ـ[ـليـ]ـ
ه أوجبت ذلك.
ولا يجوز فيمن لا يلي عليه منهم، لأنه فيه متعد مضار، [ولا يحكم] [في ذلك] بحد، فيدرأ بشبهة قامت، ولا نفقة وجبت، فيعذر بها.
وقولك: [إذا كان المال] للأب، فلم جعلتموه للابن؟ وإن كان للابن فلم جاز فعل الأب فيه؟
وأنت في هذا غائب عن المعنى، وذلك أن الملك – كما عرفناك – للولد، وإنما أخذه أبوه لمنافعه بمعنى المعاوضة لا على الفساد فألزمناه العوض [لما بيده] وأجزنا فعله عليه فيما عاوضه فيه، لأنه ممن لا تدركه ظنة في خاصة ولايته عليه، فهو يبتاع لنفسه من مال ولده، كما يبيع له من غيره.
فإن قلت: أرأيت إن كان الأب غريمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 553
قيل لك: إن كان العدم حدث به، فهذه [] لا حجة لك بها، وإن كان [] واجبة مع ما فيه من الاختـ[ـلاف] [] [كان] مالك يذهب إلى أن على الابن – مع النفقة على والده – أن يزوجه وينفـ[ـق] على زوجته، ويتأول أن الزوجة من قوام أمره.
ففي هذا التأويل لا ر [جوع] للولد فيما يزوج به الأب إذا كان نكاح مثله من غير سرف.
والقو [ل] الآخر: أنه ليس عليه ان يزوجه.
فمخرج هذا القول أن له أن يبتا [ع] من ماله بغير نقد، ويجعل ذلك له في ذمته، كما له أن يبيـ[ـع] له من الأجنبيين بغير نقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 554
ولا يكون أسوأ حالا من الأجنبي، مع قوة أمره في ولده في غير شيء فلذلك لم يساو به الأجنبي في هذا.
وقد روى عن مالك أنه إن تزوج به وهو عديم يومئذ، فللابن أخذه من الزوجة ما لم يدخل الأب [بها]، فلا يكون له ذلك، لأنه ها هنا قبض العوض فيه، فكأنه باع عبد ابنه بعوض أفاته وأتلفه بعد أن قبضه، فهو المتبع بذلك، دون المبتاع، هذا مخرج هذا القول، والله أعلم.
وقد قال بعض أصحاب مالك وهو ا [بن] الماجشون: إذا كان الأب يوم تزوج به عديما، فالولد إذا بلـ[ــلغ يرجع] به دخل بها أو لم يدخل.
فهذا ما في ذلك من اختلاف القول عن مالك وأصحا [به]، فيما علمنا، لما يتصرف به التاويل، من أمور الأب، وخصائصه التي ذكرنـ[ـا].
وأنت غير خبير بأقاويل مالك وأصحابه، وعلى ما بنوا [عليه]، أصولهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 555
وقولك: إن أعتق عبدا لولده الصغير عن نفسه لم جاز ذلك، ولزمـ[ـته] قيمته، وإن كان كبيرا لم يلزمه؟
فهذا أيضا من باب البيع عليه من نفسه، لأن عتقه إياه عن نفسه إدخال له في ملك الأب ليملك ولاءه، وهـ[ـو] جائز أن ينقل من ملك ولده، إلى ملكه بعوض، لا خلاف في معاوضته ابـ[ـنه] [على ما] نقل إلى ملكه من هذا العبد بالعتق، الذي [عتق، فصار] إليه ولاؤه، ولزمته قيمته، لجواز بيعه وشرائه عليه وله.
ولما لم يجز له ذلك [في ابنه الكبير] من بيعه عليه وشرائه لا لنفسه ولا لغيره، فكذلك عتقه لعبده لم نر ذلك له، فافترق الصغير من الكبير لهذه الوجوه.
وأما قولك: ما الفرق بين عتق عبد ولده الصغير عن نفسه وصدقته ماله وهبته إياه للناس؟
فالفرق في هذا واضح إن شاء الله، وذلك أن العتق أدخل به الأب على نفسه تمليك شيء تعجله، وهو ملك الولاء وإنفاذه العتق عن نفسه، فذلك مثل [بيعه لنفسه] من مال ولده، وله أن يملك مال ولده الصغير بالمعاوضة، فأجزنا ذلك وألزمناه القيمة.
وأما الهبة والصدقة، فإنما أخرج ذلك من ملك ولده إلى ملك غيره بغير عوَ، لولده ولا لنفسه عاجل ولا آجل [و] لا يستوي نقله لشيء إلى ملكه ومنافعه، فيكون عليه عوضه، وأن يهب شيئا من مال ولده لغيره، ممن لم يأخذ ذلك على عوض ولا رضية به، ولا هو اختار المعاوضة فيلزمه، ولا الأب ناقل له إلى ملك نفسه باختياره، فتلزمه القيمة.
وقولك: إن جاز العتق لأنه يضمن عوضه، فضمنوه الصدقة وأجيزوها، وإن بطلت الصدقة لأنها ليس بشيء تافه فأبطلوا العتق، لأنه ليس بشيء تافه.
الجزء: 2 - الصفحة: 556
فقد عرفناك علة إلزامنا إياه العتق، لأنه تعجل تمليك شيء لنفسه من مال ولده، وقد دللناك أن للولد أن يدخل في ملكه من مال ولده ما يكون عليه عوضه.
وأما ما تصدق به، فلم يتملك به شيئا فيشبه ذلك المبايعة [فيجب] عليه عوضه، وإنما أخرج شيئا من ملك ولده إلى ملك غيره [دون عوض]، والعبد ملك نفسه، فيملك منه رقه أو ولاؤه.
فلا يتقارب ما ساويت بينه، فضلا عن أن يتساوي [معه].
وقولك في التفريق بين التافه وغيره: ولم جاز العتق وليس بتافه؟ فقد عرفناك عن العتق، والفرق بينه وبين الصدقة.
وفي لحن قولك أن مالكا لا يرى على الأب شيئا في صدقته بالتافه من ماله.
فالذي عندنا من قول مالك أنه روى عنه ابن القاسم، أنه قال: الذي أعرف من قول مالك، أن يجوز عقته من مال ولده إن كان موسرا، يريد عتقه عن نفسه، ويضمن القيمة، ويجوز بيعه وشراؤه عليه موسرا كان أو معسرا، ولا يجوز [هبته في] ماله كان معسرا أو موسرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 557
ولم يفرق في روايته بين تافه وغير تافه، ولم يرو ابن القاسم ما ذكر في الصدقة غير هذا، وقد ذكر عن مالك أنه قال في التافه: إنه يمضى في الصدقة ويتبع به الأب، وهذا يدخل مدخل الاستحسان في يسير ذلك.
وأما على أن الأب لا يضمن ذلك، لا علم لنا بهذا الذي نسبت إليه.
ولو صح ذلك لكان نحو ما يتصدق الوصي عنه لا عن نفسه، بالتمرة والكسرة، وهذا من باب الاستحسان، وقد استخف شربه للبن من غنمه و [صدقه] في أكله من ماله، إن كان الوصي فقيرا، وللأب والوصي في ماله خدمة وعنا [ية] غير قليلة.
وبقي - من الإدخال علينا – سؤال لم يقع لك، ونحن نقيمه لك، فنقول:
فإن قلت: ما الفرق بين ان يتزوج بعبد ابنه الصغير – والأب عديم – فيمضي ذلك، وبين أن يعتق عبد ابنه – وهو عديم – فيرد، والعتق آكد في الأحكام؟
قلنا: لأن من أصولنا أن من أعتق وعليه دين لا وفاء له أن عتقه رد.
فالأب لما أدخل العبد في ملكه، وأعتقه عن نفسه، صارت ذمته بقيمته مشغولة، فقد وقع عقته، وعليه دين ولا وفاء له، فلذلك ردد [نا] العتق.
الجزء: 2 - الصفحة: 558
والمديان الذي أحاط به الدين يجوز له النكاح وإن أحاط به الدين، ولا يرد ما أمهر زوجته، لا أعلم في ذلك خلافا، [لأ] نه من قوام أمره، ولا حاجة به إلى العتق.
وهذا وقد ذكرنا ما جرى من اختلاف أصحابنا في تزويجه بمال ولده، والأب عديم.
وأما الاعتصار في هبة الأب وما تقدم من نكير هذا الرجل إياه، فهو قول مالك والشافعي معه، وإن كنت ترجمت كتابك بـ: " مسائل اختلف فيها مالك والشافعي".
وقد جرى لك مثل هذا كثيرا، كأنك لم تدر ما اتفقا فيه واختلفا، وإن كنت رجلا يرهب الشافعي عن المواجهة بالرد، وخف عليك ذلك في مالك أن تجعله غرضا لتجاوزك في لفظك وبلوغ شهوة نفسك.
فليتك تحريت الصدق في ألا تذكر أنهما مختلفان فيما هما في كثير منه متفقان، فقد جمعت إلى هذا عيب الجور والحيف في صيانة الشافعي عن ردك، بل عن المحذور من
الجزء: 2 - الصفحة: 559
قبيح لفظك، وقابلت مالكا بكل ما كرهته للشافعي، فجمعت معرتين ضارتين، لا نعلم من أهل العقول والإنصاف من يرضى بهما.
وذكر الاعتصار مما جاءت به الآثار عن النبي عليه السلام، وقاله الخلفاء وكثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي، نا إبراهيم الحربي، نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاووس، عن ابن عباس وابن عمر، عن النبي عليه السلام، قال: لا يحل لأحد يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده.
قال [مسدد] [نا عبـ]ــد الوارث، نا عامر الأحول، عمن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي عليه السلام نحوه، إلا أنه قال: يهب.
قال ابن معين: ورواية عمرو بن شعيب، عن ابيه عن جده حجة.
وقد ذكر [نا] روايته إياه، عن طاووس، عن ابن عباس وابن عمر، وأخذ بهذا مع الشافعي أبـ[ــو] ثور، واحتج بهذا الحديث، وهو حديث صحيح ليس بمرسل كما ذكر هذا الرجل.
وفي الحديث الآخر، الذي رواه مالك وغيره، من قول النبي عليه السلام لأبي النعمان بن بشير، حين نحل بعض ولده دون بعض، فقال له عليه السلام: أكل ولدك نحلته مثل
الجزء: 2 - الصفحة: 560
هذا؟ قال: لا، قال: فارجعه، فقد أباحه الرجوع فيما وهب له، وهذا هو الاعتصار نفسه.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي، نا إبراهيم الحربي، نا محمد بن عبد الملك، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كتب عمر بن الخطاب: يعتصر الرجل من ولده ما أعطاه، ما لم يمت أو يستهلك أو يقع فيه دين.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، [نا] سحنون، عن ابن وهب، نا ابن لهيعة، نا يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعيد حدثه أن سعدا مولى آل الزبير نحل ابنته جارية، فلما تزوجت أراد ارتجاعها، فقضى عمر: أن الوالد يعتصر ما دام يرى ماله ما لم يمت صاحبها، فتقع في ميراث، او تكون امرأة فتنكح.
ومثل ذلك عن عثمان بن عفان.
نا محمد بن عثمان نا محمد بن أحمد نا الحربي نا مؤمل بن هشام، قال/ نا إسماعيل عن إبراهيم بن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن أباهم حيدة كان له بنون لعلات أصاغر [وكان له مال كثير]، فجعله لبني علة واحدة، فقدم ابنه معاوية [عثمان]،
الجزء: 2 - الصفحة: 561
فأخبره، فخيره عثمان بين أن يرد إليه ماله، وبين أن يوزعه، بينهم فارتجع ماله، فلما مات تركه [الأكابر لإخوتهم].
وكذلك قضى عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن مروان، وعليه الأمر والقضاء بالمدينة.
وهو قول كثير من التابعين بالأسانيد المرضية، وأكره التطويل فيما في بعضه مقنع، وقد ذكرنا أنه ثابت للنبي عليه السلام وأنه قول عمر وعثمان.
وقاله من التابعين ابن المسيب وعروة وسليمان بن يسار و [] بن حبيب وعمر بن عبد العزيز وأبو الزناد وأبان بن عثمان والزهري وعبد الملك بن مروان والقاسم وسالم وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة ومسروق والشعبي وإبراهيم والحسن ومحمد – يعني ابن سيرين – وخالد بن معدان وابن شبرمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 562
هؤلاء وغيرهم يرون الاعتصار، ويفتون به.
فهذه السنة الثابتة، وأقاويل الصحابة وتابعي الحرمين والعراقين، فأين المذهب عن هذا؟
واحتجاجك بحديث ابن عباس: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه "، فهو الراوي لحديث الاعتصار كما ذكرنا مع حديث النعمان بن البشير.
وهذا لا يتعارض، ويصير الأب مخصوصا من سائر الواهبين، كما خص في ولده بأمور كثيرة، لا يساويه فيها أحد، قد ذكرنا كثيرا منها.
وقولك: لم كان له أن يعتصر ما لم ينكح الابن على الهبة، أو يستحدث دينا؟ فإن كان له الرجوع، فذلك في كل حال، وإن لم يكن ذلك له، فلا رجوع له في كل حال.
فقد أعلمناك أنه قول عمر بن الخطاب - كما رويناه لك – وكثير من السلف، وكتب بمثله عمر بن عبد العزيز، وقضى به مروان، وقاله عطاء ومكحول، إلا أن ينكح أو يموت، وقاله كثير من أهل المدينة.
والاعتبار فيه بين، لأن الناس – في الأغلب – إنما يداينون ليسارهم، ويناكحون لذلك، ولو علنا [له] [الاعتصار بعد] أن اغتر به الناس في مداينة الاب
ـ[ــن] ومناكحته، []ــ
ق الخلابة في تلـ[ــف] أموال الناس، وفي ترك الأب للاعتصار حتى وقعت المداينة والمناكحة، كالتسليم للاعتصار، وإلا فهو من الخديعة، وقد نهي عن ذلك الرسول عليه السلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 563
وهذا مما يحكم فيه بالعلامات الادلة [في] الأغلب على مقاسد الناس.
وبمثل ذلك قضى عمر في تفصيل ما يراد به الثواب من الهبات من غيرها بالأغلب من أحوال الناس، في قوله: من وهب هبة يرى أنها للثواب، فهو على هبته ما لم يرض منها، ومن وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة لله، فلا يرجع فيها.
وكذلك قاله علي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وقاله عطاء والنخعي وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبيب والحسن والزهري وربيعة وبكير والحسن بن صالح والمشيخة السبعة من فقهاء تابعي أهل المدينة في نظرائهم.
وهذا المعروف من أقاويل العلماء، والأصول تشهد له، وهو قول الشافعي والعجب من قولك: وهذا غير مفهوم ولا معقول.
ولعمري لو فهمت استنباط هؤلاء السلف للمعاني، وتكلمت في العلم بمعانيهم ما دفعته، ولكن سلكت في تلقي الأمور والاستخراج فيها غير طريقهم.
والحكم بالأظهر من المعاني عليه جرت الأصول.
منها أن من قتل وارثه لا يقبل منه أنه لم يرد ميراثه.
وكذلك من جمع بين مفترق وفرق بين مجتمع بقرب مجيء الساعي، لا يصدق أنه لم يفعل ذلك خشية الصدقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 564
وكذلك من وهب لولده هبة وأبقاها بيده إلى موته، لا يصدق أنه لم يرد الإزواء عن باقي ورثته.
ومنه المطلق في المرض.
وكذلك من قال لرجل: أعطني درهمين وخذ مني درهما على أن أحد الدرهمين يتجه بدلا والآ [خر] هبة منك لي، لا يقبل منهما انهما قصدا لغير الربي.
وكذلك ما قلنا من بيوع الآجا [ل] من هذا المعنى.
ومن الحكم بالأغلب الحكم بالقمط في الجدار، وبالع
ـ[ــفاس] في اللقطة وإن أمكن غير ذلك.
ونحو هذا أجرنا الحكم بالأغلب في متاع [البـ]ـــ
يت، في تداعي الزوجين فيه عند الطلاق.
ومن ذلك شراء الصدقة، جعلها [عمـ]ــر كالرجوع فيها، وإن كانت شراء.
وإن خالفتنا في غير شيء من هذا، فإن هذه أصول السلف، وما دلت عليه السنن وشواهد الكتاب.
ولا وحشة علينا بشذوذ من شذ عن هذه الأصول، والمتعلق بالشواذ يتفاحش عند التأمل، والله المستعان على القصد والاتباع، ولا قوة إلا به.
الجزء: 2 - الصفحة: 565
في المسلم يطلق النصرانية ثلاثا، هل يحلها الزوج النصراني، وفي طلاق أهل الكفر، ونكاحهم وإحصانهم
وأنكر هذا الرجل قول مالك في النصرانية، يطلقها المسلم ثلاثا، ثم تتزوج نصرانيا، فيطؤها ثم يطلقها، إنه لا يحلها للمسلم.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، قال: وهو عنده زوج في حال دون حال، إذا أسلم أو أسلما ابقاه على نكاحه، فجعل نكاحهم نكاحا ولم يجعل طلاقهم طلاقا، وهما فرضان، أحل بها وحرم، فما بال أحدهما يلزم في حال الشرك والآخر لا يلزم؟
في فضول من الكلام وما لا يرضى أن ينطق به ذوو الأحلام، وربما تركت حكاية كثير منه.
قال: لو أن قائلا جسر على ما جسر عليه مالك، فقال: إن عقد نكاح الشرك غير جائز وطلاقهم جائز، هل الحجة عليه إلا كهي عليه.
وهذا كلام تجرأ به، يعبر به وبمثل هذا من نطقه، عن مكانه من التحفظ في دينه، ومن نسب مالكا إلى التجاسر في دين الله فقد خان نفسه في دينه.
الجزء: 2 - الصفحة: 566
ومالك مشهور في الأمة أنه أشد أهل زمانه ورعا في الفتيا، قال البهلول: لقد رأيت الرجال الذين يتمسكو [ن، سفيان] فدونه، فما رأيت أورع في فـ[ــتياه] من مالك، وقال مالك: ما تكلمت برأيي إلا ثلاث مسائل ذكرها.
وهذا رجل يتكلم كلام من لا يراقب في منطقه.
والذي قال مالك لا [يخالف] ظاهر القرآن والسنة، فأول ذلك أن في نفس الاية دليلا على ذلـ[ــك] في قول الله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾.
فلا يعدو أشار بذلك عز وجل إلى زوج بنكاح جائز مباح، أو أشار إلى كل نكاح، جائز أو غير جائز.
فإن قلت: إلى كل نكاح، لزمك أن تحلها بنكاح المتعة، ونكاح المحرم، والنكاح [في] العدة، وكل نكاح ووطء قد نهي عنه، وكذلك نكاح المحلل، وهذا كله خروج من قول العلماء.
الجزء: 2 - الصفحة: 567
هذا ونكاح المحلل وغير شيء مما لا يقرا [ن] عليه يقوم مقام الشبهة، فيلحق فيه الولد، ويسقط الحد، ويجب الصداق للوطء فيه.
فإن قلت: بل أشار سبحانه بالتحليل بما رضي وأحل من النكاح، سئلت عن النصراني، هل يستحل في نكاحه ما حرم الله، من النكاح بالخمر أو الخنزير أو بالغرر وغيره، وسفاحا غير نكاح، وفي العدة والأخت على الأخت، والخامسة، وغير شيء مما لا يرضاه الله ورسوله.؟
فإن قلت: إن الرسول عليه السلام أبقاهم – بعد إسلامهم – على النكاح الأول، فدل أن نكاحهم جائز.
قلنا: هذا موضع الغلط منك ونكتة ما به تحيرت.
وذلك أنا إنما اختلفنا في نكاحهم قبل إسلامهم، فأقمت أنت ذلك كمقامه بعد الإسلام، وهذا فاحش من الغلط، لأنك مقر أنهما قد عقدوه على عقود فاسدة، ثم حدث الإسلام، وأصلح الله لهم بالإسلام ما تقدم من الفساد، وعفا عنه بحادث الإسلام، فالإسلام به صلحت [أنكحتهم التي كانت فا] سدة.
فأنت قست حكم نكاحهم بعد الإسلام [على نكاحهم] قبل الإسلام، وذلك أنك لا [تعثر] على نص بصحة نكاحهم قبل الإسلام وإنما النص في نكاحهم بعد حادث الإسلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 568
فبعد عنك النص وتعلقت بالقياس، والقياس عندك باطل وقد قست علي ما لا يشبه ما قسته عليه.
ومما يزيد ذلك بيانا أن النبي عليه السلام أمر غيلان الثقفي – حين أسلم عن عشر نسوة – أن يختار أربعة، وهو حديث ثابت رواه الزهري عن سالم عن أبيه، وهو من غير رطيق ثابت.
وأمر فيروز الديلمي، حين أسلم عن أختين، أن يختار واحدة.
فلو كان نكاحهم عند الرسول عليه السلام بمحل النكاح الجائز قبل أن يسلموا كما ظن هذا الرجل لكان الرسول عليه السلام يأمر غيلان الا يختار إلا اربعة الأوائل، لأنهن الجائزات النكاح، والذين بعدهم غير جائز نكاحهن.
فقد جعل له عليه السلام الخيار في الأوائل والأواخر وهذا يكشف كل ريب.
الجزء: 2 - الصفحة: 569
فإما أن تقول: إن نكاحه قبل الإسلام فاسد، وإنما صح بالإسلام، فترجع عن قولك في إيجاب الطلاق فيه، والحصانة به.
أو تقول بقول أبي حنيفة، الذي قال: لايختار الخامسة، فهو أقود لقياسه وغلطه منك.
والله سبحانه إنما غفر لهم بالإسلام ما قد سلف، من تلك العقود الفاسدة وغيرها، فكيف تكون تلك العقود الفاسدة – التي إنما غفرت بالإسلام – توجب أحكام الإسلام، قبل أن يكون الإسلام الذي به غفرت وصلحت وصحت؟
وإذا كانت قبل الإسلام غير موصوفة بصحة العقود، فأحكامها يومئذ ساقطة.
الجزء: 2 - الصفحة: 570
وقد أجمعوا أن الله سبحانه إنما اشار إلى ان تحل المتبوتة بالنكاح الصحيح الذي يرضاه.
فكذلك ينبغي ان تكون إشارة الرسول في قوله: حتى تذوق العسلية، أنه الوطء الصحيح الجائز.
ولا يجوز [أن يكون النبي عليه] السلام أشار إلا إلى الوطء الصحيح [لا الفاسد] [والصـ]ــحيح، [وصار] [منه عليه] السلام بيان عن مراد الله تعالى في قوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه النهاية فيه بالوطء بعد العقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 571
فكذلك تتكامل النهاية مع صحة العقد والوطء الصحيح، فلما قامت الدلالة بفساد نكاح المشركين، وهذا إنما يصح بالإسلام، فكذلك الوطء فيه، لأن الوطء فرع من فروع النكاح، وإذا لم يجب للأصل حكم فالفرع أبعد ان يجب به حكم التحليل.
وكذلك الطلاق، لا يصح في النكاح الفاسد.
ويقال له: أرأيت إن قيل لك – على معنى اصولك – هذه المرأة محرمة على الذي أبتها، حتى تنكح زوجا غيره؟ والآية ظاهرها أن الإشارة إلى زوج بعقد جائز، فهي على أصل التحريم حتى يُجتمع على إباحتها، أو يقول دليل لا إشكال فيه ولا ريب، ولا إشكال أقوى مما دفعته الأصول بظاهر القرآن والسنة.
والدليل الذي لا ريب فيه يوجب ما قلنا، على ما شرحنا قبل هذا.
ويقال له: أرأيت إن تزوج نصراني نصرانية في عدتها ثم أسلما – وعدتها بعد لم تنقض – فلا خلاف أنهما لا يقران على ذلك.
فلو كان نكاحهما من يوم عقد جائزا لأقرا الآن على هذا النكاح، فهذا يدل [أنه] إنما أجبر بالإسلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 572
فهذان لما أخذهما الإسلام على أمر فاسد، يبقى بعضه بعد الإسلام وليس مما هو جائز في الإسلام فسد.
ولو كانت العدة قد انقضت قبل الإسلام لمضى النكاح، إذ لم يدرك الإسلام منه بقية مما فسد به النكاح.
وكذلك لا خلاف أنه لو أسلـ[ـم] وقد تزوج خمسة في عقدة، أو أختين في عقدة، أنه لا يقر نكاحهـ[ــن] كلهن، ولا [] لا يدفعن عقد الشرك بما يبقى [] الإسلام.
فهذا كله يكشف ما ذكرنا.
وكذلك لو أسلم المتبايعان بالربا وقد تقابضا الربا لمضي ذلك وصح بالإسلام، ولو أسلما وقد بقي لم يتقابضاه لرد ذلك، ولم يجز أن يتمما بقيته بالتقابض بعد الإسلام.
أو اشترى خمرا وقبضها قبل الإسلام.
ولا يجوز أن يقال: إن عملهما فيما عقدا من الربا وبيع الخمر أنه كان جائزا قبل أن يسلما وإنما جوز بالإسلام.
فأين أنت أيها الرجل عن تأمل هذا من استحراج السلف والافتقار إلى سعة علمهم، ولا ترضى نفسك للنكير عليهم، ثم تقنع بأول خاطر من بدية الفكر، قبل تأمل ما تسلك من الطرق ومن لم يستجد المسالك وقع في المهاوي.
ولو سلكت سبيل من اتبع سلفه بإحسان حذرت من الزلل، واقتصدت في المنطق، وأنزلت الأئمة منازلهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 573
والتحريم آكد في الأصـ[ــول] من التحليل، لأن الله سبحانه لما قال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ حرم علينا ما نكح الآباء بأقل ما لزمه الإسم، وهو عقد النكاح دون الوطء.
وقال في المبتوتة: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، فلم يبح ذلك الرسول إلا بنهاية الأمر، وهو العقد والطء.
فكذلك لا يستباح إلا بالنهاية من عقد صحيح ووطء صحيح، لو لم يكن في ذلك بيان شاف لكان أدنى منازل ذلك الشبهة والإشكال.
ولا يستباح المحرم بيقين إلا بيقين من الإباحة، وليس من يقف عن الشيء بالشبهة كم يواقعه بالشبهة، في يقين السلامة، فلا تستمريء مراتع الشبهات إن لو كانت شبهات فكيف وذلك كالصريح المحض.
وأما قولك: النكاح والطلاق فرضان أحل بهما وحرم.
فهذه عبارة قبيحة في قولك: فرضان، ولا يجوز هذا، إنما يقال: النكاح والطلاق مباح، وليس فرض على الرجل أن يتزوج، ولا إذا تزوج فرض عليه أن يطلق، ولا يجوز أن تكون أفعال النصراني لفعلها، بغير شريعة صحيحة، فتقيم بها للمسلم ما يحل له ويحرم من شريعة الإسلام.
وقد قامت الدلالة بفساد نكاحهم، فلا يصح فيه طلاقهم، ولا تتم به الحصانة، وهو غير صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 574
ولا يصح طلاق قبل صحة النكاح، ولا يصح إلا بالإسلام فتكون فيه بعد صحته، بالإسلام أحكام النكاح بالطلاق والحصانة به.
ومن شرائط الحصانة الإسلام والوطء الصحيح في النكاح الصحيح، وما لزم في ارتفاع الإحلال بنكاحهم لزم مثله في الإحصان.
وتجاسر هذا الرجل فقال: يقع بينهما الإحصان بمتقدم الوطء قبل الإسلام غير أن يحدثا وطئا بعد الإسلام، ونرجمهما بذلك إن زنيا.
والنكاح إنما صح بالإسلام، فبه صح النكاح، وبقي عليهما أن يكون منهما وطء في نكاح صحيح، فلابد من الوطء بعد الإسلام لتكامل الوطء الصحيح بعد صحة النكاح، على ما تقدم من دليلنا.
واحتج هذا الرجل برجم النبي لليهوديين، ونحن نجيبه عن ذلك.
والذي ذكرنا من إبطال طلاق أهل الشرك، وأن أحكام نكاحهم لا تصح إلا بعد الإسلام وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى، نا الحارث بن مسكين، نا ابن وهب، نا شيب بن سعيد عن يحيى بن أبي أنيسة الجذري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبيد الله بن جابر
الجزء: 2 - الصفحة: 575
عن عمر رحمه الله، وجاءه سائل، فقال: يا أمير المؤمنين إني طلقت امرأتي في الجاهلية ثنتين، ثم طلقتها منذ أسلمت تطليقة فماذا ترى؟ فقال عمر: ما سمعت في هذا بشيء [وسيدخل عليك رجلان فسلهما فدخل عـ]ــبد الرحمن بن عوف، فقال عمر: قص عليه قصتك، فقص عليه فقال عبد الرحمن: هدم الإسلام ما قبله، فهي عندك على [طلقتين] ثم دخل علي بن أبي طالب، فقص عليه، فقال علي مثل قول عبد الرحمن: هي عندك على تطليقتين بقيتا.
نا محمد بن عثمان، نا ابن الجهم، نا محمد يعني ابن شاذان، نا المعلي نا ابن لهيعة، نا أبو الزبير، أنه سأل جابرًا عن ذلك بعينه، فذكر مثله.
وقاله الحسن وربيعة: ليس طلاق الشرك بشيء.
قال ربيعة: ولا يحل المبتوتة النصرانية وطء الكافر بنكاح.
وهذا أمر قائم مشهور من قول التابعين بالمدينة، ومن أخذوه عنه من الصحابة، وما ذكرنا من دلائل الكتاب السنة عليه.
ومن ذلك نهي النبي عليه السلام عن نكاح الملل.
أنا محمد بن عثمان نا محمد بن الجهم، نا محمد بن شاذان، نا معلى، نا عبد الله بن جعفر المسوري، نا عثمان بن محمد، عن المقبري، عن ابي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله المحلل والمحلل له.
الجزء: 2 - الصفحة: 576
قال معلى: نا عبيد الله بن عمرو، نا عبد الكريم الجزري، عن أبي واصل، عن ابن مسعود، أن النبي عليه السلام لعن المحلل والمحلل له.
ورواه أيضا عن النبي عليه السلام علي وابن عباس وأبو سعيد مولي ابن سباع وعقبة بن عامر، وأكره التكثير بالأسانيد.
نا أبو بكر، نا يحيى، نا الحارث عن ابن وهب نا يونس، عن ابن شهاب أنا عبد الملك بن المغيرة، عن ابن عمر، ذلك السفاح.
وقاله علي بن أبي طالب وعمر وابن عباس وابن مسعود وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وغيرهم من الصحابة.
الجزء: 2 - الصفحة: 577
وأما من التابعين فما لا أحصيهم كثرة من تابعي الحرمين والعراقيين.
فهذا على أنه نكاح شبهة، يدرأ فيه الحد، لا تحل به المبتوتة.
فلو كان ما يكون له أدنى أحكام النكاح يوجب الإحلال وجب الإحلال بهذا وهذا دليل أنها لا تحل إلا بالنهاية والكامل، من صحة العقد والوطء
وأما قولك: هل هو زوج أم لا؟
فقد عرفناه معنى تلك الزوجية، وأنها إنما صححها الإسلام والمحلل قد وقع عليه اسم زوج قام به شبهة، من دراءة الحد، إلحاق الولد، وإيجاب الصداق وليس بأمر متكامل من الزوجي وأيـ[ــضا] ما يدخل فيه من نقص الزوجية لدى الطفل يزوج، أن به الاسم من النكاح والوطء، وهذا الصبي زوج ولا تحل بوطئه، وليس بمتكا [مل] الوطء.
وكذلك النكاح الفاسد صار به للزوج اسم الزوجية ولا [يقع به] التحليل عند العلماء، فلا معنى لقولك: هل هو زوج أو غير ذلك.
وشيء آخـ[ـر] لو كان نكاح الشرك نكاحا صحيحا قبل أن يسلموا، يجب به التحليل، ويجب الحصانة بعد الإسلام لوجب في الحربي يقتل أو يموت، ثم تسبي بعد ذلك زوجته أنه لا يجزيء في استبرائها حيضة.
الجزء: 2 - الصفحة: 578
وكذلك إن سبيت وهو حي، لأن السبي فسخ نكاح صحيح عندك، كما ذكرنا، فلا يجزيء فيها حيضة، والنبي عليه السلام قد أباحها بحيضة، وهذا من الدليل أنه لا يجب له أحكام النكاح.
ولو كان كذلك، وجب فيه ما يجب في الطلاق من العدة لأن فسخه بالسبي كالطلاق عندك.
ولا حجة لك بأنها انتقلت من النكاح إلى ملك، لأن انتقالها إلى ذلك الملك أوجب فسخ ذلك النكاح، فأقل ما يلزمها عدة الأمة من الطلاق على أصلك.
ولو كان ما ذكرت له معنى لكانت، إذا خرجت من ملك إلى حرية، عليها ثلاث حيض.
وتجاسر هذا الرجل، فقال يكونان محصنين بعقد الشرك والوطء فيه، واحتج بأن النبي عليه السلام رجم اليهوديين، قال: فكان ذلك منهما إحصان.
وهذا منه ظن، والأمر على خلاف ظنه، وإنام أقام النبي عليه السلام بينهم حكم التوراة، حين رضوا بها، وكتموا ما فيها من آية الرجم، فاستخرج ما كتماو منها من الرجم، تقريعا لهم بما جحدوا، وقال: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه.، وأقام عليهم ما رضوا بالتحاكم إليه فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 579
وكذلك روى مالك في الموطأ، والحد يومئذ عـ[ــلى المسلمين الجلد] قبل أن يفرض الرجم
كذلك قال ابن عمر، وهو ناقل القصة، [].
نا محمد بن عثمان، نا محمد بن أحمد المالكي، نا إسماعيل نا أبو الخطاب، نا حاتـ[ــم بن وردان نا] أيوب عن نافع، عن ابن عمر، أن اليهود جاؤوا برجل وامرأة إلى النبي عليه السلام فقالوا إن هذين زنيا [] وكانت الحدود بين المسلمين الجلد، فقال لهم: كيف تجدون التوراة؟ قالوا: نجد أن نفضحهم وكلمه [] ونجلد فقال النبي عليه السلام: إن فيها الرجم، ثم ذكر نحو حديث مالك.
وفي حديث آخر: فقال عليه السلام: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فدل أنه رجمهم توبيخا لهم، لجحدهم، وبان بما ذكرنا أن الرجم لم يكن يومئذ مفروضا.
قال محمد بن الجهم: وما روى عن ابن عباس [بأنه رجمهما] وقد زنيا بعد إحصانهما، حديث لا يثبت.
الجزء: 2 - الصفحة: 580
وقد نا موسى بن إسحاق نا عبد الله نا وكيع عن شعبة عن عمرو يعني ابن دينار عن ابن عباس، قال: ليس على أهل الكتاب حد.
وبعد، فإنما خوطب بتحريم الزنا المؤمنون، ولا يخاطب الكافر بتحليل ولا تحريم يكون قبل الدعاء إلى التوحيد، وأمرنا أن نقرهم على كفرهم، مع أخذ الجزية على بقائهم على الكفر، مع استحلال ما يستحلون بقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ إلى آخر الاية.
فهذا آخر ما نزل من حكم الكفار في غزوة تبوك، فلو كان شيء يشكل على أحد لكان هدانا [نسخ] كل شبيء أنهم أعطوا الجزية على إبقائهم على استحلال ما يستحلون، من ما حرم الله ورسوله، مما يعملونه بينهم، لا يصل به إلينا أذاهم، فليس لنا ردهم إلى حدودنا في ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 581
وأما السرقة، فمن الحرابة العام ضررها، فليس كالذي يخصهم في أنفسهم والقطع خزي ونكال، قال سبحانه في المحاربين، ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا﴾.
ولما لم يعترض عليهم في نكاح الأم والبنت وجمع الأختين، فكذلك الزنا، وكل ذلك لم يبحه الله لهم.
ومعنى آخر، أن الحد جعل تطهيرا للمؤمن، والكافر لا يطهره الحد في الزنا ونحوه، وليس لك حجة بإ [قامـ]ــة القذف عليهم، لأنه حق للأذى [للمقذوف، وكذلك] حد السرقة لأنه من الفساد في الأرَض فيقام للتناهي وللصلاح العام.
وقال ابن الجهم: نا ابو معشر الدارمي، نا عبد الواحد، نا حماد بن سلمة، عن سماك، عن قابوس، عن أبيه، قال كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب أن نصرانية فجر بها مسلم، فكتب إليه، أن أقم الحد على المسلم، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا.
وروينا نحوه عن ابن مسعود، نا غيـ[ـر] واحد عن إسماعيل بن إسحاق، قال: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: لم يكن ظهـ[ـر] على بني قريظة والنضير، فكيف يتوهم أن يأمره الله تعالى أن يحكم بين قو [م] لم يظهر عليهم وإنما السبب أنهم تحاكموا إليه طائعين وكان بينهم وبينه عليه السلام عهد الا يظاهروا عليه، فلما غدروا اجلاهم، ولم تكن في أيامهم جزية، وإنما نزلت الجزية بعد ذلك حين نزلت: {قاتلوا
الجزء: 2 - الصفحة: 582
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} الآية، وهذا حين خرج إلى تبوك آخر الأمر، فنسخ هذا كل ما قبله، وهذا يكشف كل ريب.
وإذا ظهرنا منهم على ما سـ[ــتر] عنا من الزنى بينهم، كيف نحدهم عليه، من غير رضاهم.؟
وإنما رضوا بالجزية [على] شرط الله، على أن يبقوا على ألا يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولا يد [ينون] دين الحق.
ولو كان هذا لكان من أسلم وهو مع امرأته على زنى ألا يقـ[ـبل] وذلك حتى يفسخوه.
وهو تارة يراه نكاحا صحيحا وإن كان زنى، ولا يحدهم عليه، وهذا تناقض، ويلزمه أن يفسخه إذا اسلما، وهـ[ـــو] من لم يدر مخارج السنن ومعاني الكتاب.
واحتج في باب آ [خر] كرره، بأن الذمي إذا سب النبي عليه السلام، أنه يقتل، فأقام هذ [ا] مقام الزنا، وهذه غيبة ساترة.
والذي سب رسول الله عليه السلا [م] ناقض للعهد، خرج إلى إباحة دمه، ولم تقبل منهم الجزية على هذا، و [إنما] قبلت منهم، على أن يقيموا على على ألا يحرمون ما
الجزء: 2 - الصفحة: 583
حرم الله ورسوله، وقد تأكد بيان هذا، وانكشف بما في بعضه كفاية إن شاء الله.
وقول مالك: ترد النصرانية في الزنا إلى أهل دينها، قول علي كما ذكرنا [و] هو الراوي عن النبي عليه السلام: من أصاب حدا فأقيم عليه، فالله أكرم من أن يثني على عبد عقوبته مرتين، فأخبر أنه تكفير وتطهير، ولا حظ في هذا لكافر.
وقد قال الصحابة قولا، في الذي يستكره المسلمة، فصلوا به بين حد المسلم والنصراني فقالوا يقتل بذلك الذمي، فلو كان الحد عليهم واحدا ما فصلوه، فعل ذلك عمر وأبو عبيدة وغيرهم، وكثير من التابعين.
وممن قال: ترد النصرانية – إذا زنت – إلى أهل دينها، من التابعين الحسن وإبراهيم والشعبي وعطاء [و] قتادة وابن شهاب، ويحيى بن سعيد وعدد كثير، قالوا: وذلك من تمام ذمتهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 584
والعجب من ترامي هذا الرجل، في دعواه ما لا برهان له به، من قوله: إن [كـ]ـافة العلماء يحلون المطلقة ثلاثا بالوطء في الحيض بنكاح.
والمعلوم في هذا أنه لا يحلها إلا صحة العقد وصحة الوطء، وقد تقدم بياننا الأدلة على ذلك، وأن الرسول لا يشترط في التحليل بالوطء الوطء الحرام، [ولا غيـ]ــره، وهذا لا يجسر على إطلاقه متجاسر.
وكذلك يلزمه أن يقول في قول الله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه دخل في هذا الأمر النكاح الذي حرم الله، وهذا لا يقوله سليم.
ثم قال: فجعل مالك في هذا الوطء العدة والصداق، ولم [يحـ]ــلها به.
فهذا كلام من لم يتأمل الأصول، والنكاح بشبهة والوطء به، [يو] جب العدة والصداق عندنا وعنده، ولا يوجب سائر أحكام النكاح.
والنبي علي
ـ[ــيه] السلام لم يحلا بنكاح المحلل، وهو نكاح يجب فيه الصداق والعدة.
فلا [تعجـ]ــــ
ل، وتأمل دلائل مخارج الأصول، التي دلت على طِلْبة صحة العقد وصحة الوطء للتحليل، وليس التحليل كالتحريم على ما بيناه.
ثم أتى هذا الرجل بأمر [شنـ]ــع به، وأوقفه بأخذ موقفين ليتحير، إما الجهل البريح، أو الكذب الصريح، فقال: [] العلماء في الصداق والإحصان، والإحلال للزوج الأول، حكم من [كان] حلالا.
الجزء: 2 - الصفحة: 585
فهذا مما درى متكلف الاختيار والرد على الأئمة، لقد كفى [غيره] مؤنة التكلف، لوصف حاله ومبلغه من العلم والتحفظ في الدين.
وما يستهين بمثل هذا من لم يهن عليه دينه.
والمدنيون وكثير من غيرهم على خلال كل ما ذكر في الإحلال، والإحصان بالوطء، الذي ذكر.
وليس ما يوجب الصداق بحجة له أن يجب به إحلال وتحصين، ونكاح المحلل يوجب الصداق ولا يحصن ولا يحل به، وهذا غلط فاحش.
وكلام هذا الرجل في العلم كلام من يهون عليه أن يقول في الدين قبل العناية، ويهجم بغير سعة من الرواية، وأعوذ بالله من الاستخفاف بما عظم الله، والقول في دينه بما لا علم لنا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الجزء: 2 - الصفحة: 586