باب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبد
أنكر هذا الرجل على مالك في هذه المسألة قوله، إلا أنه لم يحكه على وجهه، وذكر في بعضها ما لم يقله، وجهل الأصل الذي بني عليه مالك قوله هذا، ولم يدر أيضا ما روى عن مالك في هذا الأصل من اختلاف القول.
ويسط من لسانه ما عبر به عن قلة تحفظه وضيق علمه، وزعم أن قول مالك في هذا خلاف حكم الكتاب والسنة بغير دليل.
وليس جهله بموقع ذلك من الكتاب والسنة والدليل بحجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 508
فذكر هذا الرجل أن مالكًا قال: من مات وعليه مائة دينار دين، وليس له إلا عبد يساوي مائة دينار، فرفع الغريم أو الوصي إلى الحاكم فأمره ببيعه، فباعه بمائه دينار، ليأخذ الغريم حقه فقبض الوصي الثمن ليدفعه إلى الغريم فهلك من يديه، ثم استحق العبد أن المبتاع يرجع على الغريم، الذي بيع العبد من أجله.
ففي حكاية ما حكـ[ـاه] استحالة وخطأ.
فمن ذلك قوله: فرفع الوصي أو الغريم إلى الحاكم، فأ [مره] ببيع العبد، فلم يذكر ما الذي رفع هذا الرافع إلى الحاكم.
وقبله فأمـ[ـره]، بعد أن ذكر رجلين، فاحتمل أن يريد فأمر الوصي أو الغريم، وكـ[ـيف] يأمر الغريم ببيع العبد لنفسه، فلم يبين من المأمور، وليس قو [له] فقبض الوصي الثمن: بدليل على أنه المأمور بالبيع.
ثم لم يذكر [أنه] بقي بيد الوصي بعد قبضه إياه، وليس ثم إلا غريم واحد قد ثبت دينه، ولم يذكر للمسألة وجه ما تثبت عليه.
وإنما ق [ل] مالك في المفلس أو الميت، يأمر السلطان ببيع ماله، ليجمعه لقيام غرمائه، ويجعله بيد أمين من وصي أو غيره، ليتكامل جميعه، وليـ[ـجتمع] غرماؤه، فيقسمه عليهم، أو يتحاصون فيه إن ضاق عن دينهم، ولولا أنـ[ـه] يوقفه لهم بيد الأمين أو الوصي ليتكامل، ولاجتماع الغرماء ما [كان] [في] نفاقه بيد الأمين معنى، ولكان ذلك ظلم من الحاكم، [فلو] باع الوصي تركة الميت دون السلطان لقضاء
الجزء: 2 - الصفحة: 509
دينه قبل قيام الطالب للدين فضاع الثمن بيده، ثم استحق ما باع لم يضمن الوصي شيئا، ولا للمشتري ها هنا رجوع على الغريم، في قول مالك وقول غـ[ــيره]، لأن ذلك لم يبع عن إذنهم وقيامهم، وإنما العلة التي أوجبت قول مالك في رجوع المشتري على الغريم أو الغرماء هـ[ــي] في رواية ابن القاسم أن الغرماء إذا قاموا عند [السلطان] بدين لهم على مفلس أو ميت، نظر لهم في ماله، فحاطه وباعه وقسم ذلك بينهم، فإذا كان السلطان لهم يبيع، والثمن المقبوض في ذلك فلهم قبضه أمينه من وصي أو غيره، إذا كان عن أمر الحاكم وبعد طلبهم لذلك، فصار القابض للثمن، كوكيل للغرماء على قبض الثمن، إذ لم يبق فيه إلا قسمته بين غرمائه ودفعه إليهم.
وكذلك إن كان غريما واحدا، [بـ] بأن تبين للقاضي أنه لا طالب لدين غيره، عجل له قبضه.
فإذا لم يبق في الثمن المقبوض إلا دفعه إلى الغرماء، أو قيمته بعد تكامله، لم يبق للغريم الذي عليه الدين في بقاء الثمن سبب يخصه، وإنما إنفاقه لسبب الغرماء خاصة، وليس ذلك عن سبب للغريم، ولا ائتمار منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 510
فإذا كان قبض الأمين لهم لا للغريم، كانت يده كأيديهم، وكان أشبه شيء بالوكيل لهم، لأن ذلك الذي طلبوا معه، ورغبوا فيه.
فبهذا السبب صاروا ضامنين بقبض الأمين؛ لأن يده في القبض كأيديهم، أو كيد وكيلهم، فلما ضمنوا ذلك بقبض الأمين له وجب الرجوع في الاستحقاق عليهم.
فهذا استنباط مالك [من] قول الكتاب والسنة.
فما الذي ضاق عليك من هذه السعة، وخفي عليك من هذا الأمر البين، وما أدري هل تقدر أن سلفك يتكلمون في دين الله عن سعة علم وحسن استخراج ولطيف استنباط أو يخبطون العشواء كخبطك، ام على الحدس أو الهوي يتكلمون، أو لغير معنى يتنازعون؟ ولقد نظرت إليهم بعين قذية، وبصيرة عمية.
وهذا الذي ذكرنا اختيار ابن القاسم وروايته عن مالك.
وأما أشهب فروى عن مالك أن ضمان المال في الإنفاق من الغريم المديان كـ[ـان] عينا أو عرضا، ولا ضمان على غرمائه فيه، حتى تقبضه أيديهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 511
ولابن الماجشون رواية أخرىن وهذا الرجل غير خبير بأقاويل مالك ومـ[ـخارج] قوله.
ورأيت كلام هذا الرجل – على كثرته – خاليا من صحة المعاني والإ [نصاف] عامر من الغمص وقبيح المقابلة.
فمن ذلك أنه قال: لو كان قولا يستحي من خلا [فه] الكتاب والسنة والإجماع، كان هذا القول.
وهذا كلام من لم يخش مـ[ـن] كلامه، واستخفه بما لا يستخف به أهل الديانة.
وإنك لجريء في منطقتك بمثل هذا في مثل مالك، ومحله عند صدر السلف محله من سعة العـ[ـلم] في الفقه والحديث والخشية لله فيما يقول.
ثم لم تعد كلام مالك يقوم [في] اختلاف، إذ زعمت أنه خالف الإجماع في قوله هذا، وهذا كله [مما]، لا مدخل لنا للانتصار منك فيه بالكلام، والانتصار في مثل هـ[ـذا] إلى الحكام.
ثم قال: أرأيت الطالب، أظالم متعد، فيما طلب؟ وهل فـ[ـعل] الحاكم ما يجوز له فعله؟ وهل الوصي ظالم في البيع وقبض الثمن؟ و [مثل] هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 512
والجواب عليه – على خروجه من المعنى الذي نحن فيه -: وما معنى ذ [كرك]: هل طالب الطالبب ما ليس له؟ أو هل حكم الحاكم بما يجوز له؟ أفتظن [أن] تعدي الحاكم يوجب الضمان على الطالب فيما قبض الأمين؟ أو تج
ـ[ـعل] الطالب فيما يطلب يـ[ـضمن عن الأمين] ما لم يقبض؟
كلامه ها [هنا] يحسن السكوت عنه.
ثم قال: فإذ لم يتعد واحد منهم، فلم زعمت أن المال إذا تلف من يد الوصي بغير جنايته واستحق العبد، أن المبتاع يرجع على الوصي بالثمن، ثم يرجع به الوصي على الغريم الطالب.
فالذي حكاه من هذا ليس بقول مالك.
والذي عندنا من قول مالك: أن المشتري [إنما] يرجع على الغريم، وكذلك حكى هذا الإنسان أول الباب، [ثـ]ـ
م نسي ذلك بعد سطور يسيرة، فحكى خلافه: أن يرجع على الوصي، فلا هو تحفظ ان يحكي عن مالك ما لم يقل، ولا تحفظ من اختلاف لفظ نفسه، كأنه لا يلقي بالا لما ينطق به.
ثم أخذ يحتج لبراءة الوصي، فأتعب نفسه فيما لم يقله مالك.
ثم قال: أرأيت إن ابرأ الغريم الميت، ثم قبض الوراث، الحصة من يد الوصي إذ صارت له، ثم ضاعت من يده ثم استحق العبد على من يرجع المشترى؟ قال: فإن قال على الوارث ولا يرجع الوارث على الغريم، ترك قوله.
الجزء: 2 - الصفحة: 513
وهذا من هذا الرجل غفلة غامرة، فإن أراد أنه لما جعل الرجوع على الوارث هنا هنا دون الوصي، ترك قوله، لأن الوصي ضامن، فهذا القول قد عرفناه أنه ليس بقول مالك.
وإن أراد أنه ترك قوله في الرجوع على الغريم، فهذا جهل شديد، إذ جعل قبض الوارث لنسه مثل قبض الأمين لغيره، فالوارث يا هذا إنمـ[ـا] قبض المائة لنفسه، كما حكيت أنت في قولك لأنها صارت ملكا له، فمن قبض شيئا على أنه ملكه، كيف لا يضمنه؟ وكيف ساويته بمن قبض شيئا على أنه فيه قبض الأمين
وإن [أراد] [أنه ترك قوله] إذ لم يجعل الوارث يرجع بها على الغريم، الذي أبرأ الميت، قيل له إنما أرجع مالك المشترى على الغريم، إذ لم تكن المائة في ضمان أحد، فكانت أولىل أن تكون في ضمان من بيعت له السلعة، إذ لم يكن في إيقاف ملـ[ـكه] نفع للغريم المطلوب، ونفع ذلك للطالب وعن أدلة كان ذلك.
فتأول مالك في رواية ابن القاسم تضمينه إياها، إذ جعل يد الأمين كيد [هـ] فلما تركها الغريم للميت، صار قبض ذلك الوارث لها على أنها بـ[ـراءة] للميت، وصار ضامنا حين قبض بنفسه.
فكيف يطالب المشترى أحدا بـ[ـأنها] تركة قائمة، ولم تكن الهبة للوارث، وإنما ترك ما كان له للميت، فصـ[ـار] الوارث قابضا لنفسه، فضمن فإذا وجب ضمان الوارث إياها، لم يجـ[ــب] أن يضمنها الغريم ثانية.
الجزء: 2 - الصفحة: 514
فإن قال: فإن أداها الوارث لم [لا] رجع بها على الغريم الطالب.
قيل له: لأنه عن نفسه أداها ف
ـ[ـلم] يرجع بما أدى عن نفسه على غيره، وقد صارت بترك الغر [يم] إياها تركة للميت، قبضها وارثه، ثم ردها على المبتاع، فقـ[ـد]، حصلت الهبة تامة من الغريم للميت، إذ بقيت ذمته بريئة [من] الدين بعد ذلك كله، فصارت الجائحة على الوارث لما يطرأ [على] التركة.
ثم أخذ هذا الرجل في معنى ما تقدم له في هذا البا [ب] من سفاهة القول، فقال: وهذه مقالة جورها مكشوف، وتعدي قائلها ظاهر، ولو أن فطنا استلطف الحيلة أن [يجد] جورة وتعديا لم يأت بجور أعظم من هذا.
وهذا من الكلام لا يتصرف بمن قاله إلا متحامل إلى ما يعذر فيه بعذره، ليس له فيه لما ركبه من هذا السب والثلب قصد اعتقا [د] وتحامل أو متكلم نطق بحمية كحمية الجاهل وغضب الحا [ئر] ومن قام في احد هذين المقامين فقد خفت مؤنته، وصد [ف] مـ[ـن] نفسه، فاستفرغ الجهد في خفضها، واستوفر الحظ من [فسا] دها.
ولو كان كل من خالف في العلم قول صاحبه جاز أن يسمى [فـ]ـ
يه جائرا متعديا، لكانت المناظرة سبابا والديانة تلاعبا، [ولا] يجب اسم الجور والتعدي إلا لمتعدي خلاف الحق، ولا [يجو] ز أن يسمى لهذا مجتهدا متأولا، ولا مدخل للتعدي والجور [في تـ]ـأويل أو غلط بعد اجتهاده.
ولا يتصرف كلام هذا الرجل [إلا] إلى صريح السب وركوب المحذور، الذي يحسبه هينا، وهو [عـ]ـند الله عظيم، وما يجب على هذا الرجل في ثلب العلماء [الأقـ]ــوم به الحكام.
الجزء: 2 - الصفحة: 515
وأسأل الله السلامة من اشتغالنا بمعارضة مثل هذا الرجل، على ما ترى من كشف حاله، وما [ركـ]ـب من المحذور في مقاله، وإلى الله نرغب في توفيقه.
ثم ذكر [هـ]ـذا الرجل نحو رواية أشهب عن مالك التي ذكرناها، فزعم [أن] هذا قوله، والله المستعان، وكل لمالك، وكل ذلك محتمل [للـ]ـنظر، وسائغ في التأويل، على ما بينا ..
ثم قال فيما ذكر من قوله: [إن] باع الوصي، وقبض الثمن، واستهلك من يديه، ولا يرجع المشتري على ذمة الميت، أو تركته.
فقوله: استهلك من يديه، عبارة قبيحة [بـ]ـل، قوله: استهلك من يديه، إشارة إلى أن مستهلكا استهلكه، [و] ذلك المستهلك كان أولى بالضمان، فلم يذكر ذلك، ولو قال: فهلك [في] يديه كان أشبه، ومثل هذه الاستحالات تشوب كلامه كثيرا [بسـ]ـبب استقصـ[ـائه] [] [والله] [المستعان].
الجزء: 2 - الصفحة: 516
في وطء الأب أمة ابنه
وأنكر هذا الرجل قول مالك في الأب يطأ أمة ابنه: أنه لا يحد، وزعم أن هذا خلاف ظاهر القرآن، وسأل عن الفرق بين من وطيء أمة ابنه [وبين] واطيء أمة والده أو زوجته؟ فالجواب عن ذلك: أن الأب له في و [لده] وفي ماله معنى من الملك، ليس لغيره، وقد خص فيه بخواص، وهـ[ـو] وماله من مواهب الله له، قال الله سبحانه: ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ وقال تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ فقال ابن عباس: ﴿وما كسب﴾ قالك ولد [خ مما كسب].
الجزء: 2 - الصفحة: 517
وقاله محمد بن سيرين وعطاء والحسن ومجاهد وغيرهم قال عطاء: فلا [بأس] أن يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء ما لم يضره.
وقد جعل الرسول الولد ومال الولد من كسب الرجل، وأن له أن يأكل من ذلك.
نا أبو بكر بن محمد، نا زيدان بن إسماعيل الواسطي، نا أبو همام وليد بن شجا [ع]، نا أبو معاوية نا الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله عليه السلام: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده [من] كسبه.
قال: أنا أبو همام، نا محمد بن فضيل، نا مغيرة عن الزهـ[ـري] عن عائشة في قوله سبحانه: كلوا من طيبات ما كسبتم، قالت: ولد الرجل من أطيب
الجزء: 2 - الصفحة: 518
كسبه.
أبو همام نا قبيصة نا سفيان عن ليث عن [مجاهد] ماله وما كسب، قال: ولده.
أنا أبو سعيد بن محمد الأعرابي: نا [أبو] داود السجستاني، نا عبد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة المعنى، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة عن الحكم عن عما [رة] بن عمير، عن أمه، عن عائشة عن النبي عليه السلام أنه قال: ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم.
أنا ابن الأعرابي نا أبو داود، نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي عليه السلام فقال: يارسول الله إن لي مالا وولدا، وإن والدي يحتاج مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 519
نا أحمد بن إبراهيم بن حماد، أنا إسماعيل القاضي، نا محمد بن المثني، نا يحي بن سعيد، عن ابن عون، قال: قلت للحسن: يأخذ الرجل من مال ولده؟ قال نعم.
وقاله مسروق، وغيره، والحديث بمثل هذا يكثر لو تقصيناه.
فلما كان الأب له من ولده هذه الخاصة التي ليست لغيره، لم يساو بغيره، في إقامة الحد عليه، فيما يملك ولده لهذه الشبهة، وقد قال الرسول عليه السلام، ادرؤوا الحدود بالشبهات.
ولا شبهة أعظم من هذه الخواص التي خص بها الأب في ولده
الجزء: 2 - الصفحة: 520
وقد غلظ عمر عليه الدية، ولم يقتله فيما يقتل فيه غيره من الأجنبيين.
والولد داخل في ولاية الأب، لا يحتاج في ذلك إلى رأي إمام وغيره.
ومن خواصه أنه يزوج ابنته وابنه قبل بلوغهما، وأنه يعتصر ما وهب لهما بالسنة الثابتة.
ولا خلاف أنه يبيع متاع ولده الصغير من نفسه، ويشتري متاعه لنفسه، وغير شيء مما ينفرد به الأب ولا يلام في الولد.
الجزء: 2 - الصفحة: 521
وقد ذكرنا قول النبي عليه السلام: أنت ومالك لأبيك، ورواه جابر بن عبد الله أيضا مع عبد الله بن ع