باب ذكر سؤر السباع وما فيها من الكراهة والرخصة سواء الكلب والهر
# ٢٢١ - أخبرنا أبو عبيد ثنا حسان بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أصابت عمر جنابة، وهو على راحلته، ومعه عمرو بن العاص، ⦗٢٨٤⦘ فأسرعوا حتى أتوا الماء، فقال عمرو: يا صاحب الحوض، أيرد حوضك السباع؟ فقال عمر: «يا صاحب الحوض، لا حاجة لنا بخبرك، فإن السباع ترد علينا، ونرد عليها» قال: فنزل، فأسرع إليه، فتوضأ واغتسل منه
# ٢٢٢ - أخبرنا أبو عبيد ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عكرمة، قال: أتى عمر على حوض من الحياض، فأراد أن يتوضأ أو يشرب، فقال أهل الحوض: قد تلغ فيه الكلاب والسباع ⦗٢٨٥⦘ فقال عمر: «إنما لها ما ولغت في بطونها، ونشرب ونتوضأ»
# ٢٢٣ - أخبرنا أبو عبيد ثنا إسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة، عن عمر، مثل ذلك
# ٢٢٤ - أخبرنا أبو عبيد ثنا ابن أبي عدي، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة: أرأيت السورة من الحوض، تصدر عنها الإبل، وتردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، ويشرب منها الحمار، فهل أتطهر منه؟، قال: «لا يحرم الماء شيء»
# ٢٢٥ - أخبرنا أبو عبيد ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ومعاذ، عن ابن عون، قال: ⦗٢٨٦⦘ قلت للقاسم بن محمد: ينتهي أحدنا إلى الغدير، وقد ولغ فيه الكلب، ويشرب منه الحمار أنشرب منه ونتوضأ؟ فقال: «أينتظر أحدنا إذا انتهى إلى الغدير، حتى يسأل عن أي كلب ولغ فيه، وأي حمار شرب منه؟» قال أبو عبيد: وقد اختلف الناس في هذا الباب، فكان مالك بن أنس ومن وافقه من أهل الحجاز، لا يرون بسؤرها بأسا.
وأما سفيان وأهل العراق من أصحاب الرأي، فإنهم يكرهون ذلك، ولكل واحد من الفريقين حجة: فمذهب الكارهين، فيما أحسب، ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النهي عن أكل لحومها، فرأوا أنها أنجاس لذلك.
⦗٢٨٧⦘ ومع هذا أيضا: إنهم لما رأوه قد غلظ سؤر الكلب، الذي ينتفع به للصيد والماشية، حتى أوجب فيه سبعا، كان سائر السباع بالنجاسة عندهم أحرى قال أبو عبيد: وأحسب حجة المترخصين فيه: تأويل القرآن: قوله عز وجل: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا﴾ وقد روي عن عائشة رضي الله عنها، وابن عباس أنهما كانا يحتجان بها إذا سئلا عن لحومها.
وأحسبهم، مع هذا، لما علموا أن رخصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سؤر الهرة، واضعا الإناء لها، كان سائر السباع عندهم في السعة مثلها.
فهذان وجهان متضادان، وإن الذي عندنا في أسآر السباع، أني لا أرى أن أجعلها قياسا على واحد من المذهبين، لأنهما شيئان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مختلفان في الكلب والهر، فمن مال إلى إحديهما كان هاجرا للأخرى، وليست واحدة منهم أحق بالاتباع من صاحبتها، ولكن الذي أختار في أسآرهما، لم يأتنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها تحليل ولا تحريم، أن يكون سبيلها سبيل ما يختلف فيه، أن نجتنب التطهر بها، على وجه الثقة: الأخذ بالحيطة، ما وجد صاحبها منها بدا، وعنها غنى، فإن اضطر إليها، ولم يجد غيرها، كان طهوره به عنه جازيا، وكانت الصلاة تامة، لا أعلم في السباع وجها أدنى إلى القصد والسلامة منه، وليس يدخل الكلب والهر في ⦗٢٨٨⦘ شيء منها، لأن ذينك قد خصتهما السنة بشيء، وفرقت بينهما، فنحن عليها فيهما.
ويكون في الوجه الثالث الذي وصفناه من هذه السباع على ما اقتصصنا، وتستوي عندنا في ذلك وحشيها وقنيها، فالوحشية منها: الأسد والنمار والذئاب والثعالب، والقنية: الفهود التي تتخذ للصيد، وكذلك سائر الطير، مثل الصقور والبزاة والعقبان