باب مسألة الرضاع بعد الحولين
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: بدأ هذا الرجل فيما أنكر على مالك بمسألة الرضاع بعد الحولين وأنكر رواية ابن القاسم عن مالك أنه يحرم [ما] قارب الحولين، كالشهر والشهرين.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [قال: فـ]ـلا غاية بعد المأمور به تجيز التحديد إلا بنص، [و] [قول] مالك [هذا الذي
الجزء: 1 - الصفحة: 325
جاء] الكتاب بخلافه والـ[ـسنة] يدل على إغفال مالك، والأمة مباينة [] إلى ما هـ[] إلى هـ[] هذه الآية [] كأنه يرى أنها أبين منـ[] فيما ظهر له والله المستعان.
فيقال له [لما قال الله] سبحانه: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ دل أن من لم يرد أن يتمها أن الحد له دون لك إذا شاء، فجعل ذلك مصروفا إلى اجتهاد ابوي الولد؛ بقدر ما يريان من احتماله والنظر بالمصلحة له، بقوله: ﴿فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فخرج هذا التحديد أن يشبه بما وقع فيه التحديد من صوم الظهار وعدد النساء ونحو ذلك، مما لم يجعل فيه لأحد نظرا باجتهاد، تارة ينقص وتارة يزيد.
هذا وقد أبيح للأبوين الزيادة على الحولين كما أبيح لهما النقصان؛ على ما ذكرنا من قول الله سبحانه ﴿فإن ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فقد جعل سبحانه الفصال حدا وإن كان قبل الحولين، كما ذكر من تحديد الحولين.
أرأيت إن فصلته أمه عن الثدي قبل الحولين تريد به تمام الفصال، ثم بدا لها فأرضعته في الوقت أو بعد ساعة أو ساعتين؛ أو أرضعته حينئذ أجنبية؟
الجزء: 1 - الصفحة: 326
[فإن قلت]: لا يحرم، أحلت وانفردت، حتى يتبين الفصال أو يقو [ي، وإن قلـ]ـت: بل يحرم إذا كان بالقرب، هكذا صرت إلى الزيادة على ما حد الله من الفصال بالاجتهاد، وذلك لما ظهر أن هذا التحديد ان مخرجه اجتهاد الأبوين، والفصال حد، والحولين حد، ولا فرق بين الزيادة بالاجتهاد عليهما مما قاربهما.
فإن قلت: فلم وقع منك الاجتهاد بزيادة شهر أو شهرين على الحولين؟ قلت: لغير وجه، منها أنه لما كان للأبوين النقصان من الحولين بالاجتهاد، فكذلك يزاد عليهما بالاجتهاد، ولا يصلح أن تكثر الزيادة شهورا كثيرة، فيصير الأغلب من قوام بدنه، الطعام دون اللبن، كما زيد على الفصال بالاجتهاد، وقد قال النبي عليه السلام: فإنما الرضاعة من المجاعة.
ومنها وجه آخر على رواية عبد الملك عن مالك، فإنه روى عنه أن زيادة قدر الشهر ونحوه يحرم، فوجه ذلك أنه لما قال الله تعالى: ﴿كاملين﴾ دل أنه يقع عليهما اسم حولين وهما ناقصان، فاحتمل قوله: ﴿كاملين﴾ كمال الشهور على أكمل الأعداد، ووجدنا الأمة تسمي شهرا تاما إذا كان ثلاثين يوما، وتسميه ناقصا إذا كان تسعا وعشرين فما يبعد ان يكون للسنة في الرضاع اسم الكمال أتم الأعداد،
الجزء: 1 - الصفحة: 327
ووجدنا السنة الشمسية تزيد على القمرية أحد عشر يومًا، فذلك في الحولين نيف وعشرون يومًا، وهذا نحو شهر، وكذلك روى عبد الملك عن مالك زيادة الشهر ونحوه يحرم، لاحتمال هذا التأويل والله أعلم.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك زيادة الأيام اليسيرة.
وإذا ساغ الاحتمال فيه فلا يبعد أن يحتاج فيه بأبعد الاحتمالات؛ لأن دفع الشبهة بالتحريم أولى من إباحة التحليل مع احتمال غيره؛ لأن من ترك سلم بيقين، ومن واقع مع الشك لم يأمن، والتحيم آكد في الأصول من التحليل فيما جرى فيه تحريم.
ألا ترى أن الله سبحانه حرم ما نكح الآباء والأبناء، فحرمنا بأقل ما لزم اسم نكاح، وهو العقـ[ــد]؛ وإن لم يقع الوقاع، وأحل المبتوتة بعد أن تنكح زوجا غيـ[ـــره]، فأبان الرسول عليه السلام ألا تتم هذه الإباحة إلا بالأ [كمل] وهو العقد والوطء.
هذا وقد اختلف في ذكر الله سبحانه للحو [لين]، فقال القائلون [بالتحريم]
الجزء: 1 - الصفحة: 328
برضاعة الكبير، هذا من باب التعـ[] الـ[] بمراتب [] في رضاعة الكبير، إنما الرضاعة [من المجاعة] [وعن علي]: لا رضاع بعد فصال.
واحتجوا برضاعة [سالم] مولى أبي حذيفة: ودفعناهم بالرواية أن ذلك خاص في سالم، وبغير ذلك، فكيف جاز لك أيها الرجل أن تقول: إن الأمة مباينة لقول مالك؟
الجزء: 1 - الصفحة: 329
هذا وكثير منهم يقول بأكثر من ذلك، منهم من يقول حولين شهرين، ومنهم من يزيد على الشهرين، والنعمان يقول حولين ونصفا، وغير واحد من الناس يقولون برضاعة الكبير، فادعيت أن الأمة مباينة لمالك فيما زاد على الحولين؟ وفي ذلك من الاختلاف ما لا يخفى على أكثر من يطلب العلم، وقالت عائشة في رضاع الكبير ما قالت، وخالفها سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقلن: إن ذلك كان خاصا في سالم وحده.
وكيف أنكرت على مالك أن احتاط بالتحريم بباب من التأويل، له به شاهد في الأصول والاعتبار؟ ولم تنكر على الشافعي إذ أحل وأباح باستكراه من التأويل بعيد
الجزء: 1 - الصفحة: 330
من الظاهر والاعتبار، واستعمل لذلك حديث خمس رضعات، ونحن ومن تعلقت بمذهبه غير قائلين به، لأنه منسوب إلى القرآن، والقرآن غير مختلف فيه.
ثم تأول الشافعي الرضعات، فلم يجعلها بالاحتياط مصات وجرعات، وجعلها أوقاتا فسيحة وأزمنة متراخية، فقال: ما دام الصبي في حجر أمه يرضع ويزيل فيه الثدي ويعاودها [و] لو أقام من اول النهار إلى نصفه فهي رضعة واحدة، ثم يفعل مثل ذلك في يوم ثان وثالث ورابع، ثم لا يحرم ذلك شيئا، ولا تكون التي أرضعته له بذلك أما، ولا هو لها ابنا، وتحل له بنكاح، ولا روى هذا عن سلف، وهذا كله غير قولك، ثم لم تنكره كما أنكرت على مالك.
[] فما كان أولى بك أيها الرجل في الـ[]ـد المستكره لهذا، أم ما أخذته على مالك من ما قصد به قصد الا [جتهاد] في حماية المحارم دون إباحتها، وتأويل الشافعي على بعده في إباحتها، دون الاحتياط بالتوقف عنها.
والكلام في علل حديث خمس رضعات واضطرابه كثير، لم نقصد إليه، إذ لا تخالفنا أنت فيه، وتركت أن تنكر قول مالك في التحريم بالمصة، وصاحبك لا يحرم إلا بثلاث مصات، كأنك تقدر أن ما ذكرت أقوى في نكير ما أنكرت، وما من ذلك شي يتم لك فيه النكير على تقديرك بحمد الله.
والقائل: إنه لا يحرم إلا ثلاث، لا يرجع بهذا التقدير إلى نص، وحديث ابن الزبير ليس فيه إلا الثلاث تحرم، وللشافعي أن يقول لك: إذا كان قليله لا يحرم فذلك لا يحرم حتى ينتهي إلى الخمس، ويقول: لعل ذلك حين كان رضاع العشر، وقد نسخ
الجزء: 1 - الصفحة: 331
[] فما كان أولى بك أيها الرجل في الـ[]ـد المستكره لهذا، أم ما أخذته على مالك من ما قصد به قصد الا [جتهاد] في حماية المحارم دون إباحتها، وتأويل الشافعي على بعده في إباحتها، دون الاحتياط بالتوقف عنها.
والكلام في علل حديث خمس رضعات واضطرابه كثير، لم نقصد إليه، إذ لا تخالفنا أنت فيه، وتركت أن تنكر قول مالك في التحريم بالمصة، وصاحبك لا يحرم إلا بثلاث مصات، كأنك تقدر أن ما ذكرت أقوى في نكير ما أنكرت، وما من ذلك شيء يتم لك فيه النكير على تفديرك بحمد لله.
والقائل: إنه لا يحرم إلا ثلاث؛ لا يرجع بهذا التقدير إلى نص، وحديث ابن الزبير ليس فيه إلا الثلاث تحرم، وللشافعي أن يقول لك: إذا كان قليله لا يحرم فذلك لا يحرم حتى ينتهي إلى الخمس، ويقول: لعل ذلك حين كان رضاع العشر، وقد نسخ
الجزء: 1 - الصفحة: 332
ذلك، ويقول: في ذلك جواب عن مسألة، ليس على الاقتصار على ما ذكر، أو سؤال للكبير في رضاعته.
وبعد ذلك، فلنا ما ندفع ذلك كله، وذلك أن ابن الزبير لم يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما رواه عن عائشة عن النبي عليه السلام، وإن كان قد روى عن ابن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات، فقد روينا مبينا أنه عن عائشة رواه، وبعض الصحابة روى عن بعض، و [بعيد] أن يقول: قال رسول الله، [سيما] ابن الزبير في صغره.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
نا الحسن بن بدر قال: نا [النسائي] قال: أنا زياد بن أيوب عن ابن [علية] عن أيوب عن ابن أبي مليكة [عن عبد الله] قال النبي عليه السلام: لا تحرم المصة ولا المصتان.
ونا محمد بن عثمان الأندلسي، عن محمد بن الجهم المالكي قال: نا [إبراهيم الحربي نا محمد بن عبد الملك]، قال [نا عبد الرزاق] [قال: نا ابن جريج قال] نا هشام [بن عروة عن عروة] عن عبد الله بن الزبير عن عائشة مثله.
فدل أن مدار الأمر كله على عائشة، وهذا هو مستخرج مما عندنا من خبر " خمس رضعات" وذلك قد جامعنا مخالفنا على تركه، [ولغير] علة، قال أهل الحديث: ومن رواه عن ابن أبي مليكة عن أبي هريرة فهو غلط، وأصحا ابن أبي مليكة كلهم
الجزء: 1 - الصفحة: 334
يرويه عنه عن ابن الزبير عن عائشة، فمداره عليها على ما عندها من الخمس، والله أعلم.
وقد روي من طريق أم الفصل ابنة الزبير، وذلك على ما عندهم منه عن عائشة والله أعلم.
وقد روى ابن وهب في كتابه عن ام الفضل خلاف ذلك: أنه يحرم المصة والمصتان.
وروى ابن الزبير عن عائشة لا يحرم إلا سبع، نا الحسن بن بدر قال: نا النسائي قال: نا يزيد بن سنان قال: نا معاذ بن هشام، قال: نا أبي عن قتادة عن أبي الخليل عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: إنما يحرم من الرضاعة سبع مرات، وهذا مما يدل على تضعيف حديث المصتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
فلما كثر من هذا الاضطراب ما ذكرنا؛ واحتمل ما تعلق به كل فريق؛ كان التمسك بظاهر القرآن أولى وأقرب إلى الاحتياط، حتى يأتي ما لا شك فيه ولا معارض له.
فأبقينا عن عموم القرآن بقليل الرضاع وكثيره لقوله سبحانه: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ وأجمعوا أن المصة الواحدة رضاع، وبظاهر قول النبي عليه السلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقال لعائشة في أفلح: (إنه عمك فليلج عليك)، وهذا رضاع قديم ولا توقيت فيه.
وكذلك قوله عليه السلام في ابنة حمزة: إنها ابنة أخي من الرضاعة، ولا توقيت في شيء منه.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا أبو عمران موسى بن الحسن قال: نا مسلم بن إبراهيم قال: نا همام بن يحيى قال: نا قتادة، عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي عليه السلام ذكرت له ابنة حمزة، فقال النبي عليه السلام: (لا تحل لي، فإن حمزة أخي من الرضاعة).
الجزء: 1 - الصفحة: 336
وأمر في سالم فقال: (أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة).
وهو –وإن كان عندنا خاصا فيه– لم يرتفع فيه، واجب توقيتة الرضعات، فلم يأمر فيه عليه السلام بتوقيت في حديث عائشة، وهذا كله دلائل تكشف قوة ما ذهب إليه مالك من التحريم بقليل الرضاع.
وقد روينا في كتاب البخاري أن عقبة بن الحارث الليثي قال للنبي عليه السلام، وقد تزوج امرأة فقال له: إن امرأة قالت إنها أرضعتنا وهي كاذبة فقال له عليه السلام: كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك.
وهذا من أدل دليل على أنه لا توقيت في الرضاع حين أمر به في التوقي، فكيف لو ثبت ذلك ببينة تامة، ولو كان لا يحرم بقليله لم يأمر فيه بتوقي ذلك، وهو لو ثبت لم يحرم عنده، وهذا كله يدل على ما ذهب إليه مالك مع ظاهر الكتاب وما هو أقرب إلى الاحتياط، والله أعلم، وإياه نسأل التوفيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 337