في هذا؟
وخالفتموه في تأويله في هذه الأحاديث وما تعلق به فيها.
وإنما ترك العموم فيخص الظاهر، بما تخالفوه أنتم ونحن فيه.
من ذلك، تركه لعموم آية الظهار، فلم يوجب الظهار في الإماء، وهذا يكثر إن تتبعناه.
ومن الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثى.
وحديث آخر: صلاة الليل والنهار.
وهو يجيز أن يتنفل الرجل بركعة، ولم يرو أنه عليه السلام تنفل في ليل ولا نهار إلا شفعا شفعا، إلا الوتر، وقد أكد النبي عليه السلام الوتر، وقال عليه السلام: إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم ألا وهي الوتر.
ولم يرها الشافعي واجبة ولا مؤكدة، بتأويلات لم يسلم له فيها.
وتعرض على ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي حديث آخر: لا يقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، بأن ابن عباس قال: هي من أم القرآن، والقرآن لم يؤخذ
بالروايات.
ويتأول أنهم كانوا يسرونها، ويأمر هو بإجهارها، ويبالغ فيما تاول فيبطل صلاة من لم يقرأ بها، وهذا كله غير ما نحوت إليه، من اتباع ظاهر الحديث.
وتخالفونه في قوله بحديث: خمس رضعات، وتدعون عليه تأويله فيه، في الرضعات، أنها كالأكلات دون المصات، لأنه تأويل أن الصبي لو أقام أكثر نهاره في
حجر أمه يرضع، كانت رضعة واحدة.
وهذا يكثر علينا إن تتبعناه من سلوكه، في اتباع الحديث وتعليل الأخبار والظواهر غير مسالككم.
فأراك أول الناكلين عن دعوته في اتباع الحديث، الذي جعلته الداعي الفرق إليه بعد أن كادوه، والراد لهم بعد أن خالفوه.
وأنت أكثرهم للشافعي خلافا في معاني اتباعه للحديث، فما الذي خصصت به الشافعي في اتباع الحديث دون غيره؟ وأنت تراه يتأول في تغيير الظاهر وتعليل الأخبار، ويترك ما يترك منها، بتأويل يظهر له، ولغيره من المعاني في ذلك، ما هو أقوى عنده في أدلته.
والعلماء لا يردون امر الله أو أمر رسوله معاندة، ولا رغبة عنه، ولكن لهم اختلاف تأويل في اتباع الحديث ومعاني النصوص، تختلف معانيهم في ذلك باختلاف التأويل، فمن بين مصيب ومخطيء مجتهد.
ونحن نسلك مسالك من تقدمنا من أهل المدينة، في اتباع السنن، ونتمسك في ذلك بمعانيهم، ولأنت لنا ولغيرنا مخالف في ذلك، في معاني اتباع الحديث والظواهر.
وقد يحتمل ظاهر النص أو الحديث أوجها، فيوجهه كل فريق إلى معنى، يرى أنه أولى في التأويل عنده، بدليل يظهر له.
أو يستدل أحد منهم بدليل، على أن ذلك خاص، أو في وقت دون وقت.
أو يدعه لحديث يرى أنه أولى منه، لغير معنى يستدل به، من قوة الرواية، أو من غير ذلك.
أو يظهر له أن [له] ناسخًا بدليل.
أو [أن] أحد الخبرين مفسر لما أجمله الآخر.
أو يوجه معناه إلى وجه هو أظهر عنده في الأصول [].
أو يستدل بدليل أنه على غير الإيجاب.
أو يدع من احتماله وجهًا، ويأخذ بوجه يؤيده – عنده – ظاهر القرآن.
أو يكون حديثا، يدعه جمهور الصحابة – وهم به عالمون – فيعلم أن من وراء ذلك علم، من نسخ أو خصوص، أو غير ذلك.
أو يجهله أهل الحجاز معدن العلم، ويغرب به غيرهم، فيعترض بهذا ريب في قبوله.
وهذا نقوله نحن والشافعي معنا، وغير شيء من هذه المعاني، مما لا يتهم العلماء فيه على الكيد للحديث ولا للكتاب، ولا الرغبة عنهما.
فلم يترك أحد منهم شيئا من ذلك راغبا عنه، ولكن باجتهاد تختلف به أدلتهم.
فلا تتحامل أيها الرجل، بالطعن على العلماء وأحس بهم ظنا.
وانت قد تركت معانيهم أجمع، في اتباع الحديث، وظاهر الكتاب، وتركت الكلام على المعاني والعلل في ذلك، وطالبت الظاهر، دون أن تنتهي بذلك إلى العلل والمعاني.
وتركت على الشافعي وغيره معانيهم في ذلك، تركا خرجت به الى الشذوذ، حتى قلت – أو من قاله من أصحابك – لا يجزيء مخرج البر في زكاة الفطر، إذ لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر – وليس قول الخدري: كنا نخرج على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام.
ثم ذكر غير البر من الأصناف حجة عنده، وهو يعلم أن رسول الله عليه السلام هو الذي كان يأخذها من الخدري، أفيأخذ منه ما لا يجزئه؟
ومن يخرج أفضل من الذكور، كيف لقائل أن يقول: إنه لا يجزئه، هذا [وظا] هر الأمر إنما أراد به النبي عليه السلام غنى الطوافين عن طواف ذلك اليوم، بما يعطونهم مما هو جل قوتهم.
وأن أمر النبي عليه [السـ]ـلام بطرح السمن الذائب تقع فيه الفأرة، لا يوجب [طرح] [الزيت] أو سائر الأدهان.
وأن ما نهى عنه من البول في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه ويشرب، لا يوجب على غير البائل نهيا عن الشرب والوضوء منه، إذا لم يتغير لونه طعمه.
وكذلك ألزموه أن لو بال في إناء، فصبه فيه، لم يدخل تحت هذا النهي، على أصله، إذ لا يتعدى بالمسموع عنده غير ما يعطي ظاهره، دون طلب ما تؤدي إليه المعاني، من ذلك الظاهر.
وهذا خروج عن ما يفهمه السامعون في التعاريف، وتعطيل المقاصد في الأمور في الأغلب منها.
وحكى عن بعض من يتقلد مثل هذه الأقاويل: أن البكر إن تكلمت في الإذن بنكاحها لم يجز النكاح إلا بصماتها، على ظاهر الحديث، وهذا من ذلك، أن يكون
قد جوز لها أن ينوب لها الصمت عن الكلام فإذا أبت بالذي كان هذا منه بدلا لم ينب عنه، وكان دونه فصار البدل من الشيء أقوى من المبدل منه.
وهذا خارج عن عوائد الناس، فيما يفهمون من المخاطبة والأمر والنهي، بعيد من عرفهم، غير معاني الشافعي في اتباع النصوص، الذي يزعمت أنه رحمة لأهل الحديث، في دعوتهم إليهم، حتى كادت الفرق الحديث، وأنه انتاش أصحابه من الهلكة، ومن قول المبطلين.
فإما أن تعاود معانيه وأصوله في اتباع الحديث والنصوص، فتصحح ألفاظك، وتدخل مدخل النجاة من الهلكة ومن قول المبطلين على لسانك وتجيب إلى ما دعاك إليه.
وإن أقمت على خلافه في ذلك وثبتت على أصولك، بطلت ألفاظك ها هنا، ودخلت مع سائر من نكل عن إجابته، ومدخل من نسبته إلى المبطلين والهالكين.
فقد عاد هذا الطعن منك على مالك بأسرع على الشافعي ولو كنت أفصحت بمذاهبه ومذاهبك في اتباع الحديث لم [] وعلم الناظر في ذلك أن طعنك على الشافعي أشد، وأنك في خصومته ألد.
وإن عذرت الشافعي فيما لم تعذر في مثله غيره، كنت متلاعبا
وكذلك إن سلمت للشافعي ما نسب إليه خصماءه من خلاف الحدث، ولم تسلم إليهم ما نسبوه إليه من خلاف الحديث، لقد عدلت عن الإنصاف، لأن كل فريق منهما يقول بالمعاني في الحديث، وإن اختلفت أدلتهم.
وأنت لهما جميعا مخالف في أصلهما في اتباع الحديث، ومن وفق لرشده أنصف خصماءه، ولم يركب ما ينهي عنه ويترك ما أمر به، والله يهدي إلى سواء السبيل.
فصل آخر
ثم قال: وإن كان الشافعي قد رسم في كتبه ما دلكم على إغفال من غفل من المتكلمين، وتقليد من قلد من المتكلفين، غيور للإزدياد بما يطمئن قلوبكم، من كشف الغطاء عن تمويه أهل الرأي ومقلديهم.
فهذا كلام من غرضه تسفيه الحق وغمص أهله؛ لأن العلماء - في اختلافهم - غير متنابزين بنقص ولا طعن، بل يتناظرون تناظر الولاية، ويتحرون الصواب بالإشفاق، وهذا لم يطلقه في الأئمة إلا الخوارج.
فقولك: كشف الغطاء عن تمويه أهل الرأي ومقلديهم، فإن أراد بذلك ملكا، فقد تأفك باطلا، واختلف كذبا.
ولم ينسب أحد من العلماء مالكا إلى غير السنن، وكيف وهو الجامع لشملها، والمذهب لها، والنجم فيها، وأمير المؤمنين في الرواية، المأمون عليها.
قال أحمد بن حنبل: مالك مذهبه الآثار، شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده.
قال أبو إسحاق الفزازي: مالك مذهبه الآثار، ومالك كان لا ينطق إلا عن آية
محكمة أو سنة ماضية، وربما قرأ كتاب الله وتتبع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسألة سئل عنها ليستخرج ذلك منهما.
ولقد سأله رجل عن رجل خلف بالطلاق ما يدخل بطون بني آدم أشر من الخمر، فأمره أن يرجع إليه، ثم جاءه، فقال قرأت كتاب الله، ونظرت فيما بلغني من [سنة رسول] الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أشر من الربا، لأن الله سبحانه قال فيه ما لم يقل في شيء مما حرم، فقال: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله﴾، وإن امرأتك قد طلقت عليك.
وكان أشد الناس توقفا ورعا في الفتوى، ويكره كثرة المسائل.
وقال: ما تكلمت برأيي إلا في ثلاث مسائل، ذكرها وغير ذلك فإنما هو ما سمعه من التابعين، وتخير من أقاويلهم وأقاويل الصحابة فيما لم تكن فيه سنة معلومة.
وفي الباب الذي بعد هذا، شيء من ذكر محل مالك عند الأئمة، في اتباع السنن، وما هو له أهل عندهم من الصيـ[ـت].
وهذا مما يهجن الاستدلال عليه، ومن عد كلامه من عمله تدبر قوله قبل أن يقول.
وكيف يحسن بمن يتقي الله في قوله أن يقول: إن مالكًا يموه، وهذا لا يشار به إلى ذوي الفضل ورؤساء الأئمة في الدين.
وما [لك] تكاملت له الفضائل عند المسلمين، إلا عند ظنين لا عذر له، ومن رضي أن يموه بزخرف الباطل عن نور الحق فقد خان الله ورسوله.
وهذا يرغب به عن عامة المسلمين فضلا عن أئمتهم في الدين، وإذا كان أدنى منازله أن اجتهد وأخطأ عند مخالفه - على طلب منه للحق - كيف يدخل ها هنا التمويه؟
أفتنسب لك من خالفت أنت قوله، من صاحب، وتابع، وتابع تابه - على كثرة من تخالف وقلة عدد من توافق - أنهم يموهون، [أي] يسترون الحق بالتمويه، فهذا تجاوز واعتداء وإساءة بالأئمة ظنّا.
وقوله: ومن قلد من المتكلفين، خروج عن القصد، لأنه إن منع الجاهل تقليد العلماء تقليد [العذر] قال ما لا قائل له يعبأ به.
وإن أراد أن مالكا ومن استبحر في العلم من [] لا يعدو قوله مما عده سبيل مالك وأصحابه إلا من لم يستبحر في العلم، وهو - عند نفسه وعند علماء عصره - لم ينته من اتساع العلم، إلى حد الإمامة فيه، فعليه - فيما هو فيه مقصر- تقليد أهل التمام، فيما أشكل عليه.
ولا فرق بين من أشكل عليه الأمر في حادثة، وبين جاهل بها وبغيرها، فيما عليه من اختيار من ينبغي اختياره؛ لأن فيه محملاً لاختيار القائل، وليس فيه محمل لاختيار القول، وهذا قول المتقدمين ومن أنصف من المتأخرين.
وذكر أن ما تقدم عند الشافعيين من كلام الشافعي على من يخالفه، فإنه محبوب عندهم أن يزيدهم هذا الرجل مما تطمئن به قلوبهم، وهو للشافعي ولهم أشد اختلافا.
فكيف تطمئن قلوبهم بنصرة رجل وهو لهم مخالف في الذي أظهر فيه نصرتهم، وإذ لم تطمئن قلوبهم بما عندهم من الشافعي، كان أحرى ألا تطمئن بما عندك مع خلافك إياهم، وهذا كلام لم يحصل منه إلا الحمية.
ثم قال: وإذ سهل الله عليكم الاعتراف بفضيلة أهل الحق، يعني الشافعي.
وإذا كان هو وأصحابه عندك أهل الحق، وجب أن يكون من خالفه أهل الباطل، فأنت أقرب إلى هذه التسمية على لسانك، لخلافك للشافعي في الأصول وكثير من الفروع.
وإن أردت أنهم أهل الحق فيما وافقوك فيه، وأهل باطل فيما خالفوك، فلا معنى لما خصصتهم به من هذه الكلمة التي أقررت أنها باطل على لسانك.
ولو قلت ذلك فيهم في مسألة اوفقتهم فيها، نزلت عن درجة المناقضة، وبقي عليك درك سوء أدب المراجعة.
ومعانيك في هذا الفصل كيف ما قلبتها لم تفقد منها خللا.
أرأيت إذا قالوا في مسألة: نحن أهل الحق فيها، وقال مثل ذلك خصماؤهم، أفي ذلك ما يرضي به أهل التحفظ؟ وهل هذا إلا تنطع وتكلف؟
وهذا الرجل يخالف الشافعي الذي نسبه إلى الحق [و] يخالفنا، إلا أنه رضي بالجنف، والغلو علينا دونه، ورضي أن [يرفع] محله من الإنصاف والدين، وأن يخلد بهذه الورطة كتابًا بأيدي الـ[ـناس].
ثم ذكر - في تخليط له -: إني جامع لكم - يعني الشافعي - مسائل من أهل الخلاف لكم، تدل على إغفال من قلدوه، وعل ضعف ناصري [مذهبه] يكون عدة لضعفائنا، والمنتحلين بالانتساب إلينا، ومن المنتـ[ــسبين] إلى الحديث، والمتزينين باسمه، والراغبين عنه من سائر الفرق.
فهذا احتفال هذا الرجل في النصيحة في الدين، أن أشغل [المبتدئين] ومن لا علم له منهم بمسائل الخلاف الموشحة بالحمية وسوء الثنـ[ اء علي] الأئمة، دون أن يأمرهم بأول المطالب، مما عليهم، ومن تعلم أصـ[ــول] الديانة، وما هو أولى بهم مما يلزمهم.
وإنما ينظر في الخلاف ويحـ[ــكي] قول العلماء من اتسع في العلم، ولا يحل أن يؤمر الضعـ[ـيف] بتعلم مسائل الخلاف، وإدخال الحمية على الأئمة في صدره، ولـ[ـا يبدأ] بإحكام فرائضه، فما أقبح هذا الأثر في الإسلام.
وجعل [هذه] المسائل عدة المنتسبين إلى الحديث والراغبين عنه، وهذا [شيء] ظاهره لا يردي ما هو أن ينشأ عنده أو بعده.
وإن أراد أنها لمن [ينتسب] إلى الديث وهو عنه راغب، فكيف يكون له عدة ما
هو عليه [] حث عبارته أنها [] كان في هذه المسائل ما شمل ال
ـ[] سائر الناس [] من أهله بمسائل خالف هو الـ[] في غير [] العلماء [] لسانه في الراغبين عن الحديث، لأنه جـ[ـعل] من خالفه [] الحديث [] أولا، ثم ضم نفسه معهم بعـ[] [لا خفاء به] [] الحيف الشديد.
وذكر انه كان يضعف علـ[ـيه] [] جهل به ولكن الإرادة لإظهار جـ[ـهل] الطاعنين على الشافعي، رد عني عن ذلك.
فإن أراد أن هذه الإرادة رادعة له عن كتمان ذلك، حدثت له، ولم يكن مريدا لإظهار ذلك، مع [تلا] وته لآيات الوعيد في كتمان العلمن فقد استعتب من خطئه بأشد [خطـ]ـ
أ؛ لنه عاود بث االرد على الطاعنين على الشافعي، ولم يرد على نفسه [و] ينسبها إلى الجهل؛ لأنه طاعن في كثير من أصول الشافعي وفروعه، فإما [أن] يرجع عنها، أو يقر بالجهل بطعنه عليه فيها.
ووسم من انتصر له من الشافعيين بالجهل، إذ تحرج أن يكتمهم ما فرضه أن يبينه لهم، [مما] جهلوه عنده من هذا العلم الذي أفادهم.
[ومما] كتم عنهم مخالفته [للشـ]ـافعي في كثير مما ذكر في كتابه هذا، وفي [غيره].
[فإن كـ]ـان في ذلك مبطلا فليراجع [قـ]ـول الشافعي، وإن كان محقًا فبيان [ذلك لـ]ـهم كان أولى به.
وإن كان [هو] وهم تسالما في ذلك بغير علم منه ومنهم، أنه على خلاف ما أظهر [من] موافقتهم، فقد رضي منهم ورضوا منه بالتمويه، الذي نسبه إلى [أ] صحابه، وموه بشيء أظهره عن شيء سواه ستره، وهذا تلاعب، ولا [تـ]ـلاعب في الدين.
فصل آخر
ثم قال ولولا ما أخذ الله من الميثاق على الذين أوتوا الكتاب ليبينه للناس، وقول النبي عليه السلام في كتم علما، لصعب الإفصاح عن مقالة من ذكرنا، لئلا ينتحل ذلك المنتسبون إلى الترأس الجاهلون بما يجب عليهم، من الاعتراف بفضيلة أهل
الحق، والذابين عنه، وفيما أوعد الله على كتمان الحق، ووعد على إذاعته رادع لشفاء الغيظ من أمثالهم.
فتدبروا ما أنا ذاكر من مسائلهم وارعو، وأذيعوه تعرفوا أقدار القوم في العلم ومبلغهم منه.
قال أبو محمد: فتأملوا - رحمكم الله - مبلغ هذا الرجل في دينه، وما أبطن من طويته، مما أقر به على نفسه، أن تكلم في الدين على الأئمة فيه، وهو حنق عليهم مغتاظ، وقد هم - فيما ذكر - أن يشفي غيظه ليبلغ جهد [] [من] شفاء [غيظه] [] أمره، على أنه مغتاظ عليهم، جامع عنانه، غير مشتبه، أفهذا مقام الناطقين في دين الله، والحافظين لحدوده في ألفاظهم.؟
وهل تقدمه أحد إلى أن يخالف أخاه في باب من الدين، يريدان فيه الحق ويجتعدان، فيدخل فيه الغيظ من أحدهما على الاخر، وهذا خروج من الولاية إلى العداوة على القول بالحق؛ لأنه لا يحل لمن خالفك أن يدع ما بان له من الحق، لما بان لك دونه، وأنت تحرم عليه ألا يتبع إلا ما بان له به الدليل عنده، دون ما عندك، ولم يدع العلماء الحق عنادا له، ولا رغبة عنه.
فأين تذهب بك الحمية أيها الرجل؟ وإلى من تخطيت بمثل هذا؟ وما تحملت به من هذا الغيظ والحنق أولى أن يغيظ من سمعه من المسلمين، في تجاوزك بذلك إلى أئمتهم، وما أقررت به من الغيظ ستر بصيرتك عن استقباح هذا.
وما أعرف لغيظك على مالك وأصحابه سببا أحماك، إلا ما ترى مما رفعهم الله به من الدرجات، والله يؤتي فضله من يشاء.
ولئن قلدت صاحبك في إطلاق مثل هذه الأفاظ على أهل الرأي، أو من ردَّ الآثار من أهل الكلام، فإن كان مثل هذا قد حسن عندك فيمن قاله، فألا سلكت به مسالكه، وقلته فيمن رد الآثار من اهل الكلام، دون أن تطلقه في أمير المؤمنين فيها، والمأمون عليها روا [ية] والقائم بها.
وإذا آثرت اتباع داود في طريقته، فألا امتثلت طريقته مع مالك، وعظمت من أمر مالك ما عظم داود وابنه، فما علمناه أنهما قابلاه برد، ولا أقذعا [فيه] بلسان، ومن وقع في مالك بنقصه أو خقض ما رفع الله من [رتبته]، فإن الانتصار منه في ظهور لك عليه [ـ]ـاد سلطه على هلاك نفسه ودينه.
ولقد أخذ ابن داود على بعض أصحاب الـ[ـشافعي، في جانب] [ألفه] عليه مثل ما نقمناه من [أهل] [] الحمية من [] سفاهة القول، ونسب [] إلى السفه، [واحتج بحديث] [عليه] رويناه عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: سيأتي على الناس سنون، يصدق فيها الكاذبـ، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم/ ما الرويبضة، قال: السفيه ينطق في أمر العامة.
ولقد كثر عجبي من قولك في مالك إذ قلت: فتدبروا ما أنا ذاكره من مسائلهم، وعوه وأذيعوه، تعرفوا متعرفكم، أقدار القوم في العلم، ومبلغهم منه.
وما علمت من الأئمة وأهل العلم والدين أحدا، صغر بقدر مالك في العلم.
ولقد رفع الله من قدره فيه، أن أحوج فيه إليه معلميه.
ولقد حلق، وهو ابن سبق عشرة سنة، وبالناس ويومئذ حياة، ووفد التابعين باقون، قد رأوه لذلك أهلا.
ثم أقام سبعين سنة – بعد ذلك – يحدث الناس عنه، ويستفتونه في دينهم، وتشد إليه المطايا من الأقطار.
واستفتاه التابعون، وشهدوا له بالفقه والحديث، ولقد استفتاه زيد بن أسلم لنفسه في مسألة من أمر دينه.
قال مالك: قل رجل كتبت عنه، إلا كان يأتيني فيستفتيني.
واحتاج إليه في العلم معلموه كلهم، إلا نافعا، فإنه قديم الموت، مات ومالك دون العشرين.
قال شعبه: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة، ولمالك حلقة.
وقال ابن هرمز لخادمه – وقد أخبرته أنه بالباب -: أدخليه فذلك عالم النـ[ـاس].
وكان ربيعة يرجع إليه في غير شيء.
وأما نظراؤه، فأكثر من أن نوعبه ف
ـ[ــي هذا الكتـ]
اب.
وكان ابن عيينة يجلس في حلقة مالك، يسمع الحلال والحرام، والحديث العمـ[] ولا يتكلم بحرف، فإذا [] من حلقة منذ كانت له حلقة.
وكان الثوري في الحج يتبع مالكا، فما فعل فعل سفيان مثله اقتداء به.
وروى عنه السفيانان وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد، وروى عبد الملك ابن جريج عن الثو [ري] عن مالك.
وروى عنه الدراوردي وابن أبي حازم.
وكل إمام أ [خذ] عنه مالك فقد روى عنه، أو أخذ عنه، إلا نافعا، فإنه قديم الموت.
و [رو] ى عنه ابن شهاب، وكثير ممن يكثر ذكره من نظرائه.
وقد استدعاه الأ [مير] إلى الحضور مع معلميه في المشورة، فلم يفعل حتى شاور في ذلك [من] التابعين من شاوره، فأمروه بذلك، ورأوه لذلك أهلا فحضر معهم.
واستفتاه التابعون، وشهد له بالتمام والإمامة ائمة عصره.
وعـ[ــلا] القوم من أمره أمر جليل قواهم على ذلك فيه.
وذلك ما تأويل فيه كثـ[ـير] من أئمة التابعين وتابعيهم، أنه العالم الذي بشر به رسول الله [صلى] الله عليه وسلم، ورواه جابر وأبو هريرة، وهو حديث لا شك في ثباته، فنحـ[ـتاج] إلى ذكر إسناده، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ينقضي الـ[ـناس]، فلا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة.
وفي حديث آخر: ليس على ظهر [الأرض] أعلم منه، فيضرب الناس إليه أكباد الإبل.
قال ابن عيينة: كانوا يرونه [مالكا] قال ابن مهدي: يعني من أدرك، وقد أدرك التابعين.
وقد تأول ذلك فيه [أنه] عالم المدينة، الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الملك بن جر [يج] وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع، ونحو ذلك عن الأوزاعي.
وما تقدم هؤلاء الجلة [الكبار] الأئمة على هذا التأويل فيه إلا وقد تأكد [ت] فيه الأمور الموجبة لذلك.
قال حماد بن زيد لرجل جاءه في مسـ[ـألة] [] العلماء فقال له: يا أخي إن أردت السلامة لدينك فـ[ـعليك] بعالم المدينة [وسر] [إلى قوله] فإنه حجة، مالك إمام الناس.
وقال [ابن] المبارك: لو قيل لي [اختر] لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إماما [] الذي لا [] لرأيته مالكا لأنه [] ورأيت ذلك [] للأمة.
وقال: [الليث]: [علم مالك علم نقي، مالك] أمان لمن أخذ [عنه] [من] الأنام.
وقال [رجل لسفيان بن عيينة]: يا أبا محمد، رجل أراد أن يسأل رجلا من أهل العلم، يكون له حجة بينه وبين الله، فقال سفيان: كان مالك ممن يجعله الرجل حجة بينه وبين الله، قيل له: قد مضى مالك [فـ]ـمن ترى، قال هيهات هيهات، ذهب الناس.
ولما أتى نعي مالك إلى ابن عيينة، قال: فوجدناه مكتئبا، فذكر نفي مالك، ثم قال: والله ما خلف على وجه الأرض مثله.
قال أحمد بن حنبل: رحمة الله على مالك، مالك إمام، يسكن إلى حديثه وإلى فتياه، وحقيق أن يسكن إليه، ومالك عندنا حجة، لأنه شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده.
قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا – ممن كتبت عنه علم رسول الله صلى الله عليه وسلم – [أثبت] في نفسي من مالك، ولا أشد إعظاما لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من مالك، ولا أشح على دينه من مالك، ولو قيل لي: اختر للأمة إماما، لاخترت لهم مالكا.
قال ابن عجلان: مالك مفتي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال إبراهيم بن عبد الجبار الدقاق: الثابت مما رويناه في كتاب علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: مالك أثبت القوم.
قال زيد بن [عبيد] قال يحيى بن سعيد [القطان]: مالك رحمة لهذه الأمة.
[قال ابن ابي حازم للدراوردي]: أسألك برب هذه الثنية، هل رأيت [أجل] من مالك بن أنس؟ قال: اللهم لا.
قال سفيان: قال عبيد الله بن عمرو: [نعم الخلـ]ـف للناس مالك.
قال أبو قدامة: مالك أحفظ أهل زمانه.
[قال ابن] مهدي: ما رأيت أثبت عقلا من مالك، وكان يميل إلى مالك دون [غيره].
قال الليث بن سعد: والله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي من [مالك] [قال]: وأحسبه قال:: اللهم زد من عمري في عمره، وقال: [] على الدين.
وقيل لابن المبارك: من ترتضيه من الفقهاء [للناس]، قال: رحمة الله على مالك، مالك قليل الجرأة، متبع للآثار والسنن، شحيح على دينه، تعرف في كلامه الإرادة.
قال ابن عيينة لابن المبارك: إن بالمدينة من بورك له في علمه، يعني مالكا.
قال عبد العزيز بن محمد: ما أدركت أحدا من علماء الحجاز إلا وهو معظم لمالك ابن أنس، لا تجمع أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] فيه إلا على هدى.
قال عبد الـ[] بن عبد الوارث، قل ما رأيت من يتقلد الفتيا مثل مالك، مالك من العـ[ـلم] بمكان، مالك يعرف بالفضل، وكان الليث وابن لهيعة لا يعدلان بمـ[ـالك] أحدا في دهره، أو قال في عصره.
قال ابن إسحاق: مالك مالك لنفسه.
قال ابو إسحاق الفزاري، مالك بن أنس حجة، مالك بن أنس رضا، مالك كثير الاتباع، مذهبه الآثار.
قال عبد الرحمن بن عبد العزيز العمري: قال مـ[ـالك]: ربما وردت علي المسألة،
فتمنعني من الطعام والنوم، فقلت: ولم [يا أبا عبد الله]، فوالله ما كلامك عند الناس، إلا كنقش في حجر، فقال لي: فمن أحق بمـ[ـن] يكون هكذا ممن يكون هكذا.
قال ابن الدراوردي: رأيت في المنام ـ، كـ[ـأن] قائلا يقول لي: لو سئل مالك عن ما هو في الدقة مثل الشعر، وفي الثبـ[ـات] مثل الصخر، لم يلز موفقا، ما كان يقول الكلام الذي كان يقـ[ـول].
وكان إذا سئل مالك، فأول ما يجيب، أن يقول: ما شاء الله.
وهـ[ـذا] يكثر علينا ذكره، ويطول به الكتاب.
وأما الرؤيا فيه، بما يثبت ما تأولوه فيه من الحديث، فقد رأي ابن عيينة، كأن النبي صلى الله عليه وسلم، اعطي خاتمه مالكا.
ورأي غيره من أفاضل الناس أن النبي عليه الـ[ـسلام] أعطاه مسكا، وأمره أن يقسمه بين الناس.
ورأي ابن رمح النبي عليه [السلام]، قال: فقلت: يارسول الله، مالك والليث
يختلفان علينا، فقال لي علـ[ـيه] السلام: مالك، مالك ورث جدي.
فهذا يشبه ما روى فيه أنه عـ[ـالم] المدينة، ويكثر علينا تقصي مثل هذا، من الاتفاق علي فضله، وسعة [علمه] وفهمه وعقله وفقهه، وحفظه، وسلامته من الريب، وكمال الأمـ[ـور] التي قل ما تكمل في غيره.
ومن انتهي من الإمامة إلى هذه النهاية التي ذكر [نا]، عند التابعين وتابعيهم وأئمة الناس وخيارهم وارتفع [قدره في] العلم و [الدين] على ألسنة الأخيار لم يجز أن ينطق فيه [رجل] [ذو] دين وعقل بتقصير قدره في العلم وخفض مرتبته فيه.
فلئن رفع قدره هؤلاء الأخيار في العلم، وائتموا به، وانتهوا في وصفه إلى النهاية في الفقه والحديث، وهو بحيث وصفه أهل الحمية من التقصير فلقد أزرى بهم ونقص مراتبهم أجمعين، ورج شهادتهم، وقصر بهم في علمهم وبصائرهم.
وهذا - وإن اكن كمن أدخل الشك في العيان واستراب في صريح البيان – فإنما ذكرنا شيئا منه، لما كشف هذا الرجل من ستر نفسه من قوله: تعرفوا أقدار القوم في العلم ومبلغهم منه؛ يعني مالكا.
وحسب ذلك من منطقه أن يذكر وينشر، وتكذيب رجل فيما يدفعه الخاصة ويستعظمه العامة ويبطله العيان تكلف ما قد كفيناه.
وهؤلاء الأئمة قد شهدوا في مالك بما علموه من نهاية العلم وسعته وصحة رويته وحسن استنباطه، وتمامه في الفقه والحديث، وهم بحيث هم من الإمامة والديانة، وقد شهدت أنت فيه بتقصير العلم، فضح نفسك معهم بموضع استحقاقك من قبول القول يعذر ذلك عليك وييسر، والله المستعان.
فصل آخر
قال أبو محمد عبد الله [بن أبي] زيد: ورأيت هذا الرجل يؤثر في التعريف بذكر مالك أن يقول: [قال الحـ]ـجازي، فلعمري إن مالكا والشافعي لحجازيان، إلا أنه يذكر الشافعي [بما أشـ]ـتهر به من التعريف، فيقول: قال الشافعي.
والأغلب مما يذكر العلماء به مالكا اسمه أو كنيته، وليس التعريف بالبلدان آثر في العلماء [و] غيرهم من [الأسماء]، وما لإيثار ذلك دون اسمه وما عرف به مدخل في التشريف، والله أعلم بخابئة قلبه فيما أراد بذلك فيجازيه به.
ولو أخذ [في] طريق تشريفه بذكر البلد لسماه من ذلك بما تأول ابن عيينة وابن جريج [وابـ]ـن مهدي وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه به، فقال: عالم المدينة، ليس [على ظهر] الدنيا أعلم منه، يضرب الناس إليه آباط الإبل كما تقدم [ذكرناه] إياه.
فلو قال: عالم المدينة أو عالم أهل المدينة، كما كان يقول وكيع والأوزاعي وحماد وغيرهم، لكان قد سلك مسلك الناصحين لله ورسوله في تشريف أئمة دينه.
وإن كان هذا الرجل نفث بضغن ونطق بتسفيه للقول وغمص على القائل فالله مجازيه بنيته، أسأل الله ألا يجعل في صدورنا غلا لأئمة المسلمين، ولا لإخواننا المؤمنين المتقدمين والمتأخرين.
ورأيت هذا الرجل فيما يذكر يترامي ترامي من لا يشفق من زلل، ولا تعترض عليه شبهة [ولا يعتـ]ـقد إلا أن معه النص المحكم الذي رده معاندة ومخالفة [فشأنه] إن أعاب قولا أطنب، وإن ذكر مخالفه أسهب، ولو نظر بعين [] سليم من الحمية لأشفق أن يكون من وراء نظره من الأئمة [وقوله ذو] نظر حديد وقول شديد ممن لا شك أنه أنفذ بصيرة وأوسع علما وأبين تأويلا وأهدى طريقا وأقل تكلفا، وقد قال بعض من تقدم.
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم.