطل ما علمنا بما جهلنا،

٨٧٦ - وقال حماد بن زيد: " سئل أيوب عن شيء، فقال: لم يبلغني فيه شيء، فقيل له: فقل فيه برأيك فقال: لا يبلغه رأيي"

٨٧٧ - أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، نا إبراهيم بن بكر، نا محمد بن الحسين الأزدي الحافظ الموصلي، نا عبيد الله بن جرير قال: سمعت علي بن المديني يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي، ذاكرت عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث وهو يومئذ قاض فخالفني فيه فدخلت عليه وعنده الناس بسماطين فقال لي: «ذلك الحديث كما قلت أنت، وأرجع أنا صاغرا» ⦗٥٣٥⦘

٨٧٨ - وقال الخليل بن أحمد: «أيامي أربعة، يوم أخرج فألقى فيه من هو أعلم مني فأتعلم منه فذاك يوم فائدتي وغنيمتي، ويوم أخرج فألقى فيه من أنا أعلم منه فأعلمه فذاك يوم أجري، ويوم أخرج فألقى فيه من هو مثلي فأذاكره فذاك يوم درسي، ويوم أخرج فيه فألقى من هو دوني وهو يرى أنه فوقي فلا أكلمه وأجعله يوم راحتي»

٨٧٩ - وكان يقال «إذا علمت عاقلا علما حمدك، وإن علمت الجاهل ذمك ومقتك وما يعلم مستح ولا متكبر قط» ⦗٥٣٦⦘

٨٨٠ - وروي أن بزرجمهر أخذت امرأة بلجامه وهو خارج من عند كسرى فقالت: أخبرني عما يحيط الناس فيه من معايشهم على قدر كيسهم أم بتقدير من خالقهم لهم، فقال لها: هذه مسألة قد اختلف فيها من مضى من سلفنا، قالت له: فأنت على كثرة ما تأخذ من بيت المال تعيا عن الجواب في هذه المسألة، فقال لها: أنا آخذ من بيت المال على قدر ما أحسن ولو أخذت على قدر ما لا أحسن أنفذته سريعا، فقالت له المرأة: أما إنك إذا عييت عن جواب هذه المسألة أحسنت الحيلة في تعاهد الرزق عليك،

٨٨١ - وقال غيره من الحكماء: «لم أطلب العلم لأبلغ أقصاه ولكن لأعلم ما لا يسعني جهله»

٨٨٢ - وقال الشاعر:

[البحر الطويل]

إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أم تناهى فأقصر

ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كذا الفعل عما غيب المرء يخبر

٨٨٣ - وأخبرني غير واحد عن أبي محمد قاسم بن أصبغ قال: " لما رحلت إلى المشرق ونزلت القيروان فأخذت عن بكر بن حماد حديث مسدد ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قدم عليه قوم من مضر مجتابي النمار، فقال: إنما هو مجتابي الثمار، فقلت له: إنما هو مجتابي النمار هكذا قرأت على كل من قرأته عليه بالأندلس وبالعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا، ثم قال: قم بنا إلى ذلك الشيخ لشيخ كان في المسجد، فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه وسألناه عن ذلك، فقال: إنما هو مجتابي النمار كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم، والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه: «رغم أنفي للحق رغم أنفي للحق، وانصرف»

فصل

٨٨٤ - حدثنا خلف بن قاسم، وعبد الله بن محمد بن أسد قالا: نا محمد بن عبد الله بن أشته المقرئ نا المعدل، نا محمود بن محمد، نا أبو الشعثاء قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث بن أبي سليم قال: قال لي طاوس، «ما تعلمت فتعلمه لنفسك فإن الأمانة والحياء قد ذهبا من الناس»،

٨٨٥ - وقال مالك بن دينار: «من طلب العلم لنفسه فقليل العلم يكفيه ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة»

٨٨٦ - وقالت امرأة للشعبي: أيها العالم، أفتني فقال: «إنما العالم من خاف الله عز وجل»

٨٨٧ - وروى الزبير بن بكار، عن الحارث بن مسكين، عن عبد الله بن وهب قال: سمعت مالكا يقول: «المراء يقسي القلب ويورث الضغن»

فصل

٨٨٨ - حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، نا علي بن محمد، نا أحمد بن داود، نا سحنون، حدثنا ابن وهب قال: أنا يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن مسعود، قال: «ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»

٨٨٩ - قال ابن وهب، وحدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: «ما حدثت أحدا بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالا عليه»

٨٩٠ - وذكر ابن أبي الأسود، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: «لا تحدث بحديث من لا يعرفه، فإن من لا يعرفه يضره ولا ينفعه»

٨٩١ - وقال ابن عباس رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله»

٨٩٢ - حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، نا أحمد بن سعيد، نا إسحاق بن إبراهيم، نا محمد بن علي بن مروان، نا إبراهيم بن بشار، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: «ما حدثت قوما، حديثا لا يعرفونه إلا كان فتنة على بعضهم»

فصل

٨٩٣ - حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، نا علي بن محمد، نا أحمد بن داود، نا سحنون، نا ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن عمران بن مسلم، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم»

٨٩٤ - حدثنا خلف بن أحمد، نا أحمد بن سعيد، نا إسحاق بن إبراهيم، نا محمد بن علي بن مروان قال: سمعت أبا مسلم يقول: كان سفيان، على المروة فنظر إلى أصحاب الحديث يعدون حين رأوه كأنهم مجانين فقال: «مثلهم مثل أصحاب الحمام لهم لذة في شيء لو أرادوا الله به لقاربوا الخطا»

٨٩٥ - وكان يقال: " أربعة لا يأنف منهن الشريف: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه، وإن كان له عبيد وخدمته العالم ليأخذ من علمه " ⦗٥٤٣⦘

٨٩٦ - ويقال: «ارحموا عالما يجري عليه حكم جاهل»

٨٩٧ - ويروى أن بعض الأكاسرة كان إذا سخط على عالم سجنه مع جاهل في بيت واحد "

٨٩٨ - ومن حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاث لا يستخف بحقهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام، والإمام المقسط، ومعلم الخير»

٨٩٩ - وقال ابن وهب، سمعت مالكا يقول: ⦗٥٤٤⦘ «إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية وأن يكون متبعا لآثار من مضى قبله»

٩٠٠ - وروى زيد بن الحباب قال: حدثني الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي قال: حدثني مالك بن دينار قال: قال أبو الدرداء، «من يزدد علما يزدد وجعا»

٩٠١ - وقال سفيان الثوري رحمه الله: «لو لم أعلم كان أقل لحزني»

٩٠٢ - وقال إسماعيل بن منصور الفقيه رحمه الله:

[البحر الكامل]

عيش الفقيه بعلمه متنغص ... وكذا الطبيب وعابر الرؤيا

أما الفقيه فخشية من ربه ... والآخران فخشية الدنيا

وكذا المنجم عيشه من عيشهم ... فيما يقول ذوو النهى أشقى

الشك أول حاصل في كفه ... والبعد من زهد ومن تقوى

يخشى ويرجو أنجما ومديرها ... أحرى بأن يخشى وأن يرجى

٩٠٣ - أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، نا علي بن محمد، نا أحمد بن أبي سليمان، نا سحنون، نا ابن وهب ثنا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء قال: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، ثلاث من فعلهن لم يسكن الدرجات العلى لا أقول الجنة، من تكهن أو استسقم أو رجع من سفره لطيرة» ومن قول أبي الدرداء: «إنما العلم بالتعلم»

٩٠٤ - أخذ - والله أعلم - سابق قوله فقال:

[البحر الرجز]

قد قيل في الزمان الأقدم ... إني رأيت العلم بالتعلم

٩٠٥ - وقال الحسن: «العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بالعلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا»

٩٠٦ - وروى صالح بن مسمار، والأشعث بن عبد الملك، عن الحسن قال: «إن من أخلاق المؤمن قوة في الدين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا ⦗٥٤٦⦘ على علم وشفقة في تفقه وقصدا في عبادة ورحمة للمجهود وإعطاء للسائل لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب، في الزلازل وقور وفي الرخاء شكور قانع بالذي له، ينطق ليفهم، ويسكت ليسلم، ويقر بالحق قبل أن يشهد عليه»

٩٠٧ - وعن أبي حمزة الثمالي قال: دخلت على علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فقال: «يا أبا حمزة ألا أقول لك صفة المؤمن والمنافق؟» قلت: بلى جعلني الله فداك، فقال: «إن المؤمن من خلط علمه بحلمه، يسأل ليعلم، ويصمت ليسلم، لا يحدث بالسر والأمانة الأصدقاء، ولا يكتم الشهادة البعداء، ولا يحيف على الأعداء، ولا يعمل شيئا من الحق رياء، ولا يدعه حياء، فإن ذكر بخير خاف ما يقولون، واستغفر لما لا يعلمون، وإن المنافق ينهى لا ينتهي، ويؤمر ولا يأتمر، إذا قام إلى الصلاة اعترض، وإذا ركع ربض وإذا سجد نقر يمسي وهمته العشاء، ولم يصم، ويصح وهمته النوم ولم يسهر»

فصل في فضل الصمت وحمده

٩٠٨ - ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من صمت نجا» ⦗٥٤٨⦘

ورد أيضاً في: الصمت وآداب اللسان

٩٠٩ - وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» وقد ذكرنا هذا المعنى مجردا في التمهيد

٩١٠ - حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن إسماعيل، نا نعيم بن حماد، نا ابن المبارك قال: حدثنا رجل، من أهل الشام، عن يزيد بن أبي حبيب قال: " إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، قال: وفي الاستماع سلامة وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم وفي الكلام توهق وتزين وزيادة ونقصان، قال: ومن العلماء من يرى أنه أحق بالكلام من غيره، ومنهم من يزدري المساكين ولا يراهم لذلك موضعا، ومنهم من يخزن علمه ويرى أن تعليمه ضعة، ومنهم من يحب ألا يوجد العلم إلا عنده، ومنهم من يأخذ في علمه مأخذ السلطان حتى يغضب أن يرد عليه من قوله شيء أو يغفل عن شيء من حقه، ومنهم من ينصب نفسه للفتيا فلعله يؤتى بأمر لا علم له به فيستحي أن يقول: لا علم لي فيرجم فيكتب من المتكلفين، ومنهم من يروي كل ما سمع حتى يروي ⦗٥٤٩⦘ كلام اليهود، والنصارى إرادة أن يعزر كلامه " قال أبو عمر:

٩١١ - روي مثل قول يزيد بن أبي حبيب هذا كله من أوله إلى آخره عن معاذ بن جبل من وجوه منقطعة يذم فيها كل من كان في هذه الطبقات من العلماء ويوعدهم على ذلك بالنار، والله أعلم

٩١٢ - وحدثنا أحمد بن قاسم، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن إسماعيل، نا نعيم بن حماد، نا ابن المبارك، نا حيوة بن شريح قال: سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: «إن المتكلم لينتظر الفتنة وإن المنصت لينتظر الرحمة»

٩١٣ - وقالوا: فضل العقل على المنطق حكمة.
وفضل المنطق على العقل هجنة.
⦗٥٥٠⦘

٩١٤ - وقالوا: لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق "

٩١٥ - حدثنا عبد الوارث، نا قاسم، نا أحمد بن زهير، نا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال: سمعت أبا الذيال يقول: " تعلم الصمت كما تتعلم الكلام فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان: تأخذ به علم من هو أعلم منك وتدفع به عنك من هو أجدل منك، قال الحوطي، كان أبو الذيال يتكلم بالحكمة ولم أسمع منه غير هذا في الصمت"

٩١٦ - وكان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:

[البحر الطويل]

يرى مستكينا وهو للهو ماقت ... به عن حديث القوم ما هو شاغله

وأزعجه علم عن اللهو كله ... وما عالم شيئا كمن هو جاهله

عبوس عن الجهال حتى يراهم ... فليس له منهم خدين يهازله

يذكر ما يبقى من العيش آجلا ... فيشغله عن عاجل العيش آجله

قال أبو عمر: " قد أكثر الناس من النظم في فضل الصمت، ومن أحسن ما قيل في ذلك ما ينسب إلى

٩١٧ - عبد الله بن طاهر وهو قوله:

[البحر الكامل]

أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون

⦗٥٥١⦘ واحفظ لسانك واحتفظ من عيه ... حتى يكون كأنه مسجون

وكل فؤادك باللسان وقل له: ... إن الكلام عليكما موزون

فزناه وليك محكما في قلة ... إن البلاغة في القليل تكون

وقد قيل: إن هذا الشعر لصالح بن جناح، والله أعلم وهو أشبه بمذهب صالح وطبعه.

٩١٨ - ومن أحسن ما قيل في ذلك أيضا قول نصر بن أحمد الخبزأرزي:

[البحر الطويل]

لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكل امرئ ما بين فكيه مقتل

إذا ما لسان المرء أكثر هذره ... فذاك لسان بالبلاء موكل

وكم فاتح أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فمه مقفل

ومن أمن الآفات عجبا برأيه ... أحاطت به الآفات من حيث يجهل

أعلمكم ما علمتني تجاربي ... وقد قال قبلي قائل متمثل

إذا قلت قولا كنت رهن جوابه ... فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل

إذا شئت أن تحيا سعيدا مسلما ... فدبر وميز ما تقول وتفعل

قال أبو عمر: الكلام بالخير أفضل من السكوت؛ لأن أرفع ما في السكوت السلامة، والكلام بالخير غنيمة، وقد قالوا: من تكلم بالخير غنم ومن سكت سلم، والكلام في العلم أفضل من الأعمال، وهو يجري عندهم مجرى الذكر والتلاوة إذا أريد به نفي الجهل ووجه الله تعالى والوقوف على حقيقة المعاني

٩١٩ - أخبرنا عبد الوارث، نا قاسم، نا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، نا قتادة قال: " مكتوب في الحكمة: طوبى لعالم ناطق أو لباغ مستمع "

٩٢٠ - حدثنا عبد الوارث، نا قاسم، نا أحمد بن زهير، نا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال: سمعت أبا الذيال يقول: «تعلم الصمت»

٩٢١ - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: «الصمت حكم وقليل فاعله» ⦗٥٥٣⦘

٩٢٢ - قال أبو العتاهية:

[البحر الطويل]

وفي الصمت المبلغ عنك حكم ... كما أن الكلام يكون حكما

إذا لم تحترس من كل طيش ... أسأت إجابة وأسأت فهما

أشد الناس للعلم ادعاء ... أقلهم لما هو فيه علما

أرى الإنسان منقوصا ضعيفا ... وما آلو لعلم الغيب رجما

٩٢٣ - ولأبي العتاهية أيضا:

[البحر الرجز]

من لزم الصمت نجا ... من قال بالخير غنم

من صدق الله علا ... من طلب العلم علم

من ظلم الناس أسا ... من رحم الناس رحم

من طلب الفضل إلى ... غير ذي الفضل جرم

من حفظ العهد وفى ... من أحسن السمع فهم

فصل في رفع الصوت في المسجد وغير ذلك من آداب العلم

٩٢٤ - حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، نا ابن جامع، نا المقدام بن داود، نا عبد الله بن عبد الحكم، عن أشهب قال: سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره قال: «لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره، لقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك على من يكون في مجلسه، ومن كان يكون في ذلك مسجده كان يتعذر منه، وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرا» قال أبو عمر: «أجاز ذلك قوم منهم أبو حنيفة»

٩٢٥ - حدثنا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير، نا إبراهيم بن بشار، نا سفيان بن عيينة قال: " مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد وقد ارتفعت أصواتهم فقلت: يا أبا حنيفة، هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه؟ فقال: «دعهم؛ فإنهم لا يفقهون إلا بهذا»

٩٢٦ - وقيل لأبي حنيفة رحمه الله: " في مسجد كذا حلقة يتناظرون في الفقه فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا قال: لا يفقهون أبدا " قال أبو عمر: " احتج من أجاز رفع الصوت في المناظرة بالعلم وقال: لا بأس بذلك؛ بحديث

٩٢٧ - عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا، ذكره البخاري وغيره، ⦗٥٥٦⦘ وواجب على العالم إذا لم يفهم عنه أن يكرر كلامه، وقد كان بعضهم يستحب أن لا يكرره أكثر من ثلاث؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أنه ٩٢٨ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا»، ⦗٥٥٧⦘

٩٢٩ - وذلك عندهم كان ليفهم عنه كل من جالسه من قريب وبعيد، وهكذا يجب أن يكرر المحدث حديثه حتى يفهم عنه، وأما إذا فهم عنه فلا وجه للتكرير "

٩٣٠ - وذكر سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: " سمعت قتادة يقول: ما قلت لأحد قط: أعد علي، وتكرير الحديث في المجلس يذهب بنوره " وقد كان ابن شهاب يقول:

٩٣١ - «تكرير الحديث أشد علي من نقل الحجارة»

٩٣٢ - حدثنا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير، نا أبو مسلم، أنا سفيان قال: قال الزهري، ⦗٥٥٨⦘ «تكرير الحديث أشد علي من نقل الصخر»

٩٣٣ - وحدثنا أحمد، حدثنا إسحاق، حدثنا محمد بن علي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: سمعت الزهري يقول: «نقل الصخر أيسر من تكرير الحديث»

٩٣٤ - قال معمر: قال قتادة، «إذا أعدت الحديث في مجلس ذهب نوره»

٩٣٥ - وقالت جارية ابن السماك لواعظ له: " ما أحسن حديثك إلا أنك تكرره فقال: أكرره ليفهمه كل من سمعه فقالت: إلى أن يفهمه كل من سمعه يمله كل من فهمه " ولا بأس أن يسأل العالم قائما وماشيا في الأمر الخفيف؛ لحديث

٩٣٦ - ابن مسعود رضي الله عنه قال: " بينما أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه مر بنفر من يهود خيبر، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ "، وذكر الحديث أخرجه البخاري عن بشر بن حفص، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله

فصل

٩٣٧ - وذكر الغلابي، عن ابن عائشة، عن أبيه قال: قال العباس لابنه عبد الله: " يا بني، لا تعلم العلم لثلاث خصال: لا ترائي به ولا تمار به ولا تباه به، ولا تدعه لثلاث خصال: رغبة في الجهل وزهادة في العلم واستحياء من التعلم" ⦗٥٦٠⦘

٩٣٨ - وقد روي هذا المعنى، أو نحوه، عن لقمان الحكيم أنه خاطب به ابنه،

٩٣٩ - أنشدت لبعض المحدثين:

[البحر السريع]

كن موسرا إن شئت أو معسرا ... لا بد في الدنيا من الهم

وكلما ازددت بها ثروة ... زاد الذي زادك في الغم

إني رأيت الناس في دهرهم ... لا يطلبون العلم للفهم

إلا مباهاة لأصحابهم ... وعدة للخصم والظلم

٩٤٠ - وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «تعلموا العلم فإذا تعلمتموه فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك ولا بلعب فتمجه القلوب؛ فإن العالم إذا ضحك ضحكة مج من العلم مجة» ⦗٥٦١⦘

٩٤١ - وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «تعلموا العلم وتزينوا معه بالوقار والحلم وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه، ولا تكونوا جبابرة العلماء فيذهب باطلكم حقكم»

٩٤٢ - وروينا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنه يقول مثل قول علي هذا سواء إلا أن في آخر لفظه: «ولا تكونوا من جبابرة العلماء؛ فلا يقوم علمكم بجهلكم»

٩٤٣ - قال أبو عمر: «قد روي هذا المعنى بنحو هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ٩٤٤ - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا وقد تقدم ذلك كله في هذا الكتاب»

فصل في مدح التواضع وذم العجب وطلب الرئاسة ومن أفضل آداب العالم تواضعه وترك الإعجاب لعلمه ونبذ حب الرئاسة عنه.

٩٤٥ - وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله»

٩٤٦ - وحدثنا أحمد بن فتح، نا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري، نا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، نا عاصم بن علي، ثنا إسماعيل بن ⦗٥٦٣⦘ جعفر، ثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»

٩٤٧ - وقالوا: المتواضع من طلاب العلم أكثر علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء.

٩٤٨ - وروينا من وجوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان يقول: " إن العبد إذا تواضع لله رفعه الله تعالى بحكمه وقيل له: انتعش، نعشك الله فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير " ⦗٥٦٥⦘

٩٤٩ - وكان يقال: «إذا كان علم الرجل أكثر من عقله كان قمنا أن بصره»

٩٥٠ - حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن الفضل، نا محمد بن جرير، نا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد الكندي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغ بعضكم على بعض»

فصول الكتاب · 38 فصل · 785 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول جامع بيان العلم وفضله · 785 صفحة
المقدمةباب قوله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» قال أبو عمر: هذا حديث يروى عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، كلها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسنادباب قوله ﷺ: «ينقطع عمل ابن آدم بعده إلا من ثلاث»باب قوله صلى الله عليه: «الدال على الخير كفاعله»باب قوله ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين»باب قوله ﷺ: «الناس معادن»باب قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»باب تفضيل العلم على العبادةباب قوله ﷺ: «العالم والمتعلم شريكان»باب ذكر حديث صفوان بن عسال في فضل العلمباب ذكر حديث أبي الدرداء في ذلك وما كان في مثل معناهباب دعاء رسول الله ﷺ لمستمع العلم وحافظه ومبلغهباب قوله ﷺ: «من حفظ على أمتي أربعين حديثا»
باب جامع في فضل العلم
باب ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف
باب ذكر الرخصة في كتاب العلم
باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه
باب فضل التعلم في الصغر والحض عليه
باب ذكر الرحلة في طلب العلم قد تقدم في كتابنا من حديث صفوان بن عسال وحديث أبي الدرداء مما يدخل في هذا الباب ما يغني عن إعادته ها هناباب الحض على استدامة الطلب والصبر فيه على اللأواء والنصبباب جامع في الحال التي يسأل بها العلمباب كيفية الرتبة في أخذ العلمباب ذكر ما روي عن لقمان الحكيم من وصية ابنه وحضه إياه على مجالسة العلماء والحرص على العلمباب آفة العلم وغائلته وإضاعته وكراهية وضعه عند من ليس بأهلهباب هيبة المتعلم للعالمباب في ابتداء العالم جلساءه بالفائدة وقوله: سلوني وحرصهم على أن يؤخذ ما عندهمباب منازل العلماءباب طرح العالم المسألة على المتعلمباب فتوى الصغير بين يدي الكبير بإذنه
باب جامع في آداب العالم والمتعلم
باب ما روي في قبض العلم وذهاب العلماءباب حال العلم إذ كان عند الفساق والأرذالباب ذم العالم على مداخلة السلطان الظالمباب ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنياباب ما جاء في مساءلة الله عز وجل العلماء يوم القيامة عما عملوا فيما علموا
باب جامع القول في العمل بالعلم
باب الخبر عن العلم أنه يقود إلى الله تعالى على كل حال
باب معرفة أصول العلم وحقيقته وما الذي يقع عليه اسم الفقه والعلم مطلقا
جارٍ التحميل