ـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـ
ت، ولعله قال ذلك ثم رجع، ولم يصح تأويلك [عن عبد الرحمـ]ـن ، ورو [ى] [] [حديث] ابن الزبير، عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة كنص [ما] حدثتك، إلا [أن] فيه: فأما أنا فلا أورث مبتوتة.
[فقد] ثبت من رواية حجاج عن ابن أبي مليكة خلاف [روايتك عنه]، وذلك أثبت في الرواية، والله أعلم، لابن جريج، على [أنه في] كتبه ربما كنى عن قوم لا يثبت مثلهم، وربما دلس عن ابن أبي يحيى ولم يذكره، ولم يقل في حديثك حدثني ابن أبي مليكة، وقد رويناه عن ابن جريج، وليس فيه هذه الكلمة، التي في روايتك.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: [نا الأنصـ]ـاري، قال: نا عبد الله قال: نا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي [مليكة قـ]ـال: سألت ابن الزبير عن رجل طلق امرأته وهو مريض، فقال: قد ورث عثمان بنت الأصبغ الكلبية، ولم يذكر هذه الزيادة التي في روايتك عن ابن جريج.
وكيف كان الأمر، فقد ثبت أن قول ابن الزبير كقول عثمان، وقد رجع عن غير ذلك إن كان قاله، فلم يبق لك ما تتعلق به من قول الصحابة مما أنت منه على ثقة، إلا تأويل على عبد الرحمن، الظن أملك به.
وذكرت أنك رويت عن عمر وشريح أنها ترثه ما دامت في العدة، وهذا غير قولك، وفيه حجة عليك.
ثم ذكر أنه قول سفيان والأوزاعي وابن شبرمة وأهل ال
ـ[ــرأي].
فقد [بان خلافك لمـ]ـ
ن تقدم، وأقررت بانفرادك بقـ[ــولك] ذلك [] [لم يقل] السلف فيه ما قلت.
ولو تأملت هـ[ــذا] لم تطلق في سلفك من لسانك ما أطلقت [فيهم]، والحديث ثابت بتوريث عثمان امرأة عبد الرحمن بعد انقـ[ــضاء] العدة، من رواية مالك وغيره.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال: نا ابن بكير، عن مالك، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض فورثها عثمان بعد انقضاء عدتها.
ونا أبو بكر قال: نا يحيى [بن عمر قال: نا] سحنون قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها: سألته الطلاق، فحلف ليفعلن إن آذنته بطهرها، فلما طهرت آذنته، فطلقها طلقة، هي آخر طلاقها، وكان طلقها قبل [ذلك] طلقتين.
قال الزهري: وحدثني طلحة بن عبد الله أنه عا [ش حتى حلت ز] وجته تماضر وهو حي، ثم مات فورثها عثمان، فقيل له: قد عرفت أن عبد الرحمن لم يطلقها ضرارا، قال أردت أن تكون سنة ليهاب الناس الفرار من كتاب الله.
قال ابن شهاب: وورث عثمان أم حكيم بنت قارظ من عبد الله بن مكمل، طلقها في مرضه ومات بعدما حلت، ورواه مالك.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا [يحيى بن] عمر قال: نا سحنون عن ابن وهب قال: نا سفيان الثوري عن المغ
ـ[ـيرة بن مقسم] عن إبراهيم بن يزيد أن عمر بن الخطاب قال في الرجل يـ[ــــطلق امرأته] وهو مريض فقال: ترثه ولا يرثها، وليس فيه ترثه في العدة.
[وقد] [] [روى] بعض الناس أن عروة البارقي كتب إلى [شريح بجواب عـ]ـ
مر في المطلقة ثلاثا في المرض: ترثه ما كانت في العدة، فذكرته للشعبي فال: ما سمعنا به، وزاد هشيم مرة أخرى: ثم رجع، فقال كما قال إبراهيم.
وليس في ذلك أن عمر كتب بذلك، ولا أمر به عروة، وقد ذكرنا ما ثبت عن عمر.
وقد حدثنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم المالكي، قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا ابن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي أن هشام بن هبيرة كتب إلى شريح يسأله عن ذلك، فكتب إليه شريح، فار من كتاب الله ترثه.
وهذا يضعف ما روى من طريق شريح عن عمر، لأنه ها هنا علله من نفسه، ولم يذكر عمر.
وقد ثبت بالأسانيد الرفيعة من رواية مالك [بن أنس] وابن وهب وغيره ما قدمنا ذكره، من قضية عثمان بتوريثها بعد آخر طلقة بقيت فيها، وبعد انقضاء العدة، بمحضر الصحابة ومشورتهم، ورأي علي بن أبي طالب، وقاله أبي بن كعب.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا محمد بن شاذان، قال نا معلي قال: نا وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن رجل من قريش عن أبي بن كعب في الرجل يطلق امرأته هو مريض ثم يموت، قال لا أزال أورثها ما لم تتزوج وإن مضت سنة.
وهذا قول نافع، قال [محمد] بن أحمد أنا عبيد الله بن موسى عن ربيعة
وابن شهاب وبكير بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن ياسر والحسن البصري وعطاء.
وقال مخرمة عن أبيه: إنهم كانوا يقولون ذلك، يعني: من قبله.
وقال النعمان بن ثابت في المبتوتة: ترثه في العدة، وهذا يروى عن الشعبي وإبراهيم وشريح وابن سيرين، ترثه في العدة، لأنه فر من كتاب الله
فأدركه.
وإذا كانت العلة فراره من كتاب الله فحكم الكتاب يدركه، كانت في العدة أو خرجت منها، لأن العصمة قد زالت، فلا معنى للعدة أن تكون علة.
فأين قولك ايها الرجل الذي تعلقت به، وزعمت أن من خالفه خالف التنزيل، وأبديت وأعدت في قول مالك، إذ قال بما قال الخلفاء والصحا [بة]، ومن سبقه من التابعين؟
وما حصل بيدك من السلف فيما زعمت إلا ظنا تظنه عن عبد الرحمن، وقد بينا ذلك، ورجوع ابن الزبير.
فلقد عز عليك أن تجد اتباع التنزيل على لسانك في الصحابة والتابعين، ولا تقدر أن تدعيه لأحد من الصحا [بة] يروى عنه، إلا ابن الزبير، وقد ذكرنا رجوعه، وما روينا عنه من خلاف ذلك.
فلو كان قولك قولا قاله [طائفة من] الصحابة [و] قال بعضهم بخلافه، ما حل لك أن تقول [فيهم: إنهم] خالفوا التنزيل.
فكيف ولا صاحب معك يثبت لك عليه قولك ثباتا يصح، والله المستعان
وقد كان قول الشافعي بالعراق كقول مالك، ثم استخار الله في أن قال بخلافه، ولا ادري بماذا رجع عن ذلك.
وأما قولك: إنما ورثها عثمان بالتهمة، والتهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فقد عرفناك بقوة منع الذرائع في الأصول.
ومنع الذرائع وما أصله عن التهمة يساوي فه بين الناس فيمن يتهم ومن لا يتهم، كما منع النبي عليه السلام القاتل من الميراث، ثم الناس في المنع سواء من يتهم بطلب الميراث وغيره، وإن كان أصل ذلك التهمـ[ـة] على أن يرث.
وكذلك من جمع بين مفترق، وفرق بين مجتمع، وكذلك شهادة الخصم والعدو والظنين، مما تقدم ذكرنا لكثـ[ـير] منه، في بابين قبل هذا.
فأصل ذلك التهم، ثم لا يحمي ذلك إ [لا] بمساواة الناس في الحكم كما حمل أبو بكر نفسه محمل من يتهـ[ـم]، في رده في مرضه لما لم يقبض من عطيته.
وقد خفف الله على المسافر فأباح له القصر والفطر، وأخبر أن ذلك للتيسير بـ[ـه] لمشقة السفر، هذا أصله، ثم كان الناس فيه سواء،
ممـ[ـن] تلحقه مشقة سفر وممن لا تلحقه، من مرفه أخفض عنـ[ــاء] من أكثر أهل الحضر.
فهكذا جرت الأصول إذا حمي الأ [مر] حمي من جميع جهاته، وفي كل حال، لئلا يدعى كل أحد السلا [مة]، وتختلف الأحكام.
وعلى مثل هذا جرى قول أهل المدينة [في] بيوع الآجال، وطلاق المريض ونكاحه وإقراره لوارث، وهذا مما تتسق به الأمور، ويحمي كتاب الله.
فتأمل كيف جرت الأصول في صدر هذه الأمة، قبل أن تجري بما حسن في وهمك.
ويقال له: أرأيت إن أقر المطلق في المرض أنه قصد بطلاقه منعها الميراث والفرار من كتاب الله في حين طلاقه وقبله وبعد إيقاعه، هل تورثها؟
فإن قلت: لا أورثها، قلت ما لا أعلم له قائلا.
ويلزمك ذلك في نكاحه، إذ قال للبينة ـ أتزوجها لأنقص الورثة بميراثها مني، جنفا عنهم إليها، لا لحاجة إليها.
وكذلك أشهدهم في الطلاق أنه ليمنعها الميراث، جنفا عنها إلى ورثته.
فإن لم تورث المطلقة على هذا، وورثت المنكوحة على هذا، انفردت وهذا لا أعلم من يقوله، وظاهر القرآن يبطله، لأن الله تعالى شرط في الوصية غير مضار، فكيف يعقد النكاح والطلاق ضرارا؟ وهو لو عقد عقد بيع بمحاباة كانت في الباب، فيكيف بهذا؟ وأنت إنما اعتذرت تقول: إن التهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فسألناك، عنه إذا أفصح بالأمر الذي اتهمناه به، وكشف لنا مراده، فإن ساويت بين المتهم بالشيء والمفصح به، تفاحش قولك، وبطلت علتك في التهمة، وناقضت في الحجة.
فإن قلت بما لا يحسن من القول غيره، فقلت: أورثها إذا أفسح بمقصده كما إذا أفصح المتبايعان في بيوع الآجال بما قصدا بالبيعة الثانية والأولى من الوصول إلى الربا، قيل لك، فهل وقع طلاقه عليها أو لم يقع؟ فإن قلت: لا يقع، خالفت الإجماع، لأن الطلاق يقع بسنته وبغير سنته، وإن قلت يلزمه، قيل لك: وكيف تورث امرأة مطلقة ثلاثا، أو واحدة، بعد انقضاء العدة؟ ودخل عليك كل ما ألزمتنا في المطلقة في المرض، وصرت خصم نفسك فيما تجاوزت فيه البناء، وقفت به سلفك من مخالفة التنزيل والمناقضة في القول، ولا مخرج لك مما ذكرنا إلا بمخالفة جميع العلماء أو الرجوع إلى قولنا.
وإذا كان ذلك، كان ما دلّت عليه الأصول أولى أن تحمل التهم وغير التهم – فيما أصله التهم – محملا واحدًا.
وقد منع النبي عليه السلام القاتل الميراث، بما أحدث من القتل، الذي الأغلب فيه أنه أراد به ان يتعجل الميراث بالقتل، والقتل لم يبطل قرابته من المقتول، وكذلك لا يمنع
الزوجة بما أحدث من الطلاق، إذ أصله التهمة بذلك.
ولا فرق بين وارثين، أحدهما يدخل في الميراث بوجه فيمنع من أجله، وآخر أخرج بمثل ذلك الوجه، فلا ينبغي أن يمنع به، فكما لم يصل بحوادثه إلى ما يوجه القتل من الميراث، كذلك لا يصل بحوادثه إلى ما يوجبه الطلاق، من رفع الميراث هذا نفس القياس، ولا درك لك علينا في مطالبتنا لما يوجبه القياس.
وقد نهي النبي عليه السلام عمر عن شراء الفرس الذي تصدق به، وجعل ذلك كالرجوع في الصدقة، فهذا فيه وجهان، أحدهما: منع الذرائع التي تجر إلى ما يشبه المنهي عنه، وآخر أن يحمل من يتهم إلى قصد ذلك ومن لا يتهم محملا واحدا، لئلا تختلف الأحكام على ما بينا.
ويقال له: أليس المريض عندك في معنى من الحجر في ثلثي المال، أن يحدث فيه حادثة، توجب على الوراث فيه نقصا؟ فإن قال: نعم قيل: فطلاقه للزوجة حادث، أوجب على أصلك منعها من جميع ميراثها، وأنت تمنعه، أن يحدث ما ينقصها بعضه، فقد أحدث حدثا أزال جميعه عنها.
وأما قولك: إنها قد بانت منه، ولا تعتد منه، ولو صح لم تحل له، فلا حجة لك بذلك، لما تقدم دليلنا به.
ونزيد بذلك بيانا فنقول: أرأيت إن اعتق عبيده في مرضه، ولا يملك غيرهم، أليس إن صح عقتوا عليه، وإن مات ورث منهم الورثة الثلثين، بالميراث الذي لا تبطله حوادثه؟ فكذلك الزوجة مطلقة ترث، ولا يبطل ميراثها بحوادثه.
فإن قلت: فلم لا أنفذت العتق كما أوقعت الطلاق؟ قلنا لك: إنما أبطلنا العتق إذا مات في ثلثي العبيد، لأن ثلثي العبيد [ملـ]ــك الورثة، الذي منع فيه من الحوادث، ولم نبطل الطلاق في نفسه إذا مات؛ لأن إيقاع الطلاق في نفسه لا يضر الوراث وهي الزوجة، وإنما يضرها منع الميراثن فورثناها، ولم نجعل دثه يمنعها ميراثها كما لم يكن عتقه لثلثي العبيد يزيل ميراث الورثة منهم، ولا يصل الوارث إلى الميراث بالعتق، والزوجة تصل إلى أخذ الميراث مع إيقاع الطلاق.
فتأمل موضع اتفاق العلل واختلافها، ولا يبعد عليك أن ترثه ولا يرثها، إذ العلة التي في ميراثها منه كانت منه، وقد وقع طلاقه بإجماع، ولم تقم مثل تلك العلة في ميراثها.
والعمة تورث ولا ترث، وبنت الأخ ومولى النعمة، وليس هذا بدافع لما ذكرنا من شواهد الأصول.
وأما قوله: فاتهموا من نفي حملا، فلاعن منه في مرض وروثوا الحمل والزوجة، أو أقر بدين لأجنبي، وعليه دين محيط.
فإنا نقول في الزوجة: إنها ترث، ولم يدر قولنا في ذلك، ولا في إقراره بدين لأجنبي وعليه دين محيط، فهذا يلزمه ولا تهمة فيه.
وأما الولد المنفي فلا يتهم أحد في نفي ولده، إنما مجاري التهمة على الأغلب من الأحوال، ألا تراه لو أقر به بعد أن نفاه أنه يحلق به، وكذلك لو استلحق ولدا لأمته في مرضه لحق به، فكذلك إذا نفاه لم يتهم فيه، كما لم يتهم في استلحقاقه والزوجة إذا أحدثها في المرض لم يجز نكاحه.
فكما افترق إحداثه للنكاح من استلحاقه للولد، كذلك يفترق نفيه إياه وطلاقه للمرأة في مرضه في الأحكام.
وأما قولك: إن مالكا خالف عثمان في كثير من أحكامه وقضاياه، من ذلك تخمير [المحـ]ـرم وجهه، وأشياء يطول ذكرها، ثم لم تذكر منها شيئا، فهذا باطل من الدعوى بغير برهان.
وقولك: من ذلك تخمير المحرم وجهه، فهذا عجيب، وما مدخل هذا في الأقضية [و] الأحكام، وليس يخالف مالك أقضية الخلفاء، التي تكون [علـ]ـى المشورة من الصحابة، وإن كان أمرًا اختلفوا فيه، فلا [يخا] لف عثمان، إلا لقول غيره من الصحابة.
ومع هذا إن عثمان [ر] حمه الله، استخف تغطية ما يمكن تغطيته من الوجه، [بمـ]ـعنى التوشح والإلتحاف، وهو غير مستدام، وليس [علـ]ـي أنه خمر ذلك برباط أو عقاص، وإنما يستدام ما [ربـ]ـط أو جعل من فوق الرأس، ولم ير عثمان تغطية الرأس، [و] إذا كان الرأس مكشوفا، لم يتأت تعطية الوجه إلا من ناحية الالتحاف الذي لا يدوم.
وإنما كرهه مالك لقول غير عثمان من الصحابة، ابن عمر وغيره، ولما جاء أن الحاجة التفت الأشعث فأضحى الوجه هو من تناهي الشعث، وما له [] المحرم إليه من التفت والشعث، ولم ير مالك فيه [] عن عثمان ولأنه ليس بالانتفاع البين، ولا مما
يستدام بالتمكن، فهو شيء بعضه أفضـ[ـل] من بعض وأولى، وهذا من اتباع أحسن القول من قول الصحابة.
فعرفنا أنت بقول من تعلقت في طلاق المريض، في منعها الميراث.
وكل قول لا يوقن بأن لك فيه سلف، واجب عليك الانتقال عنه، إلى ما ثبت عن السلف، الذين ليس لأحد أن يقول قولا لا يعلم له قائل منهم، وإلى ما شهدت بصحته الأصول والدلائل.
ولو أنصف خصومنا فيما يحكون عن مالك، أو ينكرون لتركوا كثيرا مما ينكرون، والله المستعان.
تم الجزء الأول بحمد الله وقوته وتأييده، يتلوه في أول الثاني إن شاء الله: القول في شهادة الصبيان.
وكتب محمد بن عبد الله بن محمد الأندلسي، من كتاب الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بمدينة القيروان، وفي شعبان من سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة [و] إبراهيم بن بكر البرقي وبلغ بالسماع جعفر بن إبراهيم [البوني].
سمعه عبد الرحمن بن مروان الأندلسي القرطبي، وإبراهيم بن إسحاق التدميري، أبي محمد رضي الله عنه.
الجزء الثاني
من كتاب الذب عن مذهب الإمام مالك
الجزء الثاني من كتاب " الذب عن مذهب ملك في [غير] شيء من أصوله، وبعض مسائل من فروعه، وكشف ما لبس به بعض أهل الخلاف، وجهله من محاج الأسلاف"
فيه: مسألة شهادة الصبيان، وفي المحرم يقتل الصيد خطأ، وفي نكاح العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن وليها، وفي إعطاء المرأة لزوجها من زكاتها، وفي العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم يستحق العبد، وفيمن وطيء أمة ابنه، والحكم في الزنيق، وفي الأب يتزوج بمال ولده، أو يعتق منه، وفي اغتصاب الأب ما وهب لابنه، وفي المطلقة ثلاثا، هل يحلها زوج نصراني، وفي طلاق أهل الكفر ونكاحهم وإحصانهم، وباب في طلاق الشرك، وباب في النفقة على الولد، وباب في الطلاق قبل النكاح، ثلاثة عشر بابا.
[] [محمد] بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأندلسي، وكتب بيده [بمدينـ]ـة القيروان، من كتاب الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، أيده [الله] وذلك في صدر شعبان من سنة [إحدى] وسبعين وثلاثمائة.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وأهله
في شهادة الصبيان
أنكر هذا الرجل قول مالك، في إجازة شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، ما لم يفترقوا ويخببوا.
وقال: إنه مخالف لظاهر التنزيل، من قوله سبحانه: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وهم غير مخاطبين ولا مأمورين ولا منهميين قبل البلوغ.
قال: وهم لا يقبلون في الأموال ولو على حبة واحدة، ولا تجوز شهادتهم عنده لكبير على صغير، ولا لصغير على كبير، في الذي أجازها فيه بينهم.
قال هذا الجريء: وهذا اختلاط من القو [ل]، وخروج من المعقول، ومخالفة ظاهر القرآن، وقول ينقض بعضه بعضا، إذ فرق بين ما لا يفترق في خبر ولا نظر، ولا كتاب ولا سنة ولا اتفاق، إذ قبل شهادتهم في بعض الأشياء، ولقوم [دون] قوم، وفي وقت دون وقت، وهذا الحكم في دين الله، خالفه بما لم يأ [ذن به].
فأول ما نحن بادئون، به في جواب هذا الرجل، أن نعرفه بأ [ن] مالكا -فيما قال من ذلك- إنما قفا فيه أثر من قال ذلك قبله من الصحابة والتابعين، ثم نستدل بعد ذلك على صحة ذلك من النظر.
و [إن] كنت أيها الرجل عنهم [تنبز] بالاختلاط في الذهن، والخر [وج] من المعقول ومخالفة القرآن والتناقض، وما انتهيت [إليه] من شهوة نفسك إلى الغمص فجرد القصد بذلك إليهم إن اتسع لك ذلك فيهم، ولئن ضاق عليك ذلك فيهم، ليضيقن عليك فيمن بعدهم، من الأئمة المتبعين لهم بإحسان.
فممن أجاز ذلك علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان وعطاء والحسن وإبراهيم.
وقال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة الصبيان فيما بينهم، بعضهم على بعض، يعني: التابعين.
قال الحسن: لا تجوز على كبير، وأجازها الشعبي.
نا أبو بكر، نا يحيى بن عمر، نا أبو الطاهر، عن ابن وهب، أنا يونس، عن أبي الزناد، أن السنة أن تجوز شهادة الصبيان بينهم في الجراح، ويؤخذ بأول ما يسألون.
قال ابن وهب: وأنا رجال من أهل العلم عن علي بن أبي طالب، وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير وابن قسيط وأبي بكر بن حزم، وربيعة وابن شهاب وعمر بن عبد العزيز، ومروان بن الحكم وقاله مالك وعبد العزيز فيمن اتبعهما.
نا محمد بن أحمد بن تميم، قال: أنا بكر بن حماد قال: نا مسدد نا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة عن الحسن قال: قال علي: شهادة الصبيان على الصبي جائزة.
وأجازها معاوية بعضهم على بعض، ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا.
وقاله عطاء وإبراهيم: يجوز بعضهم على بعض.
ورواه مالك عن هشام بن عروة عن ابن الزبير.
وقال مالك في موطئه: إنه الأمر المجتمع عليه عندهم، وهذا آكد شيء من الأمور.
ومالك - فيما ذكر من ذلك - ناقل لاجتماع القوم على ما ذكر، فقد تنطعت في قولك من هؤلاء المر [ضيين] من خيار القرون، على أنهم اجتمعوا على خلاف القرآن، والاختلاف في القول، والتناقض، والخروج من المعقول في قولك، وإنك لغـ[ـائب] عن هذا التنطع.
وبعد ذلك: فإن ما ذكر عن ابن عباس أمر لا حجة لك فيه، ولا لمن قال قولك، إنما روى ابن ابي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن شهادة الصبيان، فقال: قال الله عز و [جل]: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قال ابن أبي مليكة، فما رأيت القضا [ة] أخذت إلا بقول ابن الزبير.
وبعد، فليس تجد في رواية أن: ابن عباس سئل عن شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، فقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهذا جواب عن سؤال، وإنما المسألة كانت فيما لا يجوزون فيه، وابن عباس أجل في العلم أن يحتج بحال المندوحة على حال الضرورة.
وذكر ابن عـ[ــلية] عن ابن سيرين، في شهادة الصبيان: فكتب: ويستثبتون و [روى] عن الحكم وابن أبي ليلى، ولم يذكر عنهم أنها في الجراح بينهم.
قال أبو بكر بن الجهم: والتأويل في كل من ذكر عنه رد شهادة الصبيان ما تأولنا، أن ذلك فيما لا تجوز فيه شهادتهم، أ [ا] ما بينه أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، فإنا ما علمنا أحدا سبقهم إلى ذلك، فنص عليه نصا مفسرا، برواية عن أحد من المتقدمين.
وكذلك ما ذكر عن القاسم وسالم سئلا عن غلام شهد، قالا: إن أنبت فشهادته جائزة، فهذا في سائر الأمور، ولم ينص على الجراح، وإنما ذكر هذا ابن وهب عند ذكر حد البلوغ، الذي تجوز به الشهادة في كل شيء، وغير ذلك من الأحكام.
فماذا تعلقت أيها الرجل؟ ومن سلفك الذين لجأت إليهم بنص من الرواية عنهم حتى صغر عندك قول مالك في هذا، وخفّ لسانك في عيبه.
ونحن نسألك بعد هذا في إبطالك لشهادة الصبيان في الجراح بينهم، عند الاختلاف فيها، في زعمك، أبنص قلته أو باتفاق أم بقياس؟ ولا سبيل لك إلى دعوى الاتفاق.
فإن قلت: بالنص، سئلت عنه، فإن تلوت ما نص الله في آية الدين: ﴿ممن ترضون ن الشهداء﴾ وما ذكر في آية الرجعة: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله في الوصية: ﴿إثنان ذوا عدل منك أو آخران من غيركم﴾.
قيل لك: لو كان ما ذكر في آية الدين ما يوجب استعمالها في كل شيء، لزم أن تجوز شهادة النساء في غير المال، وشهادة غيرنا - المذكورة في الوصية في السفر- في كل شيء على قولك.
فأراك ذكرت آيات تقول: إن فيها خصوص في شيء دون شيء ووقت دون وقت.
وبعد، فلو لم يكن فيها خصصو ما ساغ ذلك – على أصلك – أن تستعملها إلا فيما جاءت فيه، ولا تقدر أن تقول: إن معك في رد شهادتهم بينهم في الجراح نصن وأنت فغير قائل بالقياس، فترد ما لم يذكر إلى ما ذكر، [وأنت] قد رددت ما لم يذكر من شهادة الصبيان في الجراح، إلى ما [ذكر] من الشهادة في دين ورجعة ووصية.
وما أجمعوا عليه لهم، أن لا يقبل فيه إلا العدول البالغين فأنت تقول به وغيرك، وما اختلفوا فيه لم يجب على أصلك رده إلى أصل، من نص أو اتفاق، لأن ذلك عندك من القياس، والقياس لا يجوز عندك.
ويلزمك أن لا تجيز في عتق الظهار، إلا مؤمنة، لما ذكر الله في آية كفارة القتل: ﴿رقبة مؤمنة﴾، وأنت لا تدري ذلك يلزمك.
فإما أن تقر أنه لا نص معك في شهادة الصبيان، في كتاب الله وسنة نبيه، أو ترجع إلى أصولنا في الاستدلال، أنه إذا ذكر الله تعالى حكما، فنص عليه، كان فيه وفيما يشبهه مما لم ينص عله، وهذا فيه نقض أصولك كلها.
ونحن رأينا حال الصبيان حال ضرورة، فرددنا ذلك إلى ما أجمعوا عليه، من إجازتهم لشهادة النساء، في الضرورة، فيما لا يطلع عليه غيرهن.
ثم ذكر أن مالكا قال: إن شهد صبيان لرجل بالغ، ولصبي على صبي: أن هذا الصبي فقأ عين هذا الصبي وعين هذا الرجل البالغ، أن شهادتهم للصبي جائزة، ويجب أن يحكم للصبي المفقوء العين على الصبي المشهود عليه بدية عينه أجمع، ولا تجوز شهادتهم للرجل البالغة بما جنى على البالغ.
فهذا الذي حكى باطل ليس بقول مالك، واراه على ظنه يتكلم إن سلم من التعنيد ففيما حكى وجهان من الخطا، أحدهما، أنه يحكم على الصبي بدية العين، التي فقأها [للصبـ]ـي ومالك يقول إن عمد الصبي كالخطإ، وهذا أيضا مما لا أعلم فيه خلافا.
فكيف جعل دية العين على الصبي؟ فقول مالكا ما لا يقوله مالك ولا غيره.
ووجه آخر: أن من قول مالك: إنه إذا كان كبيرا- قد خالط الصبيان- مشهود له أو مشهود عليه، أو داخل دخل بينهم، فلا تقبل مع ذلك شهادتهم للصغير لريبة، خلطة الكبير بهم، أن يكون يخدعهم في أمر.
فقول مالك: لا تقبل شهادتهم للصغير ها هنا، لكون الكبير معهم، على ظاهر سؤال هذا الرجل، لأنه ذكر في الشهادة: أن الصبي فقأ عين كبير وصغير، ولم يل ذلك في وقتين، ولا شهادتين وظاهر هذا أنه في وقت واحد.
ثم أكد خطأه، فقال: وهو لا يجيزهم على حبة واحدة من الأموال، ويجيزها فيما قد يوجب دياتا كثيرة، من قطع اليدين والرجلين وفقء العينين وقطع اللسان، فيجب بذلك على المشهود عليه ديات كثيرة.
فهذا أيضا وجه آخر من غرائب تأكيد الخطأ والباطل، ومالك لا يقول: على الصبي المشهود عليه شيء، وإنما عمده كالخطإ، وذلك على العاقلة.
وهذا رجل ما يدري ما يقول ولا ما يحكي، والله المستعان.
وأما قولك: واتفق علماء الأمصار أنه لا يجب حكم إلا بإقرار، أو شهادة عدلين، أو عدل واامرأتين في الدين خاصة، فهذه دعوى الاجماع، فيما فيه الاختلاف كثير.
قد قال كثير من الناس بإجازة شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، وقال آخرون، تجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض في كل [شيء]،
وقال أهل المدينة: تجوز شهادة الصبيان بينهم في الجراح، وقال بعضهم: تجوز شهادة غير العدل في ما تستحق به القسامة.
ففيم هذا الإجماع الذي ادعيت أنه لا يُحكم لأحد إلا بما ذكرت.
وشيء آخر، لو كانت كل حال من ضرورة ومندوحة واحدة، ما أجمعوا على قبول شهادة النساء، فيما لا يطلع عليه غيرهن.
ولو كان ما ذكرت من النص عليـ[ــيه] لكان قد أجمعوا على خلاف النص.
ونحن فنرد الحوادث المختلف فيها إلى الأصول المجتمع عليها المشبهة لها، فلما رأيناهم أجمعوا على قبول شهادة النساء وحدهن في الضرورة لما يفوت، و [قد] لا يطلع عليه غيرهن، للحاجة إلى ذلك، أجزنا شهادة الصبيان في الضـ[ـرورة]، فيما بينهم، فيما يفوت من أمر الدماء، وما لا يوجد فيه الرجال.
وفي الأصول شواهد لهذا مع القياس فيه، ألا ترى أنه تجري كثير من الأحكام بالدلائل، وبالأغلب من الأمور للضرورة.
فمن الحكـ[ـم] بالدلائل: ما جعل الرسول عليه السلام في معرفة العفاص والوكـ[ـاء] في اللقطة، وجعل ذلك دليلا، يوجب الحكم لمدعي
اللقطة، للضرور [ة]، إذ لا يمكن أحدا أن يشهد على تلف شيئه، ولا يعلم ما عسى أن يتلف له، فيستعيد الإشهاد على أنه في يديه وملكه.
وكذلك حكموا بالحائط لمن إليه القمط، روي عن علي بن أبي طالب، وعليه الحكام، فهذا من ذلك، لعدم البينات.
ومن الحكم بالأغلب قبول دعوى المرأة في الوطء إذا خلا بها الزوج، إذ ليس موضع بينة، وإذ الأحكام في إلحاق ما يظهر من ولد بالزوج قائمة، ولحوق الولد حجة لنا على من خالفنا في قبول قولها.
ونحو ذلك من الحكم بالأغلب والأشبه، تصديق المرتهن في الدين إلى مبلغ قيمة الرهن، وحكمنا في متاع البيت - عند اختلاف الزوجين فيه – بالأشبه والأغلب من ملك كل واحد منهما.
ونحن- وإن خولفنا في بعض ذلك – فإن من وافقنا في بعضه مخصوم في بقيته، مع دلائل لنا في ذلك نذكرها في موضعها مستوعبة.
ومما جرى فيه مثل هذا من الضرورة، ما قلنا في القسامة مع شهادة الشاهد الواحد على معاينة القتل، وكذلك مع دعوى الميت، وهذا كله لأنه حال ضرورة، وبنا حاجة إلى حياطة الدماء.
وكذلك الصبيان بنا حاجة إلى تعلمهم الثقاف والحراب تضرية للقتال والثقاف فلا بد من الاحتياط في دمائهم وجراحاتهم.
فإن قيل: فأجز شهادة الفساق بينهم في الجراح، والنساء بينهم فيها.
قلت: لا حاجة بنا إلى حفظ جراح الفساق ودمائهم، إذ لا يجوز اجتماعهم على ما يجتمعون عليه، وكذلك ما تجتمع له النساء لا ضرورة بنا إلى حفظ ذلك منهن، وبنا حاجة وضرورة، إلى حياطة دماء الصبيان فيما يجتمعون له.
وقصرناها في الدماء لما عظم الله من الدماء، ولأن ذلك يكون حيث لا تحضره البينات، فجعلت القسامة في الدماء لمثل ذلك، فلمثل لك أجزنا شهادة الصبيان، شهادة الضرورة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما﴾ والصبي ممن يعلم الشيء، فلا يبعد أن يقبل في الضرورة، كما يقبل خبره.
ولم نجزها على الكبير، لدليل منع من ذلك، وكذلك في قبولها في غير الجراح، والدلائل تؤيد قبولها [في الجراح] لما تقدم من الشواهد التي ذكرنا، ولا ضرورة [بنا] في قبولها للكبير في جراح ولا غيرها، ولا على كبير، ولما يعترض [فيه] مع ذلك، لأنه إذا دخل بينهم الكبير كان الأغلب منه أن يكلمهم ويخدعهم فيصير ذلك ظنة تقدم في شهادتهم.
فإذا يدخل بينهم كبير مشهود له أو عليه، أو أجنب، لم تعلق بشهادتهم علقة توجب التوقف عن قبولها، للضرورة التي حيطت معها الدماء بأضعف من هذا من القسامة، مع دعوى الميت وشهادة الواحد، وشهادة النساء فيما يؤول إلى الأنساب والمواريث والحرية وقول غيرنا في القتيل في المحلة مع القسامة، وما تقدم ذكرنا إياه.
فلهذه المعاني فرق مالك بين شهادة الكبار والصغار، وعلى الكبار والصغار، وقال: إنها في الجراح دون ما سواها.
وإنما آفة من يصدف عن قول مالك النكير بأول خاطر، وإجابة أول ناعق، والعجلة قبل الفكرة والتأمل، والله المستعان.
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وأهله
في المحرم يقتل الصيد خطأ
وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المحرم يقتل الصيد خطأ: إن عليه جزاء، واحتج بأن الله سبحانه قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ الآية.
قال: فلما خصّ بالذكر المتعمد دلّ على أنه لايفكر ذلك المخطىئ، وأنه لوكان فيه كفا رة لم يكن في خصو صاالمتعمد بالذكر فائدة.
وأعاد مثل هذا وكرره، وشاب كلامه بجهل من القول، لا فائدة لنا في مجازاته عليه.
وزعم أن قول مالك مخالف لظاهر القرآن، هذا وهو قول عليه السلف من الصحابة والتابعين ممن سنذكرهم بعد هذا.
وإن كان هذا الرجل لم يذكر- في هذا الباب - لقوله سلفا من صاحب ولا تابع، كأنه يرى أن لأحد أن يقول بغير سلف، وسنذكر بعد هذا ما قيل في ذلك، وما انتهى له جمهور السلف.
وهذا الرجل سمع أن ما خص بالذكر يخص بما ذكر له من الحكم، فظن أن هذا يجري في كل شيء، وإنما هذا فيما لا يقوم دليل يدل على معنى ما خص من ذلك الذكر، أو لا دليل يدل أن للمسكوت عنه حكم المذكور، وأما والأدلة قائمة بما له خص المذكور بالذكر فلا.
وهذا الرجل أيضا، يبعده من هذا قوله في القياس: إنه لا يجب للمسكوت عنه حكم المذكور، ونحن نرد ما لم يذكر إلى ما ذكر، إذا أشبهه فيما له وجب الحكم، ونحن نريه ذلك فيما اشتبه من باب القياس، وما يدل من الخطاب في غير شيء، من الأصول، مما يكشف لك أن ما خص به المتعمد من الذكر لا يرفع الحكم عن من لم يذكر من المخطيء والناسي.
فأما من نفس الآية، فقوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ فلم يكن ذكره لقتل المحرم للصيد - وإن خصه بالذكر- برافع ذلك عن قتل الصيد ممن ليس بمحرم في الحرم، مع ما أكد الرسول عليه السلام من ذلك وبينه، فلم يكن ما خص المحرم به من النهي برافع لمثل ذلك النهي عن الحلال في الحرم.
وشيء آخر، أنه لم يكن إيجابه الجزاء على من ذكر من المحرمين، برافع ذلك عن الحلال [الذي يقـ]ـتل [صيدا] في الحرم، فقد أوجب عليه العلماء الجزاء، وإن اختلفوا في قدر ذلك، فإنما ردوه إلى معنى المذكور في الآ [ية].
أيضا ليس ذكر دية النفس في الخطإ بمانع أن تقبل في العمد صلحا، أو يعفو بعض الأولياء.
وكذلك قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ وقد يكون في غير المسجد، وهو معتكف لحاجة يخرج إليها، والمباشرة لا تحل له، فذكر أغلب أحوال المتعكف، وهو كونه في المسجد.
وقال سبحانه في المبتوتة: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ فخص إباحتها بطلاق الثاني، وهي تحل له بموت الثاني أيضا، وإن خص الطلاق بالذكر.
وكذلك ليس قوله: وإن ﴿كن نساء فوق اثنين﴾ برافع حكم ذلك عن الاثنتين، وإن خص بالذكر ما فوقهما،- في قول أكثر العلماء - بل هو إجماع من القرن الثاني والثالث، وكل من يخرج ذلك من الإجماع.
وكذلك قوله في الإماء: ﴿فإذا احصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، يريد الحرائر، فلم تكن خصوصيته لإيجاب نصف الحد على من تزوج منهن، برافع ذلك عن من لم تتزوج منهن، كما قال بعض الخوارج، وقال الرسول عليه السلام في الأمة: إذا زنت فاجلدوها.
ولم يكن أيضا ذكره في الكتاب وفي الحديث عن الرسول لإيجاب الحد على إناث الأرقاء، برافع ذلك عن ذكورهم.
وقد يذكر الشيء من أعلى وجوهه، فيدل ذكره من أعلى وجوهه على حكمه فيما هو دون ذلك من وجوهه، وليحمي ذلك من بعيد التأويل.
ولو ذكر الله سبحانه الحد مطلقا، من غير ذكر إحصانها، وذكر الكفارة في قاتل الصيد مطلقا، من غير ذكر المتعمد، احتمل أن يتأول متأول أن الكفارة مصروفة في الصيد إلى الخطإ، الذي كرت فيه الكفارة في [قتل] [النفس، وأن العمد ليس مما تكفره كفارة في القتل]، ولا متعمد الكذب في اليمين.
فلما قال: ﴿متعمدًأ﴾ – وهو أعلى وجوه قتل الصيد- دل أن ما دون ذلك مثله، تكفره الكفارة.
ولو لم يقل في الأمة: ﴿فإذا احصن﴾ لاحتمل أن يكون ذلك على من لم تتزوج منهن، فيظن ظان أن المتزوجات كالحرائر في الرجم، فجمع بذكر، ﴿فإذا احصن﴾ رفع الرجم في إحصانهن، وأنه ذكر الحد فيهن في أعلى الأمور، ليدل أن ما دونه مثله، والله أعلم.
وتأويل من تأول في قوله: ﴿فإذا احصن﴾ أنه يعني: أسلمن، يبعد لقوله سبحانه أول الآية: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فكيف يقول بعد ذلك: فإذا آمن؟ وأكثر العلماء في هذا على ما ذكرنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ فذكر حد القذف فيهن، ولم يذكره في قاذف الحر المحصن، فلم يكن ما خص بالذكر يرفع الحد عن من لم يذكر،
من قاذف الرجل، قال ﴿ودرؤا عنها العذاب﴾ ولم يذكر العذاب في نكول الرجل، فناب ذكره في المرأة عن من لم يذكر من الرجل إذا نكل.
وقال: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [فذكر] النظرة إلى [ميسرة] بالمال في [الدين] أصله [عن ربا]، ولم يذكر ذلك في دين ولا ربا فيه، فكان له حكم ما ذكر، لتساوي علة ما لم يذكر مع ما خص بالذكر، وهي العسرة.
والله سبحانه يذكر الشيء، فيخصه بالذكر لغير وجه، إما أن يذكره بأعلى وجوهه، ليدل بما ذكر على ما هو دونه، على ما بينا، أو ليدل بما ذكر على مثل ذلك فيما لم يذكر، مما يشبهه فيما له وجب الحكم، وقد يذكره ليخصه بذلك الحكم، بدليل يظهر في ذلك.
ولا دليل لمن خالفنا، أن قاتل الصيد لما ذكر الجزاء في عمده أريد به الاقتصار على العامد، دون المخطيء.
بل الدلائل تدل على خلاف ذلك؛ لأنه لما قال سبحانه: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ انعقد تحريمه محملا، ولم يأت نص بإباحة ولا معرة في عمد ولا خطأ، كالنهي عن قتل النفس.