باب في النفقة على الولد
وأنكر هذا الرجل قول مالك: إن الأب ينفق على ذكور ولده حتى يبلغوا، وعلى الإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن.
وزعم أن بالبلوغ تسقط النفقة عن الذكور والإناث وأن قول مالك في هذا يخالف ظاهر القرآن، وأنه لم يلج إلى كتاب ولا سنة.
وتلا آية، رأي أنها دالة على إيجاب النفقة على الأب، فقال قال الله سبحانـ[ـه]: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد ان يتم الرضاعة وعلى المولولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾.
قال: فأوجب على الوالدات الرضاع، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن.
وهذه الاية ليس بها وجبت النفقة للولد، وإنما ظاهرها إيجاب النفقة للزوجات بالعصمة، ولو كان ما ذكر فيها يعني به نفقة الأولاد، لقال: وعلى المولود له رزقهم وكسوتهم.
والنون ها هنا للتأنيث، وهذا ظاهر [أن] نفقة الزوجة واجبة، كان لها ولد او لا
الجزء: 2 - الصفحة: 590
ولد لها، والرضاع عليها بغير أجر ما دامت في عصمته، وإنما لها أجر الرضاع بعد الطلاق، وهذا ظاهر القرآن.
فقد انكشف أن الآية في نفقة الزوجات، لا كما ذكر هذا الرجل.
وإنما الاية التي فيها إيجاب نفقة الولد، وأجر رضاعة فأية لم يذكرها هذا الرجل، وذلك قول الله سبحانه في سورة الطلاق: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾.
فأوجب على الأب النفقة للحامل، لعلة الولد وما يصل إليه من الغذاء، وأوجب عليه اجر رضاع الولد، وهذا هو الإنفاق عليه، فكان ذلك لازما للأب، لعلة فقر الولد وتخلفه عن أسباب السعي والتصرف.
فما دامت العلة قائمة، فالنفقة للأب لازمة، وإذا زالت العلة إما بمال يحدث للولد، أو يصير إلى إمكان السعي والتصرف، أو بانتقال الأنثى إلى زوج تلزمه نفقتها.
وحد ذلك في الذكر الاحتلام، لا اختلاف بيننا في ذلك، وقلنا ذلك أنه ساقط بالبلوغ، لأنه حينئذ مخاطب قوي على السعي والتصرف، وقد زال عن درجة العجز عن ذلك.
وأصبنا العجز عن ذلك قائما في الأنثى بعد بلوغها، وهذا عيان لا يحتاج به برهان، وقد جعل النبي عليه السلام سكوتها بعد بلوغها كالكلام من الذكر بعد بلوغه لما بها من التحفز والحجاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 591
فإذا عذرها في الكلام الذي هو أضعف تصرفاتهان كان العذر لها في أكثر من ذلك من التبذل وطلب الرزق أولى، [فلما كان العجز عن الكسب] فيها قائما، وهي العلة التي دل ظاهر القرآن أنها الموجبة للنفقة على الأولاد، أبقينا للأنثى النف
ـ[ــقة] حتى يجتمع على زوال العجز عنها.
ولا تصل إلى ذلك إلا ببروز وجهها ودخول بيتها، وهي قبل ذلك تخاطب من وراء حجاب.
وجعل الرسول عليه السلام صمتها كالخطاب فلا يشك ذو فهم أنها في هذه الحال أضعف من الذكر حيلة قبل بلوغه وفي حد مراهقته وقرب المراهقة، لا شك انه أقوى حيلة وأمكن سعيا وأقدر على الأسباب.
فلما عذر على ما عنده من قليل الاحتيال، حتى بولغ به إلى أكمل ما يترقب من نهوضه وتبسطه وقوة حيلته، في تصرفه، وذلك بالبلوغ، كانت الأنثى أولى أن يتربص بها إلى كمال الحال التي تقوى به على ما قوى عليه الذكر، من التبسط والسعي والتصرف.
ولا يذهب [عـ]ـ
ن هذا إلا مكابر عادل من معاني الخطاب وحقائق الأسباب.
وقد ثبت أن النبي عليه السلام قال: اليتيمة أحق بنفسها من وليها، فدل بذلك أن ذات الأب لا مقال لها مع الأب، ولا سلطان لها في نفسها.
الجزء: 2 - الصفحة: 592
فإذا كان سلطانه عليها بعد البلوغ، وجب أن تكون نفقتها عليه، حتى يصير لها سلطان على نفسها تملك به التصرف والسعي وغيره، أو تصير إلى زوج ينفق عليها أو يحدث لها مال.
وقول هذا الرجل: لا يعدو أوجبت النفقة للولد لأنهم ولد أو لأنهم صغار محتاجون، فإن كان لأنهم ولد، وجبت النفقة على الأكابـ[ــر] منهم ومن له مال منهم، وإن كان لأنهم صغار محتاجـ[ــون]، فقد خرج الإناث بالبلوغ عن [].
فيقال له: ليتس العلة في النفقة ما [ذكرت من الصغر].
ولو كان لأنهم صغار محتاجون لكان من بلغ منهم ذا زمانة لا حراك به أن نفقته تزول عنه، لأنه خرج عن الصغر بالبلوغ الذي جعلته علة.
ولو زالت عن البالغ زمنا لا حراك به لبطلت فائدة الخطاب، لأنه سبحانه إنما أوجب النفقة للولد العاجز عن المكسب والتصرف، بالصغر وغيره مما هو علة العجز، وهذه هي العلة الظاهرة وهي قائمة في البالغ الزمن.
فتأمل موضع الفائدة في سياق الآية في إيجاب النفقة.
ولا تجد معك نصا ولا خبرا ولا دليلا واضحا يؤديك إلى أن العلة الصغر خاصة، لأن الصغر إن كان هو العلة لأن مع الصغر العجز عن التكسب، فتلك العلة قائمة في البالغ زمنًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 593
وإذا كان ذلك، فقد بطل أن يكون الصغر وحده علة، ولكن العجز عن الأمور بالصغر والزمانة وغيرها مما يوجب العجز.
ألا ترى ان من كان له مال من صغير أو زمن، أن النفقة تزول عنه.
فدل أن الصغر والزمانة إنما هي على النفقة للعجز القائم بها، فإذا زال العجز عن التكسب والاحتيال والسعي بوجود ذلك في الولد أو بوجود المال زالت النفقة.
وأما قوله: فإن قال: إنما تجب النفقة للولد الزمن، قيل له: فلا ينفق على النساء ولا زمانة بهن.
فجوابنا له: أنه حائد عن الإنصاف، لأن الزمانة إن كانت علة فإنما ذلك لأن بها العجز عن السعي فإن تكن فيها هذه العلة قائمة فلا نبالي إذا قامت علة العجز عن التكسب لصغر أو زمانة أو منع من التصرف [أو عجز عن السعي في جميع] هؤلاء.
وأما قوله: لم سقطت النفقة عن الذكر بالبلوغ؟ إن اكن لأن البلوغ [علة] الاستغناء فقل ذلك في النساء، وإن كان ليس البلوغ علة دون الاستغناء بالمال، فكذلك الذكر إذا بلغ، لأن الكسب [يمنع] النفقة، فلم قلت في البالغ القوي على الكسب من ذكر وأنثى، لا نفقة له؟
فيقال له: إنماحكمنا في الذكر والأنثى بالعلة التي هي أغلب أحوالها في رفع العجز عنهما، فالأغلب من ذلك ما ذكرنا، من بلوغ الذكر ومصير المرأة إلى زوج.
ويلزمـ[ــــــنا] فيما ألزمنا أن نقول: إذا قوي الذكر قبل البلوغ عن التصرف والتكسب، أن النفقة تزول عنه، وإن لم يجد في تحركه شيئا.
الجزء: 2 - الصفحة: 594
فلما لم نقل ذلك، وألحقناه بأغلب أحواله في تكامل حيلته وتصرفه، وذلك في بلوغه كذلك بلغنا بالمرأة إلى الأغلب من أحوالها، في استمكان التصرف أو قيام الكفاية.
وإذا لم تجعل هذه علة، صرت إلى أن تجعل البلوغ علة لغير معنى، فيلزمك أن تزيل النفقة عن ولد اكمه مقعد يبلغ كذلك، وهذا نفس الإحالة وإفلات الأمور عن وجوهها.
وصرت أيضا لجعل البلوغ علة، بغير نص ولا دليل منه.
بل الدليل الظاهر ما ذكرنا من حال العجز والتصرف، والاكتساب فهذه علة تصح معها معاني الخطاب.
وأما قوله: فإن قال: الفرق أن هذا ذكر وهذا امرأة، قيل له: فلو جعل غيرك النفقة على الذكور دون النساء وجعل هذه علته؟
فإن جوابنا له: ان هذا كلام خال من التحصيل، يشبه كلام الهازل، ومن هذا الذي يتلاعب في الدين حتى تكون هذه فروقه؟
وإن كنت قد تلاعبت بإدخالك لمثل هذا الذي لا يقوله احد، كأنك تجيز لمن يقول بما لا قائل له، أو تقيم قول مالك كقائل [بما لا] قائل له.
إنك لتملي على حافظيك ما يبقى دركه، وتشغل الزمان والصحف بما لا يفيد دينا ولا دنيا.
وأما قوله في قول الله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ / وإن قائلا قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 595
معناه في ألا يضاره، وقائل قال: يعني النفقة، ثم لم يذكر في ذلك مذهبه، فتعرف موافقته لنا أو مخالفته، إلا أنه قال: لا تحتمل الآية غير أحد هذين القولين، فكأنه في ريب مما يرتضى من ذلك.
وقولنا في ذلك ما تأوله ترجمان الكتاب عبد الله بن عباس: إن ذلك في الا يضار، مع أن عطف ذلك على ما هو متصل به في اللفظ أولى من أن يعطف على ما تقدم، مع ما في ظاهر الآية من ذكر النفقة إنما جرت للزوجات، بذكر نون التأنيث على ما ذكرنا أولا، ونسأل الله التوفيق برحتمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 596