الذب عن مذهب الإمام مالكباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلال
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلال

قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في الصبي يولد فلا يستهل إنه [لا يجب له حكم] في الميراث له [ومنه] والصللاة عليه وغير ذلك.
وحرف ما حكى فيه عن مالك، فقال: إن مالكا قال: إذا اقام الصبي يوما ويومين يرضع ويعطس ويبول ويتحرك، إنه لا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا.
قال وهذا خلاف كتاب الله لأنه حي بما ظهر من تحركه وعطاسه، ورضاعه، والحركة معدومة من الموتى، وكيف يشرب اللبن ميت؟ أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق أيكون ميتا؟ وقد نجد من لم ينطق ولا ينطق يأكل ويشرب.
فجمع هذا الرجل في عبارته إحالة في القول وخطأ في العلة التي جعلها دليلا، وباطلا من القول إذ أصرف معنى الصراخ إلى النطق والكلام.
ولم يقل مالك ولا غيره: إن النطق دليل الحياة، فيحتج عليه بأن يقول: أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق، فهذا من الباطل.

الجزء: 2 - الصفحة: 644

ومن هذا الذي زعم له أن لا يكون حيا متكامل الحياة حتى ينطق؟ هذا ما لا خفاء به، والصراخ فيه اختلفنا لا في الكلام، وكل أخرس فله صراخ وصوت ما.
وأما الاستحالة فيما أدخل وحكى عن مالك، مما حرف فيه القول مع الاستحالة، فقوله عن مالك: إنه قال: إن اقام يومين يرضع ويعطس أنه لا يرث ولا يورث بذلك، فهذا - مع ما فيه من الاستحالة - غير موجود، أن يقيم يومين أو ثلاثة يرضع ولا يسمع له صوت يقل أو يكثر خفي أو غير خفي، هذا باطل غير موجود.
وأما قوله: يعطس ويتحرك ويبول، فهذه الأشياء لو كانت دليل الحياة لكان []، وذلك أن الميت يبول، لأن ذلك يكثر من استرخاء المواسك.
وأما الحركة، فلا خلاف أنه متحرك في البطن قبل خروجه، فاعمل على أن له بها حكم الحي، ولا يحتاج إلى دليل حياة بعد الولادة، لأنه حي بالحركة عندك، وهذا لم يقله احد فلما لم تكن الحركة توجب له حكم تكامل الحياة، لم تكن حركته بعد الولاة علة، حتى يكون منه أمر بعد الولادة لا يشك في تكامل حياته به، وحركة فيه للمص هو من الحركات التي تقدمت في البطن، وكذلك حركة سائر جسده، وقد يتحرك المذبوح، فأميت هو أم حي؟ وأما العطاس، فقد يكون لريح دخل رأسه، وتكامل الحياة يطلب منه، لأنا اجتمعنا أن فيه حياة قبل الولادة، فلابد من أمر أزيد من ذلك تتكامل بها حياته، وإلا فهو على ما عهدناه في البطن من الحياة الناقصة.

الجزء: 2 - الصفحة: 645

والدليل على ان الصراخ هو أقوى دليل على الحياة البينة المتكاملة، ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك يقضي على ما اختلفنا فيه.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا ابن الجهم، قال: أنا الأنصاري قال: أنا عبد الله قال أنا عبد الأعلى، عن معمر عن الزهري، عن سعيد عن ابي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسته، إلا ابن مريم وأمه " وفي رواية أخرى: ثم قرأ ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
ونا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال نا نصر بن مرزوق، نا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه.
وقال فيه أبو هريرة: أرأيت هذه الصرخة التي صرخها الصبي حين تلده أمه، فإنه منها، وهو خبر مشهور ثابت.

الجزء: 2 - الصفحة: 646

وإذا خص رسول الله صلى الله عليه وسلم عيسى عليه السلام [] له بذلك، فلا جائز أن يشاركه أحد في ذلك، ولا يكون حيا سواه إلا صارخا، كما قال عليه السلام، وإلا لم يحكم له بحكم الحياة.
قال محمد بن الجهم: أنا عبد الله قال: أنا أبي قال: أنا عبد الرحمن قال أنا إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس قال ليس من مولولد يولد إلا استهل، والاستهلال أن يغمزه الشيطان فيصيح، إلا عيسى بن مريم.
قال أنا عبد الله بن أحمد قال: أنا أبي قال: أنا عبد الرزاق، قال أنا ابن جريج قال أنا أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: المنفوس يرث إذا سمع صوته.
وقاله عروة والحسين بن علي والمسور بن مخرمة، وابن المسيب، وابن شهاب وشريح الكندي، والشعبي وإبراهيم وعطاء والحسن وابن سيرين وربيعة والقاسم في فقهاء التابعين بالمدينة وهو الأمر القائم المشهور بها.

الجزء: 2 - الصفحة: 647

قال ابن شهاب وابن المسيب، إن ذلك هو السنة عندهم، وهما في العلم بالسنن وما تطابقت عليه القرون بالمدينة، وأخذه آخرهم عن أولهم، وهذا أقوي شيء في كافتهم.
وأقاويل من ذكرنا ثابت بالأسانيد المرضية، من رواية ابن وهب وغيره.
وإذا لم يصرخ صارت حياته غير متيقنة فلا يورث ولا يرث بالشك في حياته.
وأجمعوا أن المرأة إذا قتلت، وولدها يتحرك في بطنها، أنه لا حكم له في قود ولادية، واتفقوا أنه إذا لم يظهر له بعد أن وضعته حركة أنه لا يرث ولا يورث.
واحتج غير هذا الرجل بما روى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه: إذا تحرك وعلم أن الحركة من الحياة ليس من اختلاج ورث.
فعمرو بن عبيد لا يحتج بروايته لفساد دينه، وقد قال يزيد بن هارون: إنه يكذب في [الحديث]، هذا ولم يطلق للحركة أنها دليل الحياة حتى يوقن بأنها عن حياة، فلا تمنعن الاختلاج فقد جعل مع الحركة دليلا آخر فيه [ويطلب إلى] أن يوقن أنها حركة حياة، فعرفك أن ليس كل حركة تدل على الحياة.
ولو كان على ما تمنى مخالفا، لكان لنا عن الحسن خلافه.

الجزء: 2 - الصفحة: 648

أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن أحمد قال: أنا عبد الله قال أنا أبي قال انا أبن إدريس، سمعت هشامًا عن الحسن وابن سيرين قالا: لا يورث المولود حتى يستهل.
قال محمد بن أحمد: أنا يوسف بن الضحاك، قال: نا أبو سلمة قال أنا حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا تم خلق الصبي وصاح صلى عليه وورث، فهذا قول الصحابة والسلف والأمر المعلوم المتيقن الذي لا شك فيه.
وما ذكر عن مالك أنه: وإن رضع وعطس فلا يحكم له بالحياة حتى يستهل، فهذا مثل قول ربيعة، لو أخذ الرمح بيده، لم يجب له حكم الحياة حتى يصيح.
فهذا ونحوه، استدفاع لما يذكر على مبالغة في الوصف، وعلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الصراخ، والله أعلم.
وهذا هو المعهود المشهور، لا تجد النساء يذكرون انه يقصد إلى الرضاع ونحوه إلا بعد صراخ، فليس إدخال ما لم يقع يحيل الأمور عن وجهها، وقد دللنا على ضعف الحركة، وما كشف الريب من الدلائل وأقاويل السلف، وما بعد هذا إلا الشذوذ.
وأما قوله: فإن قيل: روي أن النبي عليه السلام قال: إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه، فعلل هو ذلك، فيما ذكر، بأن أبا الزبير رواه عن جابر

الجزء: 2 - الصفحة: 649

ولم يقل سمعه.
ومن رواية أخرى موقوفة على جابر، ولم يسنده إلا شبابة عن المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ولو كان ثابتا لكان معناه، إن الإستهلال أغلب أموره، لأنه لم يقل: لا يصلي عليه حتى يصبح.
فهذا الذي ذكر من العلل لا حجة له بها، وقد تقدم ذكرنا لحديث جابر من ما سمعه منه أبو الزبير موقوفا وما ذكرنا عنه عن الر [سول] صلى الله عليه وسلم.
فأما على لفظ هذا الحديث الذي علل هذا الرجل، فقد رويناه مبينا من غير هذه الطريق على اللفظ الذي هرب منه، وأقرب أنه به مخصوم.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال نا أبو إسماعيل الترمذي قال: نا القعنبي قال أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، عن جابر بن عبد الله والمسور بن خرمة وسعيد بن المسيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يرث الصبي حتى

الجزء: 2 - الصفحة: 650

يستهل، والاستهلال الصياح والبكاء، قال سعيد ولا يصلي عليه، وهذا خارج من علل هذا الرجل.
ولو لم يكن ذلك، لكان فيما تقدم من قول السلف والدلائل مقنع، فكيف وما ذكرنا من السنة من هذا الحديث، وما تقدم قبل هذا.
وقوله في لفظ الحديث الذي حكي إذا استهل ورث، ولم يقل: لا يرث حتى يستهل فقد أتينا بقوله: لا يرث حتى يستهل.
ولنا عليه مطالبة في قوله: " إذا استهل ورث" أن هذا - إن ثبت - على أن الأغلب من أحواله الاستهلال، يقال له: فألا قلت مثل ذلك في قول الله في قاتل الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ أن هذا على الأغلب والأوكد من وجوهه، وقد أتينا على جواب ذلك في باب قتل الصيد، وهذا الباب، وأسأل الله التوفيق برحمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 651

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل