الذب عن مذهب الإمام مالكباب وطء الصغير للكبيرة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال أبو محمد: ومما أنكر هذا الرجل قول مالك: إن الصغير إذا وطيء كبيرة وهي طائعة إنه لأحد عليها، وتلا ما أوجب الله سبحانه على الزانية.
قال في خطل له أرغب عن حكايته ما الفرق بين كبير وطيء صغيرة فصار بوطئه إياها زانيا يحد وإن لم تكن هي بوطئه زانية، وبين صغير وطيء كبيرة لم لا كانت هي بذلك زانية وإن لم يكن هو بذلك زانيا؟ فإنا نقول لهذا الرجل: ألزمتنا القياس وهو باطل عندك، ثم كلفتنا أن نقيس شيئا على ما لا يشبهه.
وذلك أن الرجل الكبير إنما سميناه زانيا بفعله، لا بفعل غيره فيه، وسميناه أيضا زاينا بفعله فيمن معها آلة الوطيء متكاملة له، فيكون فعله بها يلزمه، بذلك أحكام ويوجب عليه أحكاما.
فمن ذلك أن وطأه إياها يوجب عليه الحد، ويوجب عليه في النكاح والغصب الصداق، ويحلها بالنكاح لزوج كان طلقها ثلاثا، ويوجب أن يكون هو بذلك محصنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 633

وذلك أن آلة الوطء منها لواطئها متكاملة، لا يزيد فيه بلوغها على الواطيء لها معنى من الأحكام ولا ينقصه.
ورأينا الصغير يطأ الكبيرة ليس متكامل الفعل فيها كما تكاملت آلات الوطء من الصغيرة مع الكبير فكان الصغير لا يحصنها وطؤه، ولا يحلها لزوج كان أبتها، ولا يوجب لها صداقا في نكاح ولا غصب، ولا يوجب عليها عدة وليس هي له في النكاح بفراش يوجب عليه لحوق الولد به، ولا إيجاب الصداق، ولا إحصان الموطأة ولا إحلالها فدل رفع أحكام فراشه في نكاحه من هذه الأحكام على رفع الحد عنها بوطئه في غير نكاح، ومعنى آخر: أن الصبي فمعدوم القصد، فلا يصح منه الزنى، فقام ذكره مقام الأصبع في أحكام الوطء وكذلك قال النخعي ويحيى بن سعيد: إنه مثل الأصبع في عدد من التابعين.
ولما كان فعل الصبي فيها بذكره لا يوجب من هذه الأحكام شيئا، دل ذلك أن فعله ذلك فيها بغير نكاح لا يوجب حكم الوطء بغير نكاح من تسميتها بذلك زانية، حتى ترجم هي بذلك، أو تجلد، أو يسقط الحد بذلك عن قاذفها، وصار الفعل الموجب لما ذكرنا - من أحكام الوطء الحلال وغير الحلال - غير موجود من الصبي، وصار إدخال ذكره في فرجها، كإصبع استدخل في فرجها فأوجب لها لذة أو لم يوجبها، فتأمل مخارج الأصول قبل النكير.

الجزء: 2 - الصفحة: 634

وقد قال الله سبحانه: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ فلم يكن عقد النكاح ها هنا محلا، لها حتى يكون نكاحا فيه الوطء المتكامل فلما لم يكن وطء الصغيرة متكاملا منه حتى صار لا يحلها فكذلك لا تكون به زانية.
ولو كانت العلة في إحلالها وكونها زانية باستدخال كل ما ينزلها وتلذ هي به للزمها اسم الزني باستدخالها لإصبع صغير أو كبير حتى تنزل بذلك، وكان يحلها ذلك فبطل هذا الوجه، وصح ألا تكون موطأة توجب عليها اسم الزنى إلا بتكامل أوصاف الوطء من واطئها.
ودل الكتاب والسنة أن وطء الصبي غير متكامل في نفسه، ولا فيما يؤثر في الموطأة من إيجاب صداق وإحلال وإحصان، فيه ولا فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ وقال في اللعان: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ فدل الرسول عليه السلام أن العذاب في المحصنة الرجم، وقال سبحانه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ إلى قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ فأخبر أن المسيس يوجب جميع الصداق، وقال في التي لم يدخل بها: ﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 635

فلما كان الصبي إذا وطئ زوجته، ثم زالت عن عصمته بقضية أو بمبارأة الأب عنه - على قول من يرى ذلك - أو لم يطأها بعد ذلك حتى بلغ وطلقها لم يكن عليها بذلك الوطء عدة، ولا على الزوج به جميع الصداق، دل أن ذلك المسيس لم يوجب أحكام المسيس المنصوص.
وإذا لم يوجب لها حكم المسيس في الصداق والعدة، كان أبعد أن يوجب عليها مثل ذلك المسيس حد الزني، وهذا أعظم وإذا لم يجب الأدنى من الأحكام به كان الأعظم أولى ألا يجب.
فإن كان مسيسا فأوجب به ما نص من الأحكام للمسيس، وإن لم يكن مسيسا فارفع عنها فيه جميع أحكام المسيس.
فلما لم يوجب وطؤه فيها ولها من الإحلال والإحصان والصداق والعدة ما يوجبه وطء الكبير، دل ذلك أنه لا يوجب فيها الحد، لنقان وطئه عن مراتب أحكام وطء الكبير، فلم يجب أن تسمي هي بوطئه زانية لهذه العلل، ووجب أن يسمى الكبير زانيا بوطء الصغيرة، لتكامل أحكام وطئه، فإنه هو بوطئه للصغيرة محصن بإجماع، وأن عليه به الصداق وسائر ما يلزم بوطئها من الأحكام.
والتي يطؤها الصبي لا تؤثر فيه إحلالا ولا إحصانا، ولا يوجب لها صداقا، فلما ارتفع هذا الوطء من الصغير أن يكون وطءا متكاملا في هذه الأحكام، وجب أن لا يلزمها به اسمها زانية.

الجزء: 2 - الصفحة: 636

واسم الزنى آكد حكما من هذه الأشياء في أنه لا يجب ويجب حكمه إلا بما لا ريب فيه ولا شبهة إذ الحدود في الأصل مدروءة بالشبهات.
فهذا أولى ألا يقام بمشكلات الأمور والشبهات ولا تقام الحدود إلا بتكامل أوصاف الوطء ومعانيه.
وهذا ظاهر كتاب الله وسنة نبيه ينبئك عن نقصان مرتبة فعل الصبي في الوطء للكبيرة، وينبئك بتمام ما يؤثر الوطء للصغيرة في الكبير، وإن بعد ما بينهما لمكشوف في الافتراق، لا يرد إلا بمكابرة أو تقصير إدراك، والمساوي بين هذين - على بعد ما بينهما - أولى أن يكون قد جمع ما لا يجتمع، وشبه ما لا يشتبه في نظر، ولا يستقيم في عقل ولا أتى به أثر، كما رميت مالكا.
وليس في المجازاة لك على سوء المقابلة منك لمثل مالك شفاء، وإن لمن اراد الله بنكير ذلك عزاء فيما يرجو من ثواب الله في تحامل الغامطين وتعدي المتكلفين، وبالله نستعين على تأييده وتوفيقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 637

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل