باب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتل
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل، قول مالك في القاتل عمدا يعفي عنه، إنه يجلد مائة ويحبس سنة.
وقال: وقد عفا الله عنه بعفو الولي، يقول الله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان﴾ وقال: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ وجعل العفو وقبول الدية تخفيفا.
قال: فهذا خلاف ظاهر القرآن، وأوجب حدا لم يوجبه الله سبحانه ولا سنة رسوله،
الجزء: 2 - الصفحة: 652
قال: ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ وقال في الكافر - بيننا وبينه عهد - ": ﴿فدية مسلمة﴾ فلم يفرق في الدية بين مسلم وكافر، وهذا توقيت لا يكون إلا للخالق.
قال: ثم قال الحجازي إن القاتل إن طلب منه الأولياء الدية أن له أن يأبي ذلك، وليس لهم إلا القتل.
الجزء: 2 - الصفحة: 653
قال: فخالف ظاهر القرآن وثابت السنة، قال الله سبحانه: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ فأوجب للأولياء إذا عفوا الدي على القاتل، وروى الشافعي عن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ئب عن سعيد بن ابي سعيد عن ابي شريح الكعبي، فذكر في الحديث تحريم مكة، ثم قال: ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلا فأهله بين خيريتن إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل.
فينبغي أن يوجب ما أوجب الله ورسوله.
فالجواب عن ذلك: ان القاتل - وإن كان لولي الدم عليه سلطان بحقه في دم وليه - فإن لله عليه حقا في انتهاك محارمه وفساده في أرضه فإذا عفا الولي عن حقه - بعوض أو بغير عوض - بقي حق الله.
وفي إفادة حق الله في ذلك صلاح للعباد، لإقامة التناهي عن الفساد، فجعلنا عقوبته في ذلك ضرب مائة وحبس سنة، بدليل كتاب الله سبحانه وبما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء وغيرهم من السلف.
الجزء: 2 - الصفحة: 654
وذلك أنا رأينا القتل قرين الزني في كتاب الله في عقوبة الآخرة، فكان في ذلك دليل على تساويهما في حق الله في عقوبة الدنيا.
قال الله سبحانه ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وابن جبر وقتادة، أثاما واد من أودية جهنم.
ورأينا الزنا لا ينفك فاعله من أحد عقوبتين: إما الرجم وهو القتل، أو جلد مائة وتغريب عام، فجلعنا في قتل النفس - الذي بقي فيه حق الله - ما جعله الله بدلا من القتل في الزنا، إذ لا بد لنا من أن نجعل عقوبة عليه، في حق الله في ذلك، مع ما فيه من المصلحة العامة للتناهي، فكان رجوعنا بذلك إلى أصل أولى بنا من أن نجتهد في عقوبته بغير أصل يرد إليه.
فإن قيل: فاجعل فيمن كفر بالله كذلك، إذ هو مذكور في أول الآية.
قلت: هذا غير لازم، لأن الكافر منصوص على عقوبته إذا كفر بعد إيمانه بالقتل، وليس في عقوبة القاتل يعفي عنه نص، ومع أن الكافر لا يترك، ولا يمكن
الجزء: 2 - الصفحة: 655
عنه العفو إلا أن يسلم، فيزول عنه بالإسلام ما كان لله فيه من العقوبة بالقتل، لأن القتل الذي أمر الله به إنما فيه حق الله وحده.
وشيء آخر: أن عقوبة المرتد في الآخرة إذا قتل الخلود في النار، والزاني المؤمن غير مخلد، فلم يتساويا في عقوبة الآخرة، لأن هذا - وإن كان في واد من أودية جهنم - فهو [غير] مخلد، ومن زعم أنه لا حق لله على القاتل قال بخلاف ما دل عليه الكاتب وإذا كان لله حق في ذلك مع الحاجة إلى إقامة الزجر للتناهي، كان علينا إقامة ذلك الحق، وقد أقمناه بدليل من كتاب الله.
ألا ترى أن الله سبحانه جعل لنا في القصاص حياة، فجعل الولي إذا قام بالقتل - الذي هو حق له وحق لله- كان في ذلك صلاح لنا أجمع وحياة لمن بقي، إذ يتناهي الناس عن الفساد الذي هو اعظم فساد في الأرض، فلما عفا الولي بقي حق التناهي الذي جعل الله فيه لعباده حياة، أي تحصينا لهم عن القتل، فلابد من إقامة ذلك، وهذا من خفي الاستدلال من كتاب الله، وقد روي عن النبي عليه السلام.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم، قال أنا محمد بن عبدوس، قال نا أبو بكر- يعني أبن ابي شيبة - قال انا إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله عن أبيه عن علي قال أتي النبي عليه السلام برجل قتل عبده متعمدا فجلده،
الجزء: 2 - الصفحة: 656
مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد منه.
وبإسناده عن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي مثله.
وبإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جده، عن النبي عليه السلام مثله، وأمره أن يعتق رقبة.
وفعل مثل ذلك أبو بكر بقاتل عمد.
أخبرنا أبو بكر بن محمد قال أنا يحيى قال أنا سحنون قال: انا ابن وهب قال أنا محمد بن عمرو، عن ابن جريج عن العباس بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال: على الذي يقتل عمدا ثم لا يقع عليه قصاص جلد مائة وسجن عام، قال ابن جريج: قلت لعطاء، كيف؟ كان الحر يقتل العبد وشبه ذلك.
وعن التابعين من أهل المدينة من هذا كثير، وفي بعض ما ذكرنا كفاية.
إلا هذا الرجل يبعثه إليها الجهل بأقاويل السلف وضيق عمله عن استخراجهم من كتاب الله وسنة نبيه، إلى أن يحرج صدره على سلفه ويطلق فيهم لسانه، ولو اتسع
الجزء: 2 - الصفحة: 657
علمه، وأحسن بسلفه ظنه لا تسع عن هذا الحرج صدره، وأعوذ بالله من الحمية في الدين.
ثم أنكر [هذا] الرجل ما حكي عن مالك، في أولياء المقتول إذا طلبوا الدية أن [للقاتل] أن يأبي ذلك وأنه ليس لهم إلا القتل، إلا أن يتفق معهم على ذلك.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن والسنة، ثم لم يحك عن مالك غير هذا، وقد جهل هذا الرجل أن قول مالك قد اختلف في هذا.
فروى ابن القاسم ما ذكر، وروى أشهب عن مالك، أنه يجبر القاتل على غرم الدية، إذا طلب ذلك الولي.
ورواية ابن القاسم التي أنكر هذا الرجل أحج وأشبه بما دل عليه ظاهر القرآن، بقوله سبحانه: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلي﴾، وقال: ﴿النفس بالنفس﴾ فلم يجعل على القاتل غير القتل، فلا يلزمه غير ما ألزمه الله.
وأما قوله سبحانه: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ فهذه الاية دليل أن العافي عن ذلك الشيء هو القاتل، وذلك أنه يترك شيئا من ماله ويترك له القود، ويتبع بالمال لأنه أخبر أن الذي عفي له هو الذي يتبع بالمعروف بقوله: ﴿فمن عفي له﴾ إلى قوله ﴿فاتباع﴾ يقول: فليتبع بالمعروف، فلو كان الذي عفي له هو القاتل، استحال أن يكون هو المتبع، لأنه هو المطلوب.
الجزء: 2 - الصفحة: 658
ودليل آخر: أن الدية معلومة موقتة، والله سبحانه لم يذكر ها هنا دية، وإنما قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ وشيء نكرة ليس فيه ألف ولام، والدية معروفة فدل بهذا أن ذلك الشيء المذكور به يكون الاتباع فلما لم يوقته سبحانه دل أن الأمر فيه إلى اتفاقهما.
ولو كان كل ما بله مما يقل أو يكثر يجب قبوله منه استحال هذا، والعمد ليس فيه دية منصوصة بكتاب الله ولا سنة رسول الله، إلا التراضي على شيء يجتمعان عليه، فإذا لم تدل هذه الآية على توقيت معلوم لم يبق إلا ما يتراضيان [به]، وكان ذلك أقوى دليل أن المعفو له لذلك [] هو الذي يطلب ذلك الشيء ويتبعه، وهو ولي المقتول به، والعافي على هذا القاتل بتركه للمال الذي بذل، والعفو الترك.
وأما احتجاجه بالحديث الذي ذكر، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل.
فالمعنى في قوله: وإن أحبوا أخذوا العقل، يعني: إذا بذل لهم، لا على أنه يكره على غرم الدية، بدليل ما ذكرنا من ظاهر معنى الاية.
ولولا ما دلت عليه الآية والحديث ما جاز للولي أخذ الدية إذا بذلت له لما كان يمنع من ذلك من قول الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ ففي القصاص نفع عام، غير أنه خفف عنا، فجوز لنا اخذ المال بدلا من الدم، وقد روينا للنبي عليه السلام مفسرا، على هذا المعنى الذي تأولنا في الحديث الذي ذكر هذا الرجل.
الجزء: 2 - الصفحة: 659
فرويناه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من قتل له قتيل فهو بين خيرتين، بين أن يقتلوا أو يفادوا.
أناه الحسن بن بدر قال: أناه النسائي، قال أنا العباس بن الوليد بن يزيد، قال أنا أبي قال أنا الأوزاعي.
قال النسائي: ونا محمد بن عبد الرحمن بن أشعث، قال: أنا أبو مسهر قال: نا إسماعيل، قال: نا يحيى قال أنا أبو سلمة، قال أنا ابو هريرة قال قال النبي عليه السلام من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقاد أو يفادي
قال محمد: وأما يفادي فمعنى المفاداة المفاعلة، وهي تكون من فاعلين كالمبايعة وغير ذلك، إلا في أحرف يسيرة يعرفها أهل اللغة، فدل بهذا أن الدية إنما تؤخذ باتفاق ولي المقتول مع القاتل، وهذا اشبه بظاهر القرآن.
وشيء آخر: أن ذكر الفدية انه شيء للقاتل يفدي به نفسه، ولو كان شيء يملكه الولي دون القاتل، ما كان يحسن ذكر الفدية.
الجزء: 2 - الصفحة: 660
وأما إنكاره أن تكون دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وأراد [منـ]ــا أن نقول: إن دية الكافر والمؤمن سواء، فهذا من الغلط الفاحش، والنبي صلى الله عليه وسلم، قال: المسلمون تتكافؤ دماؤهم، فخص المسلمين بتكافؤ الدماء، وقال: لا يقتل مؤمن بكافر.
أناه الحسن بن بدر أنا النسائي قال: أنا محمد بن منصور أنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي، قال: سمعت أبا جحيفة، يقول: سألنا عليا، هل عندكم من رسول الله سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبدًا فهما في كتابه، أو ما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
نا أبو بكر بن محمد أنا يحيى بن عمر قال: أنا سحنون، قال: أنا ابن وهب قال: أنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا يقتل مؤمن بكافر.
الجزء: 2 - الصفحة: 661
وإذا لم يتكافآ في الدماء فكذلك فيما هو من الدماء عوض، وهي الدية، وإذا لم يتكافآ في الأعظم كان أن يتكافآ فيما دونه أبعد، وكذلك لا يتكافآن في الحد في القذف.
وشيء آخر، أن دية الرجل المسلم تجب بوصفين أحدهما: الإسلام، والآخر: الحرية فلما زال أحد الوصفين، وهو الإسلام وجب أن تكون الدية على النصف من دية من فيه الوصفان.
وشيء آخر: أنا لما ثبت عندنا في الأصول في الكتاب وما ذكرنا من السنة أن لا تتكافأ دماؤهما، وأن حرية الكافر أخفض، ورأينا الديات إذا انحطت لانخفاض حرمة انحطت إلى النصف، كدية المرأة من دية الرجل، فحططناها إلى النصف هذا كله قائم بدلائل الكتاب والسنة وما ذكرنا من با الاعتبار بالدليل.
ومع ذلك إنه مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الخلفاء من الصحابة والتابعين.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى بن عمر قال: أنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو قال أنا ابن وهب [قال: نا] أسامة بن زيد عن عمرو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عقل الكافر نصف عقـ[ـل] المؤمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 662
أنا محمد بن زياد بن بشر - هو ابن الأعرابي - قال: أنا أبو داود السجستـ[ــاني] قال: أنا يزيد بن خالد بن موهب قال: انا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دية المعاهـ[ـد] نصف دية الحر.
قال أبو داود: رواه أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن الـ[ـحارث] عن عمرو بن شعيب.
وقد روى نحوه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فـ[ــهو] قول السلف، ثابت عن غير واحد من الخلفاء، وغيرهم من الصحابة ومن التابعين، ما يكثر علينا ذكرهم، وهو قول الفقهاء السبعة، وغيرهم من تابعي أهل المدينة، يكثر علينا ذكرهم.
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن الجهم، قا [ل]، أنا إسماعيل قال نا ابن ابي أويس، قال أنا عبد الرحمن عن أبيه قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته، وخالفني ناس من أهل العراق في ديـ[ــة] المعاهد، زعم بعضهم أنها مثل دية المسلم، فكتب إليه: إني لا أظن أحدا يجعل دية صاحب الذمة كدية الرجل من أهل الإسلام، وإن د [ية] المعاهد كنصف دية المسلم، خمس مائة.
الجزء: 2 - الصفحة: 663
فهذا عمر بن عبد العزيز عظم عنـ[ـده] أن يظن هذا بأحد، لما قوي عنده مما علم عليه صدر الأمة وكفي به إما مـ[ــا] ضخما، عالما بما يقوي ويضعف من الاختلاف، والنكير في هذا الأمر البـ[ــين] لا حاجة بنا إليه، والله المستعان.
الجزء: 2 - الصفحة: 664
في من أوصى بزكاة عليه
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، فيمن أوصـ[ـى] في مرضه بزكاة عليه، فرط فيها: إنها من الثلث مبدأة على الوصايـ[ــا] والمدبر مبدأ عليها، لأنه قبل الإقرار، وإن ذلك بخلاف ما أقر به من دين للناس، وإن الزكاة إن حلت عليه في مرضه فأمر بها، فهي من رأس ماله، [و] إنما يكون في الثلث ما فرط فيه، وهـ[ـذا] تناقض لأنه [] هي واجبة عليه أم لا، فإن كانت واجبة فلم تكن من
الجزء: 2 - الصفحة: 665
الثلث؟ ولم تكن واجبة لم تبدأ على الوصايا، ولم صارت تارة كالدين وتارة كالوصايا؟
فالجواب عن ذلك: أن كل ما جرى من الوصايا يكون الأغلب فيها أن فيها ضرارا فلا يجوز، لقول الله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾ وهذا إنما يعلم بالأغلب في الأمور والدلائل التي تدل على الضرر.
والتهمة والجنف ليس على أن للميت يوصي وصية أو يقر إقرارا، يعترف هو فيه أنه يريد به الضرر، هذا بين أن المراد فيه طلب الدلائل بالأغلب من الأمور، فيما يقر به المريض ويوصي به، والله أعلم.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر قال: أنا أبي قال: أنا علي بن عبد العزيز قال أنا أحمد بن يونس قال أنا زهير قال نا داود بن أبي هند، قال أنا عكرمة عن ابن عباس كان يقول: الضرار في الوصية من الكبائر، قال: ونا محمد بن المنذر، قال: أنا زكريا قال: ونا محمد بن رافع قال: نا شبابة قال نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿غير مضار﴾، قال: في الميراث أهله.
فأصبناه في وصيته بالزكاة، إنما هو شيء آثر به نفسه في إبقاء ماله بيده، يستمتع به في حياته، ثم يزويه عن وارثه إلى نفسه عند وفاته، وقد دللنا في باب " إقرار المريض لوارثه " بما دل على إبطال ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 666
فإذا بطل إقراره للوارث بالدين للتهمة، كانت الوصية بالزكاة أضعف لأن إقراره بما يخص به نفسه أقوى في التهمة لما يخص به وارثه والله أعلم.
فكل شيء يوصى به يتهم فيه بالميل إلى نفسه، فإن الوارث فيه خصمه، وفا [رق] إقراره بالدين للأجنبيين، لأن إقراره بالدين للأجنبيين منافع ذلك لغيره، فلا يتهم أن يميل إلى الأجنبيين دون ورثته.
والدليل أن الوصية بالزكاة بخلاف إقراره بالدين، أن المفلس لو فلس وقام غرماؤه، فقال: علي زكاة ثلاثين سنة أنه لا يقبل منه، ولا يضر ذلك غرماءه.
ويلزم القائل أن يقول: إقرار [هـ] بالزكاة وبالدين سواء، أن يقول أحد قولين: إما أن يحاص بذلك الغر [ماء] أو يقول: تبدأ الزكاة، بل يلزمه أن يقول: الزكاة أولى من الغرماء [ولا] يقول: إنه يحاص الغرماء بالزكاة، كمقام دين عليه، لأنه عند مقا [م] الغاصب، وهو غصب مال بعينه.
وأنت تعلم أنه لو غصب لرجل ما [لا] بعينه، أنه من يوم الغصب قد صار في ذمته، وإن كان قد قامت بينة بأنه بعينه قائم بيده، فإن ذمته بالغصب مشغولة لو أتى
الجزء: 2 - الصفحة: 667
على الـ[ــمال] هلاك بيده، ولو قام عليه غرماء، لكان رب هذا المال المغصوب الذي قامت البينة أنه بعينه له أحق به من الغرماء.
وأنت إذا أ [قمت] إقراره، بالزكاة مقام ما يثبت بالبينة، فاجعل الزكاة أملـ[ـك] بماله من الغرماء، لأن الزكاة بعينها باقية بيده كالغصب، لـ[ــأنها] دخلت في ذمته بالتعدي، وهي بعينها بيده كما ذكرنا في الغصب.
ويلزم خصومنا أن يقولوا: لو أقر عند التفليس: أنـ[ـه] قد تصدق بماله هذا بعينه قبل مداينة غرمائه، وأن المال الذي داين به غرماءه قد ذهب وهلك، أو أقر أنه جرت منه في مالـ[ـه] هذا نذور بعد نذور مما يأتي عليه، وأن ذلك قبل مداينته لغرما [ئه]، وأن مالهم قد ذهب بعد أن حصلت عليهم هذه النذور في هذا الما [ل]، أنه لا شيء لغرمائه منه، لأنك ترفع التهم.
وكذلك لو أقر أنه قد كان تصدق به على ولده قبل معاملته لهم - كما ذكرنا - أنه يلزمه أن يقول: إن ولده أحق به منهم، لأنه لا يحكم با [لتهم، ولا بإ] قراراته لوارث ولا غيره، وهذا يتفاحش عند طرده.
وقد دللنا في غير باب من كتابنا هذا على قوة التهم والريب في الأصول، وإذا كانت تهمته في وارثه تبطل إقراره له، فتهمته في نفسه أكثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 668
وشيء آخر، إنه لو كان كل من اقر في مرضه بأن عليه زكاة ماله في سائر عمره مقبول القول، كان ذلك ذريعة إلى فساد عظيم.
منها: أن ذلك يبعث كثيرا من الناس على ترك أداء الزكاة، لأنهم على ثقة من إنفاذها عنهم بعد الممات من رأس المال، فيؤخروا لذلك إخراجها، ويكون داعية إلى إبطال الميراث لمن شاء إبطاله بمثل هذه الإقرارات، ويصير الميت قد استأثر بماله عن أهله الميراث، فاستمتع به في حياته، وأخرجه عليهم بعد مماته.
وكذلك يلزم في الحج، فكل إقرار تشوبه ظنة وتهمة يبطل معه الميراث وينقص به على أهل الميراث ميراثم من يلي المال، فذلك ضرر على ما تقدم دليلنا عليه في باب إقرار المريض، ما اغني عن إعادته.
فإن قال: فلم جعلت إقراره بالزكاة في الثلث دون أن تبطلها، كما أبطلت إقراره، للوارث في الثلث وفي غيره.
قلت: لغير وجه منها أنه لا يجوز له أن يخص وارثه، لا من ثلثه، ولا من سائر ماله بشيء، وأصبته له أن يخص نفسه بمنافعه في ثلث بما أحب فأصرفت ما أتهمه فيه لنفسه إلى ثلثه.
وشيء آخر أني أصبت العلماء أحد رجلين: قائل قال: يكون إقراره في المرض بالزكاة في ثلثه، وقائل قال: من رأس ماله، ولم أعلم قائلا، قال: يبطل من الثلث ومن رأس المال، فأخرجت هذا القول، إذ لا أعلم له قائلا، وقلت من الثلث، إذ هو أقرب الأقوال إلى القياس وإلى الدليل، على ما بيناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 669
وكذلك قال غير واحد من تابعي أهل المدينة: إنه من الثلث منهم ربيعة وغيره من رواية ابن و [هب و] غيره.
وأما من غير أهل المدينة، فمما أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن أحمد المالكي قال: أنا الأنصاري قال أنا عبد الله قال أنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله عن الشعبي في الرجل يموت ويوصي أن يحج عنه، أو يتصدق عنه كفارة رمضان أو كفارة يمين قال من الثلث، فهذا من الواجبات وقد جعله الشعبي من الثلث.
قال: وأنا هشيم عن ابن سيرين، في الرجل يوصي بالحج والزكاة تجب عليه قبل موته، قال: من الثلث.
وأنا جرير عن حماد عن مغيرة عن إبراهيم مثله.
ولو كان يكون الحج والكفارات التي عليه والنذور، وغير ذلك من الواجبات من زكاة وغيرها، من رأس ماله إذا أخرها إلى حين وفاته لكان مال المرء قد استأثر به لنفسه في حياته وبعد وفاته، فصارت له منافعه كلها دون وارثه، وهذا ذريعة إلى الفساد وإبطال الميراث على ما ذكرنا.
وفارق الدين يفرط في أدائه، أن الدين أقوى، لأن له طالبا يطالبه
الجزء: 2 - الصفحة: 670
وهو لو أقر بدين لرجل وبزكاة، ثم قال: قد كنت قضيت الدين وقد كنت أخرجت الزكاة ونسيت، أنه مصدق في الزكاة، ولا يصدق في الدين فافترقا.
ويلزم من يرى الحج عليه في المال، أن ن مات ولم يحج ولا أوصى بالحج، أن يخرج ماله في الحج، ويمنع وارثه ويمنع غرماءه، أو يخاصموا بذلك، ويصير كالحج عمل عنه بغير نيته، لأنه لم يوص به، وأعمال الأبدان لا تجزيء إلا بنية.
فإن قال: لم يجعلت زكاته من رأس ماله، إذا حلت في مرضه فأمر بها؟
قلت: لأنه وقت محلها وعليه إقامة فرائضه في مرضه وصحته، ولم يكن يتهـ[ــــــم في المرض] فيه أو يصير قد سلك بها مسلك الضرر و [المشاقة] و [الذريعة] إلى الفساد فإن قيل: لم بديتها إذا أوصى بها في الثلث، وهو فرط فيها؟
قلت: لأن مالكا يقدم الأوكد في الثلث، من عتق وشبهه، لدلائل أوجبت ذلك، فلما كان له إدخال منافعه في الثلث بدأنا منها الأوكد فالأوكد والله أعلم.
وأما قوله: يبدأ المدبر عليها، فلم يدر هذا الرجل أي مدبر، إنما قال مالك: يبدأ المدبر في الصحة، فلم يذكر هذا الرجل في الصحة، وذلك أن المدبر صار خصما له، يدافعه عن ما ينقص عتقه، كالوارث الذي دافعه بما ذكرنا من التهمة.
هذا وقد يكون المدبر في الصحة سابقا لما فرط فيه، قد سبق إلى الثلث بما لا رجوع عندنا له فيه، مع ما قدمنا ذكره من التهمة، الذي يحتج بها المدبر.
الجزء: 2 - الصفحة: 671
وقد جاء في الحديث: من مات ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا، فلو كان يقام الحج بعده، أوصى به أو لم يوص، وينفذ وينوب عنه، كما ينوب عنه إذا فعل هو ذلك بنفسه ما فرط فيه في حياته، لم يقل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيمن مات ولم يؤد فريضة الحج، ودل بذلك أن حاله بعد الموت حال لا يساوي حاله قبل الموت في إقامة فرائضه، سيما فيما لم يوص به، والله أعلم بذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 672