باب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازا
ومما أنكر هذا الرجل، قولا حكي أنه قول مالك، وفي المرأة توكل رجلا غير وليها على عقد نكاحها ففعل أنه لا يجوز، إلا أن يجيزه وليها.
وكذلك، العبد يتزوج بغير إذن سيده، لا يجوز إلا أن يجيزه السيد.
وأن المرأة الدنيئة أو الفقيرة، إذا تزوجت بغير ولي، فنكاحهما جميعا جائز.
الجزء: 2 - الصفحة: 481
قال: ففرق بين الغنية والفقيرة في الحكم، بلا دليل، من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
قال: وزعم أن التي زوجها غير الولي، إن قال الولي: لا يجيزه، فزعم مالك أنه نكاح لا يثبت ولا يجوز وأن لهذه المرأة أن تنكح غيره، إذا عقد نكاحها غير وليها، وزعم أن هذا الذي تزوجها فلم يجز له نكاحها، أنه إن طلقها ثلاثا، أن ذلك لازم، ولا تحل له إلا بعد زوج، وإن مات أحدهما قبل أن تتزوج هذه المرأة، أنهما يتوارثان، وكذلك إن افتدت منه هي كان له، وهو لم يجعله لها زوجا، ولا هي له بزوجة.
فمرة جعله مقام الازواج، فجعل بينهما الميراث والطلاق والخلع، وهي في حال ثان عنده غير زوجة، إذ لم يجز نكاحها، وأباح لها أن تتزوج غيره، لأنها عنده غير زوجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 482
قال: فهذا اختلاط وغفلة وتناقض، لا يخفي على ذي عقل، فإما أن يلزمها حكم الزوجاتا فيلزمها ما يلزمهن، أو بحكم الأجنبيات فلا يجعل بينهما ميراثا ولا طلاقا.
فإن كانت عنده زوجة، فكيف أباح لها ان تتزوج غيره؟ وإن لم تكن زوجة فلم ألزمها طلاقه؟ وهذا مخالف لظاهر الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الأمة.
وذكر عنه في العبد يتزوج بغير إذن سيده مثل هذا سواء، وأنه إن لم يجز السيد نكاحه، أنه نكاح لا ينعقد ثم إن طلقها العبد بعد أن أبي السيد أن يجيز النكاح ورده، أن طلاقه واقع عليها.
قال: فكيف يقع على امرأة طلاق من غير زوجها، وفرجها حينئذ مباح لغيره.
وهذا مبلغ كلام هذا الرجل في هذا الفصل، وفي هذا الباب من اختلاط هذا الرجل عجب عجاب، وهذا رجل ينكر قبل أن يفكر ويحكي قبل أن يثبت ويحرف الكلم، ويقول خصه ما لم يقل.
فإن كان قاصدا لذلك فقد عظمت نازلته، وإن كان ذلك عن غيية وغفلة، فقد تكلف ما لا يصلح لمثله أن يتكلفه، وإذا اجتمع التقصير مع الحمية عظمت الزلة، وأعوذ بالله من الخذلان.
الجزء: 2 - الصفحة: 483
فأما ما زعم أن مالكا يقول: إذا رد ذلك الولي، وأبي أن يجيزه، أن طلاق الزوج بعد ذلك يقع عليها، وهذا لم يقله مالك، لأن الولي لما لم يجيزه ورده [] فسخا [لأنه] عقد ذلك [] لا أن الولي ملك الفراق فلا طلاق للزوج فيها، إلا ان يطلقها قبل رد الولي لذلك.
وزعم أن مالكا، يقول: إنهما بعد ردا لولي يتوارثان، ويكون له ما افتدت به منه، وهذا كله باطل، وإنما هذا كله قبل رد الولي للنكاح، إلا في الخلع، فإنه قد اختلف قوله فيه، إن خالعته قبل ردا لولي للنكاح، فقال: إن ما أخذ منها له، وروي عنه أن الزوج يرد ذلك، وقاله أكثر أصحابه.
وقال هذا الرجل: إن مالكا قال: إن هذه المرأة التي زوجها غير ولي إن لها أن تتزوج غيره، وإن طلاق الأول يقع عليها.
فهذا أيضا باطل، وإنما أباح لها مالك أن تتزوج غيره بعد رد الولي ذلك وفسخه، أو فسخ السلطان، وبعد الاستبراء بثلاث حيض عدة أيضا، إن كان دخل بها، وهي في تلك الحال - أعني بعد الرد والفسخ - لا يقع عليها طلاقه.
وما نسب إلى مالك من وقوع الطلاق فيها بعد رد الولي النكاح، وفسخه تقول تقوله على مالك، وهذا الفعل منه أشبه بما نسب إلى غيره من الاختلاط، وما لا يرضي به ذو عقل، وخلاف الكتاب والسنة والتناقض والغفلة، إن سلم من القصد.
وأما قوله: فإن كانت عنده زوجة، فلم أباح لها ان تتزوج غيره، وإن كانت غير زوجة، فلم ألزمها طلاقه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 484
فهذا من قولك يدل أنك فهمت عن مالك أنه اباح لها ان تتزوج غيره في الحين الذي الزمها طلاق الأول فيه، وهذا لم يقله مالك، وليس علينا رد هذا بأكثر من نفيه، ولكنها عند مالك في نكاح شبهة تلحق منه الأنساب، وتدرأ فيه الحدود [] [فلم] يأذن لها أن تتزوج حتى يفسخ هذا النكاح، يفسخ الولي أو السلطان، أو برضى الزوج، وهو لو رفع إلى قاض، يرى غير قو [لنا فـ]ـحكم بإجازته، لم نفسخ حكمه نحن ولا هذا المنكر علينا.
فيقال [له]: ما هي عندك؟ أبمقام الأجنبيات كما ذكرت أم بمقام الزوجات؟ فإن كانت كالأجنبيات، فلم لم تفسخ حكم من قضى بإجازته، وجعلت بينهما الميراث والطلاق بعد الحكم بغير إحداث نكاح، والحاكم إنما أبقي النكاح الأول، ولم يجدد لهما عقدا؟ وإن كانت عندك بمقام الزوجات حتى يفسخ النكاح، فكذلك قال مالك، فما الذي أنكرت [من ذلك].
ويلزمك إذا كانت مقام الأجنبيات توجب عليهما الحد [و] تنفي نسب الولد منهما.
فإذا أقمت لها شبهة من عقود [الـ]ــنكاح، درأت بها الحد وألحقت بها الولد، وأجزت حكم الحاكم [بإ] جازته.
فلم لا توجب هذه الشبهة عندك حكم الطلاق بينهما، [و] تحتاط على من
الجزء: 2 - الصفحة: 485
وإن كانت كالأجنبيات [عندك] لم يجز لك أن تجيز حكم من أجاز نكاحها، كما لو حكم حاكم [أن يبقى] رجلا مع امرأة أجنبية نكاح، لا يجيزه أحد من النكاح [الفاسد] [فافتر] قت بينها وبين الأجنبيات في أحكام كثيرة، فألزم نفسك [] [أحـ]ــكام هذا.
وقال بعض أصحاب مالك ورواه عن مالك [في التي] تتزوج بعقد أجنبي: لا يقع عليها طلاق الزوج ويفسخ حكما بغير طلاق ولا يتوارثان، ولكن القول الأول أليق بالأصول والله أعلم، لأن شبهة ذلك النكاح قائمة، توجب أحكام [كثيرة].
وقد روي ذلك عن عائشة، حين زوجت بنت أخيها عبد الرحمن في غيبته، من المنذر ابن الزبير، ولم تل هي العقد، وإنما أمرت [من] يلي عقد النكاح، كذلك رواه ابن جريج وغيره، فلما قدم عبد الرحمن، قال: ما مثلي يفتات عليه مثل هذا؟ فكلم في ذلك، فأجاز ما صنعت، وبقيت على ذلك النكاح.
الجزء: 2 - الصفحة: 486
فهذا فعل عائشة وعبد الرحمن والمنذ [ر] بن الزبير، وكذلك قال مالك في أحد قوليه: إن أجازه الولي جاز، وإن رده فسخ، وهو خبر مشهور، رواه مالك وابن وهب، وغيره، مع ما روي عن عمر في إنكاح ذي الرأي من أهلها، وعن عثمان وعلي و [ابن] مسعود على ما ذكرنا بعد هذا، فهؤلاء سبعة من الصحابة.
وما [روي] أن نكاحها باطل، محتمل أن يراد به: بإبطال الولي له [إلا] أنه قد اختلف عن الزهري فيه فأنكره في رواية ابن جريج عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 487
[وروى]: "لا نكاح إلا بولي، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
والأو [لياء] بعضهم أخص من بعض، ولكل واحد من الولاية نصيب.
وإذا زوجها من له فيها ولاية الإيمان كان لمن هو أقرب منه ولاية [من] عصبة أو سلطان بتسليم ذلك أورده، ولأن الولي الذي عقد المرأة له فيها أقل الولاية وهي ولاية الإيمان، وولاية النسب أخص وأكمل، فله من الولاية نصيب، وغيره أعلى منه ولاية، وهذا [لا] يدخل فيما أنكرت على مالك من إنكاح الدنيئة والمسكينة وال
ـ[ـمهملة] التي لا تعرف ولا لها عصبة يعرفون ولا موالي، وتكـ[ـون في موضع لا يـ]ــ
تناوله السلطان، فتوكل ذا الرأي من أهلها كما [] أو يتو [لى] هذا رجل من قبيلها، وإلا وكلت جيرتها أو غيرهم من المسلمين ليزوجها، فأجاز ذلك لها مالك في هذه الرواية، ورأي أن لهذا المسلم فيها ولاية الإيمان.
وقد علمنا أن ما أمرنا به ألا نكاح إلا بولي، أن ذلك ليحصنها الأولياء أن تضع نفسها في دناءة وفيمن ليس لها بكفء.
الجزء: 2 - الصفحة: 488
وكذلك ينظر السلطان في ذوات الحال كنظر الأولياء، وهذه قد انتهت من الدناءة وسقوط الحال إلى ما لأقل أهل [الو] لأية فيها مقنع من النظر لها والعقد عليها، وهي ولاية الإيمان، [و] لا يتقى في هذه ما يتحرز منه الأولياء.
وإذا طالبنا علل الأمر [و] النهي وضعنا كل شيء موضعه، ونحن فنقول بالعلل، وأنت [ر] أيت الظاهر، ففي هذا الأصل نناظرك، وهو أصل إذا تمسكت [به] ما [حسن] عليك.
وأما قوله: فرق مالك بين غنية وفقيرة [بغيـ]ـر دليل، فقد أعلمناه وجه قوله، وقد فرق الله سبحانه بينهما في غير شيء أرأيت من تزوج غنية على تفويض، وفقيرة على تفويض، وهام في الجمال والنسب سواء، أليس يتفاوت صداق [كل منهـ]ـما، وكذلك تختلف العطايا بالإنفاق عليهما.
وكذلك ما على الغني من النفقة أكثر مما على الفقير في كتاب الله، ولكل شيء من أقاويل مالك وجه غاب عنك.
الجزء: 2 - الصفحة: 489
وقد روى أشهب عن مالك، أنه: لا يزو [جها] إلا السلطان إن كانت دنيئة أو غيرها، وكل قول من [له وجه] واحتمال في الأصول، وما القول الأول ببعيد من النظر [لـ]ـما ذكرنا؛ لأن في عقد النكاح بولي وجهان من الولاية، فولاية هي حق الله تعالى، لا يجوز تركها، وذلك ألا تزوج هـ[ـي] نفسها، بل غيرها من الرجال يزوجها، فإذا وليت هي عقد نكاح نفسها فسخ ذلك بكل حال بغير طلاق.
وولاية أخرى [هي] حـ[ـق] للأولياء أن تطالع الولي بذلك، لما له فيها من التحصين.
فإذا ولت غيره، فعقد، فلوليها النظر في ذلك، إلا أن النكاح قد عقد بولاية هي دون هذه الولاية، فلا تطلق عليه أنه غير نكاح.
وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عمر وغيرهم من الصحابة [و] من التابعين بالمدينة وتابعيهم، وقاله ابن سيرين وقتادة.
الجزء: 2 - الصفحة: 490
فأما عمر، فروى مالك وابن وهب وغيره قوله: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان.
فجعل ذا الرأي من قومها مقام الأوليـ[ــاء] من العصبة، وليس بعصبة لها، وأخبرك أن للولاية منازل، بعضها أخص من بعض، وبقدر حال المرأة.
وقد علمنا علة نظر الأولياء لها، ليزوجها إلى الأكفاء، فالمسكينة والدنيئة ومن لا عصبة لها، كل أحد لها كفؤ، ونظر أقل الناس ولاية فيها لها كا [ف]، وهي ولاية الإيمان، وقول النبي عليه السلام (لا نكاح إلا بولي)، فالأولياء في المرأة اسم جامع لأدنى الولاية وأعلاها، والابن عندنا أقرب من الأب، ولا خلاف أن الأب أقرب من الأخ، والأخ أقرب من ابن الأخ، وابن الأخ أقرب من العم، وهكذا أدنى العصبة أقرب من الموالي، والموالي أقرب من ذوي الرأي من أهلها.
والسلطان ايضا له ولاية، وقد ذكر ولاية السلطا [ن في] حديث الزهري، فدل بذلك أن بعض الولاية أقرب [من] بعض، والمسلمون بعضهم [أولياء
الجزء: 2 - الصفحة: 491
بـ]ـعض، فهم يتوارثون [بهذا] [الولاء] [] [مـ]ـن لا وارث له، وكذلك يكون لهم به الولاية في النكاح فيمن لا ولي لها، ويبعد عليها تناول السلطان.
الجزء: 2 - الصفحة: 492
فهذا الذي د [لت عليه] الأصول.
أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا معلي بن شاذان، نا وكيع عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، أن امرأة زوجها خالها، فأجاز ذلك علي بن أبي طالب.
وهذا مثل ما قال مالك: أن للولي أن يجيز ذلك، والسلطان [فهـ]ـو ولي، وليس الخال بولي.
قال معلي: ونا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا كان ولي المرأة مضارًا، [فـ]ـولت رجلا، فأنكحها، فنكاحها جائز.
وكذلك روينا نحو هذا [عن] علي وعثمان وابن مسعود.
قال: ونا هشيم، نا إسماعيل بن سالم [قال]: بلغني في المرأة إذا تزوجت ووليها غائب، ثم قدم، فإن تزوجت [في كـ]ـفاف، فالنكاح جائز، وإن تزوجت في غير كفاف، فالأمر إلى الولي، إن شاء أجاز وإن شاء رد.
الجزء: 2 - الصفحة: 493
وقال القاسم بن محمد في المرأة تتزوج بغير إذن وليها: إن أجازاه الولي جاز.
قال: ونا ابن شاذان، نا معلي نا أبو عوانة، عن قتادة، في المرأة ليس [لـ]ـها ولي، قال: تولي أمرها رجلا من المسلمين.
وأما العبد يتزوج بغير إذن سيده، فهو ممن يعقد على نفسه، فلذلك، إذا أجازه السيد جاز، بخالف الأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأنها لا تعقد على نفسها وإن أذن لها السيد في النكاح.
وليست كالحرة تولي أجبيا يعقد عليها، فيجيزه الولي، فيجوز لأن الحرة لها ولاية الإذن في نفسها، فقد أذنت في ذلك، وإنما بقي نظر الولي، لئلا تضع نفسها في دناءة، فإذا رضيه مضى، ولا إذن للأمة في نفسها.
وقد تجد في الأصول نكاح ينتظر به الرضا بالعيب، في المرأة وفي الرجل، فإما أن يرده من كرهه منهما، أو يرضى به فتبقي على العقد الأول، فلا يبعـ[ـد] مثل هذا في سيد العبد ولوي المرأة، ويلزمه في العبد مثل [ما] ألزمناه في الولي، في هذا الباب.
الجزء: 2 - الصفحة: 494
وهذا قول أكثر الفقهاء المتقدمين، قاله الحسنن وقاله مغيرة عن إبراهيم، وقاله ابن المسيب والشعبي، والحكم بن عتيبة، وعطاء وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد في عدد من تابعي أهل المدينة.
قال يحيى بن سعيد: وهذا هو القول عندنا بالمدينة، وقال مالك: إنه الأمر عندهم، وأكره التكثير بالأسانيد، وهذا كله مشهور.
ومن جعل أقاويل هؤلاء السلف لا يرضى بها عاقل، فهو أقرب إلى النقص في عقله ودينه، و [كيف] لقائل أن يقول: إن النكاح في هذا العبد وقع فاسدا، إنما يقال: إنه نكاح حتى يرد، لما للسيد فيه من النظر، فقام مقام ما ذكرنا من العيوب في النكاح، والله أعلم.
قال عطاء: ليس هو [بزني] ولكنهما أخطا السنة، وقد بينا أن العبد بخلاف الأمة [في ذلك].
الجزء: 2 - الصفحة: 495
فإن احتج أحد بحديث يروي في العبد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أيما عبد تزوج بغير إذن سيده، فهو عاهر، فليس يقوم بمثله حجة، وإنما رواه القاسم بن عبد الواحد، قالوا: وهو غير معروف، وقال: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ممن ليس بحجة عند أهل الحديث إذا انفرد.
الجزء: 2 - الصفحة: 496
ورواه مندل، فرفعه، ومندل [] غيره، وإنما رواه الأثبات موقوفا على ابن عمر، أنه جلد عبدا له الحد تزوج بغير إذنه، ويحتمل أن يكون أنكر عليه فعزره، فظن نافع أنه الحد، على أن هذا لا اتباع [له] أنه يحد حد الزني.
أنا محمد بن عثمان، نا ابو بكر محمد بن أحمد المالكي، نا إسماعيل القاضي، نا إسحاق البرقاني، نا عبد الله يعني العمري، عن نافع عن ابن عمر: إذا نكح العبد بغير إذن سيده، ثم أذن له ثبت نكاحه، فهذا يدل على ما تأولناه في الرواية الأخرى.
وقوله في رد السيد أو الولي: إنه يفسخ بطلاق، فقال: كيف يقع عليها طلاق غير زوجها.
فهو في هذا [غائـ]ــب عن الأصول، التي تأكدت عندنا، ففيها إن شاء فليناظرنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 497
وذلك أن السلطان يوقع الطلاق على المولي، إذا امتنع أن يفيء أو يفارق، وكذلك في امتناع العنين، ومن لا يجد نفقة، وفيمن به جنون أو جذام [أو] برص أن يفارق، وفي الحكمين، إذا امتنع الزوج من الفراق واللدد من قبله.
ففي هذه الأصول فناظرنا إن رددتها وفي دون ما ذكرنا مقنع لمن أنصف وبالله توفيقنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 498
في إعطاء المرأة لزوجها من زكاتها
ومما أنكر هذا الرجل من قول مالك، قوله: إن المرأة لا تعطي من زكاتها لزوجها.
وتلا هذا الرجل قول الله سبحانه [في] الزكاة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين.﴾ الآية.
الجزء: 2 - الصفحة: 499
قال: فقد دخل فيمن سمى الله من الفقراء، فلا يمنع إلا بنص أو اتفاق
قال: فإن قيل: لما كان لها أن تطالبه بالنفقة إذا أعطته صار ما أعطته إليها راجع، فكأنها لم تعط شيئا.
فنقض هو هذا فيما ظهر له بقول، نذكر معناه وندع منه ما شان كلامه به من الهذر وسوء المقابلة، التي لعله كان يوعب بمثلها عن أشكاله، وهذا فعله في كل باب، كأنه رجل ينطق عن ضغن شديد، أعوذ بالله مما زين له.
ومن حجته أن قال: هي لا تقضي عليه بالنفقة، إلا وقد ملك ما أعطته من الزكاة، فإذا صح مـ[ـا] فرض لها عليه، وأجزتها الزكاة، لزوال ملكها عن ما اعطته.
فيقال له: إنك لفي طرف بعيد عما قصد إليه مالك، وذلك أنه لا تختلف الأمة أن مخرج مال له من زكاة أو غيرها كولي للمساكين، وإذا كان ذلك فلا يجوز له أن يخرج ذلك إلا بالعدل مجتهدا، لا يميل به الهوي إلى تفضيل من لا يفضله إلا بحظ نفسه، إما لدفع نفقة عن نفسه، أو دفع مذمة، أو لرجاء ثناء، أو لغير ذلك، مما لا يصح مـ[ـعه] خالص النية، والله سبحانه لا يقبل، إلا ما اريد به وجهه، وإنما الأعمال بالنية.
فإن أبحت له أن يخر ذلك على ما ذكرنا من ما شوب نيته في ذلك من هذه الأمور، قدت أصلك على مفار [] مالك للماضين والباقين
الجزء: 2 - الصفحة: 500
وهذا إنما يجيب فيه بما ذكرنا من سلك منهجنا، وليس مما تجري به الأحكام - كما أومأت إليه – أنه [قد] وجب له الملك بالعطية، ثم قضى لها بعد ذلك بالنفقة.
ونحن نزعم لك أن القاضي يقضي لها برد ما أعطته من الصدقة، أو يق
ـ[ــــضي] عليها أن ذلك لا يجزئها.
وإنما أمر بهذا من سألنا عن خلاص نيته فيما بينه وبين ربه، الذي يطالبه بخفيات نيته، كأنك غائب عن مطالـ[ـــبة] الناس لصحة فرائضهم، والإشفاق من ما يشوب نياتهم، وقد كان عمر بن الخطاب يعطي عطاء بقبضته فأتاه ابنه ليعطيه، فقال: أخاف أن تتسع قبضتي لابني، فنادى بمن قد كان أعطاه قبل ذلك، فأمره بدفع ما أعطاه إلى ابنه، ثم أعطاه بعد ذلك قبضة، [فـ]ــ
توقي منها، وخاف أن يشوب عمله أمر يحرج فيه، وكذلك نطالب صحة النية فيما كان لله سبحانه.
ونحن نسألك عن من ولي خراج مال الله، هل يسعه أن يعطي منه على اتباع الهوي فيمن تميل إليه نفسه، لقرابة أو دفع مغرم أو مذمة، أو غير ذلك [من] حظ نفسه، الذي يقيمه بمال الله؟ بل لا يسعه ذلك عند ذي دين [بل] يجتهد في أن يضع أمر الله موضعه.
فكذلك المرأة التي تعطي لزوجها الفقير الذي لا يجد ما ينفق عليها، أو يجد ما يقصر فيه عن الاتساع عليها فتعطيه عطية من مال الله من ورائها مرافقها، وإقامة منافعها، فإن أجزت لها القصد إلى هذا لتجوزن لغيرها [ذلك] وغيره، وتصير النيات في مقاصد العاملين سواء، على [تبايـ]ــنها واختلافها.
الجزء: 2 - الصفحة: 501
ونحن نعارضك بمثل ما عارضت فيمن يلزم الرجل النفقة عليه، فيقال لك: أرأيت من اعطي والده الفقير [من] زكاته، أو زوجته الفقيرة من زكاته، هل تمنعه من ذلك؟ فإن أبحته [فقد] سهلت سبيلا إلى دفع الزكاة عن المزكين، لأن ما عليهم [من] النفقات أكثر مما عليهم من الزكوات.
وما أعلم خلافا [أنه] لا يعطي الرجل زوجته من زكاته، وكذلك ذكر ابن المنذر، ,كذلك ينبغي في كل من تلزمه نفقته.
فإن قلت: لا يجوز أن يعطي زكاته لمن تلزمه نفقته، سئلت عما سألتنا عنه، ولزمك ما ألزمتنا فقيل لك: لم منعته أن يعطي فقيرا داخلا فيمن سماه من جملة الفقراء، وهو إذا أعطاه ملك الآخر ما يعطيه.
هذا، والزوجة – مع لزوم اسم الفقر لها – لا تزيل عنه عطيته لها ما يجب لها عليه من النفقة، فلم يمنع أن يعطيها من الزكاة فالعلة التي لها منعوه من أن يعطيها، منعناها بمثلها من عطيتها له، وكذلك في إعطائه لأبيه وولده الصغير.
ولا حجة لك [علي] أصلك، فإنه تلزمه، نفقته فيصير عطاؤه إياه يزيل عنه ما عليه من النفقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 502
فيقال لك مثل ما قلت: إنه إنما زالت عن المعطي النفقة بعد ملك الآخذ لما اعطاه، فإنما صار غنيا به بعد المـ[ــلك]، لا قبله، فلما ثبت له الملك بعد العطاء، سقط عن المعطي نفقته.
فإن رجعت إلى أن تطالبه في أول عطائه بمقصده وأنه في د [فعه] العطية نافع لنفسه بعطيته، وأن عطيته لم تخرج من [أن] تكون منفعة له، فسم نفسك لمثل ذلك في الزوجة، وزن فهـ[ــمك] بهذا الميزان.
وإذا كان الرجل لا يعطي زوجته الفقيرة من زكاته عند العلماء، وهي لا تنفق عليه، فإعطاؤها هي لزوجها الذي ينفق عليها أبعث في الاعتبار في أن لا يجوز ذلك، فكل ما دخل في [هذا] من العلل المانعة لعطية زوجها إياها فمثله، بل أكثر منه [يدخل فيه] [] لو نزلنا لك في ذلك عن باب الاستدلال والقياس إلى باب توقي الشبهاتن أما يحسن عندك توقي الشبهات، في تنظيف الفرائض، التي هي أعظم أمر الدين.
وقد أمر النبي عليه السلام سودة أن تحتجب من أخيها في ظاهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 503
الحكم لما خاف من خلاف ما ظهر [منه].
وحذر من الشبهات في حديث النعمان بن بشير وحمى باجتنابها حمى الله، وأخبر أن الراعي فيها يوشك أن يقع في الحرام.
وكأنك عن سنن العلماء – في توقي الأمور، والتحذير من الشبهات والحذر من الريب، بمعزل.
هذا والأدلة تدل على تأييد ما قال مالك من ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 504
وأما قولك: فما تقول فيمن لك عليه دين وهو فقير، هل تعطيه من زكاتك؟ فإن قلت: لا، تركت النص، وإن قلت: أعطيه، قيل لك: [فاجعـ]ـل له القيام عليه في دينه إذا كان أعطاه إياها لا لهذه العلة، ولا ليرجع عليه بدينه في الذي أعطاه، فإن قال: له مطالبته، ولا يكون بما يأخذ منه كالمخرج زكاته إلى نفسه، فكذلك الزوجة.
فجوابنا لك في هذا: [أني أراك] شرطت في هذا الرجل أنه لم يعتقد في حين إعطائه الزكاة لغريمه لعلة دينه، ول ليقوم فيه بدينه عليه، فهذا صحيح إذا كان هذا اعتقاده ثم حدثت له نية بعد ذلك في القيام بدينه، فلم لم تشترط في الزوجة هذا الشرط، من أنها لم تقصد في الزوج أثرة للزوجية ولا لما يصل منه إليها من مرافقها.
وبعد، فإن الزوجة لا تشبه الغريم في هذا، لأن النفقة التي تجب لها إنما تجب [للز] وجة لا في الذمة، والغريم دينه في الذمة، فاعتقاده فيما يصدق به من الزكاة على
الجزء: 2 - الصفحة: 505
غريمه الا يطالبه [] غريمه أبين [] ما طلبها في الوجد لا تعدوه، فقد أقامت بعطيتها في حين عطيتـ[ـه] الوجد الذي به تقوم نفقتها، كما مال لأبيه في حين عطيته له غناه عنه، فما لزم في هذا لزوم في هذا.
وحتى لو أعطت زوجها، ونوت [أن] تزيل عنه طلبها عنه بالنفقة في تلك العطية، التي أقامت بها وجده، لم يكن لها عليه في ذلك الوجد شيء، ولا في الذمة.
وإن طالبته في ذلك الوجد فقد رجعت عن ما نوت، وأوجبت على نفسها، وكذ [لك] قال أشهب: إن لم يرجع ذلك إليها في مرافقها ونفقتها فذلك جـ[ـائز] والغريم ذمته عامرة وذمة الزوج خالية من النفقة في عـ[ـدمه]، فتامل مخارج الأصول، ولا تجمع بين ما في الوجد وما في الـ[ـذمة].
أرأيت لو عارضك معارض في قولك: إذا كان أعطاه لا يريد بالعـ[ــطاء الرجوع] عليه فيه بدينه، فقال لك: أرأيت إن اعتقد ذلك، ثم قام علـ[ـي] الغريم، فقضى له بأخذ ما بيده من ذلك، وهو كفاف دينه [ألاا] تخلو ذمة الغريم عندك ويغرم المعطي الزكاة ثانية، على مـ[ـا] يظهر من لحن قولك؟
الجزء: 2 - الصفحة: 506
فإن قال لك: ولم تأمرني بإخراجها ثانية، وأنت قد أخليت علي ذمة الغريم؟ فإذا وصل نفع ذلك إلى ال
ـ[ـغريم] حتى خلت به ذمته، ألا يجزني إخراجها، وأنا إنما نويت أن أطالبـ[ـه] بما أعطيته؟ فأبطل على عطيتي، بأن تجعل الكفارة، لا تجزني، ولا تبطـ[ـل] علي ما في ذمة الغريم بأخذي منه لما أعطيته.
فإن قلت: إن ذمة الغريم بظاهر [] دعواك بما ذكرته فأبطل بها براءة الغريم، قال لك: فإذا انتهى الأمر إلى براءة ذمة الغريم، فقد حصل من عطية ارتفق بها المعطي، ولم يحصل لي ما أردت أن أنفع به نفسي، فألا جعلت الزكاة تجزيني لزوال ديني عن الغريم، فبماذا كنت تنفصل منه؟
والزوجة إذا أقرت بهذا [وأبـ]ـــ
طلت عطيتها في الزكاة، لم يكن لها في الذمة شيء يبطل عليها، فهذا [مـ]ـما ذكرنا لك أن بين الزوجة والغريم فرق، في أكثر معاني ما ناظرناك فيه.
فارفق في تأملك، وعود نفسك أن تظن بها التقصير عن فهم الراسخين من السلف المتقدمين فإن ذلك يثنيك عن الإعجاب بنفسك، والتقصير بسلفك، والله المستعان.
الجزء: 2 - الصفحة: 507