باب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصار
وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الأب يتزوج من مال ولده، بخادم أو ز [وجة]، فقبضت ذلك الزوجة، ثم بلغ الابن: إنه ليس له أخذ ذلك من المرأة، كان الأب مليا أو معدما، وليتبع الأب بذلك في عدمه.
قال هذا الرجل: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿ولا تأكلـ[ــوا] أموالكم بينكم بالباطل﴾، وخلاف السنة، من قول الرسول عليه السلام: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام.
قال: ولا يعدو المال [أن يكون] لابنه، ولا يجوز أن يكون للأب، وهو يضمنه للابن، وليسا بشريكين، [فما] الذي أوجب هذا، ولو كان الابن يوم النكاح كبيرًا، لأخذ ذلك من الزوجة، ورجعت هي بقيمته على الأب، فما الذي فرق بين صغير وكبير؟
الجزء: 2 - الصفحة: 547
قال: ومن احتج بما روي: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ فإنه لم يثبت، ولو ثبت فـ[ــما] فرق فـ[ــيه] بين كبير وصغير.
قال: ومن قول مالك: إن وهب من مال ابنه الصغير، أ [و] تصدق، فذلك مردود، إلا التافه الذي لا بال له، كان الأب مليا أو عـ[ــديما]، أو إن أعتق عبدا لابنه الصغير، فذلك نافذ، وعليه القيمة في ماله، وإن كـ[ــان] عديما لم يجز عتقه.
قال: وهذا فاسد متناقض، وليس له أن يزيل ابنه عن ذلك إلا بكتاب أو سنة أو اتفاق، وفرق بين التافه [وغيره وهذا] تحكم في دين الله، وفرق بين العتق والصدقة، ولا فرق بين ذلك، وزعم [أنه] يعتصر ما وهب لابنه ما لم ينكح، أو يحدث دنيا وهذا تناقض، فإ [ما] أن يرجع على كل حال، أو لا يرجع بحال، وقد قال النبي عليه السـ[ــلام]: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.
الجزء: 2 - الصفحة: 548
والحديث: ليس لأحـ[ــد] أن يرجع فيما أعطى، إلا الوالد.
مرسل، لا يحتج به.
هذا منتهى [كلا] م هذا الرجل، إلا ما اختصرت من تكرير وتكثير، وكل ما أنكر من ذلك [تدل] على صحته دلائل واضحة، ولله الحمد، وما تناقض عنده فليس بمتناقض.
و [من سأل] عن علل مذاهب مالك أهل العناية بها وقف على كثير مما أنكر.
ويدل عـ[ـــلى] غفلته أنه أقام الأب في مال ابنه الصغير كالأجنبيين، حتى [استدل] بقول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وقول
الجزء: 2 - الصفحة: 549
الرسول عليه السلام: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" ولا خلاف أنه بخلاف الأجنبيين في ماله، وأنه تخصه منه خاصة الولاية عليه.
وما الذي حرم عليه أن ينقل مال ولده إلى ملكه، بمبايعة أو معاوضة، يوجبها له قبله، أو يأكل منه إن كان فقيرا، والأجنبي لا مدخل له في هذا.
فكيف أدخل الأب مد [خل] العموم في الآية وفي الحديث الذي ذكر.
وقد أجمع علماء الأمصار- لا يختلفون – أن للأب الملي أن يشتري عبد ابنه الصغير لنفسه من نفسه، بحق ولايته، من غير غبن ولا سوء نظر، فيجوز له ذلك في الصغير، لا خلاف في ذلك، ولا يجوز له ذلك في الكبير، لزوال الولاية عنه.
فما الذي استبعدت من تفريق مالك بين الصغير والكبير، وهذا نكير البدية قبل التأمل.
أرأيت الأب، أليس له أن يبيع عبد ولده الصغير من رجل، بدين، يجعله له [في] ذمته؟
فإذا جاز ذلك، جاز له أن يبيعه من نفسه لولده بدين يكون ذمته، كذلك هو حين تزوج بهذا العبد فقد نقل ملك العبد إلى ملكه، أن أصرفه في مصالحه، وأعطا في بض
ـ[ــع] [] [مـ]ــ
ن عقد [] غبن علـ[ــيه] فيه، وهذا كالذي أجمعوا عليه من شرائه لمال ولده، ثم إذا حدث على الأب عد [م] بعد كبر الصبي، لم يكن
الجزء: 2 - الصفحة: 550
حادث العدم يبطل ما جرى أولاً على الصحة، كما [لو أن] اجنبيا حدث عليه عدم بعد أن باع منه لابنه بيعا، فليس له إن كبر أخذ العبد من مبتاع ابتاعه من ذلك المشتري، الذي حدث عليه العدم، فكذلك الزوجة مبتاعة ببضعها لعبد أدخله الأب في ملكه با [بتياعها] له.
فما الذي استبعدت من هذا؟ أو هو أقرب إلى أحكام الكتاب والسنة مما احتججت به، لإقامتك الأب في مقام الأجنبيين، ممن لا مدخل له في [ذلـ]ـك أولا بوجه ولا سبب، ولا يجري له عليه حكم في نفسه ولا في ماله ولا في عقد شيء عليه، وهذا كلام لا يقوله من ألقى السمع وهو شهيد.
وقد جرى في باب الأب يطأ أمة ابنه دلائل تدل عى خصائص خص بها الأب في ولده، من الكتاب والسنة وقول السلف فليتأملها الناظر فيـ[ـما] [سلف] لبابين.
ومع ذلك فإن الأب في هذا معاوض لولده ليس له [أن] يبيح ماله دونه؛ لأنه أشغل ذمة لولده بعوض ما أخذ من ماله، وهذا كالمبايعة، فليس في هذا فساد ولا تعد.
ومساواتك للأب [في] ابنه الصغير بالأجنبيين عدول عن الحق، وجهل بالأصول، ومن خصائصه أن يده في مال ولده حاكمة بالمبايعة، والمعاوضة وغير ذلك، ويزوجه قبل بلوغه، ويعتصر ما وهب له، على حديث النعمان بن بشير
الجزء: 2 - الصفحة: 551
وغيره، ويكون مسلما بإسلامه، ويرميه بحديدة فيقتله فلا يقتل به، حتى [يضجعه] ويذبحه، ويأكل من ماله في عدمه، ويدرأ عنه الحد في وطئه أمته، [كما ذكرنا] في الباب الذي قبل هذا.
وقوله فيما روى " أنت ومالك لأبيك": إنه لا يثبت، فليس كذلك، وقد ذكرناه في باب وطيء الأب أمة ابنه، [وهو حديث] ثابت من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال ابن معين: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 552
وقد ذكرنا ما أخرجناه [من أحكام] هذا الحديث بإجماع، وما بقي من معانيه، بما يظهر لمتأمله أن [رأينا بين].
وقوله: لم فرق بين صغير وكبير؟
فأما في الأكل عند الحاجة من ماله [ودرء الحد عنه] في وطيء إمائه، ومن أخذه مستترا من ماله فذلك فيهما سواء، وأما البيع عليه والشراء، ونقله ما يملك إلى الأجنبيين أو إلى نفسه مما ينتهي إلى العاوضة، فهذا جائز فيمن يلي عليه من ولده لأن الولاية ع