باب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحد
قال: وهو يرفع الحد عن قاذف الكبيرة المجنونة، إذ لا يكون من مثلها زني.
قال: وهذا تناقض.
مع ما ضم إلى هذا من لغوه وفضول كلامه.
واحتج بقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ قال: فإن وجب الحد على القاذف لأنه ممن أمر ونهي، فأوجبه في قذف المجنونة، وإن كان لأن المقذوفة في حال القذف كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة.
وإنما قال مالك، رحمه الله، بحد قاذف الصغيرة، يعني: التي يوطأ مثلها، وإن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 638
لم يفسر ذلك هذا الرجل.
وذلك لأن معرة القذف بذلك تلحقها وتعرها، ولا يعر ذلك الصبي الصغير، وإن كان ليس بزنى منه ولا منها، إلا أن وطء الصبي ليس بوطء منه، ولا في الموطأة، ولا يوجب حكما.
والواطيء في الصبية يؤثر الحد في واطئها، ويوجب الصداق والإحلال، ويمكن معه الولد منهما للمراهقة للبلوغ، لاختلاف الأسنان في البلوغ، فهو ممكن منها، والعدة منه واجبة فهو في الأنثى أقوى، والمعرة به لها ألصق من الذكر.
وأصل ما جعل الله سبحانه على القاذف لما يلحق معرة القذف بالقذوف والله أعلم.
ولا يشك أحد أن المصيبة دون البلوغ تلحقها بذكل معرة غير قليلة، فدخلت مدخل من تحلقه معرة القذف، والله أعلم.
ولو كانت علة ما وجب بالقذف أن يكون المقذوف ممن يلحقه بالفعل اسم الزني، دون أن تكون معرة ذلك لاحقة به، لكان قاذف المحدودة في الزنى يحد، لأنه رمي من يلحق به اسم الزنى، فلا يحد حتى يرمي عفيفة، يعرها ما رميت به من الزني، وذلك لا يعر التي زنت فالحد لمعرة القذف.
وأما ما اتحج به من قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ فهن الحرائر المسلمات العفائف.
وقوله: إن مالكا يقول: لا حد على قاذف الكبيرة المجنونة، إذ لا يكون من مثلها زنى، فالذي عندنا عن مالك أنه قال: يحد قاذفها، وإنما قال ذلك لما يلحقها من
الجزء: 2 - الصفحة: 639
معرة القذف والوطء ممكن فيها.
وقولك: فإن وجب الحد على القاذف لأنه مأمور ومنهي، فأوجبه في قذف المجنونة، فقد أوجبناه، وبطـ[ــل ما] تعلقت به من المناقضة، وإلزامك فيه [اختلال] لو حتى سلمنا لك ما ذكرت لكان قولك: لأنه ممن أمر ونهي إنما يحسن معه الإلزام، فأوجب الحد في قذفه للأمة والنصرانية، والمجوسية لأنه مأمور [ألا يقذفهن] ولا غيرهن.
وقولك: وإن كان لأن المقذوفة حال [القذف] كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة، فهذا فيه إحالة، وإنما الذي يحسن أن يقال: فإن كان لأن المقذوفة في حال القذف ليست كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة.
وبعد فلو كانت المجنونة حدث بها الجنون لكان الحد منها أبين شيء، لأنها قد أخذها زمان تكون به لو زنت زانية، ولو حتى قال: أردت في جنونك لم يصدق، وكان أدنى منازله التعريض.
الجزء: 2 - الصفحة: 640
ولو حتى كانت لم تزل مجنونة منذ بلغت فكانت هذه لا تسمى بزناها زانية، لزوال القصد منها في وقت من الأوقات، فقد قال بعض أصحابنا، إن مثل هذه لا حد على قاذفها، وهي مع هذا الوصف تخالف معنى الصبية المراهقة، إذ الحمل من هذه ممكن، وما ظهر بها من ولد فبزوجها لاحق.
وإن كان ذلك منها ممكن متخوف، كان اسم الزنى بفعلها مثل ذلك، إذا صح ذلك، من حمل وبلوغ يخفي منها، وربما أظهره حمل يحدث منها قبل أن يعلم منها ظاهر بلوغ، فكانت لهذه الوجوه متأكدة الحال في معرقة القذف فقوي بذلك إيجاب الحد على قاذفها.
ومما يقوي معرةا لوطء في الصغيرة التي مثلها يوطأ: أنها يجب عليها العدة بذلك الوطء من زوج، أو الاستبراء من زنى الزاني بها، وأن الحمل منها ممكن إذا كانت توطؤ مثلها.
ويلزمك أن لو قذفت - وهي قد أنبتت وراهقت - ألا حد على قاذفها، ومعرة الوطء فيها حيئنذ أقوي معرة تلحق [بها بالقذف].
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رموا عائشة رضي الله عنها، بالإفك، وهي إذ ذاك بنت ثلاثة عشرة سنة، قد أوفتها، والله أعلم هل بلغت المحيض حينئذ أم لا، وما
الجزء: 2 - الصفحة: 641
تسمعنا بذكر ذلك في حديث الإفك، وسنها حينئذ إلى الصغر ما هو محتمل للبلوغ وغيره.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: إن كنت أحدثت فتوبي، محتمل أن يأمرها بالتوبة وهي مراهقة كما تؤمر بالصلاة والله أعلم بذلك.
وإنه ليلزمك أن من رمى زوجته المراهقة بالزنى أن لا يلتعن لأنه عندك لا يحد بنكوله، ولا يكون منها ولد عندك فتنفيه، والأخبار تدل على خلاف هذا.
وإذا كان يلاعن على ظاهر القرآن، فلا يخرج اللعان من أن يكون لنفي ما ينفي من ولد، وليدرأ عن نفسه حد القذف، فإذا كانت عندك لاحد في قذفها ولا ينفي منها ولد، فلا معنى للعان منها.
فإن قلت: لأن الحمل منها ممكن، فينفي باللعان ما يمكن من ولد إن كان، لا لأن الحد يجب عليه برميها.
قيل لك: فأوقف اللعان حتى يظهر الحمل، فإذا ظهر الحمل فاجعل له نفيه، وكيف ينفيه وهو مقيم على وطئها، ولم يظهر منها محيض يكون به استبراء لرحمها، وهو لا
الجزء: 2 - الصفحة: 642
يدعي استبراء، فلما كان اللعان فيها لا يتأخر عندك فكذلك لا يتأخر الحد عن قاذفها، لأن الحمل منها ممكن، ولأن الوطء منها ممكن، وقد تحمل عند أوائل البلوغ قبل ظهور الحيض عليها، فهذا كله يقوي إيجاب الحد على قاذفها، مع معرة القذف فيها، كمعرة الكبيرة، والصغير الذكر بخلاف ذلك كله
الجزء: 2 - الصفحة: 643