باب في قتل الزنديق
أنكر هذا [الـ]ـرجل قول مالك في الزنديق، إذا قامت عليه بينة أنه يسر الكفر: إ [نه] يقتل، ولا تقبل توبته.
واحتج بقول الله سبحانه ﴿قل للذين كفرو [إن] ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله: إن الذين ﴿كفروا [ثم] أمنوا ثم كفروا﴾ وأعاب قول مالك، إذ قال: إنه يقتل ولا تقبل توبته.
الجزء: 2 - الصفحة: 528
[لأنـ]ـه على ما أظهر من التوبة عهدناه، فلم ينتقل عندنا إلى حال يعرف أنه انتقل إليها، واقتدي في ذلك بعلي بن ابي طالب، وابن عباس وغيرهما في الزنديق، وبما ثبت ايضا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة في الساحر، وبما دلت عليه الأصول من الكتاب والسنة مع كثرة من قال ذلك من التابعين وغيرهم.
ثم تحامل هذا الرجل فقال: إن مالكا إنما قال هذا برأيه واستحسانه، وإنه لم يسبقه إليه أحد علمته، وإنه خلاف ظاهر الكتاب وما ثبت من السنة، وما أجمع عليه أصحاب رسول الله عليه السلام والتابعون، في كلام من هذا، أقله يعظم على من عظم أمر الله.
وإن هذا الرجل في ا [دعا] ئه وحرج صدره وتقحمه فيما لا علم له به، واسترسال لسانه بالمنكر من القول، قد سلك مسلكا لم يسلكه إلا مجان أهل الكلام وسفاهة الأحلام، ممن يغمص على متقدمي السلف، من الفقهاء والمحدثين، ويقفون عنده موقف الغفلة، والمتحلقين ممن سبق مثل هذا إليه، فأشربه قلبه، فأقام عليه قد حجب عن الواضح، وجمح عن الناصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 529
وكأن هذا الرجل لم يلق إماما له هدي العلماء، فيهتدي بهديه، ويتأدب بأدبه، فيمسك عنانه، ويملك لسانه عن أن يطلقه بالباطل في امور الدين وفي أئمته، أعوذ بالله من سوء القربي، والركون إلى الهوى، وكيد الله بالإملاء.
وكيف يجوز أن يقول: إن هذا خلاف إجماع الصحابة والتابعين؟ وإنه إنما هو رأي رآه مالك، لم يسبقه إليه احد، وهو قول السلف قبل مالك.
ودفع الباطل لا يضر من دفعه، ويعر قائله، ويكشف مستور حاله، وسنذكر من قال ذلك من السلف، وندل على صحة قول مالك من كتاب الله وسنة نبيه، وقول الصحابة والتابعين، والدلائل الواضحة من حجة العقل.
واحتج هذا الرجل، بأن النبي عليه السلام أقر المنافقين على علم بهم.
ولو تدبر كلامه علم أن ما احتج [به] حجة عليه، لأنه اقر أن النبي عليه السلام أقرهم – وهو بهم عالم – ونحن إن ظهر إلينا من أهل النفاق مثل ما علم الرسول قتلناهم، فلا حجة لك بالمنافقين لما خصهم النبي عليه السلام، به من تركهم، وأخبر بعلة ذلك، بقوله: " لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ".
الجزء: 2 - الصفحة: 530
وقد أمر الله سبحانه رسوله أن يجاهد الكفار والمنافقين، وقال سبحانه: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ إلى قوله: ﴿اخذوا وقتلوا تقتيلا﴾.
قال قتادة: فكان هذا حكم من أظهر نفاقة أن يقتل.
[نا] إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية عن علي – يعني ابن أبي طلحة – عن علي، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿لنغرينك بهم﴾ قال: لنسلطنك عليهم.
نا إبراهيم بن المنذر، نا أبي، نا النجار محمد بن علي نا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أن ناسا من المنافقين أرادوا أن يظهروا ما فيهم فنزلت فيهم: ﴿لين لم ينته المنافقون﴾ إلى آخر الآية.
قال: وأنا أبي [عن] محمد [] نا نصر، نا عبد ن نا روح، عن قتادة، فذكر نحوه، وقال: أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم، فأوعدوهم الله بهذه الاية فكتموا ذلك، واسروا ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ قال: إذا هم أظهروا [الـ]ـنفاق، ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ يقول: هكذا سنة الله فيهم، إذا اظهروا النفاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 531
أنا محمد بن أحمد بن نا موسى بن عبد الرحمن نا يحيى بن محمد بن الـ[] لئن لم ينتهوا مما في قلوبهم من النفاق [] لنسلطنك عليهم إلى قوله: ﴿سنة الله في الذين﴾ أي من أظهر الشرك قتل، وقد أمر الله سبحانه رسوله بمجاهدة الكفار والمنافقين فهذه مجاهدة من أظهر نفاقه منهم، فأما من ستره فلم يؤمر فيهم بذلك.
وقد ذكر الرسول عليه السلام العلة في تركه إياهم بعد علمه بسرائرهم فقال: أولئك الذين نهاني الله عنهم، وقال: لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وهذا امر خاص في الذين كانوا على عهده عليه السلام، لأن الناس بحدثان كفر، ولا يعلمون المؤمن من المنافق، إلا بما [ظهر] لهم، ولو قتلهم بعلمه دون ظهور الأمر عليهم، لكان فيه تشريدا للناس عن الإسلام، كما قال عليه السلام: لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وقد روى جابر أن عبد الله بن أبي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأراد عمر قتله، فقال النبي عليه السلام: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فأخبر عليه السلام علة تركه لقتلهم، ولم يقل: لأني قبلت ظاهر دعواهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 532
وأنت في قبولك لظاهر الزنديق في بدي أمره او في توبته، لا تعلم طويته، والرسول إنما اقر بعد علمه فيهم، بخلاف ظاهرهم فلا حجة لك بهم، ولو ظهر ذلك منهم في حياة الرسول ظهروا ظاهرا كما قال قتادة والحسن لقتلهم عليه السلام.
وشيء آخر، أن الرسول عليه السلام هو الذي كان يعلم نفاق قلوبهم، وهو لم يؤمر ان يحكم بباطن علمه، وإنما مجاري أخذ [هـ] عليه السلام على الظاهر، لا على ما يعلم الله ورسوله من [الخفاء].
ولا خلاف أيضا أن لو علم الإمام من رجل ما يوجب التقل من كفر او غيره [وهو له] منكر أن لا يقيم ذلك عليه لعلمه.
وهل بلغك أن منافقا قام