باب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام، وقال قد بين الله في كتابه تحريم ما أراد تحريمه، وقال: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾، وقال: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم﴾ الآية، وقال: {قال
أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا}، فما سكت الله عنه فهو عفو ورحمة، ولم يكل التحريم والتحليل إلى خلقه.
وزعم الحجازي أن من قال: كل ما أحل الله علي حرام، أنه لا يحرم عليه، إلا زوجته.
ولا يكونا لحرام حراما إلا بتحريم الله له، فليس لأحد أن يحرم ما أحل الله له، كما ليس له أن يحل ما حرم الله عليه.
ولا فرق بين الزوجة وغيرها، ولو كان للخلق أن يحرموا ويحللوا، لم يكن لله على خلقه شريعه، وإذا كان لهم أن يحرموا ما أحبوا، [ويحللوا ما أحبوا لم يكن لله دين] [] [لامرأته أنت] [] أنه لو قال: ما حرم علي حلال أنه لا يحل له، فكذلك في تحريمه ما أحل له، لا يحرم عليه.
ومن حرم الزوجة فلا دليل له من كتاب الله ولا سنة ولا إجماعن وما من دقيقة ولا جليلة إلا وبيانها في كتاب الله سبحانه.
وكرر هذا الرجل من الكلام وأطال اللفظ في قلة المعاني، وكان كلامه كلام رجل يرى الدعوى حجة وقذع اللسان إفلاجا.
واحتج علينا بآيات أنزلها الله في المشركين، الذين يحرمون ما لم يحرم الله عليهم من السوائب وغيرها، وفيمن ألحد في دينه من بني إسرائيل، الذين حرموا ما لم يأذن الله به، وبدلوا ما عندهم من كتاب الله.
فاحتج بهذا على من حرم بدلائل كتاب الله فيما لا نص فيه، من الصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين، فأين حبس عن هذا الرجل عقله وفهمه؟
فالذي قال مالك من ذلك، هو قول علي بن أبي طالب وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وغيره، ومن التابعين ما يكثر علينا ذكرهم، وكتاب الله يدل على صحته.
وذلك أن الله سبحانه لما ذكر الطلاق الذي حل به عقد النكاح، وحرم به الزوجة بعد أن حلت، سماه بغير اسم فسماه طلاقا وفراقا وسراحا، وسمى فراقهما بعطية فدية، فدل أن المقصود المعنى المفهوم في ذلك، مما يؤدي اللفظ إليه.
فكل ما جرى من اللفظ الذي يتشابه ويتفق فيه المعنى المقصود وجب له حكم المنصوص عليه من اللفظ، فقوله لزوجته أنت علي حرام، كأنه كشف وتفسير لما يوجبه لفظ الطلاق ولفظ السراح والفراق.
فلم يكن اختلف هذه [الألفاظ] يوجب غير معنى واحد، وهو أن تحرم بذلك، وإذا كانت هذه الألفاظ إنما تحتها التحريم [كان لفظ] [التحـ]ــريم الذي كنى عنه بهذه الألفاظ أقوي في إيجابه، والله اعلم.
ونحن نطالب العلل والمعنى وأنت في أصولك تطالب اللفظ ولا تراعي العلل، فهذا فرق بيننا وبينك
أرأيت من قال لامرأته: أنت خلية أو برية أو مبتوتة أهذه الألفاظ في كتاب الله؟ فإن أعطيتها معنى ما ذكر في كتاب الله، فلا تمنع من ذلك في مثل الحرام.
والعجب من قولك، ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، كما لا يحلل ما حرم الله، فأين وجدت أيها الرجل في كتاب الله امرأة قال لها زوجها، أنت علي حرام، أنها له حلال؟ وإنما هي له حلال بكتاب الله قبل هذا القول، فإذا قال هذا، فلا يعذر أحد أن يقول: إن في النص أنها له حلال، ولا يختلف الصحابة في النص.
وكذلك قولك: وإذا كان للخلق أن يحرموا ما أحبوا ويحللوا ما احبوا لم يكن لله دين فإنك لمفتون متجاسر وكيف يظن، أن الصحابة وعلماء الأمة إنما يحرمون ما أحبوا؟ وكيف لهم أن يحبوا ما لم يأذن به الله؟ أو يتقدموا بين يدي الله ورسوله؟ وكأنهم عندك على الهوى نطقوا، وعلى ما اشتهوا في الديانة تكلموا، ولو رماك أنت أحد بهذا لأخرت نفسك عن هذا المقام الذي قاموا عندك فيه فما أعظم ما ابتليت به.
ثم تقول: ومن حرم الزوجة فلا دليل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
ولقد رضيت لنفسك بما لا يرضى به من يتدين بالإنصاف، أفيعجز عاجز – ممن يستحل ما استحللت – أن يقول: من حللها أولى أن يقال له هذا؟ والدعوى أضعف سلاح الخصم.
وقد دللنا على صحة تأويل مالك من كتاب الله وقد قام ما فهم من الفدية والخلع بين الزوجين والقصد للفراق بذلك مقام الطلاق وإن لم يلفظ به، بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان تأويلك في الخلع أنه فسخ بغير طلاق، فقد دللنا على أن ذلك طلاق عند ذكرنا لمسألة الخلع.
ولا خلاف أن الكناية بالطلاق توجب ما يوجب الصريح منه إذا أريد به ذلك، وإذا كان قوله: قد فارقتك- يريد الطلاق، - طلاقا، فكذلك خليتك وسرحتك وحرمتك وأبنتك وبتتك.
وإذا قال: انت حرام أو حرمتك – يريد الطلاق، لا نجد بدا بإلزام ذلك له، لأنه يشبه ألفاظ الطلاق المنصوصة، مع ما أيده من نية الطلاق، فذكلك لو قاله ولا نية له، كما لو قال: فارقتك، ولا نية له، أو: سرحتك، ولا نية له.
وإذا حرمت بقوله: فارقتك، فكذلك ذلك فراقا بقوله ذلك، من غير فراق تقدم، فكذلك قوله: حرمتك، ترحم بقوله ذلك، من غير تحريم تقدم.
وهذا كالنص مع ما أيده من الدليل الواضح، ولله الحمد، وهو قول أئمة من الصحابة.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى عن سحنون بن سعيد قال: أنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا كان يقول في قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام: إنها ثلاث.
قال سحنون: ونا به ابن وهب، عن أنس بن عياض.
أنا أبو بكر قال: أنا يوسف بن يحيى قال: أنا عبد الملك بن حبيب قال: أنا مطرف بن عبد الله، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عمر بن دلاف.
وفي الموطإ في غير هذا الحديث: عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه، أن عليا قال: الحرام والبتة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
أنا أبو بكر قال: انا يحيى قال: أنا سحنون عن ابن وهب قال: أنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة مثله في الحرام.
قال ابن وهب: أنا عبد الله بن عمر ومالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول في الخلية والبرية: البتة.
وقاله في الحرام من الصحابة من ذكرنا ومن لم نذكر، ومن التابعين عدد كثير، ومن تابعيهم منهم الحسن والحكيم وربيعة وابن شهاب وابن [] [وكثير مـ]ــمن يكثر علينا ذكرهم.
والعجب في تجاسر هذا الرجل على رد أقاويل الصحابة، حيث لم يحك ما تقلد عن أحد منهم، ولا يجد عن أحد من الصحابة أنه قال في القائل لامرأته: أنت علي حرام، إنه لا شيء عليه.
وإن كان قد روي فيه اختلاف عن بعض الصحابة، فلا يجد عن احد منه أنه لا شيء على قائل ذلك، حتى لا يلزمونه شيئا من طلاق واحدة، ولا أكثر منها، ولا ظهار، ولا كمقام يمين، بشيء من ذلك ولا بغيره، فلا يجد ذلك عن صاحب، وفيما قال العلماء العالمون بما اختلف فيه الصحابة.
وإنما هذا يحكي عن رجل من التابعين، الله أعلم بصحة ذلك عنه، على كثرة من خالفه من التابعين.
ولا أعلم من فقهاء الأمصار من يرى أن يتقلد قولا، لا يحفظ فيه عن أحد من الصحابة إلا خلافه.
ومن تقلد مثل هذا القول الذي رغب عنه صدر الأمة انبغي له أن يستحي من ذكره، فضلا عن أن يطلق فيه هذا الإطلاق على من خالفه.
وكأنه رجل يرى أن له أن يقول بما لم يسبقه إليه سلف، وهذا لا يراه العلماء، وإنما يجسر على مثل هذا الخوارج.
وإذا كان لنا أن نختار من أقاويل الصحابة بما يظهر لنا من الدلائل، فإن القول الذي أخذنا به من قول الصحابة قد ذكرنا ما تظاهر من الدلائل عليه.
ومن قال: وهي واحدة، أو قال هي ما نوى من الطلاق أو قال: ظهارا، لم يعط الكلمة حقيقتها، لأنها لا تحرم بالواحدة، ولا بالظهار ولا بدون الثلاث.
ومن قال: ييمن، فلم يحلف القائل بذلك على فعل، وقد أجمعوا أن من حلف بالطلاق أن ذلك لا تكفره كفارة، وهذا أشبه بصريح الطلاق أو بمكني الطلاق منه باليمين بالله، فلما كانت الأدلة تدفع هذا، ولم يكن لقول هذا الرجل الذي تقلد سلف من الصحابة سقطت المناظرة عليه، إلا أنا مع ذلك قد تكلفنا رده، وذلك في صدر المسألة على [إبطال] ذلك من ناحية الاعتبار وما دل عليه الكتاب والسنة و [].