الذب عن مذهب الإمام مالكباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق

قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق ثلاثا، إنه يفرق بينهما.
قال هذا المتحامل: وهذا يدل على إغفاله، لأن عقد النكاح ثابت ثم فرق بينهما بغير يقين، وهذا إنما طلق على صفة وهو لا يعلم أنه من غير أهل الجنة.
قال: فإن كان إنما فرق بينهما لأنه علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا، وإن كان لأنه يجهل حاله، فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 679

وكذلك إن قال لزوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق، قال تطلق عليه ولا ينتظر، وقد تضع بعد ذلك، فيعلم أنها ممن لا طلاق عليه، وهذا فاسد.
فالجاوب عن ذلك: ان قول مالك هذا هو قول ابن عمر وغيره من الصحابة ومن التابعين ما يكثر ذكرهم، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة قال الله سبحانه ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يقول من النوم، ثم ذكر سبحانه ما أوجب من الوضوء، وذلك لما يتوقع أن يكون كان في النوم من الحدث.
وقول النبي عليه السلام فيمن قام من نومه: إنه لا يدخل يده في إنائه حتى يغسلها، فهذا من هذا المعنى والله أعلم، لما عسى أن يكون أصاب يده أو وقعت عليه يده، والله أعلم.
وقال الرسول عليه السلام في تمرة وجدها، ولو أعلم أنها ليست من تمر الصدقة لأكلتها، فلما استراب أمرها تركها.

الجزء: 2 - الصفحة: 680

وكذلك من شك في بسط يده إلى مال أو فرج أو غيره، أن يكون لا يحل له فلا يقدم إلا على ما يوقن حلاله.
والنوم في نفسه ليس بحدث يوجب الوضوء، وإنما يوجب الوضوء منه لما يتوقع أن يكون حدث في النوم من الحدث، فأوجب ذلك ريبا وشكا، ولزم بذلك الانتقال عن الريب، بائتناف الوضوء.
ولا يجوز في الأصول أن يطأ فرجا لا يدري حين الوطء أحلال هو أم حرام.
ويقال له: أرأيت شاتين، إحداهما ميتة والأخرى ذكية، لا يدريهما، أو امرأتين إحداهما أمه أو أخته، والأخرى زوجته أو أمته أليس لا يجوز له وطء واحدة منهما؟ إذ لعله يصادف المحرمة عليه.
فإن قلت ذلك، فلا يبعد عليك أن يفرق بينه وبين زوجته بالشك، للذي حدث عليه فيها من الطلاق، وكذلك في أمته إذا شك في عتقها.
فإن قلت: العتق والطلاق أمر حادث، قد يكون وقد لا يكون والمرأتان إحداهما أمه أو أخته بيقين، والشاتان، إحداهما ميتة بيقين.
قيل لك: فلما كانت إحداهما محرمة بيقين، أرأيت إن تناول إحداهما، أعلى يقين هو من أنها المحرمة عليه؟ فلا تجد بدا من أن تقول: إنه لا يوقن منها بتحليل ولا تحريم.

الجزء: 2 - الصفحة: 681

فيقال لك: وكذلك التي شك في طلاقها، إن تناولها لم يدر حيئنذ أهي محرمة عليه بطلاق قد وقع أم غير محرمة فاتفق الحال في قيام الشك.
وشيء آخر: أنه بعد شكه في طلاقها، لا يقدر أن يقول: أنا موقن أنها غير مطلقة، وقد كان قبل شكه يوقن أنها غير مطلقة، فلا يحتج بأن النكاح بيقين فإن ذلك اليقين قد أقررت أنه قد قدح فيخ الشك، وأن اسمها الذي كان لا يشك فيه أنها زوجته بيقين لا يقدر أن يسميها به، إلا أن يقول: إنها زوجتي على شك فصار الشك الحادث كالشك في الأصول.
فلو شك في امرأة أنها أمه أو أجنبية، أكان له أن يتزوجها؟ أو شك في شاة هل ذكاها أو لم يذكها، أكان يأكلها؟ ويقال له: أرأيت من له امرأتان، فطلق واحدة ثلاثا ثم نسيها، فلم يدر أيتهما هي، ونكاح كل واحدة صحيح بيقين؟ فإن قلت: يفارقهما، رجعت عن قولك إلى قولنا، ولا أعلم خلافا في هذه أنه يفارقهما.
وإن قلت: يطؤهما، كنت مقرا أنه يطأ امرأة محرمة عليه بيقين في علم الله، ويلزمك [] امرأتين إحداهما [أخته]، وقلتين إحداهما نجسة.

الجزء: 2 - الصفحة: 682

وكذلك يلزمك في قلتين من ماء، أيقن أن إحداهما صب فيها مقدار من الخمر، فغيرها، أو لم يغيرها، وصب في الأخرى شراب حلال، غيرها أو لم يغيرها، ولا يعلم التي وقع الخمر فيها منهما، أيجوز له شربهما لأن أصلهما كان حلالا، ثم حدث الشك، فلا ينتقل من اليقين الأول - على أصلك – إلا بيقين؟ فهذا ما يؤديك إليه قود قولك.
وكذلك يلزمك في زوجتين له، أرضعت واحدة منهما امرأة له طفلة، هو من ذلك على يقين ثم لم يدر من هي منهما فواحدة من أمهات نسائه يقينا، أفتجوز له المقام عليهما؟ وهذا يؤديك إلى أكل الميتة وما ذكرنا من الخمر والفروج المحرمة بيقين، فتأمل برفق في تأملك.
ولا فرق بين قوله: طلقت هذه أو هذه وبين قوله: لا أدري طلقت امرأتي، أو لم أطلقها، لأن كل واحدة من المرأتين لا يدري أيضا أطلقها أو لم يطلقها.
ويقال له: أرأيت إن كانت له زوجة، وهو موقن أنها زوجته حلالا، ثم حدث عليه شك في أنها أمه أو أخته، من نسب أو رضاع، أيقيم علها بعد ذلك؟ وهذا كله تشهد الأصول لصحته، لأن التحريم يحتاط فيه، ويكون غالبا على التحليل، ويقع التحريم بأقل الأمور، ولا يقع التحليل إلا بأكثرها.
ألا ترى لو طلق بعض امرأته حرمت عليه بذلك، وكذلك إن طلق بعض

الجزء: 2 - الصفحة: 683

طلقة تامة، تعتد منها، وتحرم بذلك، ولو تزوج بعضها لم تحل له بذلك.
ولا تحل التي قال الله فيها: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، إلا بالغاية من العقد والوطء، وقوله سبحانه ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء﴾ فالتحريم بذلك بالعقد، وهو أقل ما لزمه الاسم فالتحريم آكد وأغلب.
وهذه المسألة التي ذكر آكد في إيجاب ذلك، والله أعلم، لأن الحالف لم يدخل عليه الشك بغير قصد منه لذلك، بل هو قاصد إلى إدخال الشك على نفسه في حين يمينه، بقوله: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق، وهذا قاصد إلى الدخول في الشك.
والعجب من قول هذا الرجل وهذا إنما طلق على صفة.
وهذا منه حيرة، والمطلق على صفة إنما هو امر يستقبل كونه، يقول: إن فعلت كذا وكذا أو كان كذا فأنت طالق، وذلك الفعل والأمر مستقبل كونه، قد يكون وقد لا يكون.
وهذا إنما حلف على حاله في وقت يمينه، هل هو من أهل الجنة، أم من غيرهم، وإنما حلف على أمر قد كان، وسبق فيه علم الله أنه من أهلها، أو غيرها

الجزء: 2 - الصفحة: 684

فليس هذا من الطلاق على صفة، يجب الطلاق بكون تلك الصفة، فهذا تمثيل من لا يدري ما يقول.
ثم تكلم بكلام سأل عنه وجعله من إلزام المناظرة، ما يحسن أن يجري على لسان من ألسنة الجهال ولا الصبيان وذلك قوله: فإن كان وإنما فرق بينهما لأنه قد علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا.
وهذا كيف خطر بباله، أن يكون إنما فرق مالك بينهما لأنه علم أن الزوج من أهل النار، وما يشبه هذا إلا التلاعب ممن ذهنه وعقله حاضر، ومن غاب منه هذان سقط خطابه.
وكذلك قوله: وإن كان لأنه يجعل حالهما فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما، فهذا ايضا عجيب، وما علينا من زوجين – في ظاهر الأحكام – ليس بينهما حادثة تغير من امرهما شيئا، ولا توجب بينهما شكا، ما معنى التفريق بينهما بجهل حالهما؟ وما هذه الحال التي جهلناها منهما؟ فإن كان يعني لعل أحدهما من أهل النار، قيل له: ولعل لآخر كذلك، ﴿وكل حال﴾ دخلت في أحدهما [فلعل] الآخر مثله، وما هذا مما نحن فيه من اليمين والشك فيما أوجبت تلك اليمين من الطلاق، والاعتلال على هذا وهن شديد.
وقوله: وكذلك القائل زوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق.

الجزء: 2 - الصفحة: 685

وهذا مختلف فيه في مذاهب مالك، والتحريم فيه ألوى للشك في التربص بها إلى اختبارها ولعل أحدهما يموت، فكيف يتوارثان بالشك ومع ذلك فلا يشبه المسألة الأولى، لأنه لها حال، يرتقب كشفه، والأول لا يرتقب منه كشف حال، وهو أبين وأقوى من هذا، والله المستعان على توفيقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 686

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل