الذب عن مذهب الإمام مالكباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشد

قال عبد الله بن أبي زيد: وأنكر هذا الرجل على مالك في هذه المسألة في البكر التي تولي: أنها لا يجوز قضاؤها في مالها، حتى تبلغ، وتنكح ويدخل بها ويؤنس منها الرشد مع ذلك.
وتلا قول الله تبارك اسمه: [﴿ولا توتوا] السفهاء أموالكم﴾ إلى قوله: ﴿وابتلوا [اليتامى] حتى إذا بلغوا النكاح فإن انستم [منهم] رشدا فادفعوا إليهم [أموالهم]﴾ [] غيرهم.
ثم قال: وقال الحجازي في ذلك قولا مخالفا لظاهر الكتاب، أن الإناث في ذلك تخالف الذكور، وألا يدفع إليهن - وإن بلغن وأنس منهن الرشد - حتى ينكحن

الجزء: 1 - الصفحة: 338

ويدخل بهن أزواجهن، ولو عنست وصارت عجوزا لم تقبضه، ولم تحكم فيه ببيع ولا هبة ولا صدقة ولا معروف، كانت في ولاية أبيها أو وصيها.
وهذا الرجل لم ير معنى قول مالك، إذ عبر عنه بغير معناه، لأنه قدر أن مالكا إنما فرق بين الذكور والإناث أن هذه أنثى وهذا ذكر.
والعلة عند مالك الرشد في الذكر والأنثى، إلا أن رشاد الأنثى لا يوصل إلى تمام اختباره إلا ببروز وجهها واستمكان الاختبار لها.
والمعنى عند مالك في قول الله سبحانه ﴿فإن انستم منهم رشدا﴾ بعد ذكر الله سبحانه بلوغهم النكاح فإناس الرشد هو أن يحس ذلك منهم، بالاختبار في صلاح الحال وحسن النظر في المال.
أنا أحمد بن إبراهيم عن القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال: نا محمد بن عبيد قال: نا محمد بن نور، عن معمر، عن الحسن وقتادة ﴿وابتلوا اليتامى﴾ قالا: اختبروا اليتامي، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.
نا أبو الوليد، قال نا شريك، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فإن انستم منهم رشدًا﴾ قال: اليتيم يدفع إليه ماله إذا أدرك بحلم وعقل ووقار.

الجزء: 1 - الصفحة: 339

نا هدبة قال: نا مبارك عن الحسن ﴿فإن أنستم منهم رشدا﴾ قال: رشدا في دينهم وإصلاحا في أموالهم.
نا علي بن عبد الله قال: نا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، عن ابن عباس فيما كتب إلى نجدة في اليتيم متى ينقضي يتمه؟ قال: إذا كان يأخذ لنفسه من صالح، ما يأخذ الناس، ويعطي منها من صالح ما يعطي [الناس فقـ]ـد ذهب [عنه اليـ]ـتم.
قال عبد الله: ولما كان منعهم من المال صيانة له، لم يبح لهم إلا بحال يؤمن معها على المال المصون بالحجر، ولا يكن ذلك إلا بالاختبار كما ذكرنا عن ابن عباس والحسن وغيرهما، فلا يقع الاختبار إلا بكون المخالطة والمداخلة، وما يتكرر من ذلك، حتى ينتهي إلى يقينه.
فلما كان الذكور يتصرفون وينتهون بالمخالطة للناس والتصرف معهم ومراعاة الأمور، إلى ما يبلغون به فهم المضار في المال، والمنافع واسابب التطلب والاحتيال في حفظه وتثميره، وفهم ما يجر إلى نقصه وفساده، كان الرشاد لذلك منهم معلوما، يدركه

الجزء: 1 - الصفحة: 340

من يكثر مخالطتهم واختباره لهم في الأمور التي تتكرر، والشهادة بذلك ممكنة غير مظنونة.
ثم رأينا العذراء في خدرها لا تصل من التصرف ومخالطة الناس ومعاينة الأسباب، ما تبلغ به من إدراك الأمور ما يبلغه الذكر البارز المتصرف، والحجاب الذي فيه لا تبلغ ذلك معه، ولا يبلغ منها أحد حقيقة اختبارها وحسن النظر والأسباب الدالة على صلاح المال الذي كان الحجر لصيانته.
فتربصنا بها إلى ظهر وجهها بالنكاح والبناء، لتصل هي ويوصل منها إلى منال أسباب الرشد المشترطة، ويسلك فيها الاختبار ببروز الوجه أكثر من ذ [ات الخدر] في سترها، ولا خـ[ــلاف] في [الرشد] بين الذكر [والأنثى]، لأن الرشد [منهما] [شرط]، و [لا] يؤنس إلا [] لهما [بالظهور] الذي هو سـ[ـبب] [] ويسكن منهما [] جلية من [] الحمية إن شاء الله.

الجزء: 1 - الصفحة: 341

وقد فرق النبي عليه السلام بين الأنثى البكر في سترها وبين الثيب التي برزت، فجعل إذن التي في الستر في النكاح صماتها، وإذن الثيب كلامها مثل الذكر، فقرن التي برزت بحكم الذكر في الدفع عن نفسها والعقد بلفظها، وجعل التي في الستر ينعقد عليها الأمر بصماتها.
وهذا ونحن نقول ونستدل: أن الأب يزوجها وإن لم يشاورها، لأنه في رواية سفيان: البكر اليتيمة تستأمر في نفسها.
وهذا كله دليل أن التي في الستر لا تمكن هي من أورها، ولا يتمكن هي منها، حتى عذرت في هذا الستر والتخفر بالصمت، فجعل منها كالنطق، ولا يشك أحد أنها غير عاجزة عن الكلام، فعذرت فيه وصارت كالعاجزة عنه لغلبة الحياء عليها، فهي في غير ذلك أعذر، وعن ما هو فوق ذلك من معاناة الأمور أعجز.

الجزء: 1 - الصفحة: 342

وإذا كان الستر موجبًا للتخفر ورفع الانبساط وترك الكلام، كيف تصل هي أو يوصل منها مع قيام هذه الحال، إلى ما لا ينال إلا بالتبسط والظهور وضد هذه الحال، فتدرك هي بالحال الثانية، ما لم تكن تدركه، ويدرك منها مثل ذلك؟ وما وراء هذا إلا المكابرة.
وهذا قد قاله أئمة أهل المدينة والاعتبار والشواهد تدل عليه، وقاله عمر بن عبد العزيز وأبو الزناد وعطاء ومجاهد، وربيعة وغيرهم، وهذا مشهور من قول التابعين بالمدينة، وقاله الشعبي وغيره من الكوفيين.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، قال: نا ابي قال: نا موسى بن هارون قال نا يحيى عن قيس، عن جابر، عن عامر الشعبي قال لا يدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج، وإن قرأت التوراة والإنجيل والزبور.
قال عبد الله: وأما قوله عن مالك، إنها وإن عنست فصارت عجوزا فلا يجوز صنيعها، فالمشهور من قوله وقول أصحابه، أنها إذا بلغت التعنيس وهي بكر جاز فعلها إن كانت مرشدة في الحال والمال، كانت في ولاية أب

الجزء: 1 - الصفحة: 343

أو وصي، هذه رواية أشهب وابن عبد الحكم وعبد الرحيم بن خالد ومطرف بن عبد الله وغيرهم عن مالك، حتى قال في رواية ابن عبد الحكم وغيره،: لا يزوجها حينئذ الأب إلا برضاها، وهو قول كثير من أصحابه وأصحاب أصحابه، غير أنهم اختلفوا في مقدار سنها في التعنيس.
وروى ابن القاسم: لا يجوز صنيعها وإن عنست عند أبيها، وروى ابن القاسم في رواية أخرى أنها إذا بلغت أعلى التعنيس وهي رشيدة جاز فعلها.
فيمكن أن معنى روايته الأولى أن تكون في ألو سن التعنيس، لاختلافهم في مقداره، وهذا سائغ في طلب غاية الأمر فيها.
وهذا الرجل لا يدري أقاويل مالك وراياته وأقاويل أصحابه، فإن كان وقع على شيء حكى له فمن ذلك أتى، وإن كان رأي ما في المدونة فقد ترك أن يحكي الرواية الأخرى فيها عن مالك، وهذه خيانة، وغاب عنه ما في غيرها من أقاويلهم.
فإن قال: فما الفرق بين التي عنست وغيرها؟ قيل له: لما طال بها الزمان كان في ذلك ما يقوم لها وفيها مقام الظهور، ولا يشك أحد أنها بالتعنيس أقرب إلى إدراك الأمور وتمييزها، ويؤذن ذلك ويؤدي منها إلى نحو

الجزء: 1 - الصفحة: 344

ما يتأدى بالظهور في صغر سنـ[ـها] وذلك أمر صرفه الله عز وجل إلى اجتهادنا بقوله: ﴿انستم منهم رشدا﴾، فنبه أن نجتـ[ـهد] في إدراك الأحوال الموجبة لهذا الرشد منـ[ـهم] وصولنا إلى إدراك ذلك منهم بغير [شيء] كما أصرف إلينا أمر العدل، فلا ندركه إلا بالمخالطة والمداخلة وكثرة الاختبار وتأكد الأحوال الموجبة لهذا الاسم، وكذلك الرشد.
ولا يخفي على أحد أن ذات الخدر لا تبلغ من علم التصرف في المال، وعلم الضرر فيه والنفع من نماء ونقص، في السن الذي يبلغه فيه الذكر البارز المتصرف، هذا مع الأغلب ما في النساء الحياء والتحفز، وأنهن بالجملة أقل حيلة ونظرا، فإنما طالب مالك أحوال الرشد من الذكر أو من الأنثى حيث يتم وينتهي وما فرق بين ذكر ولا أنثى كما ظن هذا الرجل.
وأما قولك: لو قال قائل يدفع إلى الأنثى البكر إذا رشدت ولا يدفع إلى الذكور حتى يتزوجوا ويولد لهم.
فهذا من حجتك يبلغ إلى وجهين من الخطا، أحدهما: أنك أجزت أن يقول قائل خلاف الإجماع، وهذا لا يجوز، فأوهمت أن هذا جائز لقائل أن يتأوله فيقوله.
فإن كان لا يجوز أن يقوله أحد فقد سقط عليه الجواب وارتفعت فيه المعارضة، إلا أن يعني أن ما قال مالك كمثل هذا وخلاف الإجماع، وهذا إن قلته أكذبك، الاختلاف الفاشي والدلائل والشواهد، ولو كان مثل هذا ما جازت مناظرة قائله، وكان حكمه غير حكم المناظرة، وهذا تنطع في السؤال وما لا يجوز على كل وجه، وقد دللناك على علـ[ـة] الفرق بين الذكر والأنثى فيما افترقا فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 345

وأما الوجه الثاني مـ[ـن] الخطأ: أنك عبرت بهذه العبارة أن الرشد عند مالك يقع بالنكاح [لا] بإصلاح الحال والمال، بقولك: لو قال قائل: حـ[ـتى] يتزوج الذكور ويولد لهم، ولم تذكر الرشد فيهم مع ذكر النكاح والـ[ـولادة لهم] [] [] بلوغ النكاح والرشد، فلا تزول الولاية إلا بهما، و [قال ما] لك: إنهما إذا بلغا حد النكاح وهو البلوغ؛ أمرنا باختبارهما في رشد الحال.
فالذكر تأكد فيه وله وجه التصرف منه والاختبار متى نكح أو لم ينكح، والجارية لا تبلغ ذلك من نفسها ولا نبلغ نحن نهاية الخبرة فيها حتى يبرز وجهها، ولا بروز لها إلا بالنكاح، فلم يطالب مالك حلولها في النكاح، لأنه خصها بذلك دون الذكر، ولكن لأن به إمكان إدراكها للأمور، وإدراك الاختبار منا لها ببروز وجهها، أو يطول زمانها في سترها إلى التعنيس، وهذا بين ظاهر ولله الحمد.
وقد قال الشافعي بشيء يقرب بعضه من قولنا: إن أمر الذكور في الاختبار مختلف في إدراك الشهادة على رشادهم فمنهم من تكثر مخالطته للناس في الشراء والبيع قبل البلوغ وبعده، ومنهم من لا يخالطهم بالمبايعة، فيكون اختباره أبعد.
ثم اختبار المرأة في صلاح أمرها أبعد لقلـ[ـة] مخالطتها للناس.

الجزء: 1 - الصفحة: 346

فقد نحا الشافعي إلى تحو ما قلنا، إلا أنه قال: يختبر بالنساء وتجوز شهادتهن أو شاهد ويمين، والذي قال مالك أبين وأوضح، وهذا أمر يؤدي إلى غير شيء، وهي لا تصل ولا يوصل منها إلى ما يوجب حقيقة ذلك على ما بينا.
وأما احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فإن طبن لكن عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ فهذه غفلة غامرة، لأنك تخصص هذه الآية بآية الرشد، فنقول: فإن طبن به نفسا فلا يجوز ذلك حتى نأنس منهن رشدا، فإذا كان الرشد اول ذلك ففي إدراك الرشد اختلفنا ودللناك [انه] لا يتم من البكر، ويتأخر حتى تبرز [فتختبر] [] قلنا بالرشد [] و [ضعت هذه الآية] في غير موضعـ[ـها] فكأنك قلت: فإن [] حال [] قلت إن البكر رشيدة في حال لا يصل معها إلى الأحوال الموجبة للرشاد، ولو تاملت هذا وشبهه أمسكت عن كثير من قولك، وبالله التوفيق.

الجزء: 1 - الصفحة: 347

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل