باب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخر
قال عبد الله وأنكر هذا الجل قول مالك، أنه لا تجوز شهادة أحد الزوجين لصاحبه، والأب والابن، أحدهما للآخر.
واحتج بأن الله سبحانه أجاز شهادة العدل، ومن يرتضي من الشهداء، ولم يستثن زوجا ولا زوجة، ولا ولدا ولا والدا، وأنه إذا كان يقبل فيما شهد به للأجنبيين فكذلك يقبل في شهادته لابنه ولأبويه وزوجته، وكذلك المرأة.
فالجواب عن ذلك: أن الظنين ليس ممن يرضى من الشهداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدلائل كثيرة من ظاهر القرآن، وإجماع العلماء وأن هؤلاء من ذوي الظنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 388
قال الله سبحانه: ﴿يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ فدل بذلك أن الوالدين ومن هو مثلهما في ضرب القرابة، يلحق فيهم ما يلحق في نفسه، ويدفع عنهم ما يدفعه عن نفسه، فجلعه كنفسه في نفعها وضررها.
فلما جازت شهادته على ضر نفسه، فلزمه إقراره عليها جازت شهادته على أبويه وولده ونحوهم، ولم تجز شهادته لنفسه لأنه مظنون فيها، فكذلك لا تجوز لمن هو مظنون فيه من أقاربه، وقال الله سبحانه: ﴿قال رب أوزعني أن أشكر نعمتي التي أنعمت علي وعلى والدي﴾ [فجعل] النعمة عليه كنعمته عليهما، والنعمة عليهما كهي عليه.
وقال: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ فجعل صلاح ذريته من صلاحه، فدل بذلك أن ما يجر إلى أبويه وولده ويدفع عنهم كالجر إلى نفسه، والدفع عنها.
وقال في الزوجة والذرية: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين﴾ فجعل فيهم قرة عينه، هذا الأغلب من الناس، فكذلك منافعهم من قرة عينه، ومن حظه المظنون به فيه، كما يظن به في الشهادة لنفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
قال: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ فوصفهما من الرحمة بما جعل من الرحمة بين الأبوين والولد، وقال: ﴿ليسكن إليها﴾ وقال: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾.
وإذا كان الغالب من أمر الناس أن الرجل مظنون في ولده وأبويه وزوجته، والمرأة مثل ذلك، لم يحم هذا الباب إلا بأن يساوي بين جميع الناس في ذلك، على ما دلت عليه الأصول، مما ذكرناه في باب الإقرار في المرض لوارثه، بما اأغني عن إعادته.
وبعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين" فإن لم تقم الظنة في الولد والأبوين والزوجة فلا ظنة، وارتفع معني الحديث، وقد قرن معه الخصم، ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 390
يشك أحد أنه لم يعن شهادته عليه فيما تداعي معه فيه، لأن تلك دعوى لا يشك فيها أحد، ويرتفع بذلك معنى الحديث.
فإذا صح أنه إنما هي شهادته عليه في غير ما خاصمه فيه فهي الظنة التي قلنا، وهو مع ذلك عدل مقبول على غيره، وهذا لا خلاف فيه بين علماء الأمصار، فهذه الظنة، التي هي الأصل في رد شهادة من لحقته.
أنا محمد بن عثمان الأندلسي قال أخبرنا - محمد بن أحمد بن الجهم المالكي، قال: نا موسى بن إسحاق قال: نا عبد الله - يعني ابن أبي شيبة - قال: نا حفص - يعني ابن غياث عن محمد بن يزيد، عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: أمر سول الله صلى الله عليه وسلم مناديا، فنادى حتى انتهى إلى الثنية: لا تجوز شهاد [ة خصم] ولا ظنين، وإن اليمين على المدعي عليه.
نا أبو بكر بن محـ[ــمد، قال: نا] يحيى بن عمر قال: نا الحارث بن مسكين قال: نا ابن وهب، قال أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحكم بن مسلم عن عبد الرحمن الأعرج أن
الجزء: 1 - الصفحة: 391
رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ألا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة والجنة.
قال ابن وهب: وأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه.
قال: ونا يحيى بن أيوب عن المثني بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام قال: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 392
فيقال لهذا الرجل: قد منع النبي عليه السلام من شهادة الظنين والخصم، وذلك ظنة التهمة، وليس لأنه ظنين في دينه، هذا معلوم بظاهر القرآن، وقد قرن معه الخصم، والمعنى فيه مكشوف، إنما هو للظنة به في الأغلب من شهادته على خصمه، في غير ما خامصه فيه، ولا أعلم فيه خلافا، ولا في شهادة العدو على من عاداه، وهما مقبولان على الأجنبيين.
فهذا أمر ظاهر لا شبهة فيه أن رد شهادتهما للظنة المذكورة، بما دل عليه الكتاب وقاله الرسول عليه السلام، واجتمع علماء الأمصار على العلة من ذلك في الخصم والعدو، لا وجه لذلك غير التهمة والظنة، فكانت الظنة لها الحكم فيمن قامت فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
ولا يشك أحد أن الظنة في الولد اقوى من ذلك، وكذلك الأبوين ونحوهما، من الزوج والزوجة، بما دلت عليه الشواهد من الكتاب والسنة عن الرسول عليه السلام، من اشتراكهم في المنافع والمضار، والصلاح والفساد الموجب للظنة.
وقد رد الرسول عليه السلام شهادة الظنين والخصم، وشهادة ذي الحنة، وهي العداوة وكذلك ذو الغمر، على أخيه، وهذه ابنية التهم والظنة اللاحقة في الأغلب من أحوال الناس، في أبنائهم وفي الأبوين وبين الزوجين.
وقد يقع خصائص من الناس هم بخلاف ذلك، من عداوة تكون بين من ذكرنا أو تباعد، وذلك نادر وأمر يبعد، لا يرد بذلك الغالب الأعم، كما قد يقع في بعض الخصماء والأعداء من لا يحيف على خصمه أو عدوه، ولا يشهد عليه بباطل فلا ينظر إلى النادر في ذلك، ولابد من أن يحمي ذلك بأن يكون الناس فيه سواء، على ظاهر ما به تحمي الأمور، بما تقدمت دلائلنا فيه.
كما أنه قد منع القاتل الميراث، وكان الأصل في ذلك التهمة بنيل الميراث ثم قد يقع قاتل قد علم أنه لم يقصد للميراث، فلا ينظر إلى ذلك النادر، وهكذا جرت الأصول في هذا وشبهه.
الجزء: 1 - الصفحة: 394
ونسأل هذا الرجل عن رجل شهد لنفسه ولغيره في مال بكتاب واحد، فإن أبطلها لنفسه وأجازها لغيره حكم في شهادة واحدة برد بعضها وقبول بعضها، والعلة فيما ردها فيه قائمة فيما قبلها فيه، للتهمة في تصحيح الأمر بعضه ببعض [] [وذلك] ظنه أوجبت رد جميع الشهادة.
فإن كابر في ذلك، قيل له: أرأيت إن شهد مع غيره على شريكه في عبد أنه أعتق حصته منه فيلزمك أن تجيز شهادته في العتق للعبد، لأن ذلك نفع للعبد، ولا توجب له القيمة التي هي منافعه فتصير إلى عتق شقص، بغير تقويم، وذلك خلاف السنة.
وإن ابطلت شهادته للعبد في منافع العبد بالظنة به في أن يأخذ القيمة التي هي منافعه، فهذا ما قلنا دون ما قلت.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
ورد العلماء شهادة الخصم والعدو – وهما مقبولان على الأجنبي – دليل على إقامة أحكام الظنة في رد الشهادة بها.
وليس الظنة بخصومة وعداوة وقرابة مبطلة لعدالة العدل، وهذا مكشوف يدل على ما ذهبنا إليه، وقد روى ابن وهب عن ابن سيرين وشريح، أنه لا تجوز شهادة المريب ولا الشريك لشريكه، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الخصم، ولا دافع المغرم، قال محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري: لا أعلم في هذه الجملة اختلافا بين اهل العلم الذين يعتمد عليهم.
وهذا كله هو الذي قلنا من حكم الظنة، التي بها رددنا الشهادة، بين الزوجين والولد والأبوين.
والشافعي يقول لا تجوز شهادة الأب للولد ولا الولد للأب كقولنا، وإن كنت نسبته إلى خلاف مالك في مسائل كتابك، فلا أنت – إن كنت عرفت قوله – نسبت إليه ما قاله، ورددته عليه، ولم تشر إلى أن كتابك لنصر مذاهبه، وإن كنت قد جهلت قوله، فالتوقف عن القول كان أولى بك.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
ونسأل هذا الرجل عن شهادة المدبر، والموصي بعتقه، على سيده بما يو [جب] قتله، فإن أبطلها حكم برد الشهادة بالتهمة، لأنه ممن يجيز شهادة العبد، وإن أجازها انفرد بما لا أعلم له قائلا.
وكذلك يسأل عن شهادة الوارث بمثل ذلك، ويسأل عن الغرماء إن شهدوا لغريمهم الذي أحاط به الدين وليس عنده له وفاء على رجل بدين، أو شهد بذلك واحد منهم، وقد يصير إلى من شهد له بعض ما يقضي له به، وقد لا يصير لهم، وقد يحدث له غني دون ذلك، وقد يهلك قبل قسمه، وهو لا يصل إليهم حتى يصير إلى ملكه.
فإن رد هذه الشهادة أبطل الشهادة بالظنة والتهم، وهذا قولنا، ويلزمه أن يجيزها، ويمضي عزائمه فيما أصل فيه من الأصول التي لم يحكمها، فتداعت عليه فروعها.
قال هذا الرجل فيما احتج به: وأنت تقطع أحد الزوجين فيما سرق من مال صاحبه،
الجزء: 1 - الصفحة: 397
والابن فيما سرق لوالديه، والعدالة غير زائلة عن من ذكرنا.
فإن أراد أن عدالة من ذكرنا فيه بعد السرقة والقطع فيها، فهذا فاسد، ولا يكون السارق عدلا، وإن أومأ إلى أن من يقطعون في السرقة من امله ينبغي أن تجوز شهادتهم له فهذا لا يلزم، لأنا لم نقل إنهم – فيما عندهم من الظنة – قد صار كل واحد مالكا، لمال الآخر، وإنام قويت فيهم الظنة، لما ذكرنا من أن غنى زوجته غناه، وقد يزاد عليه في صداق التفويض لذلك، وكذلك غناه غني لها، وما كرنا في الأبوين والولد من الأمور التي هي أقوى من ذلك.
ونراك لم تجد أصلا في الشهادات ترد إليه ما اختلفنا فيه منها، حتى خرجت إلى السرقة فجنفت في القياس، وينبغي على وزنك أن تسالمنا في شهادة الأب لابنه؛ إذ قلنا: إنه لا يقطع في سرقة ماله، وتناظرنا في قطعه في هذه السرقة التي جعلتها أصلا، فما الذي هو الأصل عندك، المرد [ود] إليه الفرع: الشهادة أم السرقة؟ إذا أقمت أحكام القيـ[ــاس].
وذكر هذا الرجل رواية عن عمر بإجازة شهادة الوالد للولد، والولد للوالد، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولا.
فلنا عن عمر ما دل على خلافه: روى مالك عن عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 398
ظنين، وروى ابن وهب عنه أيضا: ولا ظنين في قرابة.
وأنا ابو بكر بن محمد قال: نا يحيى قال: نا سحنون، عن ابن وهب قال: أخبرنا عبد الله بن عمر العمري، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فقد بين أن ظنة القرابة لا تقبل معها الشهادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 399
وقال ابن شهاب: مضت السنة لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
وأما روايته عن شريح أنه: أجاز شهادة زوج لزوجته، وذكر ذلك عن رجل مجهول، ولنا عن شريح خلافه.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم، قال: نا الأنصاري قال نا عبد الله قال نا وكيع قال نا سفيان عن جابر عن عامر عن شريح قال لا تجوز شهادة الابن لأبيه ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته.
وبإسناده عن سفيان، عن منصور عن إبراهيم مثله، وزاد، ولا السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا الشريك لشريكه، ونا الحسن ومنصـ[ـور] نحوه.
فهذا ما ذكر العلماء من صحيح الحديث، وعليه عمل الحكام بكل بلد، ومثل هذا كثير عن تابعي أهل المدينة، وغيرهم من أهل العراقين والحرمين، يكثر علينا ذكره، وفيما ذكرنا في باب شهادة العبد من الحديث الثابت عن عثمان، في الشهادة ترد علي
الجزء: 1 - الصفحة: 400
العبد والصغير والكافر، ثم يؤدونها بعد زوال الرق والكفر والصغر أنها لا تجوز أتيت بالمعنى، فهذا مما يقوي أحكام الظنة.
وما روى مما لم يذكره هذا الرجل عن أشعث عن الشعبي أنه أجاز شهادة الأب لابنه، والرجل لامرأته ولم يجز شهادة الابن لأبيه، ولا المرأة لزوجها.
فهذا أشعث بن سوار، وليس الحداني، وهذا ضعيف ولنا عن الشعبي خلافه.
الجزء: 1 - الصفحة: 401
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: نا الأنصاري قال: نا عبد الله قال: نا أبو معاوية عن عاصم، عن الشعبي قال أدنى ما يجوز من الشهادة شهادة الأخ لأخيه.
فلو أجاز شهادة الأب ما قال: أدني ذلك الأخ.
لأن الأب والابن أدنى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك، وقال الله سبحانه: ﴿آباءكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ وقد ذكرنا كثيرًا من مثل هذا فيهم وفي الزوجين.
وأما ما ذكر عن ابن شهاب قال: سألته عن شهادة الوالد لولده، قال كان فيما مضى من السنة وسلف المسلمين يتأولون في ذلك قول الله ﴿يا أيها الذين ءامنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين﴾ فلم يكن يتهم في سلف المسلمين والد لولده، ولا ولد لوالده، ولا أخ لأخيه، لا امرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، إذا رضي هديهم.
فهذا حديث مختصر، قد بقي منه بيانه، حدثناه ابو بكر بن محمد قال: نا يحيى قال: نا سحنون [نا ابن وهب] [نا يونس]، عن ابن شهاب قال مثله وزاد: [ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 402
دخل] الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور، حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوجة والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء.
ولا وجه لا [نتقاء] الأحاديث، والطرح منها ما بطرحه تستقيم حجة الخصم، هذا غير سائغ لفاعله، وقد ذكرنا هذه الآية في أول الباب، وإنما فيها الشهادة عليهم بقوله: ﴿علي أنفسكم أو الوالدين﴾ وقد جعلهم كنفسه، ولم يذكر الشهادة لهم، فكما لا يشهد لنفسه فلا تجوز شهادته لهؤلاء المذكورين معه، وفي بعض ما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 403