باب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعا
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الرجل يطلق زوجته واحدة، ثم يرتجعها في سفره في العدة وهي لا تعلم، حتى حلت وتزوجت، أن الأول أحق بها إن قدم، ما لم يدخل بها الثاني.
واحتج هذا الرجل بقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، قال: فأباح امرأة لرجل، وهي زوجة لغيره، وهو يقول: إن نكاح الثاني باطل، فكيف تحل بالدخول.
قال: وكذلك زعم مالك في الوليين يزوجان امرأة واحدا بعد واحد بإذنها، أن نكاح الأول صحيح ونكاح الثاني غير منعقد ولا جائز، وأن الثاني غير زوج، وإن مات الأول قبل بناء الثاني ورثته وورثها إن ماتت.
الجزء: 2 - الصفحة: 712
قال: ثم ناقض، فقال: إن دخل الثاني قبل الأول، فالثاني الداخل بزوجة غيره أولى بها، فصار دخوله بزوجة غيره موجبا أنها له زوجة، وحرمها على الأول بغير طلاق، فأباح محظورا بغير دليل ولا سنة ولا اتفاق.
وذكر حديثا عن ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي موسى أن وليين أنكح أحدهما عبيد الله أولا، وأنكح الآخر بعده جارا له، فجامعها الثاني، فقضى بها لعبيد الله.
فالجواب عن ذلك، أن ما قال مالك من ذلك فالأصول تدل عليه، من الكتاب والسنة والإجماع.
وقد حرف هذا الرجل قول مالك، وبدله إلى ما تتم له به المناقضة التي تمناها في قول مالك، وليس لكل واحد ما تمنى، وكان حكمه في الديانة أن لا يحرف قول الرجل، ولا يرد عليه ما لم يقل.
فمما ما حرف فيه وحكى ما ليس بقوله قوله: إن نكاح الثاني غير منعقد، ولا جائز، وأنه ليس بزوج، وأن الثاني إذا دخل بزوجة غيره أولى بها، فهذا تعد، وتحريف في القول وحكاية ما لم يقله مالك.
وليس يقطع في الثاني بفساد حتى يعلم آخر ذلك، لأن الزوج له أن يرتجع، والزوجة التي لم تعلم بالرجعة لها في إجماع المسلمين أن تتزوج، فلما لم يكن عليها أن تقيم أبدا، لإمكان أن يكون زوجها قد ارتجعها وكان [] إذ لم يعلم بها، فكان
الجزء: 2 - الصفحة: 713
كالحاكم يجتهد بما أبيح له، فيمضي ثم يتبين له أن غير ذلك هو الصواب فلا ينقض ما نفذ من قضائه.
وهو أيضا بمنزلة حاكم حكم بما تبين له من دلائل على غائب، فله أن يبيع عليه فيه ربعه، ولا يتوقف عن ذلك لإمكان أن يكون عند الغائب حجة، فبعد أن باع وقضى الدين قدم الغائب، وقد أبقاه على حجته في الدين، فأقام بينة بقضاء الدين، أن له الرجوع بالثمن، على المقضي له بالدين، ولا يرد بيع الدار، لوقوعه بأمر جائز.
وكذلك أمرأة المفقود يضرب لها الأجل، وتتزوج زوجا، ثم يأتي زوجها.
وكذلك امرأة النصراني يسلم، فتعتد وهو غائب، وتتزوج انه إن قدم زوجها وأقام بينة أنه أسلم قبلها، أو أسلم في العدة بعدها، فلا سبيل له إليها.
وقد اختلف قول مالك في هذه الثلاث مسائل، في امرأة المفقود، والتي لا تعلم بالرجعة، والتي تسلم ثم يسلم زوجها في عدتها وهو غائب ولا تعلم.
فقال: لا سبيل للاول إليها إذا تزوجت، وقال: هو أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وهذا في التي لم تعلم بالرجعة مروي عن عمر بالإسناد الجيد، من رواية
الجزء: 2 - الصفحة: 714
مالك وابن وهب وغيره.
وكذلك نكاح الوكيل أو الأب يزوج ابنته، ويزوجها رجل قد وكله الأب أيضا، فهذا لم يختلف قول مالك فيها، أن الأول أحق بها ما لم يدخل الثاني.
والأصل في هذا: أنه لما كان لكل واحد أن يفعل ما فعل فقد تساويا في أمرهما، فلا يكون أحدهما أولى بما فعل، إلا أن يزيد مرتبة على صاحبه، فإن تساويا في أنهما لم يدخلا كان الأول أزيد مرتبة منه، فيسبق فإن دخل الثاني كان الدخول أقوى من السبق إلى العقد.
ولا يجوز أن يقال: إن العقد الثاني كان فاسدًا، وهذا من العقود التي يكشف صحتها ما يظهر بعد ذلك، كالذي يتيمم، فلا يجوز أن يقال: إنه إن أصاب الماء قبل أن يدخل في الصلاة أن تيممه في حين ما تيمم باطل، إنما ظهر لنا بوجوده الماء الآن أن تيممه باطل، حتى إذا دخل في الصلاة قبل أن يجده، ووجده في الصلاة، ظهر لنا الآن أن تيممه صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 715
وكذلك القاضي يحكم بما ذكرنا، ثم يظهر له خلاف ذلك على ما بينا.
وكذلك ما أتى من السنة، فيمن وجد بعيره في المغنم، أنه إن وجده قبل دخوله في المقسم، أخذه بغير ثمن، وإن وجده قد قسم لم يأخذه إلا بالثمن.
فلا يجوز أن يقال: لما كان له مالكا قبل القسم، فلا يزيل عنه القسم، وذلك أن للمشركين فيه شبهة ملك، بما دل عليه هذا الحديث والحديث الاخر: من أسلم على شيء فهو له، يريد: وإن كان أصله للمسلمين.
فهذه الغنيمة، لما كان لأهل الغنم أن يقسموا، ولا يترقبوا تمييز ما منه لمسلم او غيره، ثم افاتوا ذلك بالقسم الذي لهم فعله، لم يكن لمالكه إليه سبيل.
وكذلك كل من له أن يفعل فعلا، فلا ينقض فعله إلا إلى ما هو أقوى منه
فالمطلقة لها أن تتزوج بعد العدة ولا تترقب، لما يظن انه قد ارتجعها، فلا يرد لها فعل أباحه لها ظاهر الكتاب والسنة، وذلك أن الزوج عقد رجعة مباحة له، وعقدت هي نكاحا مباحا لها، وزادت الدخول فكان فعلها أقوى ألا يرد لما زاد من أحكامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 716
كما أن الجيش لما غنموا مال هذا الرجل وهم لا يعلمون، فملكوا ذلك بأمر جائز في الظاهر مباح، وقد سبق لربه ملك فيه، وهذا أقوي من ملك المشركين، ولهؤلاء فيه شبهة ملك، لشبهة ملك المشركين فلما كان لهم أن يفعلوا فيه، وبسطوا أيديهم في قسمه فقسموه، جعل النبي عليه السلام قسمهم إياه يمنع صاحب الملك القديم منه، ويقوي الملك الثاني الذي كان ضعيفا وكان الملك الأول أقوى منه.
فكذلك ما يسبق به العقد ويتأخر بالأمر الجائز، فيرد الأمر فيه إلى من قوي سببه على ما شرحنا، لتساويهما في الإباحة، فأحقهما أقواهما سببا فيما أبيح لهما فيه أن يحكما وأن يفعلا، وعلى هذا دلت السنن والأصول، وهو قول الخلفاء التابعين.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى قال: أنا سحنون عن ابن وهب عن يونس عن أبي الزناد عن عمر.
وذكره ابن شهاب ومالك عن عمر، بمثل ما ذكرنا من قول مالك، في التي لا تبلغها الرجعة حتى تنكح.
الجزء: 2 - الصفحة: 717
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن الجهم، قال أنا محمد بن شاذان، قال أنا معلي قال نا عبد الله بن عمر، ونا عبد الكريم الجزري، عن سعيد أن عمر قال في رجل طلق امرأته، قم خرج في سفر، فأشهد على رجعتها ولم تعلم بذلك فتزوجت، قال: إن رجع قبل أن يدخل بها زوجها الآخر فهي امراته.
وروى مثله ابن وهب عن عمر، في الوليين يزوجان، وهو خبر ثابت.
وروى مثله عن معاوية، وقاله عطاء، نا أبو بكر قال نا يحيى قال: أنا سحنون، عن ابن وهب، قال أنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن ابن المسيب: ان السنة مضت في الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها الرجعة، حتى تحل فتنكح زوجا غيره، أنه ليس له من أمرها شيء، ولكنها من زوجها الآخر.
وقاله عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وقاله ابن شهاب، وهو قول عطاء ومكحول وربيعة ويحيى بن سعيد، وقاله مالك والليق، وقضى به شريح في التي لم تعلم بالرجعة، وقال جابر بن زيد، إذا دخل بها الثاني فلا شيء للأول [وإلا] [فهي للأول].
الجزء: 2 - الصفحة: 718
وقاله ابن الزبير والحسن بن علي.
وهذا كله بالأسانيد الجيدة، تركنا [هنا] إيعابها كراهية التطويل، إذ فيما ذكرت وفي بعضه مقنع، و [الله] المستعان على توفيقه.
ولم يذكر هذا الرجل في مسألته هذه اثرا صحيحا ولا شيئا عن أحد من السلف، إلا أنه ذكر عن أبي موسى في الوليين يزوجان فأعوزه أن يجد ذلك إلا عن رجل واحد، في غير المسألة التي احتج لها، فجعل ذلك أصلا، ثم قاس عليه التي لا تعلم بالرجعة فإن لم يرد ذلك قياسا عليه، فلا معنى لما ذكره عن أبي موسى في غير مسألته.
والذي ذهبنا إليه مروي ثابت عن ستة من الصحابة، ثلاثة من الخلفاء وعن عشرين من التابعين بالحرمين والعراقين والله المستعان.
الجزء: 2 - الصفحة: 719