الذب عن مذهب الإمام مالكـ[ـت عـ]ـ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ليه البينة عند الرسول أنه عرف بالكفر، فاستتابه وتركه، فلا حجة لكم بالمنافقين لهذه الدعوى.
[فإن قلت] [] منهم قائمة سئلت عن من ظهرنا على نفاقه اليوم، اتتركه كما ترك النبي عليه السلام المنافقين، [أو] تقتله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 533

فإن قلت: نستتيبه، خالفت، ما فعل النبي عليه السلام في المنافقين، فإنه لم يستتبهم من شيء مما يعلم من طوياتهم.
وإن قلت: [أثبته] على ما علمنا من نفاقه، ولا نستتيبه ولا نقتله، خرت من قول العلماء.
فلا تجعل المنافقين أصلا لاستتابتك للزنديق، فإن هذا غلط فاحش، لا خفاء به، وقد قال النبي عليه السلام: من غير دينه فاقتلوه.
نا به الحسن بن بدر، نا النسائي، نا قتيبة بن سعيد، نا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، قال، قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غير دينه فاقتلوه.
وهذا عام.
فإن قيل: إن النبي عليه السلام قال للمقداد – حين قتل الكافر- ألا شققت عن قلبه، بعد أن تشهد.

الجزء: 2 - الصفحة: 534

قيل: ذلك كان كفره ظاهرا، فرجع إلى أمر ظاهر.
ويقال له: أرأيت قول النبي عليه السلام: من غير دينه فاقتلوه، عام أم خاص، أم له معنى خلاف ظاهره؟ فإن قلت: معناه بعد الاستتابة، سئلت الدليل.
فإن قلت لقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾.
قيل لك: هذه الآية معناها ظاهر [] (فدل بذلك أنهم ينتقلون عن أمر ظاهر علمناه إلى امر ظاهر) [والأية] لا تطالب بالتكليف لأن ينتهوا عن ما في سرائرهم.
فدل ذلك أنهم ينتهون عما سلف مما ظاهرونا به، إلى ما سواه، مما نعلمه عنهم، والزنديق بخلاف ذلك.
هذا وقد اختلف الناس فيمن يعلم منه [الإيـ]ــمان فارتد مظهرا لردته، فقيل: يقتل ولا يستتاب، وتأولوا أن [ذ] لك حده القتل والحد لا تزيله التو [بة] [كما أن حد الزنى] لا تزيله توبة الزاني عند الحد، وتأولوا هذه الاية {قل للذين كفروا

الجزء: 2 - الصفحة: 535

إن ينتهـ[ـوا] يغفر لهم ما قد سلف} ممن لم يتقدم لهم إيمان قط، وأما من آمن ثم كـ[ـفر] فلم يدخلوه في الاية.
وقد قال نحو هذا معاذ، وأشار به على [أبي] موسى في رجل ارتد، فقال: لا اقعد حتى يقتل فقتله أبو موسى، [وقد] تقلد ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال مالك في الاستتابة من ظاهر إلى ظاهر بقول الصديق في استبقائه من تاب من أهل الردة، وبقول عمر وعلي وعبد الله وغيرهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 536

وقالت طائفة بقول عبد العزيز هذا، واتبعه على ذلك من المتأخرين سعيد بن محمد بن الحداد، وأنت لا تقول بذلك.
ولكن عجبت من تحامل هذا الرجل، في دعواه لإجماع الصحابة والتابعين على استتابة الزنديق، وهم لم يجمعوا على استتابة المرتد فضلا عن الزنديق، ولكن كلامه خرج عن حمية ونقص من العلـ[ـماء] شديد.
ويقال له: أرأيت الذي علمناه بالإيمان، ثم ظاهرنا بالكفر مرتدا، أليس إنما نستتيبه مما أظهر إلينا من الكفر، ليرجع إلى الإيمان الذ [ي] كان يظهر إلينا فلابد من: نعم.
فيقال له: فهذا الزنديق الذي ظاهرنا بالإيمان، ثم اطلع عليه رجلان أنه يسر الكفر، فهل نستتيبه مـ[ما] أظهر، أو مما يسره ويخفيه؟ فإن قلت: مما يسره، قيل لك: فكيف تطالبه بالانتقال عن سريرته ولا وصول لك إلى ذلك.
فإن قلت: أصل إلى ذلك بقوله: إني مؤمن في سريرتي وعلانيتي.
قيل لك: مازال قائل ذلك قبل ظهورك عليه وبعده، فما الذي تغير من حاله بعد شهادة البينة عليه بما يسر؟ أرأيت إن قال: كذبت البنية، وما أنا إلا مؤمن [في] السر والعلانية، أتجعل ذلك توبته وتبقيه على حاله، وتصير الـ[ــبينة] لا تغير منه معنى، ولا توجب عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 537

حكما، فلما كانت التوبة مما يسر من الكفر لا يتوصل إليها معنى يساوي ما أسر، لم يكن لاستتابته وجه، وكان حده القتل، وكذلك فعل علي بن أبي طالب.
نا الحسن بن بدر نا النسائي، نا محمد بن المثنى، نا عبد الصمد، نا هشام، عن قتادة عن أنس، أن عليا، أتي بناس من الزط، يعبدون وثنا، فأحرقهم، فقال ابن عباس: إنما قال رسول الله عليه السلام: من بدل دينه فاقتلوه.
وهؤلاء إنما [ظهر] عليهم التستر بذلك، وإظهار الإيمان، فلذلك قال ابن عباس هذا في قبول توبة الزنديق وقتله، كالذي دل عليه الكتاب من قتل الساحر، لأنه كفر مستتر به، ويدل على ذلك، قول الله تعالى: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، وبقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاخرة من خلاق﴾ وبقوله ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ يقول: باعوا ومن خسر نفسه حتى لا يرى لها في الآخرة نجاة، فلا حظ له في الإيمان.
فلا تقبل توبة الساحر إذ لا يظهر على أمره، ولا يعرف ما تاب منه، وقد قال النبي عليه السلام: حد الساحر ضربة بالسيف، فسماه حدا، والحد لا توجب دفعه التوبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 538

[نا] محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا ابو مسلم، نا سليمان بن داود، نا معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الخير أن النبي عليه السلام قال: حد [السـ]ـاحر ضربة بالسيف.
قال ابن الجهم: ومن قال في إسماعيل بن مسلم في [حديثه] يضعف، فإن إسماعيل ثقة مأمون، ولا يدفع بهذا حديث تشهد [عـ]ـليه الأصول.
وحديث جندب مشهور من غير طريق، وروينا حديث [] [خبر] مشهور.
[] إبراهيم [نا] أبي نا إسماعيل القاضي، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجزيري، عن ابي العلاء، أن النبي عليه السلام، ارتجز ذات ليلة، فقال: جندب وما جندب، والأقطع الخير، فسئل عن ذلك بعد أن أصبح، [فقال: أما] جندب

الجزء: 2 - الصفحة: 539

فرجل من أمتي يضر ضربة، يبعث بها أمة وحدة يوم [القيامة]، وأما الأقطع فرجل تقطع يده فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الزمن، [فكـ]ـانوا يرون الأقطع زيد بن صوحان، قطعت يده يوم اليرموك، وقتل يوم [الجمل]، وأما جندب فهو الذي قتل الساحر.
وفي الأصول أن كل مستتيب، في [أمر] يوجب عليه حدا فإن توبته لا تزيل حده، من ذلك السارق والزاني، وأما المحارب المجاهر فإذا جاء تائبا سقط عنه ما كان [عليه من] حد الحرابة التي ظاهر بها ولا يسقط عنه حق الآدميين، وهذا [كسائر] ما ذكرنا.
وهذا الذي قال مالك في الزنديق والساحر قول علي بن ابي طالب، قال يجالد وابو موسى كتب إليه [عمر] أن اقتلوا كل كاهن وساحر.
أنا محمد بن عثمان: قال: أنا [محمد] [بن الجهم] نا عبد الله بن أحمد، نا أبي نا هشيم، نا إسماعيل بن [أبي خالد،] عن ابن إدريس، قال: أتي بناس من الزنادقة

الجزء: 2 - الصفحة: 540

قد ارتدوا عن الإسلام وجحدوا فقامت عليهم البنية العدول فقتلهم ولم يستتبهم، [وأتي] برجل كان نصرانيا فأسلم، ثم رجع، فاستتابه فتركه.
قال: نا [ابن الجهم] نا عبد الله، نا سفيان عن أيوب، عن عكرمة أن ابن عباس بلغه أن عليا [أخـ]ــذ زنادق فأحرقهم، قال: أما أنا [فلو كنت لم أعذبهم] بعذاب الله، ولو كنت لقتلتهم، بقول النبي عليه السلام: من غير دينه فاقتلوه، وقد [أقـ]ـتلهم ثم أحرقهم.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا الحارث بن مسكين، [نا ابن] وهب، نا الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله، عن عون بن أبي جحيفة، [عن] علي بن أبي طالب أنه أتى بزنادقة يعبدون رأسا بالكوفة، فحفر [لهم] وأمر بضرب أعناقهم.
فهذا يدل أنه بعد القتل أحرقهم، وذلك ليستفيض أمرهم، وتعظيما لجرمهم.
فهذا قول أمير المؤمنين علي وعبد الله بن عباس وتأويلهما، وقد تأول ابن عباس قول النبي عليه السلام: من غير دينه فاقتلوه، أن ذلك في الزنادقة، فهذا الذي قال مالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 541

قال محمد بن الجهم، نا يوسف بن يعقوب، نا ابن أبي بكر، نا موسى بن إسماعيل قال: سألت [إبراهيم] بن سعد بن إبراهيم: أيستتاب الزنديق؟ قال: علينا بالمدينة والٍ [قتل] زنديقا ولم يستتبه، فأسقط في يديه، فقال له أبي: لا يهيدنك ذلك، فإنه قول الله في كتابه: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا أمنا﴾، قال السيف: ﴿قالوا أمنا بالله وحده﴾ وصل إلى قوله: ﴿فلما يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾.
والآثار في هذا كثيرةن وأكره التطويل، وفيما ذكرنا كفاية.
وهو قول ابن شهاب وابن المسيب وربيعة وابي الزناد، وغيرهم من تابعي أهل المدينة، وقاله مالك وعبد العزيز والليث بن سعد فيمن اتبعهم.
والعجب في جرأة هذا الرجل بقوله: إن هذا القول لمالك لم يسبقه إليه أحد وإنه قاله برأيه، وإنه خلاف الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون.
وانت ترى ما في ذلك عن الصحابة والتابعين، وظاهر القرآن وحديث الرسول وكلام السلف.
فهذا رجل هانت عليه نفسه، واستهان بمنطقه وهوي دينه، وأعوذ بالله من الجرأة على الأ [ئمة] والقول بغير علم في دين الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 542

وأما الساحر فممن قال يقتل بغير ا [ستتابة] عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وجندب الخير وحفصة وعبد [الرحمن] بن زيد وقيس ابن سعد بن عبادة، وابن المسيب والزهري وعـ[ــمر بن] عبد العزيز وربيعة والحسن وخالد بن المهاجر، وأبو الزناد وعـ[ــثمان بن] الحكم وسنان بن سلمة وغيرهم.
وهو قول أهل المدينة، وقاله ما [لك] وعبد العزيز فيمن اتبعهما، وهو قول الشافعي.

الجزء: 2 - الصفحة: 543

ويقال لهذا الر [جل على] معنى أصوله: أرأيت استتابتك للزنديق، أبنص قلته، أم [بقياس]؟ والقياس عندك باطل، ولا نص معك، والأحاديث بخلاف قولك، [لقول] النبي عليه السلام: من بدل دينه فاقتلوه، وقوله: حد الساحر [ضربة] بالسيف، وحديث جندب.
وقول النبي عليه السلام في ذكره للعلة الـ[ـتي بها] أبى المنافقين، الذين ظننت أنت أنهم يشبهون من ظرهان نحن علـ[ــي كفرهم] فصار لهم أمرا خاصا، هذا والنبي عليه السلام لم يستتبهم.
فبمـ[ـاذا] تعلقت – أيها الرجل- في استتابة الزنديق وجعلته إجماعًا ونـ[ــصا] من نصوص القرآن والسنة، وهذا كلام من ينطق عن الهوى؟ فإن قلـ[ــت: فإن في] ظاهر القرآن قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم [ما قد] سلف﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 544

فقد عرفناك أن ظاهر الآية أنهم إنما ينتهوا عما كانوا [له] مظهرين، ولا خلاف بين الناس أن هذه الاية لم تنزل في المنا [فقين].
فإن قست المنافقين على الكفار – الذين فيهم نزلة الآية – أ [خطأت] من وجهين: أحدهما: أن القياس باطل عندك، ووجه آخر لمن قاس: [إنـ]ــما يقيس على اصل يشبه الفرع، ويكون في الفرع علة الأصل، وهذان [يفتـ]ــرقان في العلة والمعنى، هذا مظهر غير مستتر، وهذا مستتر لما يظهر [علـ]ـــيه فبقي حكم الزنديق منفردًا، لا دليل معك على قولك فيه، من كتاب [وسنة] وقياس.
وأما حجتك بقول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا [ثم آمنوا ثم كفـ]ــروا﴾ فلا حجة لك بذلك؛ لأن الله سبحانه وصف انتقالهم [من ظاهر] إلى ظاهر، وليس هذا مما اختلفنا فيه، واختلافنا فيمن أظهر [إيما] نا وأخفى كفرا.
وهذا وقد قال قتادة في هذه الآية: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصاري بالإنجيل، [ثم] كفرت، وكفرهم به تركهم إياه.
ثم ازدادوا كفرًا، بالقرآن وبمحمد.

الجزء: 2 - الصفحة: 545

[نا إبراهيـ]ـــــم بن محمد بن المنذر، نا أبي، نا محمد بن عليى، نا محمد بن سليم، [نا] يزيد، نا سعيد عن قتادة.
وقال نحوه الضحاك وأبو العالية، وقال مجاهد: [هـ]ـم المنافقون.
فهذا تأويل السلف فيهم، ثم لم يذكر الله سبحانه من ما [صـ]ــرت إليه شيئا من قتل ولا استتابة، وإن غيرك ممن يرى قتل المرتد ولا يقبل توبته أشبه قولا منك، فيما أشكل عليه من معاني التعلق بظاهر الحديث، أو ما اشتبه من باب القياس، وإن كان [أكـ]ـثر، العلماء على ما قلنا، ودلائل ذلك ظاهرة.
فقد انكشف لمن أنصف عدولك عن الإنصاف ودعواك لما لا يدعيه من تحري الصدقة وآثر القول بالحق، والقصد في القول، [] الجنف والله المستعان.

الجزء: 2 - الصفحة: 546

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل