الذب عن مذهب الإمام مالكباب قضاء ذات الزوج في مالها
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في ذات الزوج: إنه لا يجوز فعلها في مالها، من صدقة وعتق وهبة إلا قدر الثلث.
قال: فحذر غير محذور، وحد ما لم يحد الله ولا رسوله ولا اجتمت عليه الأمة، وجعل من لا يملك المال يحكم في مال غيره.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه﴾ وقول النبي عليه السلام: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام.
وكل ذي مال أحق بماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 720

فوجب بذلك ألا يحكم أحد في مال غيره، وجعل مالك للزوج رد عتقها، وهو يقول: يقطع إن سرق من مالها فجعله كأجنبي ثم جعل له رد ما أعتقت، وهو لا يجوز له عتقه، ولا المال له ثم أجاز هبتها لزوجها جميع مالها، فما الفرق، ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا سنة؟ قال: وإذا لم تحكم إلا في الثلث من يحكم في الثلثين، لا هي ولا زوجها ولا غيره، فيكون مال لا حاكم فيه، لا مالكه، ولا غيره.
ثم قال: إن تصدقت بجمع مالها فللزوج رد جميعه، فلم يجز هاهنا حكمها في الثلث [] [في غيره].
وقال: إن أصدقها صداقا فقام عليها الغرماء، فلا يقضي لهم فيهب شيء، وتشتري به الجهاز للدخول على زوجها، فمنع الحق من أهله، إذ هي ملية، تقضي دينها بالصداق الذي ملكته بأوجب واجب.
وقد امتنع النبي عليه السلام من الصلاة على الذين عليه الدين، فكيف بمن يجد قضاءه ويمنع منه غرماءه، لشراء طيب وجهاز، فلما ضمن أبو قتادة الدين، صلى عليه النبي عليه السلام، فهذا يدل أن من ضمن عن رجل دينا أن المديان يبرأ منه لرب الدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 721

وقال مالك: لا يبرأ المضمون عنه بذلك، ولا يؤخذ به الضامن إلا في عدم الغريم أو موته، ولو كانت ذمته مشغولة ما صلى عليه الرسول عليه السلام بعد أن امتنع.
فالجواب عن ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم﴾ فدل بقوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أن المراد الزوج، فإذا كان بظاهر القرآن هو قيما على زوجته وواليا عليها، وجب أن يكون له في المال معنى خص به، ولا يزيل قيامه عليها بهذا العموم إلا بدليل يقوم.
وقام الدليل من كتاب الله وسنة نبية عليه السلام ان للزوج في مال المرأة معنى، يجب له معه القيام بحفظه [وقيامه] عليها، وذلك أنه زيد عليه في الصداق من أجله إذ لو نكحها على تفويض، وبني بها وكانت ذات مال، ان صداق مثلها اكثر من صداق مثلها لو كانت فقيرة، ولو حتى أتلفت مالها قبل النكاح، لم تأخذ في صداق مثلها عشر ما يأخذ في ملائها.
فدل ذلك أن ما زيد على الزوج من الصداق لسبب مالها، أن تلك الزيادة عليه لسبب مالها، لمعنى أن في المال الذي لها، فوجب علينا أن نستدل على ذلك المعنى، لما رأينا [] منها لم يبق إلا أن له جماله ببقائه عندهما لما له في ذلك من تعجل نفعه بذلك، من جمال ذلك عليه، ومن جاء عواقبه ومن غير ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 722

فجعلنا له أن يمنعها ما يزيل ذلك عنه، مما يتلف به المال أو يجحف به ويزيل أكثره، [و] قوانا على ما تأولنا في ذلك من كتاب الله، ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو هريرة: تنكح المرأة لمالها وجمالها، فجعل للمال ما جعل للجمال، الذي به يستمتع فكان له أيضا معنى في المال يستدل عليه، وعلى ما أشار النبي عليه السلام إليه، وكذلك قوله عليه السلام لتلك المرأة، اتي تزوجت بنعلين/ أرضيت من نفسك ومالك بهذين النعلين.
نا به عبد الله بن سعيد الحداد، قال نا أبو عمران موسى بن الحسن البغدادي قال: نا عاصم بن علي بن عاصم قال: نا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت رجلا على نعلين، فرفعت إلى النبي عليه السلام، فقال: [أ] رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم: فأجازه.
قال شعبة: فكان في نفسي من الحديث شيء فلقيته فسألته أيضا فحدثني، فقال لها: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم، قال رأيت ذلك، قال: وأنا أرى ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 723

فقرن النفس مع المال في عوض الصداق فذلك يدلك أن له في المال معنى، كما له في البدن معنى التمتع به، فنظرنا سبب ما وجب له في المال بذلك، فلم نجد غير هذا المعنى، فأقمنا ظاهر الكتاب والسنة فيما وجدنا قيام ذلك فيه لئلا يتعطل ذلك، وأخرجنا من ظاهر ذلك ما أجمع الناس على إخراجه من تمليك الزوج لمالها حقيقة الملك، وكذلك أخرجنا من ذلك ما أجمعوا عليه أنه ليس له منعها من إتلاف اليسير الذي لا يجحف بالمال من الثلث فأقل، وما وقع فيه الاختلاف أصرفناه إلى ما أقمنا، به ظاهر الكتاب والسنة، وهكذا يجب علينا، وإلا أبطلنا المعاني بأسرها.
وإقامة الأمر إلى ما يستعمل به ما أمكننا استعما [له] من الكتاب والسنة أولى بنا.
وهذا وقد روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن المرأة لا تحكم في مالها إلا بإذن زوجها.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا ابو مسلم قال نا ابو عمر الضرير، قال نا حماد عن داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلىى الله عليه وسلم قال: لا يجوز لامرأة في مالها أمر، إذا ملك زوجها عصمتها.

الجزء: 2 - الصفحة: 724

ورواه حماد بن سلمة وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي عليه السلام.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال نا سحنون، عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه أبيه سمع عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما رجل ملك عقدة امرأة تزوجها، فليس لها أن تعطي شيئا من مالها إلا بإذن زوجها ". قال: وأنا سليمان بن أيوب عن عطاء بن دينار وغيره.
وقاله طاووس وربيعة وعمر بن عبد العزيز وغيره من التابعين.
قال: وأنا يزيد بن عياض، عن عمر بن عبد العززي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، وأنا مخرمة، عن أبيه، عن ابن المسيب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثله.
وأنا يونس عن ابن شهاب قال: أدركت أهل العلم يقولون: ليس للمرأة أن تعطي من مالها عطاء ذا بال إلا بإذن زوجها.

الجزء: 2 - الصفحة: 725

وهذا الذ [ي نص] ابن شهاب أنه الذي سمع العلماء بالمدينة يقولونه، رواه ابن الماجشون بإسناده له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يجوز لامرأة أن تقضي في مال ذي بال إلا بإذن زوجها.
والحديث الذي تقدم ذكرنا له لا يخالف هذا، ومعنى الأول في الشيء الكثير الذي يجحف المال، بدليل ما أجمع الناس عليه أن فعلها في القليل جائز، فخرج ذلك مما جاء في الحديث ودل عليه القرآن.
نا [انب] وهب، عن شمر بن نمير، عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: يجوز للمرأة ما أعطت من مالها والديها في غير سرف، إذا احتاجا إلى ذلك، فمنعها من السرف.
وعلي هذا جاءت الأحاديث كثيرا عن السلف.
وكانت [صفية] بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر – وهي بنت ستين سنة – لا تعتق رقبتها حتى تستأذن زوجها.
نا به أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، نا سحنون، عن ابن وهب، عن الليث، عن نافع.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ما يقرب من هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 726

ويكثر علينا تقصي ما روي عن السلف في هذا.
وهذا - مع شهرته وتأكده في سلف الأمة من صاحب وتابع – الذي قال هذا الرجل فيه: إنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة وهذا من التنطع، والله المستعان على اتباع سبيل المتقدمين.
وقوله: تقطع يده إن سرق مالها، ورأى هذا خلافا لقوله: إنه يمنعها فيه الحوادث، وأن هذه مناقضة.
وهذا أمر غاب عنه، لأنا لم نقل: إنه مالك لماله منعها من إتلافه، فلما أراد أن يتملك مالها بالسرقة قطعناه، لسرقته ما غيره مالك له وإنما له فيه سلطان المنع من إتلافه، ليبقى بيدها لما قام دليلنا به.
وقد يمنع المريض من الحكم في ثلثي المال وارثه، ولو سرقه الوارث في مرض المريض لقطع، فما الذي استبعد من هذا؟ وقوله: فمن يحكم بالثلثين؟ فيقال له: ومن يحكم في الثلثين من مال المريض؟ لا هو ولا ورثته ولا غيرهم.
وهذا إدخال غافل، والمرأة والمريض يحكمان في الثلثين في ملكهما لما ينميه ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 727

يتلفه، كما أن المديان يحكم في ماله لما ينميه، ولا يجوز عندنا أن يتلفه والدين محيط بماله.
وقوله: بم أجاز هبتها لزوجها جميع مالها؟ فما الفرق، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة؟ وقد دللناه على ما غاب عنه من الكتب والسنة، وأما الفرق بين الزوج وغيره، فإن منعنا للزوجة من إتلاف مالها من أجل الزوج، فإذا كانت الهبة له، زالت العلة التي كان لها المنع.
وإنما تكون مناقضة لو منعناها الحوادث من مالها لأن لها زوج، لا لأن للزوج حجة في ذلك ومنفعة له حق القيام بها، كما كان للورثة منع المريض من إتلاف ماله وإعطائه لغيرهم أو أن يخص به أحدهم، فحتى لو أعطاهم أنفسهم ماله كله بينهم سواء وهم بنون ذكر أو إخوة لجاز ذلك.
وكذلك لو أوصى بماله لوارثه وهو وارث واحد، أو لورثته على حسب مواريثهم.
وكذلك الزوج الذي كان له المنع هو الموهوب، لم يبق لأحد حجة، ونحن فلم نمنعها من مالها أن تتلفه لأن لها زوج، وإنما قلنا: للزوج منعها من ذلك، لمعنى هو له

الجزء: 2 - الصفحة: 728

في ذلك المنع، فإذا زال منعه زالت العلة، التي لها منعناها، وكذلك قال من قال قولنا من السلف.
أنا محمد بن محمد قال: أنا يحيى بن عمر قال: أنا سحنون، عن ابن وهب، عن رجال من أهل العلم، عن الأوزاعي، عن عمر بن عبد العزيز كتب في المرأة تعطي لزوجها العطية والصدقة: إن كان عن طيب نفس منها، فهو مما أحل الله أن يأكله هنيئا مريئا، وإن كان عن استكراه أو ضرار أو تخويف، فليرد عليها ما أعطته.
وقاله يحيى بن سعيد وأبو الزناد وابن شهاب وربيعة وغيره.
وأما قوله عن مالك: إن تصدقت بجميع مالها فللزوج رد جميعه، فلم يجز ثلثا، ولا غيره، فقد اختلف أصحابنا في هذه المسألة.
فقال المغيرة وغيره: يجوز منه الثلث، وقال مالك وغيره: يبطل جميعه، وهو قول محتمل للنظر، لأن تجاوزها في الكثير عمل بالضرر، الذي لا يباج لها، وفما جرى على وجه الضرر أبطلنا جميعه، وما جرى على الإصلاح نفذ إذا لم يكن ذلك مجحفا بالمال، الذي للزوج الحجة في بقائه.

الجزء: 2 - الصفحة: 729

وشيء آخر: أنَّا متى رددنا فعلها لما يتبين لنا من الضرر، كان لها أن تأتنف فعل ما أراد [ت] مما لا يرد من فعلها، والمريض إذا جاوز الثلث، وفات بنفسه، فقام الورثة برد ذلك، لم يكن للميت من يأتنف له الوصية بالثلث، أو غير ذلك مما كان هو يأتنف لو رد عليه فعله قبل فوات نفسه.
فليس ردنا لما زاد على الثلث من فعل الميت كردنا لفعل المرأة؛ لأن هذه قادرة على ائتناف ما أرادت، والميت يفوت ذلك منه، فلم يتساو هذا.
وأما قوله: إذا قام الغرماء عليها لم يقض لهم بأخذ الصداق في دينهم، وتشتري به الجهاز أولا، فهذا قد دلت عليه الأصول، لأن الصداق قد تعارف الناس أنه إنما يدفع إليها لتصرفه فيما يتجملان به ويستمتعان به، فكأنه كالأمر المشترط، لأنه عرف قائم، فقضاؤه في دينها يمنع الزوج مما عليه بذل الصداق، ولو علم أنه إنما يصدقها لتصرفه في دينها، وتأتيه فقيرة، ما بذل لها ما بذل، وهذا ظاهر في التعارف.
وقد ذكرنا في باب الرجوع بنصف الصداق في الطلاق ما دل على كثر من معاني الخلاف في هذا الباب، وإن كان إنما بذل الصداق لأمر، فله القيام به والرفع لكل ما منع منه والله أعلم.
وليس لها أن تقطع عنه ما عليه أعطي الصداق كما لا تمنعه ما اشترط.
وقوله في امتناع النبي عليه السلام من الصلاة على المديان، حتى ضمن عنه أبو قتادة، فقد قيل: إنه منسوخ بقوله عليه السلام: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلي.

الجزء: 2 - الصفحة: 730

وهو قول ابن شهاب، قال: وكل من مات وعلي دَيْنٌ فدينه على الأمير، وهو ظالم إذا لم يقض عنه.
وقوله: إن بضمان الكفيل، برئت ذمة الميت، ولولا ذلك ما صلى عليه النبي عليه السلام بعد امتناعه، [] لأنه لو مات مليا، والطالب على ثقة من قبض ماله، [أو قبض كثيره إذا لم] []، والله أعلم.
وقد مات عمر وغيره من أكابر الصحابة عن دين عليهم ولهم وفاء به، فأظهر المعاني أنه لما قام صلى كان من الدين على ثقة أنه يقضى عنه، كما لو مات مليا، فصلى عليه عليه السلام، لما تأكد من إمكان قضاء دينه.
والدليل على ذلك: أنه لو دخلت ذمته من الدَّين الأول لكانت عامرة بِدَين أبي قتادة أيضا، فقد حصل أن عليه دينا، لأن لأبي قتادة طَلَبَه بما يؤدي عنه، وليس في الحديث أن ذلك هبة ولا صلة، وإنما فيه الضمان، ومن ادعى براءة الذمة بالضمان، أو أن أبا قتادة تصدق بذلك، ادعى ظنًا لا تقوم به حجة، وأسأل الله توفيقه برحمته.
وإن قال: إن أبا قتادة رضي بالقضاء عنه على علم بأنه لا يجد في تركته وفاء، فإن لم يكن هبة وصدقة فهو على طيب نفس من تأخيره عليه، لرجاء ما يقضي عنه آخر ذلك، أو بشيءٍ يرجى.

الجزء: 2 - الصفحة: 731

قيل له: فإن كانت ذمته مشغولة بدَين أبي قتادة بطلت علتك: أن النبي عليه السلام لم يصل عليه إلا وهو خالي الذمة، وإذا صلى عليه النبي عليه السلام مع عمارة ذمته، كان ذلك دليلا أن التوقف عن الصلاة لفقد قضاء الدين، فلما صار في أمن من قضائه بالضمان صلى عليه، وكذلك لو كان مليا لم يتوقف علـ[ـــيه] السلام من الصلاة عليه، والله أعلم، فبطلت العلة التي ظننت أن الضمان يبريء الذمة.
وإن قلت: ذلك صدقة من أبي قتادة، لم يحصل معك غير الدعوى التي لا يجوز أن تدعيها بالظن، وهذا من التمني، والله المستعان على توفيقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 732

في التظاهر من الأمة

قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، فيمن ظاهر من أمته: أنه يلزمه، وحكى أن مالكا قال: وإن آلى من أمته لا يلزمه.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن لقوله سبحانه: و ﴿الذين يظهرون منكم من نسائهم﴾ الآية، وقال: ﴿للذين يولون من نسائهم﴾ الآية، وقال: ﴿وإن عزموا الطلق﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 733

فأوجب أن الظهار والطلاق لا يكونان إلا من الأزواج دون الإماء، بقوله: ﴿من نسائهم﴾ والنساء المقصود إليهن في هذا الأزواج دون ملك اليمين، ولم يوجب علينا ظهارا، ولا إيلاء فيما ملكت أيماننا.
فقال مالك: لا يلزمه الإيلاء من أمته، فلم تكن الأمة عنده من نسائنا، ثم نقض ذلك فقال: يلزمه الظهار منها، والآيتان في الظهار والإيلاء، قال الله سبحانه في كل آية: ﴿من نسائهم﴾ ففرق بين ما لا يفترق في خبر ولا نظر، ولا أتى به خبر، وظاهر الآية: إنما وجب الظهار فيما وجب فيه الإيلاء ولم يوجبه إلا في الأزواج، فقائل هذا مغفل، غير سالك طريق النظر.
أرأيت لو جسر غيره، فقال: يلزمه الإيلا في أمته ولا يلزمه فيها ظهار، هل الحجة عليه إلا كهي على مالك؟ ولم يفرق بين ما فرقت كتاب ولا سنة ولا اتفاق.
وإذا كان الاختلاف في ذلك، فظاهر القرآن يدل على أن المراد النساء اللاتي يظاهر منهن أزواجهن، وكذلك الإيلاء.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الرجل غافل فيما حكى عن مالك في هذا وفيما أنكر، وذلك أن مالكا يقول: إن ظاهر من امته لزمه الظهار، ولم يقل: إن من آلى من أمته إلا يطأها ان اليمين لا تلزمه، وإنما لا يلزمه ضرب الأجل لأمته، لأنه ليس لها حق في الوطء إذا امتنع منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 734

والزوجة لها ذلك حق من حقوقها، وهذا في ظاهر القرآن أن كلمة الإيلاء إنما هي اليمين، وإجماع الأمة أن الأمة لا طلب لها على السيد في الوطء، حلف أو لم يحلف.
وأظن هذا الرجل ظن أن ضرب الأجل هو الإيلاء، وهذا بعد شديد، وإنما الإيلاء اليمين التألي ألا يفعل الوطء.
قال النبي عليه السلام في الذي باع التمر فأصاب المبتاع فيه ما وضع به من الثمن، فحلف ألا يضع عن المشتري شيئا، فقال عليه السلام: " تأتي ألا يفعل خيرا "، أتيت بالمعنى.
قال النابغة: وآليت لا آتيك إن جئت مجرمًا ... ولا أبتغي جارا سواك مجاورا قال أهل اللغة: ﴿للذين يولون من نسائهم﴾ أي: يحلفون، يقول: آليت أولي، إذا حلف ألا يجامعها، والاسم الأَلِيَّة، قال جرير: ولا خير في قول عليه أَلِيَّةٌ ... ولا في يمين عُقدت بالمآثم

الجزء: 2 - الصفحة: 735

وأظن هذا الرجل لم يعلم أن الإيلاء اليمين، وإذا كان الإيلاء اليمين فكيف يحكي عن مالك، أنه قال: إذا آلى في أمته أنه لا يلزمه الإيلاء؟ فهذا قول غير محصل، وإنما لا يلزمه عند مالك ما يجب في الإيلاء للزوجة من ضرب الأجل، لحقها في طلب الوطء.
ولا خلاف أنه لا حق للأمة في الوطء، فيضرب لها في يمين السيد على ذلك أجل.
فإن كان هو يقول: إذا آلى ألا يطأ أمته، إنه لا إيلاء عليه، يعني لا يمين عليه تلزمه، فقد خرج من أقاويل العلماء.
وإن قال: تلزمه اليمين، ولا يضرب فيه أجل، فهو ما قلنا.
وإن قال: إن الإيلاء المذكور في القرآن إنما عُنِي به الزوجاتُ في سياق الآية.
قلنا: هو كذلك، بدليل آخر الآية، بقوله سبحانه: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾، فدل أن أول نص الآية في الزوجات، ولكن كلمة الإيلاء في اللغة هي اليمين، على ما بينا.
فإن قال: فلم لا قلت في الظهار: إنما عني به الزوجات، بظاهر قوله: ﴿يظاهرون من نسائهم﴾ كما قال في الإيلاء: ﴿يولون من نسائهم﴾ فكان ذلك الحكم في ضرب الأجل مقصورا على الزوجات، دون ملك اليمين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 736

قلت: لا يلزمني هذا، لأن في آخر الآية في الإيلاء ما كشف أن المراد بالحكم الزوجات، بقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾، ولا طلاق في ملك اليمين، وآية الظهار على عمومها، كما كانت آية أمهات النساء والربائب من النساء.
فلما كان قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ عامة في أمهات الزوجات وأمهات السراري، وكذلك قوله في الربائب: ﴿من نسائكم التي دخلتم بهن﴾ فكانت بنت السرية محرمة بهذا العموم، فكذلك آية الظهار.
ومعنى آخر أن الكفارة في الظهار جعلت لما قالوا من الزور والمنكر فلا يبالي قالوا ذلك في الزوجة أو الأمة.
ألا ترى أن الكفارة عندك في اليمين على ترك الوطء في الزوجة والأمة واجبة، فلما تساوت الأمة والزوجة في إيجاب كفارة يمين الإيلاء، فألا ساويت بنيهما في إيجاب الكفارة في الظهار، وأخرجت الأمة من الأجل في الإيلاء للدليل الذي قلنا: إنه لا حق لها في الوطء، وهذا بيان إلا أن يكابر مكابر.
وهذا الرجل لا يقول برد ما ذكر إلى ما لم يذكر، فكيف رد حكم الظهار إلى ما

الجزء: 2 - الصفحة: 737

ظهر له من البيان في الإيلاء؟ فإن كان لأنها يمين ويمين، فليساو بينهما فيما ذكرنا، مع ما يلزمه من نقض أصوله، وذلك أنه يلزمه أن يجعل الكفارة بالعتق في الظهار رقبة مؤمنة، كما ذكرت ﴿مؤمنة﴾ في كفارة القتل، إذ هي كفارة وكفارة، ففسرت هذه، وأجملت هذه، وهذا خلاف أصلك.
والعجب في قولك: لأن الله سبحانه قال في كل آية: ﴿من نسائهم﴾ ثم فرق مالك بين ذلك.
وقد أريناه أن مالكا ساوي بينهما فيما يمكن فيه التساوي، وإنما فرق بينهما فيما لا يمكن التساوي فيه كما بينا.
وكيف لم تلزم نفسك مثل هذا في شهادة العبد، فتقول كما قلنا، لما قال الله: ﴿وأشهداو ذوي عدل منكم﴾ ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ أن المخاطبين ها هنا الأحرار، كما قال الله في الآية الأخرى: {وأنكحوا الأيامى

الجزء: 2 - الصفحة: 738

منكم}، فكان المخاطبين في ذلك الأحرار، لقوله: ﴿والصالحين من عبادكم﴾، يقول: عبيدكم.
فلما تساوى قوله في هذه الآية: ﴿منكم﴾ وفي هذه الآية: ﴿منكم﴾ كان ما كَنَّى في إحداهما يكشفه ما ذكر في الأخرى، كما كان [] قوله في آية الإيلاء: ﴿من نسائهم﴾، وعقب بذكر الطلاق دالا على أن قوله في آية الظهار: ﴿من نسائهم﴾ إنهن الزوجات.
فهذا يلزمك، مع ما فيه من نقض أصولك، وآية التحريم في أمهات النساء والربائب أبين أن تكشف كل ريب.
هذا على أن الأمة والحرة في إيجاب اليمين في الوطء سواء، أن اليمين لازمة، فتأمل معاني ما تقول قبل القول.
ومن أخرج آية الظهار من العموم إلى الخصوص بغير دليل خُصِم.
ولا يجوز أن يقال: لما كان ضرب الأجل في الإيلاء للحرائر، دل ذلك أن آية الظهار يراد بها الحرائر.

الجزء: 2 - الصفحة: 739

لأنا إنما اعتبرنا في آخر الآية ما بين أن ذلك للزوجات بذكر الطلاق، وليس في آية الظهار ذكر الطلاق، ولا ما يدل على ان المراد الزوجات، والإيلاء أصل والظهار أصل، فردُّ ذلك إلى آية الإيلاء لا يلزم، ولأن ما في آية الإيلاء مما خصصت به الزوجة إنما هو ضربُ الأجل، وأما اليمين فلازمة في الحرة والأمة.
هذا مع أن هذا الرجل لا يقول بالقياس، فكان الغلط عليه في ذلك أَبْيَنَ.
وجائز أن تأتي العبادة بالظهار في الإماء والإيلاء بضرب الأجل للحرائر، فلا في معاني القياس يصحّ هذا ولا فيما تقلد من نفي القياس، فما الذي حسن عنده من هذا؟ وهذا أبين من أن يشكل ولله الحمد.
وقوله: وإنما أوجب الله الظهار فيما وجب فيه الإيلاء، وفرق مالك بينهما، وقائل هذا مغفل غير سالك طريق النظر.
فهذا كلام رجل يشبه أن يكون غائبا عن الفهم في هذا القول، لأن قوله: إنما أوجب الله الظهار فيما أوجب فيه الإيلاء، إن أراد إلزام اليمين، فهو قول مالك: أن اليمين تلزمه في الأمة والحرة، في الظهار والإيلاء، وإن أراد ضرب الأجل فلم يوجب الله ذلك في الإيلاء الأمة، وإنما أوجبه فيما فيه الطلاق، ولا طلاق في الملك، فأين النص بأن ما ذكر الظهار إنما هو فيما يكون فيه الطلاق.؟ فدعواه للنص في ذلك باطل ودَعوى على الله، وإن كان ظنا فالظن لا يغني من الحق شيئا، وإن قياسا فذلك لا يجوز لما بينا انهما أصلان، وليس يتساويان فيما فيهما من المعاني، والقياس فباطل عنده، فلا وجه لما تعلق به هذا الرجل، وإلا ما كشف من غفلته وسوء رويته وخفة لسانه في ان مالكا عنده مغفل في هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 740

فهذا من طوام الحوادث، أن مالكا مغفل في يقظة هذا الرجل وفطنته، والله المستعان.
وقد كشفنا ما أدَّته إليه فطنته، التي تقرب من نوم أهل اليقظة، وما يرضى من له تحفظ بما رضي به هذا الرجل.
والعجب من قوله: ولو تجاسر متجاسر، فقال: يلزمه فيها الإيلاء، ولا يلزمه الظهار، فإن أراد اليمين، فنعم تلزمه فيها اليمين بإجماع، وإن أراد ضرب الأجل فلا قائل لذلك، وهو خلاف النص.
وهذا الرجل يكثر من هذا أن يقول في مناظرته: لو قال أحد بكذا بخلاف النص، وخلاف الإجماع.
فهذا ما لا يناظر بمثله من سلك في العلم طريقا، وكيف يناظر من جرد رد النص والإجماع.
وكيف يكون من قال بقول من أقاويل السلف، أنه كمن رد النص والإجماع، وإنا في عناء معن في تكلفنا لنقض مثل هذا التلاعب.
والذي قاله مالك من ذلك، هو قول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وغيره، ومن التابعين فيما حفظنا نحو ثلاثين رجلا، منهم السبعة الفقهاء من فقهاء تابعي أهل المدينة.
وهذا كله مروي من رواية ابن وهب وغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 741

ومن ذلك أيضا ما أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن أحمد المالكي قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا يزيد، عن حبيب، عن عمرو عن جابر قال: الظهار من الحرة والأمة سواء، [] [] [سويد]، بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مريم.
قال محمد بن أحمد: ونا محمد بن شاذان قال: نا معلي قال: نا ابن لهيعة قال: نا موس ابن أيوب، عن إياس بن عامر قال: سألت علي بن طالب، فقال: تحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم ما يحرم عليك من الحرائز.
وقاله عمار بن ياسر.
وما ذكر في ذلك عن ابن عباس فمختلف في صحته، واختلف فيه عن مجاهد وعن الشعبي.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى، قال: نا سحنون، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن سعيد وسالم، يفتدي من الأمة في الظهار كما يفتدي من الحرة.
وقاله سليمان بن يسار والحسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 742

قال ابن وهب، عن سليمان بن يسار وعبد الله بن أبي سلمة والزهري والقاسم وسالم وغيرهم من السبعة الفقهاء من تابعي أهل المدينة وغيرهم.
وقاله عطاء ويحيى بن سعيد وطاووس وعكرمة، وجابر أراه ابن زيد، وغيره.
وقد ذكرنا ما أيد ذلك من الدلائل، مع من قال ذلك من السلف، وأسأل الله التوفيق برحمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 743

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل