باب في رضاع المرأة ولدها
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في رضاع المرأة ولدها: إنها ترضعه، إلا أن تكون لا ترضع مثلها، لشرف وغني فلا تجبر، الوضيعة على رضاعه.
واحتج هذا الإنسان بقول الله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، قال: وجعل الزوجة أجيرة للمولود، بقوله: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾ فأوجب أن يرضع الوالدات أولادهن فعم كل والدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 748
ففرق مالك بين ما لا يفترق بدلائل من كتاب الله ولا سنة ولا اتفاق، وخالف ظاهر القرآن.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الرجل ذكر اثنين، فجعل حكمهما واحدا، وليس الأمر فيهما سواء فيما أدى إليه ظاهر القرآن، وما تأويل مالك بتأويل من سبقه في قول الله تعالى ذكره: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾.
فإنما ذكر الله سبحانه ذلك في آية الطلاق، فإنما تأخذ إجارة الرضاع المطلقة، قال الله سبحانه: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾، وجعل هذا الرجل أن من العصمة كذلك، وليس الأمر كذلك.
ولو كان الأمر على ما ذهب إليه، إنما ترضع بإجارة كانت في عصمته أو فارقها - وقاله بعض الناس - لكان للمرأة أن تأبيى الرضاع إذا كانت شريفة أو وضيعة، إذا كان يقبل الصبي غيرها، فأين يستقيم قوله: إن الله سبحانه أوجب أن ترضع الوالدات أولادهن، كانت شريفة أو وضيعة.
وقوله: وجعل الزوجة أجيرة للمولود، غلط إنما هو للمولود له لا على المولود، وهذا في الطلاق، إلا أن يكون الابن له مال، فذلك في ماله.
وأما قوله الله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين﴾ فهذه في التي عصمة الزوج، على ظاهر القرآن وأبين في التأويل، فعم كل والدة، وأوجب الرضاع عليها، ولم يذكر لها أجرا كما قال هذا الرجل، لأن الزوجة بعد في
الجزء: 2 - الصفحة: 749
نفقة الزوج، قال الله سبحانه في سياق الاية: ﴿وعلى المولولد له رزقهن وكسوتهن﴾، فأوجب على الزوج رزق الزوجة وكسوتها، وكان الرضاع عليها، إلا أن يخرجها من ذلك دليل، كما أخرج الأب من أن يلزمه في الطلاق أجر رضاعة الولد إذا كان الولد له مال بدليل، وذلك أن العذر الذي تعذر به الزوجة في عصمة الزوج يرفع الرضاع عنها، وذلك أن تكون مريضة أو قليلة اللبن، أو ممن يكربها ويشقق عليها الرضاع والسهر ومؤونة ذلك، وهي ممن لا محمل لها به ولا غلبة، من صغر سنة أو سقم بدن أو رفاهة يبلغ ذلك بها مبلغ المشقة الذي يعذر بمثلها.
وإذا عرف أن مثلها لا يقدر على الرضاع، ولا تتكلف مؤونة الصبيان، لموقع ذلك منها من رفاهة أو زمانة، كان لها عذر تخرج به عن اللواتي لا يبلغ ذلك منهن ما أيبلغ منها.
وذلك أن الله سبحانه يقول: ﴿وسعها لا تضار والدة بولدها﴾، وهذا من الضرر، أن يبلغ منها أن يخرج بها إلى تحمل ما يشق عليها وما ليس من شأنها ولا من معرفتها، وما لا تقوم مثلها بمثله، ولا يقـ[ـــوم] مثلها على إمساك الصبيان وتعاهدهم، والقيام عليها، فلا تكلف ذلك؛ لأن ذلك من الضرر المرفوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 750
والعرف الجاري في الناس مأخوذ به، مرجوع إليه في كثير من الأحكام، قال الله سبحانه: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وقال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾.
وأما إذا كانت تقدر على تحمل هذه الأمور، ومثلها لا يضعف عن ذلك وتقوم بذلك، ولا يشق عليها في عادة مثلها لذلك، وأنه من شأن مثلها، فلذلك عليها، إن شاءت فعلته بنفسها أو آجرت من تقوم فيه مقامها، وهذا مستدل عليه بما ذكرنا من معاني الكتاب، والله أعلم.
وقد تأول مجاهد في قوله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ أنها في المطلقة، ولها الأجر.
وذهب سفيان إلى أن الأجر عليه كانت في عصمته أو طلقها، وإلى نحو هذا أشار هذا الرجل.
فقد أجمعوا أن المطلقة لها الأجر، فإذا كانت تأخذ الأجر فهي المخيرة في نفسها، وإذا كان من قولك: إن التي في عصمته كذلك تأخذ الأجر، فهي مخيرة في نفسها أيضا.
الجزء: 2 - الصفحة: 751
فإذا قالت الشريفة: لا أرضعه ولا آخذ عليه أجرا على أصلك، أليس لها ذلك عندك، ولا تجبر؟
فما الذي بعد عليك، من قول مالك في الشريفة، وأنت قائل: إنك لا تجبرها، وإنما قال مالك: لها أن تمتنع من الرضاع، وهو قولك فيما ظهر إلينا.
وإن قلت: إن الصبي لا يقبل غيرها، فهذا قول مالك فيها: إنها تجبر لو أنها بنت الخليفة، فما الذي أبديت فيه وأعدت من هذا، والناس أحد رجلين: قائل إن المطلقة والتي في العصمة تأخذ الأجر، كما نحوت إليه، وقائل قال: لا أجر للتي في العصمة، والأجر للمطلقة، وقال مالك في التي في العصمة: لا أجر لهان على ظاهر القرآن إلا أن تكون مثلها لا ترضع لعذر يقوم تعذر بمثله.
فقد أجمع هو وغيره في هذه المرأة: إنها لا تجبر وبقي من سواها من ذوات العِصَم، فأوجب مالك عليها الرضاع بلا أجر، وقال: عليه بأجر، فخرجت تلك المرأة التي
الجزء: 2 - الصفحة: 752
امتنعت من الرضاع لشرفها، باجتماع من الفريقين.
فأي درك على مالك في قول أجمع معه عليه مخالفه، فتأمل أقاويلك، واعتبر ما تقول الأئمة، بانخفاض إلى سعة علمهم وقلة تكلفهم، والله المستعان.
الجزء: 2 - الصفحة: 753