باب في امرأة المفقود
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل، ما حكى عن مالك في امرأة المفقود، فقال: قال الحجازي، إن الواجب عنده أن تتربص بنفسها أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 687
فأوجب غير واجب لأن الله سبحانه لم يجعل عدة أربع سنين، لا على مطلقة ولا على متوفي عنها، فلم نجد الله سبحانه أوجب ما أوجب مالك من أربع سنن ثم أربعة أشهر وعشرا، وهي ذات بعل بيقين، فلا يزول، يقين بشك، ولا يباح فرجها بالشك.
والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يخيل له – وهو يصلي – أنه أحدث – فلا ينصرف حتى يسمع صوتا بأذنه، أو يجد ريحا بأنفه، فلم ينقله من يقين الطهارة إلا بيقين الحدث.
قال هذا الجريء، فإن قلت: قلدت في ذلك عمر بن الخطاب قيل لك، وإذا كان قول عمر مخالفا لظاهر الكتاب لم يلزمنا استعماله، كيف وقد خالفه علي بن أبي طالب فقال: لا تنكح حتى يأتيها الخبر بيقين موت زوجها؟
فإذا تنازعا رجعنا إلى كتاب الله تعالى فالكتاب والسنة أوجبا ألا يباح ألا بموت أو طلاق، ثم قال: بعد ان يحكم لها بالعدة والنكاح، فإنه لا يورث مال المفقود لزوجته تلك ولا غيرها حتى يأتي بيقين موته
فحكم فيها بحكم الموتى وفي ماله بحكم الأحياء فخالف ظاهر الكتاب والسنة واتفاق الأمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 688
فلو تجاسر متجاسر فقال: نحكم فيه في ماله بحكم الموتى، وفي زوجته بحكم الأحياء، وهذا تناقض وما لايتصرف في وهم ولا نظر.
فجوابنا عن ذلك أن ما قاله مالك من ذلك، إنما اتبع فيه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين ما لا أحصىى وأدلة الكتاب تدل على صحته والسنة والاعتبار.
وهذا رجل قليل العلم، كثير الجرأة لا يهاب أن يتجرأ بلسانه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم سرج البلاد وائمة العباد فمن ذا يعذره في قوله: إذا كان قول عمر مخالفا لظاهر كتاب الله لم يلزمنا؟
وما علمت أن أحدا من اهل السنة تجاسر على أن صاحبا لرسول الله خالف ظاهر كتاب الله.
وهذا الرجل يقول: إن ما ذهبت إليه من ظاهر القرآن في كل شيء لا يحتمل غير ما ذهبت إليه.
فقد جرد القول فيمن يدع قوله من الصحابة انهم يخالفون ظاهر القرآن بما لا يحتمل إلا خلاف القرآن، وهذا لا عذر له فيه وأعوذ بالله مما يسير إليه.
وعمر إنه حكم في المفقود برأي المهاجرين والأنصار، وهو المرء الموفق الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه، كما قال الرسول عليه السلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 689
وبعد فلم يحك قول مالك على وجهه، بقوله: قال مالك: إن الواجب عنده أن تتريض بنفسها أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة.
ولم يقل مالك: إن واجبا على كل امرأة فقدت زوجها ما ذكر إنما ذلك لمن لم تصبر وطلبت حقها في نفي الضرر في انتظاره فإنه يضرب السلطان لها أجل أربع سنين ثم تعتد.
وقوله: لأن الله سبحانه لم يجعل أربع سنين عدة، لا على المطلقة ولا متوفي عنها، وهذا لم يقله مالك ولا قاله عمر: أن أربع سنين إنما هي عدة، وإنما أجل لها عمر اجل أربع سنين – والله أعلم – لاحتمال أن تأتي بولد، فطالب بها أقصى ما تقيم المرأة حاملا، وليكون ذلك أبلغ في الإعذار للغائب ولها، في نفي الضرر اللاحق لها بغيبته عنها، ثم تعتد بعد ذلك عدة الوفاة، إذ الغالب عليها فيه عدة الوفاة، وإن احتمل أن يكون حيا.
وقول هذا الرجل / هي ذات بعل بيقين، فلا يزول يقين بشك، واحتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يخيل إليه في الصلاة انه أحدث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.
وهذا لا يشبه ما نحن فيه، لأن ما قضي به لزوجة المفقود لم يجعل على أنه ليس يجيء حينئذ، فنكون قد حكمنا بالشك، إذ لعلنا لم نصادف موته، ولكن لما لحقها ضرر غيبته ونفي ذلك عنها.
الجزء: 2 - الصفحة: 690
فكانت على إحدى منزلتين: إما ميت زالت عصمته، أو حي يجب لها أن تزول عن عصمته للضرر، كما أزيلت عصمة العنين للضرر اللاحق بها، ومن لا يجد ما ينفق، والمولي، ثم أخذ فيها بأحوط الأمرين في الأجل والعدة، فليس هذا شبيها بما مثله به من الشك.
وحجته لعلي بن أبي طالب أنه قال: لا تنكح حتى يأتيها الخبر اليقين، ثم لم يذكر له إسنادا، وهذا غير ثابت عن علي، ولنا عن علي خلافه.
الجزء: 2 - الصفحة: 691
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم، قال أنا يوسف بن الضحاك، قال أنا أبو سلمة قال: أنا حماد، عن قتادة عن خلاس أن عليا، قال في امرأة المفقود، تربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، فإذا جاء المفقود خير بين امرأته أو الصداق.
وهذا نحو ما روي عن عمر، ولم يذكر في [حديثه] عدة ولا دخل [بها]، و [روى] عن عمر، فشهرتها كافية لنا عن ذكر الإسناد من رواية مالك وابن وهب وغيره.
ورواه عن عمر ستة نفر من أصحابه، وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعن عثمان.
قال محمد بن الجهم، أنا بشر بن آدم، قال نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس وابن عمر قال: تتربص امرأة المفقود أربع سنين.
الجزء: 2 - الصفحة: 692
وقد روي عن عثمان وعن ابن الزبير نحو ما روي عن علي.
وهذا الرجل لم يذكر إسنادا عن علي، ونحن نذكر ما روي عن علي مما لم يثبت.
فروى عباد بن عبد الله عن علي في امرأة المفقود، لا تتزوج وهي امرأته، قال أهل الحديث، وعباد هذا غير معروف لا تثبت روايته.
وروى نحوه الحكم عن علي، قالوا: وهذا مرسل عن علي، ويحتمل إن لو ثبت أنها لا تتزوج وهي امرأة، إذا لم يحكم بتأجيلها حاكم، على ما روي عنه، مما تقدم ذكرنا له.
وذكر ابن الجهم أن محمد بن كعب روى عن علي نحو رواية خلاس، وعن سهبة الشيبانية عن علي وعثمان نحوه، ويكثر علينا أن نذكر من قال ذلك من التابعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 693
فهؤلاء ستة من الصحابة، منهم ثلاثة من الخلفاء، جرى ذلك منهم مجري الأقضية ثم لم يرو عن احد من الصحابة خلاف ذلك، برواية تصح، فيما قال أهل الحديث فأين المذهب عن هذا؟
وبه قال ابن حنبل، على علمه بما ثبت من الأحاديث عن الصحابة في ذلك، وتمييزه لصحيح الرواية.
ولو روى عن علي من طريق تصح، لكان ما روي عنه من خلافه يوهن ذلك، فكيف لأحد أن يتعلق بقول لا سلف له فيه يصح قوله، ثم يتجاسر فيجعل قولهم خلاف كتاب الله.
وهذا قول من لم يتحفظ في دينه، ولا تحرج في تعزير سلفه، وأعوذ بالله من الكلام على الحمية في الدين.
وقوله: لما اختلفوا رجعنا إلى كتاب الله، فالكتاب والسنة أوجبا ألا تباح إلا لموت أو طلاق.
فنحن نقول له: لو لم يكن غير ما ذكرنا من أنه المحفوظ عن الصحابة وهم القائمون، بالكتاب والسنة، لكان فيه كفاية، ومع ذلك ففي الكتاب والسنة دليل عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 694
من ذلك المولي يفرق بينهما للضرر وإن كره الزوج وأبي الطلاق، ومن ذلك المتلاعنان وحكم الكتاب والسنة بالفراق بينهما، ومن ذلك العنين حكم فيه الصحابة، وكذلك في العيوب بالمرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، وكذلك من لم يجد النفقة، فما الذي بعد عليه أن يفرق بين هذين للضرر اللاحق؟
والعجب قوله: فخالف ظاهر كتاب الله والسنة واتفاق الأمة، وهذا يحسن عند حكايته السكوت وتسقط مناظرة من انتهى إلى مثل هذا من دعوى الباطل.
فهذا رجل يدعى الإجماع فيما لا يصح عن الصحابة فيه إلا خلاف قوله، وهذه عظيمة، وما لا يعذر فيه بعذر.
ثم قال: وفرق بين ماله وزوجته، فجعل ماله لا يورث، وقد حكم في زوجته بحكم الموتى.
فهذا منه حيرة، ومن قال له: إن مالكا حكم في المفقود أنه ميت؟ إنما فرق بينه وبين زوجته للضرر اللاحق بها وعمل في تربصها على آكد الأحوال، ولم يحكم وبوفاته، وحكم فيما قامت الضرورة فيه، ولم تقف بنا ضرورة في توريث ورثته لماله، فأبقيناه
الجزء: 2 - الصفحة: 695
حتى يصح موته، وهذا فلا خلاف بين الأمة في ماله أنه موقوف، إلى صحة موته، وإلى أقصى عمره في قولنا.
والعجب في قول هذا الرجل ما يشبه اللعب من قوله: فلو تجاسر متجاسر فحكم في ماله بحكم الموتى وفي زوجته بحكم الأحياء، وكيف يجري هذا في الإسلام أن ينطق في دين الله ناطق بخلاف إجماع الأمة، فيعني بقوله أو يلتفت إليه بنقض؟
فجعل هذا الرجل من قال بخلاف الإجماع كقول مالك، الذي قاله ستة من الصحابة لا يعلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا من الجرأة والستخفاف بالعظيم، حتى لو كان بين الصحابة فيه اختلاف ما شابه ما أجمعت الأمة عليه.
فهذا وجه ما عمل عليه مالك مما اتبع فيه قضية سراج اهل الجنة، ومن وافقه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أيد ذلك من الدلائل، وأسأل الله التوفيق برحمته.
الجزء: 2 - الصفحة: 696