باب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدة
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المرأة تتزوج في عدتها من طلاق، قال ففارقها الآخر وظهر بها حمل فوضعته، أنه يبريها من عدتها من الزوجين.
قال وهذا خلاف ظاهر القرآن، بقول الله سبحانه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وهذا على أصله خطأ، لأنه يقول: إذا تزوجت في العدة إن
الجزء: 2 - الصفحة: 673
عليها أن تبني العدة من الأول، و [تأ] تنف عدة من الثاني، قال وهذا تناقض يدل على ضعف روية [قائـ]ــله.
فما ذكر هذا الرجل في هذه الباب فيه اختلاط واستحالة وتحريف، [يد] ل على غلو الحمية وتخلف الروية.
فأول ذلك قوله: ففارقها الآخر، [فظهر] بها جمل، فأوهم بقوله: ففارقها الآخر أن الطلاق باختيار منه، وأ [نه يقع] عليها طلاقه، وأنه لا يفرق بينهما بالـ[ـفسخ، بل بطلاق] ووجـ[ـه] القول أن يقول: ففرق بينهما.
ثم قال: وظهر بها حمل ثم وضعته، أنه يبريها من الزوجين جميعا، فلم يذكر الحمل ممن هو، من الأول أو من الآخر، وهذا يختلف وجهه، فإذا كان من الأول فقد علمنا أن عدتها تنقضي من الأول بوضعه، لقول الله سبحانه: ﴿واولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ولا يحسن في هذا أن يحتج بالاية الأخرى، من قوله: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.
فإن قال: إنه وإن كان انقضى عدتها من الأول وضع الحمل، فإنما أوجبت أن تأتنف ثلاث حيض من الثاني، فلذلك ذكرت أنه الأقراء.
قلنا: إنها من الثاني ليست في نكاح صحيح، ولم يكن ممن وقع عليها طلاقه، وليست من المطلقات اللواتي قال الله سبحانه فيهن ما ذكرت، وإنما يؤمر من كان مثلها ممن يفسخ نكاحه بغير طلاق بتربص بثلاث حيض، ليكون ذلك براءة لرحمها،
الجزء: 2 - الصفحة: 674
فلما كان الغرض في المحيض منها براءة الرحم، وكان الوضع لولد الأول يبري رحمها، برئت.
ألا ترى أن لو مات الثاني لم تعتد منه لوفاة، فدل ذلك أن المبتغي منها في الثاني أن يبرأ رحمها بما تبرأ بمثله الأرحام، فلا معنى لائتناف الحيض بعد الوضع من الأول، لخروجها من المطلقات، ولحصول براءة الرحم فيها.
فإن قال: إنما أردت في وجه المسألة أنه ظهر بها حمل من الآخر.
قلنا: هذا في ضميرك وظاهر لفظك يدل على خلافه، حين قلت: وإنما أصلها أن تتم عدتها من الأول، ثم تأتنف عدة الثاني، وأنت مقر أن عدتها من الثاني الوضع.
ثم طلبت من مالك أن يقول: تبدأ فتتم عدتها من الأول، وأنت قد جعلت عدتها الحيض بالآية التي احتججت بها، فكيف تكون عدتها من الأول، وأنت قد جعلت عدتها الحيض بالآية التي احتججت بها، فكيف تكون عدتها من الأول بالحيض سابقة إن صح الحمل من الثاني، إن كنت أردت ان الحمل من الثاني.
هذا وأنت تقلو إنه لا تحيض الحامل فهذا كله اختلاط.
وهبنا سالمناك في هذه المناقضة، واستقام قولك، أنك أردت أن الحمل من الثاني، فقولك، إنها تعتد بالحيض، أتعني من الأول أو من الثاني؟ فإن كان من الأول [وحلت] عندك سابقة، فينبغي أن تأتنف بعد الوضع عدة الأول، ثم بعد ذلك عدة الثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 675
وإن كان لا عدة عليها من الثاني فقد جعلت عدة الثاني سابقة لعدة الأول، وأنت رجل هجمت على نكير قول لم تحصلـ[ـه] والله أعلم.
وهذه المسألة في كون الحمل من الثاني، اختلف فيها أصحابنا، فقيل فيها: إن عدتها من الأول تأتنفها بعد وضعها للولد من الثاني لأن طلاق الأول وعدته سبق حمل الثاني، فكان الحمل كمرض أو رضاع تأخر به حيضها، فهي تأتنف ذلك بعد الوضع.
وقيل فيها: إن وضعها لحمل الثاني يبريها من الزوجين، وروى ذلك عن مالك، لأنها لما فقدت الحيض بالحمل كان وضع الحمل لها بدلا من الحيض، لأن رحمها قد بريء بذلك كما بريء بالحيض، وصار ذلك لها عوضا من الحيض، كما الشهور للآيسة من الحيضة بدلا من الحيض في براءة الرحم، والقولان محتملان، والله أعلم.
فأنت لم تحصل ما الذي أنكرت، ثم لم تدر ما معاني قول مالك، ولا وجوه أقاويله، ولا ما قال أصحابه، ولا كيف جرت أصولهم، وخلوت بنفسك تخبط العشواء.
الجزء: 2 - الصفحة: 676
وقولك: وهذا على أصله خطأ، لأنه يقو: تتم عدتها من الأول، وتأتنف عدتها من الثاني: فهذا لم يقله مالك في كل امراة تعتد من زوجين، وهذا إنما يجري على غير هذا اللفظ في بعضهن.
ومن ذلك المعتدة من الوفاة تتزوج في العدة، ويدخل بها فيفرق بينهما، [] الوفاة ائتنفت ثلاث حيض من الثاني، فتم لها أقصى الأجلين.
وكذلك إن حملت من الثاني، تتربص الوضع فهو أقصى الأجلين.
وإن كان تزوجت بعد وفاة الأول بأيام يسيرة، ودخلت ولم تحمل فإذا حاضت من يوم فراق الثاني ثلاث حيض تمت عدتها منه، فإن كان بقي من عدة الوفاة من الأول شيء فعليها التربص إلى تمامه.
فهذا معنى عدة التي يجري فيها أقصى الأجلين، لا على ما غيرت بلسانك وخلطت في عبارتك، وهو إن شاء الله معنى ما جاء عن عمر في هذا فهذا معنى ما تأول مالك في قول عمر، ومعنى أصوله، التي بينها، وفروعه التي أفادها.
الجزء: 2 - الصفحة: 677
وإنك لجريء في قولك فيه: إنه ضعيف الرواية، وإن من ضعف الديانة أن تطعن في عقل إمام جليل مثل مالك، وفي فهمه، وما يجسر على مثل هذا إلا مثل هذا الرجل، في قلة تحفظه في منطقه، وما هان عليه في ذلك من ديانته، وبعد فهمه عن غامض علم سلفه، وتصغيره لما عظم أئمة المسلمين من قدر مالك وحظفه وفهمه وفقهه، واستخفا [فه] بالعظيم من الغمص على أئمة هذا الدين والله أسأل العصمة وأحمده على العاقبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 678