الذب عن مذهب الإمام مالكباب أقل ما يكون صداقا
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال أبو محمد: ومما أنكر هذا الرجل قول مالك في الصداق: إنه لا يكون أقل من ربع دينار.
واحتج بقول الله تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، وقال: ﴿فأتوهن أجورهن﴾، وقال تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾، وبقوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾، ولم يحد قليلا من كثير، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم النكاح على نعلين، وعلى خاتم من حديد، ولم تجتمع الأمة على حد ولا يقصر دونه.
فلما كان هذا جاز أن يكون صداقا، كل ما تراضيا مما له نصف، لقوله سبحانه ﴿فنصف ما فرضتم﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 614

فالجواب عن ذلك: أن ما احتج به من هذه الآيات، نحن أسعد بالتعليق بها، إذ جعلنا الصداق المذكور والنحلة والفريضة، التي أباح الله بها الفرج، الذي عظم أن يباح بغير صداق، أن تكون الآيات المتلوات مصورفة إلى ما له بال من الأموال، بقوله سبحانه: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ فجعل الصداق يفرق بين النكاح والسفاح، وقال في الموهوبة: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾.
فإذا كان أقل ما يستباح به الفرج حق لله لا يجوز للمرأة أن ترضى بإباحة نفسها بغيره، وجب علينا حياطة هذا الفرج المحرم الا يباح إلا بيقين.
والآيات المتلوات متحملة لما قلنا، ونحن أولى في الاحتمال لما تأولنا ممن خالفنا، إذ صرف ذلك إلى كل شيء، فلما رأينا كل شيء منه ما يقل ويحتقر مما لا يعجز عنه عاجز، علمنا أن المراد من الصداق شيء له بال.
وقد جعل الله سبحانه الصداق مما فرق به بين الموهوبة والزانية وبين الزوجة، وفرق بين النكاح وبين الزني، بأن الزني يستتر به، والنكاح يعلن به، والزانية تبذل نفسها والنكاح تولي من يزوجها والزانية تبيح نفسها بغير شيء، وبما يقل ويكثر، فلابد أن يكون إباحة النكاح بصداق تخرج به عن حكم الزانية والموهوبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 615

واختلف الناس في حد ذلك، للاحتمال الظاهر، فلما حد بعضهم حدا لا يرجع به إلى أصل، كمن حد درهما وسوطا ونحوه، كان من حد حدا رجع به إلى اصل أولى.
فإن قلت: لا أحد في مقداره حدا إلا ما له نصف، قلنا: فإنا نجد شيئا لا قيمة له وله نصف مثل الحبة أو فلقة العود وسواك من اراك، هذا وقد جاء الوعيد فيمن اقتطع سواكا من أراك من مال أخيه بيمينه، او من غل من المغنم خيطا أو مخيطا، وأخبر الله ان حبة خردل يحاسب بها، فدل أنها لا يجب ان يؤخذ من صاحبها إلا بطيب نفس منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 616

فإن أبحت النكاح بحبة الخردل وفلقة العود والورقة والتبنة، لم يكن بينك وبين من أباح النكاح بغير صداق فرق، إذ لا يعجز عن هذا عاجز أن يرفعه من الأرض فيملكه، ثم يعطيه إياها فترضى به.
فإما أن تقيم فرقا بين الزني وبين النكاح يعلم ويفهم، فيقصر الصداق على حد معلوم، ولا تحد في ذلك حدا ترجع به إلى أصل، كما رجعنا نحن – بما حددنا فيه – إلى أصل، إذ كان لابد لنا أن نبيح الفروج إلا بما له بال، مما دل عليه ظاهر الخطاب.
ولو كان مثل الحبة والنواة وورقة البقل يكون صداقا، ما جاز لأحد نكاح الإماء، وكان كل أحد واجدا للطول فكان ذلك دليلا أنه لا يكون الصداق كل ما قدر عليه.
ثم رأينا الذين تركوا أن يحدوا في الصداق حدا، فيدوا ذلك بأن يكن متمولا له قيمة، فصار خروجه عن حد القليل اتفاقا.
فلما حصل خروجه عن اليسير التافه كان الرجوع إلى ما ليس بتافه، ومما له بال من الأموال، بأصل يرجع إلى أولى، إذ كان ذلك مقدارا منصوصا عليه، له من الحرمة ما قطعت به اليد.

الجزء: 2 - الصفحة: 617

فلما كان أقل ما له حرمة، وجب أن يكون مثله أقل ما يكون صداقا، وأن يستباح بما له حرمة من الأموال أولى أن يستباح بما لا حرمة له.
ولما لم يكن لها أن تبح نفسها بغير شيء كان أقل الصداق من حقوق الله، وإنما يتراضي الزوجان فيما يجاوز ذلك، فتكثر الزيادة عليه أو تقل بمرضاتهما، ودل أن بعد ذلك مرتبة هي حق الله، لا يجوز لأحدهما النزول عنها، فلابد من الاستدلال على حد ذلك ضرورة، وإلا لزمك أن تقول إن [الاختيار] لهما في قلته وكثرته وتركه أجمع.
فلما لم يكن لهذا قائل، دل أن ثم حالة لا صنع لهما في التخلف عنها، فلابد من الاجتهاد في حدها.
فلما تفاحش أن يكون الحد في ذلك الشيء لا بال له ولا حرمة له ولا يعجز عنه عاجز، استدللنا على ما له البال والحرمة، فأصبنا ربع دينار دل القرآن أنه مما له بال وحرمة من الأموال، إذ أباح به قطع اليد في السرقة فكان ذلك بكتاب الله وسنة رسوله المبين عن الله مقدار ما له البال مما تقطع فيه اليد، ولولا ذلك لكنا – على ظاهر الآية – نقطع في الحبة من الخردل والشعيرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 618

فلما دلنا عليه السلام أن المقصود بالقطع في الشيء الذي له البال بما حد من ربع دينار، كان ذلك أدل دليل لنا على ما أجمل الله لنا من آية الصداق، كما أن ما نص عليه الرسول من مكيال كفارة الأذى أنه مدان لكل مسكين، دليل على ما أجمل الله من إطعام الظهار لكل مسكين.
وكذلك نصه على رقبة مؤمنة في القتل، يغني عما أبهم من عتق الظهار، ولا وحشة علينا في قود أصلنا في القياس الذي تأباه.
ثم لم نعلم ولا سمعنا في الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه، أن أحدا منهم تزوج على أقل من وزن نواة من ذهب.
وهو حديث عبد الرحمن بن عوف، حين قال له عليه السلام: كم سقت إليها؟ قال: وزن نواة من ذهب، وذلك نحو ربع دينار، وإن كان قد اختلف في تقديرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 619

وحديث النعلين لا يعلم به التوقيت، إذ النعلان قد يجاوزان ذلك، وكذلك الختم الحديد.
وإذا أباح الله تعالى ورسوله عليه السلام زوال عضوها بسرقة ربع دينار، لم ينبغ أن يستباح فرجها من الصداق بأقل من ذلك، والله أعلم.
واحتج هذا الرجل بحديث رواه عاصم بن عبيد اللهن في التي تزوجت على نعلين، فقال النبي عليه السلام: أرضيت من نفسك ومالك بهذين النعلين؟ وهذا إذا ثبت لا حجة لك فيه، وإن كان عاصم بن عبيد الله قد تكلم فيه، وهذا إذا صح لم يكن أسعد به منا، إذ ليس فيه ذكر لقيمة النعلين.
واحتج غير الرجل بما روي عن النبي عليه السلام، قيل: ما العلائق؟ قال: ما تراضي عليه الأهلون، فهذا حديث واه، لا حجة في ظاهره لو ثبت.

الجزء: 2 - الصفحة: 620

فأما وَهْيُ الرواية فرواية الحجاج بن أرطاة له، ورواه أيضا عن ابن المغيرة رجل مجهول عن ابن البيلماني وابن البيلماني لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا.
ولو ثبت للزم من تعلق به أن يجيز النكاح، إذا تراضيا على حبة خردل وتبنة وحصاة ما لا بال له، لما تقدم دليلنا عليها، وأن الأصول تدفع هذا وليس ما يتراضيان، عليه يجب أن يكون عاما، أرأيت إن تراضيا على ما لا يجوز به الرضا؟ فالمقصود إذا تراضيا على ما دل على مقداره الكتاب والسنة، مما يخرج من الهبة والسفاح.

الجزء: 2 - الصفحة: 621

وكذلك حديث الحارث بن نبهان عن أبي هارون العبدي، عن الخدري عن النبي عليه السلام" لا يضر أحدكم إذا تزوج بقليل أو كثير، إذا تراضيتم وأشهدتم، احتج به غير هذا الرجل، فأردت ذكر ما احتج به غيره من أهل سعة الرواية والاستقصاء.
وهذا حديث لا يعتمد عليه، لأن رواية الحارث وأبي هارون عند أهل الحديث لا يحتج بها.
ثم هذا من ذلك المعنى أنه لا توقيت فيه، وذلك مصروف إلى ما دلت عليه الأصول من التوقيت الذي لابد منه وإنما هذا إباحة للتقليل والتكثير.
ولكن للقليل نهاية لا يجوز دونها، لا علم عليها ولا دليل إلا من غير الحديث، هذا ولو كان ثابتا.
وحديث آخر: من استحل بدرهم فقد استحل، قال أهل الحديث: هو حديث منكر لا يصح.
فإن احتج غيره بحديث مالك، في التي وهبت نفسها للنبي عليه السلام، فلم يرجع إليها شيئا، وسأله رجل تزويجه إياها، فقال هل معك من شيء تصدقها إياه فقال: لا

الجزء: 2 - الصفحة: 622

إلا إزاري هذا، قال: إنك إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس فلم يجد شيئا فقال: هل معك من القرآن شيْ؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، قال قد زوجتكها بما معك من القرآن.
فهذا حديث من أنكر أنه خصوص في أكثر نصه فقد كابر.
من ذلك أنها وهب نفسها للنبي عليه السلام فهذا خاص.
ومنها أنه عليه السلام زوجها، ولم يظهر لنا أنه سألها هل تحب نكاح غيره عليه السلام، ومنها أنه زوجها عليه السلام ولم يستأمرها.
ومنها أنه لم يسلها في الحديث هل رضيت بذلك الرجل، أو بالنكاح، بما معه من القرآن أو لم ترض، ومنها أنه لم يسألها هل تعلم تلك السورتين أولا تعلمها.
فكان ظاهره أني زوجتكها لأن معك قرآنا، بقوله: (بما معك منه)، إذ لم يأمره أن يعلمها إياهما.
ومن ادعى أن المعنى في كل ما ذكرنا شيئا يذكره ليس في نصه، كان ما يدعيه ظنا يظنه، ليس في ظاهر الحديث.
وأجمعوا أن لا يجوز أن يتزوج امرأةً رجلٌ بما معه من القرآن.

الجزء: 2 - الصفحة: 623

وإنما قال من تقلد تأويل هذا: إنما يجوز على أن يعلمها، وهذا فخارج من لفظ الحديث ومن معناه، وليس في الحديث أنه أمره أن يعلمها تلك السورة، ولا هي لتلك السور حافظة أم لا، ولو كان ذلك على أن التعليم لها للسورة صداقها، لكان إنما يعلمها ما لا تعلمه، وهذا غير معلوم من الحديث.
وفي الحديث أنه لم يبح له النكاح بخاتم الحديد، إن كان تقل قيمته – كما يتأول مخالفنا – حتى لم يجد شيئا، ومن خالفنا يبيح للموسر النكاح بذلك، هذا لو كان الخاتم خاتم الحديد، لا تكون قيمته إلا أقل من ربع دينار.
وكذلك لم يذكر أنه زوجها بقرآن من الرجل حتى لم يجد الرجل شيئا، ولا خاتم حديد، ومن خالفنا يجيز كذلك للغني، وهذا خلاف ظاهر الحديث.
وليس في ظاهره أيضا تعليم السور، وإنما ظاهره أنه زوجه إياها لما معه من القرآن.
فظواهر الحديث كله ناطقة بالخصوص، ولو كان الأمر من قول النبي عليه السلام: التمس ولو خاتما من حديد، مصروفا إلى تقليل قيمة الصداق، لاحتمل أن يكون ضرب بذلك مثلا للتقليل لا على الاقتصار على ما ذكر، كما قال في الأمة تزني

الجزء: 2 - الصفحة: 624

فتجلد، فقال في الثالثة أو الرابعة: بيعوها ولو بضفير، ولم يرد أنها تبدل فتباع بحبل، ولكن ذكره مثلا للقليل.
ولو احتمل عند مخالفي التحديد لزمه أن يجعله حدا، لا يجيز النكاح بأقل من قيمة خاتم حديد، وهذا وقد يكون الخاتم حديد يجاوز ثمنه ربع دينار، فليس في الحديث عند التأمل بالإنصاف حجة لمخالفنا، إلا أن يريد منا أن يجعل تأويله حجة، ويمنعنا من تأويل مثله [] من ظاهر فيه، يدل على صحة قولنا.
ومن قال: النكاح بكل ما تراضينا به، لم يصح هذا، إذ قد يتراضيان بما لا بال له.
فإن قلت: بما له قيمة وبال، صرت إلى تحديد شيء ضرورة لا ترجع بـ[ـه] إلى أصل.
فإن قلت: إنك لا تقول بالقياس، فترد ذلك إلى أصل، قيل لك: فألزم نفسك ما أصلت: أن الفروج في الأصل محرمة، فلا تستباح إلا بما لا شك فيه، إذ لم يأت في الصداق توقيت يرجع إليه نصا، وقامت الأدلة أن لابد فيه من توقيت، ليخرج عن الموهوبة، وأن لا تجعل ما لا بال له صداقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 625

ومن قال بالقياس لزمه ألا يحد حدا إلا أن يرجع به إلى أصل، فيكون ذلك اولى ممن يحد بغير أصل.
ولما امتنع كل من خالفنا من إجازة النكاح بالحبة والورقة وما لا بال له مما له نصف، ورجعوا إلى توقيت فوق هذا، كنا بالتوقيت بأصل رجعنا إليه أولى أن يكون قولنا أصح، ولما في ذلك من تحصين الفروج بما لا إشكال فيه، لما عظم الله من أمرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 626

وليس تشبيهنا ذلك بالمقدار الذي نص الله على قطع اليد فيه ببعيد، لاشتباهه به في غير وجه مما يشبه ما اختلفنا فيه.
منها: أنا استدللنا أنه مقدار له بال وحرمة.
ومنها أنه مقدار استبيح به عضو في البدن، وانتهكت به حرمته، فأشبه عندنا أن هذا المقدار المنصوص يستباح به في النكاح معـ[ــني] في البدن، لم ينص على مقداره، وليس لأن هذا مطيع وهذا عاص يمنعنا من التشبيه في ذلك، والغاصب للمرأة عاص وعليه الصداق كهو، مثل المطيع الناكح، قياسا على حكمه في النكاح الحلال.
فإن قيل: فإلا رددت ذلك إلى دية اليد، قلت: هذا فاسد لغير وجه.
منها: أنه لم يرد إلى هذا التشبيه احد، والإجماع يمنع من ذلك.
ومنها / أن النكاح يحتاج إلىه الموسر والمعسر، فلابد أن يجري فيه الأمر على ما فيه صلح الجميع، وقد علم أن إباحة النكاح رحمة ورفقا ونعمة، فلا ينصرف إلى دية اليد فيما دل عليه القرآن من أنه رحمة عم بها عباده.

الجزء: 2 - الصفحة: 627

وهذا الذي قلنا قاله اكابر من علماء السلف، أنه لا يكون الصداق بما لا حرمة له ولا بال.
أخبرنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي: قال: نا ابن شاذان قال: انا معلي عن هشيم قال: أنا مغيره، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر كأجور البغايا، أن تنكح المرأة بالدرهم والدرهين.
قال وأنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم مثله.
وقوله: كانوا يكرهون يدل أنه من فوقه من الصحابة وأكابر التابعين.
وقوله: والدرهمين، يدل أنهم لا يكرهون الثلاثة.
قال ابن شاذان: نا معلى، قال: أنا يزيد بن زريع، قال أنا صالح بن مسلم سألت الشعبي عن الرجل يتزوج المرأة بدرهم، قال: لا يصلح إلا بثوب أو شيء.
ومن روى ان إبراهيم استحب النكاح بعشرين وأربعين، فهذا من باب الاستحباب غير مرجوع به إلى أصل.
وقوله عن سلفه: كانوا يكرهون النكاح على الدرهمين، أبين فيما ينهى عنه وأولى، لأن ثلاثة دراهم يرجع بها إلى أصل كما ذكرنا.
وما ذكر هذا الرجل عن إبراهيم ما تراضوا عليه فهذا الذي حكينا عن إبراهيم خلافه، هذا وروايته ذلك عن أبي معشر والرواية التي ذكرنا أثبت، وما روى إبراهيم عن سلفه أيضا.

الجزء: 2 - الصفحة: 628

وأما روايته عن الحسن: ما ترضوا عليه، فقد روينا خلافه.
أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن الجهم، قال: أنا ابن شاذان قال أنا معلى قال: أنا يزيد، قال أنا ابن عون، قال / قلت للحسن ما أدنى، أو ما أهون ما يتزوج عليه الرجل المرأة؟ قال: وزن نواة من ذهب.
وكذلك روى مالك أن عبد الرحمن بن عوف تزوج على وزن نواة من ذهب، واعلم بذلك النبي عليه السلام، وقد روي أن النواة التي تزوج بها قومت ثلاثة دراهم وربع.
قال محمد بن الجهم، نا ابن شاذان، عن ابي معاوية قال: أنا حجاج، عن قتادة عن أنس، قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة على وزن [نواة مـ]ــن ذهب، قومت ثلاثة دراهم وربع.
فهذا صداق [علمه النبي عليه السـ]ـلام.
وقد قيل في وزن النواة خمسة دراهم، ولعل النواة منها ما يصغر ويكبر، ومحال أن يقوم بثلاثة دراهم وربع، ووزنها خمسة دراهم فهذا يدل أن النواة مختلفة المقادير.

الجزء: 2 - الصفحة: 629

قال محمد بن عبد الحكم: ثم لا يحفظ أن أحدًا من الصحابة تزوج على أقل من نواة من ذهب.
وكر هذا الرجل أنه لا يعلم أحدًا سبق مالكا إلى هذا من أهل المدينة، ولا من غيرهم، فليس جهله بمن قال ذلك من السلف حجة، وقد ذكرنا بعض من قال ذلك من السلف، وما عضد ذلك من الكتاب والسنة والاستدلال.
وما حكي عن ابن أبي ذئب أنه لا يعلم من قال ذلك من أهل المدينة غير مالك، فقد يعلم ذلك غيره من نظرائه هذا إن صح عن ابن أبي ذئب، ولم يحك ابن أبي ذئب في ذلك توقيتا يرجع به إلى أصل، وعلم مالك أنه لابد من توقيت، فأخذ بأقل ما بلغه عن السلف من نكاح عبد الرحمن، الذي أخبر به النبي عليه السلام فاقتصر على ذلك مع الاستدلال عليه وقول من ذكرناه من السلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 630

وقوله عنه: إنه أخذ ذلك من قول أبي حنيفة، إذ لا يجيزه إلا بما تقطع اليد فيه، فلعمري لقد وافق أبو حنيفة مالكا في هذا، ولهما في هذا سلف، وأما أن يأخذ مالك قوله من رأي أبي حنيفة فهذا بعيد، وكان بعيدًا من الأخذ عن الكوفيين الحديث، فكيف برأي أبي حنيفة، قال مالك: لم يأخذ أولونا عن أوليهم، فكذلك آخرونا، وهذا مما لم يكن لذكرك إياه وجه.
وأما قوله: إن مالكا قال: إن تزوج بأقـ[ــل] من ربع دينار إنه لا ينعقد، إلا أن يتم لها ثلاثة، وإن طلقها قبل البنـ[ـاء] فلها نصف ما سمى، وقد ألزمه، فيها الطلاق، وهو لم يجعله صداقا، ولا النكاح منعقد، وأباح لها أن تنكح غيره، إذا لم يكمل لها ثلاثة دراهم، فكيف يقع الطلاق في نكاح لم ينعقد؟ وأن لها أن تنكح إن لم يتم لها ثلاثة دراهم.
وما ذكرته عن مالك ليس بقول مالك، أو لعلك رأيت قوله فظننت أن ما حكيت مثله، أو قبلته ممن عنده من التحامل والجهل ما حرف به القول.
وإنما قول مالك أنه نكاح انعقد بشبهة، للاختلاف فيه، فلا يفسخ إلا بقضية أو برضى الزوج بالفسخ دون السلطان، فلذلك ألزم فيه الطلاق وجعل فسخه بطلاق للشبهة التي في صداقه بالاختلاف، وإذ لو حكم حاكم بإجازته لم ينقض حكمه.
وقوله: إذا طلق وقد نكح بدرهمين فلها درهم، فهذا قول ابن القاسم، وإنما قال

الجزء: 2 - الصفحة: 631

ذلك فلأن الزوج لم يرض بأكثر من درهمين، فيؤخذ منه أكثر منهما، ولم يقره على النكاح للدلائل التي ذكرنا، وقام عنده مقام الشبهة، وهذا باب من الاحتياط غير مستنكر.
وأما رواية ابن القاسم: إنه إن لم يتم لها ثلاثة دراهم فسخ، وإن أتمها ثبت، فقد اختلف في ذلك أصحاب مالك.
فوجه رواية ابن القاسم فلأنه لا يبقى نكاحا بأقل مما دلت عليه الأدلة من الصداق، وأجازه إذا تم ذلك، لأنه لو نكح بتفويض فرضيت بما لا يكون صداقا لقلته لم يجز حتى يتم لها ذلك، فإن طلقها قبل البناء فلها المتعة، ولو دخل يجبر على تمامه، هذه رواية ابن القاسم.
وذكر عبد الملك في النكاح على درهمين، أن ذلك كالنكاح بما لا يصح من الصداق، فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويكون لها صداق المثل.
وكل محتمل لأن ما دل القرآن عليه من نكاح التفويض إذا بذل أقل من صداق المثل فلم ترض به فسخ النكاح، وإن أتمه مضى ذلك، وإن دخل أجبر على تمام صداق، المثل إن كان لم يفرض شيئا.
فأقام ابن القاسم ثلاثة دراهم مقام صداق المثل، لما في النكاح بدرهمين من الاختلاف وهذا وجه من الاستحسان وهو التوسط في القول عند تعلق الشيوخ بغير أصل واحد في التشبيه، وهذا غير بعيد.
ومن أقامه مقام الفساد في الصداق، أجازه بعد البناء، وأوجب عليه صداق المثل، بالبناء، وكل محتمل للنظر، وبالله التوفيق.

الجزء: 2 - الصفحة: 632

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل