باب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــاد
قال عبد الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك في [جواز البيـ]ـع إلى العطاء وإلى الجِداد والحصاد، وقال: إن هذا أجل مجهول، وإنه خلاف ظاهر القرآن، من قول الله
الجزء: 1 - الصفحة: 366
سبحانه: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ وإن الأهلة ﴿مواقيت للناس﴾.
فإنا نقول: ليس في ذلك بحمد الله خلاف لظاهر الكتاب، بل في الكتاب والسنة دليل على إجازة ذلك، قال الله سبحانه: ﴿ذلك ومن يظعم شعائر الله فإنها من تقوي القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
فانقضاء آخر [الشعائر] بالطواف بالبيت طواف الإفاضة، ومن الشعائر التي [تكون] آخرها عرفة [والمشعر] ورمي الجمار والطواف والبـ[ـدن] [] على ذلك بفعله في أو [له] ووسطه وآخره، فقد جعل أجلا مسمى لتقارب بعض ذلك من بعض، وقد يتعجل في يومين كما قال سبحانه ويتأخر، وقد يؤخر طواف الإفاضة ويعجله، ويعجل النحر بمنى، وربما أخره، فيجزيه نحره بعد يوم النحر.
وكذلك الوقوف نهارا، وربما وقف ليلا فأجزأه، وكذلك المشعر ورمي الجمار، وقد يؤخرها إلى آخر النهار فيجزيه.
فكان هذا كله - لتقارب بعضه من بعض - أجل معلوم، وإن كان له أول ونهاية فلم يزل عنه اسم أجل معلوم، لتقارب أوقاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
وكذلك البيع إلى الحصاد له أول ونهاية، وبعض ذلك قريب من بعض، فيكون عظم ذلك ووسطه يصرف إليه توقيت ذلك عند الحكم، ولا يعمل فيه على النادر الفاذ، لخروجه عن العرف وعن قصد المتبايعين.
أنا أحمد بن إبراهيم بن حماد، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى في قوله ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، والبدن من شعائر الله، والحلق من شعائر الله، والرمي من شعائر الله فمن [يعظمـ]ـها فإنها من تقوي القلوب.
نا أبو بكر بن محمد، عن يحيى بن عمر [عـ]ـن حرملة بن عمران، عن ابن وهب
الجزء: 1 - الصفحة: 368
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [قا] ل: الشعائر ست: الصفا والمروة والبدن والجمار والمشعر وعرفة والركن.
وأما قوله: إن الله جعل الأهلة مواقيت، فهو كذلك، ولو تأملت ذلك علمت أن في دليلا على قول مالك من أن ما تقارب من الغرر في الآجال، جا [ئز] في الأصول [ويجوز أن] [يضـ]ـرب أجلا شهرا أو شهرين أو أكثر في بيع أو كراء أو نحوه، فقد تنقص الشهور فيكون منها تسع وعشرين وآخر ثلاثون، فيجوز هذا لتقاربه، والغرر اليسير في الأصول معفو عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 369
وكذلك مكتري ظهرًا إلى بلد، والكراء كالإجارة، وهي مؤجلة في كتاب الله بقوله: ﴿إن تاجرني ثماني حجج﴾ فوصول المكترى إلى البلد يبعد قليلا تارة ويقرب تارة، بقدر سرعة السير وإبطائه وما يعوق في ذلك، فجوز ذلك لتقارب أقله من أكثره.
وكذلك لو آجر مع ذلك يخدمه إلى مكه، فهذا كله مجوز على ما ترى فيه من أجل، يقرب تارة ويبعد قليلا تارة، فلم يدخل ذلك في الغرر الصريح.
وقد جا [ز] في البيوع يسير الغرر، من ذلك شراء الثمر بإزهاء أوله، وفي الحديث: النهي حتى تزهي، فكان تلاحق ذلك وقرب بعضه من بعض لا يخرجه إلى النهي المحظر، وكان مشتري ما لم يزه منه مع [ما أزهى] غير مرتكب للنهي، لتلاحق ذلك وتقاربه، وجعل كأن جميعه قد أزهى [بإ] زهاء أوله، لقرب بعض ذلك من بعض.
الجزء: 1 - الصفحة: 370
فالأصول شاهدة لما قال مالك، لمن تأمل ولم ينكر بأول الخواطر.
لو أكرى منه إبله إلى مصر بثياب موصوفة، يدفعها إليه بمصر، أو طعام مكيل أو موزون موصوف يأخذه بفسطاط مصر ويتعجل الركوب، لجاز ذلك، ويكون هذا اجلا معلوما.
وقد عرف الناس نهاية أجل الوصول في أبطأ السير وأقله في سرعته، فجوز هـ[ـذا] وهو يقل تارة ويكثر قليلا تارة، ولو قال لا يجوز ذلك حتى يضرب أجـ[ـــلا] مع ذكر البلد أحال؛ لأنه قد يحل الأجل قبل تبلغ البلد و [يتأخر] ويلزمه ألا يكون الكراء إلى مصر إلا بأجل مضروب، وهو بيع من البيوع.
فهذا أمر ظاهر لا يرد إلا بالمكابرة، وهذا كله يدل على قول مالك، في البيع إلى الجداد والحصاد، لعلم الناس بذلك في نهايته وأوله ووسطه، فيقضي فيه بأوسط ذلك.
ألا ترى أن لو اختلف الكري والمكتري في سرعة السر وإبطائه لقضي بينهما بالوسط من ذلك.
فما الذي استبعدت من هذا على مالك، قبل أن تتعلم كيف أجرى أصوله، وتبحث عن معاني أقاويله أهل الخبرة بمذاهبه، دون أن تقتحم بأول خاطر، وتجري مع أول ناعق؟
وقد روي نحو قول مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن كثير من أئمة السلف من الصحابة والتابعين.
الجزء: 1 - الصفحة: 371
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال: نا سحنون بن سعيد قال: نا ابن وهب قال: نا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب أخبره عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشًا، [قال] عبد الله: ليس عندنا ظهر، فأمره النبي عليه السلام [أن يبتاع ظهرا] إلى خروج المصدق.
ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن ابي [جعفر]، عن نافع عن ابن عمر أنه: كان يبتاع البيع ويشترط على صاحبه أن يقبضه إلى خروج عطائه.
وكان أمهات المؤمنين يشترين إلى خروج عطائهن، وكذلك قال مالك، إن كان العطاء قائمًا لا يختلف، [عن] معلوم، من غير تفاوت فجائز، وما تفاوت، ولم يكن هكذا لم يجز.
الجزء: 1 - الصفحة: 372
وقاله [سعيد بن] المسيب والقاسم وسالم وعلى بن حسين وسليمان ابن يسار وابن قسيط وعبد الله بن أبي سلمة وابن شهاب وربيعة وعروة ابن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وجابر بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعامر الشعبي وغيرهم، وقاله مالك وعبد العزيز وغيرهما.
أنا محمد بن عثمان، قال: أنا ابن الجهم، قال: أنا يوسف بن يعقوب قال: نا سليمان قال: نا حماد، عن سماك، عن النعمان بن حميد أن عمارا أصاب مغنما، فقسم بعضه وبقي بعضه، فكتب إلى عمر يشاوره في ذلك، فتبايع الناس لك إلى قدوم الراكب، يعني قدومهم المدينة.
فهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وقاله الأئمة من الصحابة والتابعين، فإما أن ترغب في ذلك، أو ترغب عنه إلى تأويلك، والله المستعان.
الجزء: 1 - الصفحة: 373