المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماتهمقدمة الموسوعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد من الله على المؤمنين بإكمال الدين، وأتم به النعمة قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة/ 3).
وكمال الدين أن يبلغ تمامه وغاية ما أريد به من إصلاح الناس، وتعبيدهم لربهم الحق، إن في الإعتقاديات وما بأركان الإيمان، أو قي العبادات وما يتصل بأركان الإسلام، أو في العادات وما يتصل بإصلاح الأبدان، أو في المعاملات وما يتممها من الأخلاق والآداب الشرعية، في مختلف مجريات الحياة وتقلبات الأحوال.
وقد أنزل الله تبارك اسمه كتابه العزيز، ليكون الأصل الأصيل والمشرع الرَّوِيّ السلسبيل، لكل حكم من أحكام الدين، فقال جل من قائل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل/89).

الجزء: مقدمة - الصفحة: 1

وأوكل إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - مهمة تبليغه، وبيان معانيه المجملة، فلا جرم كانت السنة النبوية من الكتاب العزيز، بمنزلة الشرح والتفصيل، مع ما اختصت به من إثبات أحكام مبتدأة ليست منصوصة في الكتاب.
ولما ثبت بما لا يحتمل الشك، من عموم الشرع للأزمنة والبقاع والأحوال إلى يوم الدين، وكانت تصرفات الناس أفراداً وجموعاً، غير منحصرة لاختلافها وتجددها وتغيرها، جعل الله التشريع المنصوص في الكتاب والسنة، على وِزَانٍ يفي بحكم مستجدات الحياة، بحيث أجريت أحكامه مجرى التمثيل والتأصيل لما ليس بمنصوص، ليهتدي أولو العلم إلى حمل كل فرع على مثاله، ورده إلى أصله بضروب من العموم للمعاني، وهو ما اصطلح على تسميته بالقياس؛ بقسميه الخاص القائم على اعتبار علةٍ أو معهنى خاص ثبت في أصلٍ معينٍ، وطَرْدِ حكمه في فروعه؛ والقياس العامّ القائم على اعتبار معنى عام مقْصِدِي دلت عليه جملة من النصوص، واطردت فروع الشرع على رَعْيِه.
وهذه الصفة التي أسس عليها شرعنا الحنيف، صفة الشمول والإستيعاب لأفعال المكلفين واجتهاداً، أمكنت فقهاء الأمة من إيجاد فقه إسلامي شامل لمجريات الحياة وتقلبات أحوالها، وفق طرائق للبحث منضبطة، ومسالك للنظر والإستنباط مرسومة، تميز بين الرأي الشرعي الصادر عن فهم النصوص وإدراك لمعاني ما دلت عليه من الأحكام، وبين الرأي العادي المبني على مجرد التخمين، وهو الذي ورد عن السلف ذمُّ إعماله في الشرع.

الجزء: مقدمة - الصفحة: 2

وكان من هؤلاء الفقهاء من زكى علمهم، وتوسع نظرهم في الفروع العملية، فرويت عنهم آلاف المسائل مما أفتوا فيه، وتوفر لهم من الأصحاب ما لم يتوفر لغيرهم، فاعتنوا بتلك المسائل، فحفظوها وجمعوها ودونوها، وقرأوها على الطلاب في المجالس.
ثم جاء بعدهم من رتبها وهذبها وحررها وبسطها، وخرج عليها فروعاً كثيرة، واحتج لها من دلائل الكتاب والسنة والإجماع، وفقه الصحابة والتابعين، ومن جهة القياس ومعقول الأصول المقررة.
وهكذا نشأت المذاهب الفقهية المشهورة المعروفة، فاشتغلت بها الأمة، وتفقهت عليها أجيالها وبثت مسائلها في الدروس والطروس، وجرت عليها الأقضية في الأمصار، والفتوى فيما يعوض للناس في شؤون عباداتهم ومعاملاتهم.
وقد استوعبت هذه المذاهب قي مجموعها، عامة فقه السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الذين لم يكتب لفقههم من الإشتهار والتدوين ما كتب لأصحاب هذه المذاهب، كالثوري والأوزاعي وأبي ثور وابن شبرمة والليث بن سعد؛ رحمهم الله جميعاً وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيراً.
وكان الإمام الرباني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المروزي ثم البغدادي، رحمه الله وأجزل مثوبته، أحدَ أئمة هذه المذاهب؛ برز فقهه في المسائل التي دونها عنه جماعة من أصحابه في بغداد، وجمعها وصنفها كتباً وأبواباً في ديوانه الجامع، أبو بكر أحمد بن هارون الخلال،

الجزء: مقدمة - الصفحة: 3

ثم غلامُه أبو بكر عبد العزيز في كتابيه الشافي وزاد المسافر، ثم أبو عبد الله الحسن بن حامد في كتابه الجامع.
ثم انتشر هذا المذهب في العديد من الأمصار والأقطار الإسلامية، بعد القرن الخامس، لا سيما في بلاد الشام ومصر، ثم في نجد في أواسط القرن العاشر.
وبرز فيه أعلام طبقت شهرتهم الآفاق، وانتفع الناس بعلمهم على مسترسل الأزمان، كالقاضي أبي يعلى الفراء وأصحابه البغداديين، وأبي محمد عبد الله ابن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي، صاحب المغني الكتاب العجاب الذي شرح فيه الخرقي، وشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وتلميذه شمس الدين ابن قيم الجوزية، والحافظ ابن رجب الحنبلى البغدادي، وغيرهم كثير.
فخدموا هذا المذهب خدمة جليلة في مختلف أدواره من النشأة إلى النمو إلى الإنتشار إلى الإستقرار، في مختلف الوجوه التي خُدم فيها الفقه الإسلامي عموماً.
فمهدوا أصوله وحرروها غاية التحرير، وحققوا ما فيه من اختلاف الروايات والأقوال، وخرَّجوا كثيراً من الفروع على نصوص إمامه أو أصوله، واحتجوا لكل مسألة من النصوص والقياس في المصنفات المذهبية والخلافية، وقعَّدوا قواعده وما يلحق بها من الأشباه والنظائر والفروق، وجردوا مفرداته التى انفرد فيها عن الذاهب الأخرى، وصنفوا في أحاديث الأحكام وفي مسائل الخلاف.

الجزء: مقدمة - الصفحة: 4

فرحم الله سابقهم ولاحقهم، وأجزل لهم المثوبة بما خلفوا لن بعدهم من علم ينتفع به، وأي علم أنفع للناس من الفقه في الدين؟ ولما مَنَّ الله تعالى على المملكة العربية السعودية، بلم شعثها، وعصمة أمرها على إمام واحد، وراية واحدة راية الكتاب والسنة، ثاب الناس إلى الدين، وازدهرت العلوم الشرعية ونفقت سوقها، لإتصال القول بالعمل.
وكان علماؤها توارثوا هذا المذهب السني الجليل، منذ زمن بعيد، وأحبوه لحبهم إمامه الذي أجمع أهل السنة على إمامته، واستشرف السنة أو كاد، واعتمد في فقهه على فتاوى الصحابة، وقدم الأحاديث الضعيفة المنجبرة على القياس احتياطًا للنصوص , ومبالغة في التسليم للمنقول المأثور، واعتبر المصالح الثابتة قي الشرع، أصلاً تنتهي إليه الأحكام وتدور عليه، وأعمل سد الذرائع إلى المحرمات لِمَا دل الدليل القطعي على اعتبارها.
لأجل هذه الأسباب عني بالفقه الحنبلي في هذه البلاد المباركة، تعلماً وتعليمًا، وإفتاء وقضاءً، وإخراجاً لكنوزه من دفائق التراث، وتيسيرها بين الناس من الطلاب والعلماء والباحثين، مصححة نصوصها على أصولها الخطية، مع ما يتممها من تفسير الغريب وتراجم الأعلام، وعزو الآيات والأحاديث والآثار، والإحالة على النقول، وصناعة الفهارس، وما سوى ذلك من الأعمال التي درج عليها الناس في تحقيق التراث.

الجزء: مقدمة - الصفحة: 5

وكان من فضل الله علي أن ضربت بسهم في هذه المهمة الشريفة، وأمسكت بطرف من هذه الفضيلة المنيفة، بما يسر الله تعالى من تحقيقه من الكتب.
وكان هذا الإهتمام مني بمذهب الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، أمرًا اقتضاه الواقع الفقهي لمملكتنا الحبيبة؛ إذ هو المذهب السائد فيها، فى التعليم والإفتاء والقضاء.
ولهذا السبب اخترت دراسة أصوله موضوعًا لرسالة الدكتوراه، وتبين لي بجلاء مكانته السامقة في عدة مجالات، وقد أوضحت ذلك بشيء من التفصيل في مقدمة "أصول مذهب الإمام أحمد" ومقدمة تحقيق "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" لابن بدران، فاتجه العزم لخدمته وإخراج ما تيسر من كتبه.
وكان تشجيع ولاة الأمر والأمراء في المملكة وبخاصة الملك فهد بن عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- عونًا لي بعد الله سبحانه وتعالى، على نشرها وتوزيعها على طلاب العلم، احتذاء للسنة الحسنة التي سنها في ذلك، الإمام المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه.
ولما نفد ما طبع من تلك الكتب، وظهرت شدة الحاجة إليها، بتكاثر طلب طلاب العلم لها، رأيت إسعافهم بطلباتهم، في إخراج جملة منها في مجموع واحد سميته" موسوعة الفقه الحنبلي" ورجوت أن أتبعها ببقيتها، إن فسح الله تعالى في العمر وهيأ الأسباب.
وقد عرضت ذلك على صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، فاستبشر بذلك -كما هو دأبه أدام الله

الجزء: مقدمة - الصفحة: 6

عليه سوابغ نعمه- ورحب أن يكون توزيعها على طلاب العلم، على نفقته الخاصة، حسبة لوجه الله وابتغاء لمرضاته، أجزل الله له المثوبة ومتعه بالصحة والعافية.
وكنت قد استدركت في بعض تلك الكتب، أشياء من التصويبات والإضافات، وبعضها أفاد بها بعض الإخوة، فسنح في الرغبة تلافيها ومراجعاتها في طبعة جديدة، غير أني وجدت أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل، وحاجة الطلاب حاضوة ملحة، فرأيت أن أَرجئ النظر فيها إلى حينٍ، وعسى أن يجعله الله قريباً.
والله ولي التوفيق.

الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي

الجزء: مقدمة - الصفحة: 7

المذهب الحنبلي «دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته»

تأليف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي

[الجزء الأول]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 1 - الصفحة: 2

المذهب الحنبلي «دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته» [1]

الجزء: 1 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1423 هـ - 2002 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

حقوق الطبع محفوظة © 2002 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

الجزء: 1 - الصفحة: 4

مُقَدِّمَة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد.
فقد أنزل الله سبحانه كتابه العزيز بالحق على خاتم النبيين، ليبلغه إلى خاتمة الأمم، وجعله بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة , فهو حجته على الناس جميعًا , مهما باعدت بينهم الأقطار والأمكنة، ومهما توزعتهم الأعصار ولأزمنة، ومهما زايلت بينهم الألوان والعادات والألسنة.
وهو كلية الشريعة، وعمدة الملة الحنفية السمحة، وينبوع الحكمة البالغة، وآية الرسالة الخاتمة، ونور الأبصار والبصائر، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة إِلا في التمسك يه واتباعه.
وجعل الله خاتم الرسل محمدًا - عليه الصلاة والسلام - حجة؛ بما علمه وأدبه، وحباه به من العصمة عن مقارفة الذنوب وملابسة المعاصي، فكانت أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته تشريعًا للناس، وسنة للمسلمين، وييانًا لما أنزل إليهم من ربهم، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].
قال الشاطبي -رَحِمَهُ اللهُ-: "تعريف القرأن بالأحكام الشرعية أكثره كليّ لا جزئي .. ويدل على هذا المعنى -بعد الإستقراء المعتبر- أنه محتاج إلى كثير من البيان، فإن السنة على كثرتها وكثرة مسائلها، إنما هي ييان للكتاب .. وإذا كان كذلك، فالقرآن على اختصاره جامع , ولا يكون جامعًا إلا والمجموع فيه أمور كليات؛ لأن الشريعة تمت بتمام نزوله , لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3].
وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة والجهاد، وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها قي القرآن، إِنما بينتها السنة , وكذلك العاديات من الأنكحة والعمود والقصاص والحدود وغيرها" 1. فكان الهاديان: الكتاب العزيز والسنة المطهرة، حجة ومحجة، ونورًا مبينًا , وحبلًا متينًا، وصراطًا، من عمل بهما أجر، ومن تمسك بهما عصم، ومن دعا بهما وإليهما هدي إلى صراط مستقيم.
يوشك أن يفوز بالبغية، ويظفر بالطَّلِبة، ويجد نفسه من

الجزء: 1 - الصفحة: 5

السابقين في الرعيل الأول.
ومن تنكب عنهما كان من الضالين الزائغين، وياء يوم الفيامة بالخسران المبين.
ولم يزل الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن جاء بعدهم من أئمة الدين وفقهاء الإسلام، وهداة الأنام، ودعاة الخير من كل جيل، يبلغون هذا الدين الذي مما نزل به الكتاب وفصلته السنة، ويعلمون ما تَعلَّموا من علم جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا سليمًا من التحريف، آمناً من التغيير والتبديل، صافيًا من الأكدار، فلله الحمد والمنة وحده.
ولا يزال هذا الدين محفوظًا بحفظ الله له ما تعاقب الملوان، ذلك أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- قد استحفظ الأمم من قبلنا على دينه الذي شرع لهم، وكتبه التي أنزل على أنبيائهم ورسلهم، وأخذ على علمائهم من الأحبار والرهبان أن يبلغوه كما تبلغوه، وليبينُنَّه للناس ولا يكتمونه، ولا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، فخلفت من بعدهم خلوف نبذت هذا الميثاق، وأعملت أيدي التحريف، وتصرفت بالتبديل والكتمان والدس والتزيف، حتى عادت معالم الدين مطموسة، وحقائق العقيدة والشريعة مدرسة، فاستحقوا بذلك عقاب الله وسخطه، وحلت بهم نقمته إلى يوم الدين.
أما أمة الإسلام، فقد كُفيت ذلك كله فضلًا من الله ونعمة، وعجل الله لها البشرى من أول يوم أنه حافظ لكتابه، قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
فالقرآن الكريم محفوظ من التحريف والتغيير والتضييع، وإذا الكتاب حفظت السنة أيضًا بلا ريب، لأنها شرحه، وبيان وتفصيل لمجمله، وحلّ لمقفله، وتأويل لمشكله.
ثم إن الله سبحانه وتعالى أظهر ذلك الحفظ في الأسباب التي جنَّدها -وإذا أراد الله شيئًا هيأ له أسبابه- وجعل تلك الأسباب المجنَّدة من جملة خصائص هذه الأمة الخاتمة، فمن ذلك: الإسناد والإجماع: فالإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وتميزت هذه الأمة بأنها أمة الإسناد، فلا يقول أحد قولاً في الدين إلاّ قُيض له من يقول له: من أين لك هذا؟.
كما أن إجماع علماء المسلمين في كل عصر من العصور حجة قاطعة، تلزم سائر المسلمين في العصور التي تلت وقت انعقاد الإجماع، فلا تتفق كلمتهم على ضلالة، ولا تجتمع آرهم على خلاف الحق، ولا تزال في المسلمين طائفة ظاهرةً على الحق لا يضرهم

الجزء: 1 - الصفحة: 6

من خالفهم من الطوائف، ولا يثني من عزيمتهم كثرة الأهواء وتشعب المِلل والنحَل والآراء، المتنكبة عن الصراط السوي والحبل القوي الذي هو كتاب الله وسنة رسوله.
ومن تلك الطائفه المنصورة، والجماعة المحبورة، حملة العلم المعتبرون ودعاته ورواته، فهم العدول من كل خَلَف، وهم القدوة الصالحة في كل جيل؛ يعلمون الناس دين نبيهم، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، سواء كانوا من زمره الفقهاء، أم من جمله المحدثين، أم من عداد المفسرين، أم من غيرهم، كعلماء اللغة والأصول والتاريخ والأنساب، وسائر فنون المعارف التي تخدم الشريعة.
ولما كان الفقه الإسلامى يستمد لُحمته وسداه من العلوم المشار إليها، فإنه ما من شك يمكن أن يُساورَ النفوس في أنه يحتل المرتبة العالية والدرجة السامية من حيث الأهمية والإعتبار، كمَا يُعد المشتغلون به آخذين بالحظ الأوفر من التركة النبوية، حائزين على القدح المعلّى من سهامها.
وتلك مكانة موموقة ودرجة سامقة شريفة، رامها كثير من الطلاب، وانبوى لها ثلة ممن أراد الله بهم خيرًا، وذلك مصداقًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" 2. فظهر الفقهاء فى هذه الأمة، في كل جيل من الأجيال منهم طائفة، وفى كل مصر من الأمصار منهم ثلة، حتى تكوَّن منهم في تاريخ الإسلام طبقات تعد بالألوف، من الصحابة، إلى التايعين، إلى الأئمة المجتهدين الذين عرفوا فيما بعد بمذاهب وطرائق في الإجتهاد والإستنباط، وانتسب إليهم من جاء بعدهم على توالي القرون، وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة , ومالك، والشافعي، وأحمد، وكانت إلى جانبهم مذاهب أخرى تألقت وسادت فترة من الزمن، ئم انقرضت 3 وبادت مع الأيام، كمذهب الثوري والأوزاعي وأبي ثور والليث بن سعد وابن جرير الطبري، وغيرهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 7

ولم يكن أحد من هؤلاء الأئمة يقلل من شأن غيره من نظرائه، ولا يعيب الاجتهاد على مخالفه، ولا يدعو الناس الى التزام مذهبه وما أداه إليه اجتهاده، بل حفظ عنهم أنهم كانوا ينصحون تلامذتهم باجتناب التقليد الأعمى، لأنهم غير معصومين من الخطأ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: "وهولاء الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقودونه، وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه: أبو يوسف بمالك، فسأله عن مسألة الصاع، وصدقهَ الخضراوات، ومسألة الأحباس، فأخبره مالك، يما تدل عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت.
ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأصيب وأخطئ , فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلامًا هذا معناه.
والشافعي كان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عوض الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي.
وفي "مختصر المزني" لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه، قال: مع إعلامه نَهْيَه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء.
والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا.
وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا" 4. وإذا كان الأئمة أصحاب المذاهب على هذه المبادئ يسيرون، فالتعصب لهم من غير دليل ارتماء في عماية، وانزلاق في غواية، كما أن المفاضلة بينهم، وإقامة سوق الترجيح بين هذا المذهب وذاك، كل ذلك يعد تفريقًا بين أبناء الأمة الواحدة، وإثارة لأسباب الفرقة والشجار والخصام، لأن التمذهب ليس دينًا متزلًا، ولا شرعًا مقدسًا، وإنما هو ضرورة لابدّ منها للعامة، ومن يتدرج في طلب العلم ممن لم يبلغوا درجة النظر في الأدلة، ولأن المذهب الواحد لا يمكن أن يكون ملزمًا لجميع الأمة حتى يتعين تقليده

الجزء: 1 - الصفحة: 8

والإلتزام به، فمن ذا الذي لم يعزب عنه شيء عن الأحاديث التي جمعها أئمة الحديث في دواوينهم التي بلغت عدة الأحاديث فيها الآلاف المؤلفة؟ ومن ذا الذي سلم من الخطأ فيما بناه عن الأحكام على القياس والتنظير والتمثيل؟ فالأئمة الفقهاء أصحاب فضل بما سبقوا إليه من رسم قواعد الإستنباط ومسالك الإجتهاد والنظر , وبما بذلوا من جهود في تخريج أحكام الفقه الإسلامي، وفي اختلافهم رحمة وسعة على الأمة، ومذاهبهم فىِ جملتها تتكامل ولا تتفاضل، وتتآزر ولا تتنافر، وللباحثين المجتهدين بعد ذلك أن ينظروا في أقوالهم في مسائل الخلاف مع ما نصبوا عليها من الأدلة، وما استندوا إليه من الحجج، على أنها ظنون راجحة لديهم، وقد تكون مرجوحة عند غيرهم، وهي دائمًا تخضع للدليل وتوزن بموازين الأصول، ويرجح لعنها بقواعد العلم لا بمنازع الهوى.
ولا يجادل أحد في أن سلف الأمة الصالح خير من، وهم مع ذلك فد وقع بينهم الخلاف في الرأي، وعلى الرغم من ذلك لم يكن داعيًا للتعصب، ولا مسببًا للفرقة، بل كان مجرد اختلاف رأي، واجتهادًا يرجو أحدهم به أجر الله، أخطأ أم أصاب، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له فيما رواه عمرو بن العاص: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" 5، ولم يذم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا عن الصحابة لخطإٍ وقع في اجتهاده , على كثرة ما وقع منهم.
وكذلك لم يكن أحد من أئمة الحق يتعمد مخالفة نص من نصوص الشريعة , وإذا وجد لأحد منهم ما يخالف نصًا صحيحًا، فلا بد له من عذر في تركه، إما لعدم اطلاعه عليه، أو لعدم اعتقاده أنه صادر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لعدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، أو لمعارضة نصٍّ آخرَ له، أو غير ذلك من الأعذار.
التي قد لا نطلع عليها.
فلا يجوز للمسلمين أن يعدلوا عن قول ظهرت حجته بحديث لقول أي عالم، فتطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطوقه إلى الأدلة الشرعية، ومن خالفه من العلماء الذين لم يطلعوا عليه معذور، لا يلحقه عقاب ولا ذم، ولا يقال في حقه: إنه حلّل حرامًا، أو حكم بغير ما أنزل الله" 6.

الجزء: 1 - الصفحة: 9

وإذا كان الخلاف في الآراء والإجتهادات ظاهرة طبعية، كاختلاف الأمزجة والأشكال والألوان في البشر، وكان العذر قائمًا مع الأجر في حق من أخطأ في اجتهاده من أئمة الدين، فيما ليس فيه نص قطعي ولا إجماع صريح ثابت، فإن النتيجة الحاصلة من الإجتهاد الواقع في المسائل الشرعية التي يسوغ فيها النظر، لابد أن تسفر عن صواب أو خطأ، والصواب دليل على توفيق الله، كلما أن الخطأ دليل على عدم العصمة في الفهم والإستنباط.
ثم إن كل إمام من أئمة المذاهب الفقهية المدونة المتبعة، بل والمنقرضة أيضًا، قد عرف بعدد من الأصحاب والتلاميذ الذين لزموا منهجه قي النظر، وأخذوا بأصوله في الإستنباط، وإن كان منهم من خالفه في بعض ما ذهب إليه لحجة رآها راجحة عنده.
وهكذا أصبح المذهب الفقهي الواحد لا يمثله الإمام المنسوب إليه فحسب، بل تمثله تلك المجموعة المتألفة منه ومن أصحابه من تلامذته، وممن جاء بعدهم من أصحاب الوجوه والتخريج وغيره من طبقات المجتهدين فيه.
ولا تزال الحاجة إلى التعريف المتكامل بالمذاهب الفقهية؛ نشأة وتأسيسًا، ثم تكميلًا وتدوينًا، ثم تطورًا في الأعصار، وانتشارًا في الأمصار، والكشف عما لها من مزايا ومحاسن، وما خلفت من تراث ومأثر، والدراسة لخصائص كل واحد منها، ومؤلفاته وسائر مآثره بصفة عامة، لا تزال الحاجة إلى ذلك كله ماسة وملحة، ومن هنا كان الهدف من هذا الكتاب هو تلبية هذه الحاجة بقدر الإمكان، والاستجاية لتلك الطلِبة المكنونة في نفوس الراغبين من الطلاب والدارسين، وذلك بالتطرق إلى إيراز ما يختص به المذهب الحنبلي من خصائص ومميزات، وما يمتاز به من مزايا وحسنات؛ وذلك من خلال المحاور التالية:

  • تاريخ المذهب.
  • سماته.
  • أبرز أعلامه ومؤلفاتهم.
    وتمثلت العناية في الجانب التاريخي بعقد دراسة عن الإمام أحمد؛ لبيان سيرته الذاتية والعلمية، ومنزلته بين أهل العلم، وتصانيفه من كتب ورسائل، والتي يمثل "المسند" حجر الزاوية فيها.

الجزء: 1 - الصفحة: 10

يلي ذلك تقسيم تاريخ المذهب الحنبلي إِلى ثلائة أدوار، تنتظم تطور المذهب في الزمان والمكان، والمواطن التي انتشر فيها منذ نشأته إلى يومنا هذا , وهذه الأدوار هي:

  • دوو النشأة والتأسيس.
  • دور النقل والنمو.
  • دور الإنتشار.
    وأما السمات التي اتسم بها، فتتمثل بتأثر عامة الحنابلة بسيرة الإمام أحمد في العلم والعمل، والإهتمام بالحديث الشريف وعلومه، والعناية بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والإلتزام بتطبيق هذه الفريضة التزامًا كاملًا، إلى غير ذلك.
    والغاية المرجوة من وراء هذا وذاك هي لفت النظر إلى المآثر والمحاسن الطيبة التي غرسها الحنابلة في تاريخ الأمة الإسلامية، على أمل أن يقتدي الخلف بالسلف، ويهتدي اللاحق بعمل السابق، مستفيدًا من ذلك الرصيد المكنوز في تاريخنا المجيد.
    وأما أبرز المؤلفات الففهية الحنبلية فهي جانب آخر من الجوانب التي توضح المنهج الحنبلي في التأليف والتصنيف والصناعة الفقهية، وتكشف عن مدى إسهام الحنابلة الكبير في إثراء مكتبة الفقه الإسلامي كثرة وتنويعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 11

تَمْهِيدْ

أولًا - كلمة "مذهب":

1 -

المذهب لغة:

مذهب على وزن "مَفعل" صياغة للمصدر الميمي المشتق من المادة، كما أنها صياغة لإسم الظرف منها: فأما المصدر الميمي، فإن مادة "ذ هـ ب" يمكنثا أن نصوغ منها ثلاثة مصادر:

  • الذَّهاب، بالفتح والكسر، وهو مصدر سماعي مستعمل كثيرًا.
  • الذُّهوب، كالركوب، وهو المصدر القياسي، وهو مستعمل أيضًا.
  • المَذْهب، وهو المصدر الميمي للكلمة.
    وأما اسم الظرف، فهو اسم لمكان الذهاب أو زمانه، فلنا أن تقول: ذهب القوم مذاهب شتى , على معنى تفرقوا قي طرائق مختلفة.
    وقد ورد في الحديث من هذا المعنى: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد الغائط أبعد في المذْهب" (1). ولهذا يستعمل لفظ "المَذْهب" في معنى "المُتَوضَّأ" لأنه يذهب إليه.
    ومعاني هذه المادة -أي: ذ هـ ب- تدور على أصلين، هما:
  • الحُسن والنضارة، وهو معظم الباب، كما قال ابن فارس.
  • السير والمرور والمضي، ويستعمل حقيقة ومجازًا، ومن مجازه تكون المعنى العرفي للكلمة، كما سنوضحه (2).

2 -

المذهب عرفًا:

تكون المعنى العرفي لكلمة "مَذْهب" من مجاز المعنى الثاني، الذي استعمل فيه في لغة العرب -بمعنى السير والمرور والمُضي- فقد قال الزييدي: "المذهب: المعتقد الذي يذهب إليه، وذهب فلان لذهبه، أي: لمذهبه الذي يذهب فيه.
والمذهب الطريقة، يقال: ذهب فلان مذهبًا حسنًا، أي: طريقة حسنة" 9.78

الجزء: 1 - الصفحة: 13

3 -

المذهب اصطلاحًا:

لا ريب أن المعنى العرفي لكلمة "مذهب" لا يحقق لنا الغرض الذي من أجله عقدنا هذه المقدمة، فإن التطور الدلالي أكسب هذا اللفظ مضمونًا اصطلاحيًا شاع بين النحاة والفقهاء الأصوليين والمحدثين وعلماء الأدب، وسائر العلوم، فما من فوع من فروع المعرفة الإنسانية إلا ونجد فيه مذاهب تتقاسمه وتسهم في تكوين بنيانه.
والمذهب بهذا المعنى الاصطلاحي له معنى عام مشترك بين العلوم، ومعنى خاص في نطاق الفقه الإسلامي، وهو الذي يهمنا في بحثنا هذا: • فأما المعنى العام للمذهب: فهو مبادئ وآراء متصلة منسقة لعالم أو لمدرسة، ومنه المذاهب الفقهية والأدبية والفنية والعلمية والفلسفية 10. • وأما المعنى الخاص للمذهب: فهو جملة الأحكام التي ذهب إليها إمام من أئمة الققه الإسلامي.
فهو بهذا المعنى اسم للمسائل التي يقول بها المجتهد، والتي يستخرجها أتباعه من قواعده 11. فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، هو جملة الأحكام التي ذهب إليها الإمام أحمد، أو مجموع المسائل الفقهية التي قال بها الإمام أحمد، وما ألحق بذلك مما خرجه أصحابه على قواعده وأصوله.
والجدير بالتنبيه أن الأحكام الفقهية تنقسم قسمين رئيسين: قسم مقطوع يه ومجمع عليه، ومنصوص من قبل الشارع صراحة، كوجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم، وتحريم الخمر والسرقة، ونحو ذلك.
فهذه ليست محلًا للإجتهاد، وبالتالي، لا يظهر فيها تنازع الأنظار بين المجتهدين قط.
وقسم آخر مظنون، تتنازعه الإحتمالات مهما تباينت وتفاوتت في درجاتها، ويذلك كان هذا القسم محلًا لتنازع الأنظار، وموطنا للإختلاف والإتفاق.
وهذا النوع من الأحكام هو الذي يدور الإجتهاد والإستنباط في نطاقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 14

واصطلح المتأخرون من فقهاء المذاهب على أن كلمه "مذهب أحمد" مثلًا إذا أطلقت، فلا يقصد بها دائمًا ما ذهب إليه الإمام نفسه، بل ما استقر عليه القول وجرت به الفتوى، سواء أكان هو قول الإمام نفسه، أم كان قولًا لأصحابه، أم كان قولًا مخرجًا معتمدًا، فيقولون: المذهب في المسألة كذا، ويقصدون هذا المعنى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفة" (1)، وذلك لأن الأهم عند الفقيه المقلد هو ما به الفتوى دون غيره (2). والمذهب بهذا المعنى الأخير لم يكن معروفًا في زمن الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة، فمالك والشافعي وغيرهما لم يكونوا يعرفون معنى المذاهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة، وفقه الصحابة والتابعين، ولذا قيل: إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا يخلو من تسامح.
ثم تطورت دلالة هذه الكلمة حتى استقرت على مدلول كبير ومضمون واسع وأصبح إطلاق كلمة "المذهب الحنبلي" مثلًا في الأزمنة المتأخرة إلى يومنا هذا يعني ذلك المجموع المتكامل، والبنيان المتراصف المشيد من فقه وأصول وقواعد وضوابط وفروق واصطلاحات، تولدت وترتبت وهذبت، عبر مدة زمنية غير قليلة، وجهود كوكبة متلاحقة من العلماء، بنى اللاحق فيها على ما انتهى إليه السابق، منذ أن كان المذهب في طي تلك المسائل والفتاوي المتفرقة، والإجتهادات المنثورة في التصانِيف الأولى والأسمعة التي دونها الأصحاب رحمة الله أجمعين.


ثانيًا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:

من المعلوم أن المذاهب الفقهية لم تكن معروفة في زمن الصحابة ولا التابعين، على أن بعض الصحابة تفردوا بالمشيخة ليبعض فقهاء التابعين، فقد ذكر السخاوي1213

الجزء: 1 - الصفحة: 15

عن علي ابن المديني أن المذاهب المقلَّدة أربابها من الصحابة ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، قال: وكان لكل منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفتواهم قولهم 14. ولنا أن نزعم أن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - كانت على حظ من ذلك؛ إذ تتلمذ عليها ابن أختها عروة بن الزبير، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة والأسود النخعيان، فقد جاء أكثر علمها من جهة هؤلاء.
وطبقة فقهاء الصحابة لم تكن تتميز بالأمصار والأقاليم، وإنما كانت متميزة بالزمن الذي أظل الخلافة الراشدة وما بعدها إلى نهاية القرن الأول.
وقد جرى الشيرازي على هذا المَهيع، فلم يوزع الصحابة الفقهاء على الأمصار الإسلامية، وإنما ترجم لهم ترجمة زمنية عامة، وقسمهم إلى كبار وصغار، مع أن منهم من مات بالمدينة، ومنهم من مات يالبصرة، ومنهم من مات بالشام، وهكذا .. فلما انتهى إلى فقهاء التابعين وزعهم على الأمصار الإسلامية المعروفة آنذاك 15. فدل هنا على أن الفقه انتسب إلى البلدان في زمن التابعين، ويالخصوص في طبقة صغارهم، فاشتهر بالمدينة جماعة، وبمكلة جماعة، وبالبصرة والكوفة والشام واليمن ومصر كذلك.
ولسنا بحاجة إلى تفصيل ذلك، لكن نقول: إن هذه البلدان احتضنت من فقهاء التابعين أعدادًا متفاوتة بحسب تفاوت عدد الصحابة الذين ورثوهم من قبل، وهذا التفاوت هو السر في تكوين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، فقد كانت الخلافة بالمدينة أولًا، وكانت مجتمع الصحابة وموطن سراتهم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من غزوة حنين ترك بها اثني عشر ألفًا من الصحابة، مات بها منهم عشرة آلاف، وتفرق ألفان في سائر أقطار الإسلام، هكذا قال مالك وغيره 16. ثم انتقلت الخلافة إلى الكوفة قبل أن تستقر في الشام، وانتقل إليها من الصحابة نحو من ثلاثمائة ونيف 17. وكان قد استوطن البصرة والكوفة من الصحابة المشهورين: علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، وغيرهم - رضي الله عنهم - جميعًا وأرضاهم.
وتولدت من الكوفة مدرسة الرأي التي تستعمل القياس، وتعمله بشكل واضح

الجزء: 1 - الصفحة: 16

ومنهجي في استنباط الأحكام، وكان رائدها إذ ذاك إبراهيم النخعي -رَحِمَهُ اللهُ-، وظهرت مدرسة الحديث بالحجاز، وكان حامل اللواء فيها هو سعيد بن المسيَّب.
والواقع أن الحجاز لم تكن فيها مدرسة ولا رائد، وإنما تميز الحجازيون بأنهم أهل حديث وأثر، كما تميز العراقيون باستعمال القياس وكثرة التفريع الفقهي , وقد كان صغار التابعين ومن بعدهم في الشام ومصر واليمن على سنن الحجازيين , كما أن فقهاء الأمصار استعملوا القياس، كما استعمله الصحابة، وكان ربيعة بن عبد الرحمن يسكن المدينة، وهو شيخ مالك ابن أنس في الفقه، ومع ذلك كان يتعاطى الرأي حتى لقب بـ "رييعة الرأي"، كما كان الشعبي وابن سيرين من أعلام محدثي العراق وعلمائهم، ولم يكونا معروفين بالرأي.
فالحقيقة أن النزاع قام بين بعض الحجازيين والعراقيين بسبب أن معظم العلم انحصر في الحجاز والعراق، وكان قد دخل في طور الإنتساب إلى البلدان كما قلنا، فحصل ما يشبه تحاسد الأقران وتنازعهم على الفضائل، فكان علماء الحجاز يرون أنهم قد اجتمعت لهم السنة، وأن الإسناد الصحيح الثابث لا يزال متوارثًا فيهم، فأصح الأسانيد عندهم: الزهري عن سالم عن أبيه، ومالك عن نافع عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأن الحديث إذا جاوز الحرّتين انقطع نخاعه.
وكان علماء العراق يرون أنهم هم الآخرون قد استغنوا بما حمل إليهم الصحابة الأولون من العلم، وخصوصًا عبد الله بن مسعود، وكان جادة الإسناد إليه: منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه - رضي الله عنه -. ولكن لما قلّت بضاعتهم بالنظر إلى بضاعة الحجازين فتحوا باب الرأي والقياس ليسدوا الفراغ، ويحكموا في تلك الفروع الكثيرة التي خاضوا فيها.
إلى جانب ذلك فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتزجت الثقافات فيها، وتفرق الفقهاء في الأمصار، وكثرت الرحلات والفتاوى والوقائع، وشاع الجدل والمناظرات في المجالس، وأخذ التدوين، بمعنى التصنيف، يشق طريقه في صفوف العلماء، كما كثرت الترجمة لعلوم الأوائل، وتجرد كثير من الموالي وانتدبوا يتفقهون ويتعلمون حتى صاروا أئمة الناس وازدهر الفقه بهم ازدهارًا عظيمًا 18. كل هذه العوامل تسببت في وجود علماء تميزوا بجمع الفقه، وكثرة الحفظ والتألق في الإجتهاد على ضوء ما انتهى إليهم من شيوخهم، وبذلك صاروا فيما بعد أئمة لمذاهب فقهية تعرف بأسمائهم بصورة تلقائية.

الجزء: 1 - الصفحة: 17

• ففي المدينة: انتهى الفقه إلى مالك بن أنس، ومن كان في طبقته، من مثل: عبد العريز بن سلمة ومحمد بن أبي سبرة وكثير بن فرقد وابن أبي ذئب، رووه عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن هرمز وربيعة وأبي الزناد، والفقهاء السبعة الذين رووا بدورهم عن الصحابة -وكانوا في الغالب آباءهم- وهم: سعيدُ بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد وسليمان بن يَسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وقيل: سالم بن عبد الله.
• وفي مكة: انتهى الفقه إلى محمد بن إدريس الشافعي، عن شيخه الزَّنجي، عن ابن خريج وابن أبي نجيح عن أصحاب ابن عباس؛ كعكرمة وعمرو بن دينار وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة.
• وفي الشام: انتهى الفقه إلى الأوزاعي، عن سليمان بن موسى الأشدق ومكحول ورجاء بن حيَوة وعبد الله بن زكريا وهانئ بن كلثوم، عن شَهْر بن حَوْشَب وأبي إدريس الخولاني؛ من تلامذة أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس.
• وفي مصر: انتهى الفقه إلى الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج وعمرو بن الحارث ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الصُّنابحي وعبد الله بن مالك الجيشاني، وهما من أصحاب عمر بن الخطاب.
• وفي الكوفة: انتهى الفقه إلى أبي حنيفة والحسن بن صالح بن حيّ، وشريك النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، وهؤلاء عن الحكم بن عتيبة وحماد ابن أبي سليمان، وحبيب بن أبي ثابت والحارث بن يزيد العكلي، وهؤلاء عن الشعبي وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهؤلاء عن أصحاب علي وابن مسعود، كعلقمة والأسود النخعيين، ومسروق، وعَبيدة السلماني، وشُريح القاضي والحارث الأعور.
• وفي البصرة: انتهى الفقه إلى عثمان البتّي، وعبد الرحمن بن مهدي، ونظرائهم؛ كأيوب ويونس ابن عبيد وابن عون وداود بن أبي هند، وهؤلاء عن الحسن البصري وجابر بن زيد

الجزء: 1 - الصفحة: 18

ومحمد بن سيرين وأبي العالية وحميد بن عبد الرحمن، وهؤلاء تلمذوا لكثير من الصحابة، أشهرهم أنس وابن عباس.

ثالثًا - أهمية المذاهب الفقهية في خدمة الشريعة الإسلامية:

ارتبطت كلمة "المذهب" في أذهان البعض بتلك الآثار السلبية التي أورثتها بعض التعصبات المذهيية لففهاء المسلمين , وحفلت بها بعض التراجم والردود والمناظرات والتأليفات المختلفة، كما أرتبطت هذه الكلمة أحيانًا يالتقليد والجمود على اجتهادات الأولين، والإستغناء بذلك عن الحاجة إلى الإجتهاد والبحث والتحقيق العلمي.
وقد أخفى هذا الإرتباط ما كان للمذاهب الفقهية من فضل على المسلمين وخدمة لشريعتهم، ولسنا بسيل أن نعرف ذلك الخير وذلك الفضل إلا إذا تصورنا تاريخ الفقه الإسلامي قد انتهى بجميع أدواره وحلقاته إلينا خاليًا من تلك المذاهب المدونة المتبعة، سواء منها ما انقرض أو ما بقي واستمر، فلننظر كيف سيكون الحال ووضع الفقه الإسلامي إذن؟ لا ريب أنه سيكون عبارة عن شتات ومنثورات، كتلك المنثورات التي كانت يين يدي الفقهاء والطلاب في بداية عصر التدوين.
وإذا كان الأمر كذلك، فلابد من كشف النقاب عن مزايا المذاهب الفقهية المدونة المتبعة، وهذه المزايا بنظرنا تكمن على العموم في النقط التالية: 1 - استيعاب المذاهب غير المدوة، وكذلك المذاهب المنقرضة، في مصنفات المذاهب المتبعة، ويالتالي تسهيل الرجوع إليها.
ففقه السلف قد وصل إلينا في طي تلك المصنفات.
2 - تدوين الفقه الإسلامي وتسهيله للدارسين.
وذلك بفضل جهود فقهاء المذاهب في التبويب والفهرسة ووضع المصطلحات، وشرح المجملات وتكميل النقص.
3 - بيان طرائق الإجتهاد وقواعد الإستنباط من خلال ما كتب في أصول الفقه من وجهة نظر كل مذهب.
4 - ملء الفراغ الفقهي بواسطة الإجتهاد التخريجي والإجتهاد المقيد.
5 - تسهيل الإجتهاد لدى فقهاء ما بعد التدوين إلى عصرنا الحاضر؛ بإعطاء ثروة كبيرة من المقررات الفقهية والأدلة والقواعد والنصوص التي ترشد الباحث مهما كانت مسألة بحثه جديدة في الواقع.

الجزء: 1 - الصفحة: 19

الفصل الأول

في سيرة الإمام أحمد وعلمه

الجزء: 1 - الصفحة: 21

لما كان الإمام أحمد رائد المذهب الحنبلي وواضع أسسه الأولى، آثرنا أن نفرد سيرته بجانبيها الذاتي والعلمي بفصل مستقل، فقد بزغ فجر المذهب الحنبلي في شخصية إمام السنة مستمدًا من الكتاب والسنة، ثم امتد ظله الوارف على الحياة العملية والسلوك التطبيقي، فجاءت القدوة التي أورثها بين يدي أصحابه كاملة، ومَثُل أمام أعينهم منهج جديد يضاف إلى منهج الإمام الشافعي الذي رسمه من حصيلة الإستيعاب لمسلك العراقيين ومسلك الحجازيين.
وتأتي سيرة هذا الإمام الجليل وما خلفته من مآثر في آفاق الفقه والحديث والعلم والعمل، في سياق التطور العلمي والثقافي والسياسي للمجتمع الإسلامي في بغداد.
ومن ثَم اقتضى المنهج الدراسي أن نمهد للبحث بالوصف الإجمالي للحياة الإجتماعية في عاصمة الإسلام ومدينة السلام 19، في عصر الإمام المبجل، لنكشف للقارئ المناخ التربوي والثقافي الذي فتح هذا الإمام عليه عينيه، وتأثر به تأثرًا مباشرًا، لأن الإنسان ابن بيئته، كما يقولون.
وتنقسم سيرة الإمام أحمد، بحسب التدرج التربوي والثقافي الذي كان سائدًا آنذاك، إلى: سيرة النشأة والطفولة، أو السيرة التربوية، فطلب العلم والرحلة فيه، أو سيرة الطلب والتتلمذ، فتكوين الأسرة والحياة المعيشية والتعليمية بعد الزواج.
ثم جاءت المحنة بأسبابها وأطوارها ونتائجها.
ونختم هذه السيرة المباركة بكلمة موجزة عن وفاته، ثم نسجل في الأخير مجمل مناقب الإمام وعلمه، وهو القسم المهم من حياته بالنسبة إلى منهجنا، وسنقتصر على مختارات من تلك الأخبار الكثيفة الحافلة، لنصل إلى الإطلاع على الشخصية العلمية في

الجزء: 1 - الصفحة: 23

مرآة حياة الإمام المبجل من خلال ما شهدت به ألسنة العلماء الذين صاحبوه من شيوخ وتلاميذ، ثم من خلال الرواية عنه وتلقي العلوم من لسانه، سواء في قسم الحديث والآثار، أم في قسم الفقه والإجتهاد، ثم من خلال مؤلفاته التي تُكوّن القسم الثاني من أقسام التلقي لعلومه ومعارفه، سواء منها الكتب العامة أم الرسائل الشخصية التي كانت إحدى طرق التعليم آنذاك.
ولابد في الأخير من العطف على دعوى كون الإمام أحمد محدثًا وليس بفقيه، ونقدها في الميزان العلمي نقدًا يكشف عن مكنون تلك الدعوى ومنشئها، ثم بيان بطلانها في حقيقة الأمر وواقع المعارف التي تتصل بالإمام أحمد ومنزلته الفقهية بين المجتهدين، والله الموفق.

الجزء: 1 - الصفحة: 24

المبحث الأول

الحياة السياسية في عصر الإمام أحمد

ولد الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- سنة 164 هـ بعد مرور اثنتين وثلاثين سنة على ميلاد الدولة العباسية، على أنقاض الأمويين وأفول نجم دولتهم، ومات سنة 241 هـ. بعدما أنافت هذه الدولة على ما يزيد على القرن بعشر سنوات.
فكان الإمام أحمد شاهدًا لقرنها معاصرًا لثمانية من أشهر خلفائها على الإطلاق، وهم: المهدي (161 هـ 169 هـ)، والهادي (169 هـ - 170 هـ)، والرشيد (170 هـ - 193 هـ)، والأمين (193 هـ - 198 هـ)، والمأمون (198 هـ - 218 هـ)، والمعتصم (218 هـ - 227 هـ)، والواثق (227 هـ - 232 هـ)، والمتوكل (232 هـ - 247 هـ). ولم يكن الإمام أحمد بمنأى عن مهد الخلافة ومقر إدارة شؤونها، بل كُتب له أن يولد ويعيش في عاصمتها بغداد -دارالسلام- التي اختطها العباسيون لأنفسهم من أول يوم، ولم تكن قبلهم شيئًا مذكورًا، فبناها المنصور، واتخذها عاصمة لدولته وسريرًا لملكه، وصارت منذ ذلك العهد مثابة للعلماء والأدباء والشعراء، ومشاهير الأعلام من كل صنف.
وكان القرن الذي عاصره الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- قرن فتوة الدولة العباسية وزهرة شبابها، فكان الخلفاء المذكورون أقوياء، على تفاوت بينهم، عملوا بما أمدهم الله من الجهد والعون والإخلاص لتوطيد دعائم الخلافة والتمكين لها، وفرض هيبتها على دولة الروم التي كانت لا تزال إذ ذاك الدولة التي ترفع عقيرتها طمعًا باسترجاع ما ضاع من تحت يدها من الأراضي الشامية والمصرية والمغربية، فكان الخلفاء يردون على كل محاولة بغزوة في الصيف أو في الشتاء، فيفتحون ويغنمون ويأسرون.

الجزء: 1 - الصفحة: 25

ولم يكن الخلفاء العباسيون المذكورون بالصورة التي أضفاها عليهم دهاقنة المستشرقين، ومن سار على شاكلتهم من أصحاب الأدب الروائي في عصرنا الحديث، معنمدين على روايات القصاص وأصحاب النوادر والكتب الأدبية، التي لا يعنيها الإسناد والتوثيق بقدر ما يعنيها تزويق المسامرات وتلفيق المنادمات وتدبيج الحكايات الطريفة في مجالس فلان وفلان.
فقد جاء في ترجمة هارون الرشيد أنه غزا في حياة أبيه مرارًا .. وكان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحجًا بنفسه .. وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم .. وكان يحب الفقهاء والشعراء والأدباء ويعطيهم كثيرًا ولا يضيع لديه بر ولا معروف .. وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعًا إلى أن فارق الدنيا 20. وجاء في ترجمة المأمون أنه كان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا ورأيًا وعقلًا وهيبة وحلمًا، ومحاسنه كثيرة في الجملة .. وكان كثير الغزو .. وفي سنة خمس عشرة -بعد المائتين- سار لغزو الروم، ومن غزوته عطف على دمشق، وفي سنة ست عشرة كرَّ غازيًا الروم، وجهز أخاه المعتصم ففتح حصونًا ... وأقبل تُوفيل طاغية الروم، ثم وقعت الهدنة بعد أن كتب "تُوفيل"، فبدأ بنفسه، وأغلظ في المكاتبة، فغضب المأمون 21 وعزم على المسير إلى قسطنطينية، فهجم الشتاء.
وفي ترجمة المعتصم قال ابن كثير 22: فتح ثماني فتوحات: بلاد بابَك على يد الأفْشين، وعمورية بنفسه، والزُّطُ بعُجيف، وبحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشَّارَك، وفتح مصر بعد عصيانها.
وقال الخطيب البغدادي 23: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، ونصب على عموربة المجانيق ....

الجزء: 1 - الصفحة: 26

وقد كانت الدولة العباسبة نشأت في خراسان بعيدًا عن البلاد العربية، فدخل في الدعوة إلى قيامها وتقويض ملك الأمويين جمهرة كبيرة من العجم، كالترك والفرس والديلم، وكان للعنصر الفارسي الحظ الأوفر والعدد الأكبر في ذلك، فلا جرم كان الخلفاء العباسيون يستعينون بهذه الألوان من الأمم العجمية في الإدارة والجيش والخدمات المختلفة.
فقد ولَّى العباسيون أسرة البرامكة مقاليد الوزارة ويعض ولايات الأقاليم منذ النشأة، فكان خالد بن برمك الفارسي توصل إلى أعلى المراتب في دولة أبي جعفر المنصور، ثم كان ابنه يحيى بمثابة رئيس الوزراء عند هارون الرشيد، فكان من أعظم الوزراء، وكان الرشيد يخاطبه: يا أبي، ثم كان ابنه جعفر نائبًا على دمشق بعد أن أخمد فيها فتنة العصبية هناك.
وتولَّى الفضل بن يحيى إمرة خراسان وعمل الوزارة 24. واتخذ الفضل بن يحيى جندًا من العجم سماهم "العباسية"، وجعل ولاءهم له، ويلغ عددهم خمس مئة ألف رجل، فقدم منهم بغداد عشرون ألفا فسموا ببغداد الكَرنبيّة 25. واعتمد المعتصم هو الآخر على العنصر التركي، ولعل ذلك بسبب أن أمه "ماردة" كانت من الأتراك.
فكون فرقة عسكرية كبيرة في جيش الخلافة بلغت نحوًا من عشرين ألفًا.
ولما ضاقت بهم بغداد، وكثرت الخصومات بينهم ويين الفرس من جهة، وبينهم ويين العامة من جهة ثانية استوطن لهم بالقاطول شرقي بغداد، وبنى به مدينة سماها "سَامُراء" فاتخذها معسكرًا للجيش وحاضرة لملكه 26. ولكن هؤلاء الأتراك كانوا من بعد الواثق بالله بلاء على الخلافة وقتلوا عددًا من الخلفاء تترى، كالمتوكل والمستعين والمعتز والمهدي.
ومن المعلوم أن ثورات الخوارج والعلويين كانت مما تميز به العهد الأموي، فلما جاء العباسيون خفّت وطأة الفريقين، وانكسرت شوكة الخوارج، ولم يعد لهم في هذه الدولة شأن، وكذلك العلويون لم يكن لهم من بعد الرشيد قوة يصاولون بها بني عمهم وينازلون.
أما المتمردون على سلطان الدولة بسبب العداوة للإسلام والمخالفة لملته، فكانوا غير قليل، فقد كثر أتباع ابن الراوندي الرافضي بأصفهان في عهد المنصور، وكثرت الزنادقة في العراق الشرقي ويلاد فارس، وهي حركة كانت تسعى في وجهتها العامة

الجزء: 1 - الصفحة: 27

الى الرجوع الى الديانات التي كانت قبل الإسلام سائدة هناك، كالمانوية والزرادشتية، والمذاهب الإباحية، كالمزدكية.
وظهرت طائفة باطنية تسمى "الخُرَّمية"، قال ابن كثير في حوادث سنة (201 هـ): وفيها تحرك بابك الخُرَّمي واتبعه طائفة من السِّفْلة والجهلة وكان يقول بالتناسخ قبحه الله ولعنه 27. واستمرت هذه الحركة تعيث فسادًا وتناوئ الخلافة العباسية وتتعاون مع الدولة الرومانية طيلة فترة خلافة المأمون، ولم يتمكن من القضاء عليها إلا في خلافة المعتصم سنة (223 هـ) على يد قائده الأفشين، بعد أن قُتل من المسلمين ما ينيف على ربع المليون 28. وكان الغزو والجهاد مستمرًا، يغزو المسلمون مرتين في السنة الواحدة، فلذلك نجد المؤرخين يقولون: وغزا في صائفة هذه السنة فلان، وغزا في شاتيتها نلان.
وكانت أكثر تلك الغزوات متجهة الى دولة الروم الشرقية الثي كانت عاصمتها القسطنطينية، حتى إن المأمون مات وهو على الحدود الساحلية من نواحي طرسوس يجاهد ويفتح الحصون.


الجزء: 1 - الصفحة: 28

المبحث الثاني

الحياة الثقافية في عصر الإمام أحمد

ما إن نزل المنصور "بغداد" بعد أن ابتناها منتقلًا عن "الهاشمية" إليها حتى نقل إليها خزائنه ودواوينه، وفرغ لنشر العلوم، واستدعى إليها المترجمين، وبدأت حركة الترجمة، فترجم له عالم هندي كتابًا في علم حساب النجوم، وترجم ابن المقفع (106 - 142 هـ) كتب أرسطاطاليس في المنطق، وكتاب "كليلة ودمنة" في الأدب، وكان أول من أنشأ بها مدارس للطب والعلوم الإسلامية.
وكان أبو حنيفة (80 - 150 هـ) قد جلس في الكوفة يؤسس مدرسة الرأي.
ثم جاء المهدي بن المنصور، وكان نقادة للشعر، أديبًا، وفي أيامه وضع له وزيره أبو عبيد الله معاوية بن يسار كتاب "الخراج" ذكر فيه أحكامه الشرعية ودقائقه وقواعده، وكان أول من صنف في الخراج , وتبعه الناس بعد ذلك، فصنفوا في هذا الفن.
وألف.
المفضل الضبي كتابه "المفضليات" المشهور في الأدب.
ثم جاء الرشيد، وكان راغبًا في العلم محبًا للعلماء يجلُّهم ويقرلهم، فاستقضى أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، وألف له كلتاب "الخراج" الشهير.
ويذل الرشيد الكثير من المال في سبيل خدمة العلم وتأسيس معاهده ومراكزه، وبلغت بغداد في أيامه مكانة لم تظفر بها مدينة في ذلك العهد، فأنشئت فيها المراصد والمكتبات والبيمارستانات (المشافي الجامعية) والمدارس، وإليه يعزى تأسيس "بيت الحكمة" الذي جمع له من الكتب شيئًا كثيرًا، وكان مجتمع المتصلين بالعلم والمشتغلين بالفن والراغبين في الأدب 29.

الجزء: 1 - الصفحة: 29

وأما أيام الأمين، فقد كانت خافتة في تألقها، ضعيفة في عطائها، قليلة في عددها، بسبب الفتن المتلاحقة بينه وبين أخيه المأمون، حتى انتهت بقتله وأفضت بالخلافة إلى أخيه الذي اتجه إلى "بيت الحكمة" الذي أسسه أبوه، فأفرد لكل عالم ركنًا، فازدحمت جنبات هذا البيت بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين وأساطين اللغة ورجال الأدب.
فترجم الحجاج بن يوسف بن مطر مصنفات إقليدس وكتاب بطليموس المعروف بالمجسطي 30. وكان قبل ذلك قد توفي مالك بن أنس (179 هـ) بالمدينة، والليث بن سعد (175 هـ) بمصر، وسفيان الثوري (161 هـ) بالكوفة، والأوزاعي (157 هـ) بالشام.
وهؤلاء كانوا أئمة الناس في الحديث والفقه معًا، يرحل إليهم وتضرب لهم أكباد المطي.
وكان الشافعي قد مات بمصر (204 هـ) بعدما استقر بها وألقى عصا التسيار من الرحلات التي رحلها مترددًا بين مكة واليمن والمدينة والعراق.
ويزغ نجم أئمة الحديث ونقاده وحفاظه، كشعبة بن الحجاج وخالد الحذاء وجرير ابن حازم وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ويزيد بن هارون، وغيرهم.
وترك هؤلاء الأئمة، آثارهم وصنفوا التصانيف في الفقه والحديث على حَدٍّ سواء، فوضع مالك بن أنس كتابه "الموطأ" على نحو بديع لم يسبق إلى مثله أحد، وألف سحنون كتاب "المدونة" في الفقه المالكي بعدما ذاكر بها ابن القاسم فيما رواه من فقه عن شيخه مالك بن أنس.
ووضع سفيان الثوري كتابًا جامعًا في مسائل الفقه إلى جانب كتابه "الجامع" في الحديث.
كما ألَّف الأوزاعي كتاب "السنن"، وألَّف الشافعي كتبه المشهورة المعروفة "الرسالة" في الأصول، و"الأم" و "المبسوط" في الفقه 31، وغيرها.
ودوَّن محمد ابن الحسن فقه أبي حنيفة وأبي يوسف، وفقهه هو ثالث الثلاثة.

الجزء: 1 - الصفحة: 30

وبرز من الكُتَّاب والأدباء والشعراء والإخباريين والنسابة أعلام تألقوا نجومًا في سماء التاريخ، كالخليل بن أحمد، وسيبويه، والأصمعي، وأبي عييد القاسم بن سلام، والجاحظ، وابن قتيية، وابن السِّكِّيت، وابن سعد، والواقدي، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
لقد كان عصر الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- عصر النضج الثقافي إلى جانب النضج السياسي، فالتقى العلماء وتدارسوا الفقه، وكانت الرحلات قد كثرت بين البلدان والأمصار، وكان الإمام أحمد أحد روادها، وأخذ حديث العراقيين يجتمع إلى حديث الحجازيين إلى حديث المصريين إلى حديث الشاميين إلى حديث اليمنيين، وأخذ الفقه يجمع من فلان وفلان وفلان، ويتلاقح، ليظهر في ثوب جديد، بعد أن كان متفرقًا في الأمصار من لدن عهد الصحابة إلى ذلك العهد.
ولا ريب أن الإمام أحمد كان متصلًا بذلك الرصيد الذي تجمع بين يديه ببغداد ورحل إلى مثله في بقية الأمصار.
قال ابن الجوزي: "ابتدأ أحمد - رضي الله عنه - في طلب العلم من شيوخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد" 32. وكان في تلك الرحلات يستوعب ما عند الناس في ذلك الزمن، ولو لم يكن يتفق مع مسلكه، فقد قال أبو بكر الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها 33. ويلغ به الحفظ لما عند سفيان الثوري من المرويات والعلوم حدًا قال فيه عبد الرحمن بن مهدي: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي الثوري فلينظر إلى هذا.
وقال: ما نظرت إلى أحمد إلا ذكرت به سفيان 34. وعاصر الإمام أحمد تأسيس علم أصول الفقه ومناهج الإستنباط، بل كان تَلْمَذَ لواضعه وأول المصنفين فيه، وهو الإمام الشافعي صاحب "الرسالة" الشهيرة، و"جماع العلم" في الإحتجاج بخبر الواحد، و"إبطال الإستحسان"، وغير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 31

كما بزغت شمس المناظرات والمساجلات بين الفقهاء، وكذلك بين علماء الكلام من المعتزلة والجهمية والمرجئة وغيرهم، وكانت مجالس المأمون مشهورة بذلك الجدل وتلك المناظرات، مما يدل على أن المذاهب في الفقه والكلام أصبحت يانعة ناضجة الثمار، لها رجالها الذابون عنها، وخصومها المحاججون لها الرادون عليها.
وقد صور ابن قتيبة الجانب السلبي مما كان في تلك المناظرات والإحتكاكات، فقال: وكان طالب العلم فيما مضى يسمع ليعلم، ويعلم ليعمل، ويتفقه في دين الله لينتفع وينفخر، فقد صار طالب العلم الآن يسمع ليجمع، ويجمع ليُذكر، ويحفظ ليغالب ويفخر.
وكان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس، فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع، وفيما قد انقرض من حكم الكتابة وحكم اللعان ورجم المحصن، وصار الغرض فيه إخراج لطيفةٍ وغوصًا على غريبةٍ، وردًا على منقدم، فهذا يرد على أبي حنيفة، وهذا يرد على مالك، وآخر يرد على الشافعي بزخرف من القول، ولطيف من الحيل، كأنه لا يعلم أنه إذا رد على الأول صوابًا عند الله بتمويهه فقد تقلد المآثم عن العاملين به دهر الداهرين.
وهذا يطعن بالرأي على ماض من السلف، وهو يرى، وبالإبتداع في دين الله على آخر، وهو يبتدع.
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر، وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى، فقد صار المتناظرون يتناظرون في الإستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى.
وكان آخر ما وقع من الإختلاف أمرًا خص بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين، وبالإتباع قاهرين يداجون بكل بلد ولا يداجون، ويستتر منهم بالنحل ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا، ولا يتضع فيه إلَّا من وضعوا 35.

الجزء: 1 - الصفحة: 32

تلك كانت صورة تقريبية عن الواقع الثقافي للمسلمين في ذلك العصر، ولا ريب أن الثقافة كانت إسلامية على الرغم من كل ما هنالك من الجوانب السلبية، وكانت إلى جانب الثقافة الإسلامية ثقافات ثانوية قد ورثتها الشعوب التي دخلت تحت دولة الإسلام، كالثقافة الفارسية والثقافة اليونانية والثقافة الرومانية والثقافة الهندية.
وتعتبر الثقافة الفارسية آخذة بالحظ الأوفر في التعايش مع الثقافة الإسلامية والعربية؛ لاْن الدولة الفارسية سقطت بكاملها في أيدي المسلمين.
ومن أجل ذلك ظهرت الحركة الشعوبية في تلك التخوم، وذَرَّ قرنُ الزندقة والنِّحلِ الداعية إلى إحياء ما كان قد اندرس من الزرادشتية والمانوية والمزدكية وغيرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 33

المبحث الثالث

الحياة الإجتماعية في عصر الإمام أحمد

الحياة الإجتماعية هي وليدة الحياة السياسية والحياة الثقافية، وقد سبق في تصوير الحياة السياسية بيان كيف اختلط العنصر العجمي بالعنصر العربي في المجتمع الإسلامي غب ميلاد الدولة العباسية.
فقد ازدحمت بغداد بالفرس والترك إلى جانب العرب، بل كان هناك العنصر الرومي والهندي والزنجي، ولا يخفى ما في تلك الغزوات المتتالية لبلاد الروم مما كان يأسر المسلمون فيها من الرجال وَيسْبُون من النساء، بالإضافة إلى أن الفضل ابن يحيى البرمكي قد جنَّد خمس مئة ألف من الفرس بخراسان، وأدخل منهم عشرين ألفًا إلى بغداد، وأما المعتصم فقد اتخذ هو الآخر عشرين ألفا من غلمان الترك وبوأهم "سامراء" مدينة يعيشون فيها ويقومون على الشؤون المدنية المختلفة لعاصمة الخلافة.
وتسارع الناس في اقتناء الإماء واستيلادهن والرفع من شأنهن، حتى صار المولدون منهن في سدة الخلافة، فكانت أم الرشيد أم ولد يمانية اسمها "الخَيْزُران" وكانت أم المأمون أم ولد أيضًا اسمها "مراجل" باذغيسية، وكذلك المعتصم، فقد كانت أمه أم ولد تركية اسمها "ماردة".
وقد أجمل الحافظ الخطيب البغدادي وصف مدينة السلام، وما كانت تنعم به من الهناء والحياة الكريمة لأهلها، فقال: قال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي: ثم إن بغداد

الجزء: 1 - الصفحة: 35

سميت حين سكنت: مدينة السلام، فليس في الأرض مدينة على هذا الاسم غيرها، وكان بعض إخواننا إذا ذكرها يقرأ قول الله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15].
قال أبو الحسين: هذا إلى تركنا ذكر أشياء كثيرة من مناقبها التي أفردها الله بها دون سائر الدنيا شرقا وغربًا، ويين ذلك من الأخلاق الكريمة، والسجايا المرضية، والمياه العذبة الغدقة، والفواكه الدمثة، والأموال الجميلة، والحذق في كل صنعة، والجمع لكل حاجة، والأمن من ظهور البدع، والاغتباط بكثرة العلماء والمتعلمين، والفقهاء والمتفقهين، ورؤساء المتكلمين، وسادة الحساب والنحوية، ومجيدي الشعراء، ورواة الاْخبار والأنساب، وفنون الآداب، وحضور كل طرفة، واجتماع ثمار الأزمنة في زمن واحد، لا يوجد ذلك في بلد من مدن الدنيا إلا بها، سيما زمن الخريف.
ثم إن ضاق مسكن بساكن وجد خيرًا منه، وإن لاح له مكان أحب إليه من مكانه لم يتعذر عليه النقلة إليه من أي جانب من جانبيه أراده، ومن أي طرف من أطرافه خف عليه.
ومتى هرب أحد من خصمه وجد من يستره في قرب أو بعد، وإن آثر أن يستبدل دارًا بدار أو سكة بسكة أو شارعًا بشارعِ أو زقاقًا بزقاق وغير ذلك من التبديل اتسع له الإمكان في ذَلك حسب الحَالة والوقت.
ثم عيون التجارًا المجهزين والسلاطين المعظمين، وأهل البيوتات المبجلين في ناحية ناحية، تنبعث الخيرات بهم إلى الذين هم في الحال دونهم غير منقطع ذلك ولا مفقود، فهي من خزائن الله العظام التي لا يقف على حقيقتها إلا هو وحده 36. هكذا كان مسقط رأس الإمام أحمد ومهد أيامه الأولى، وفيها كان مستقره من بعد الرحلات التي قضاها في حواضِرِ العالم الإسلامي طلبًا للعلم وحرصًا على جمع الحديث من أئمته وأساطينه.


الجزء: 1 - الصفحة: 36

المبحث الرابع

سيرة الإمام أحمد

حياة الإمام أحمد لم تسجل تسجيلًا عاديًا ولم تحفظ لنا في سطور، بل هي حياة حافلة بالمآثر، مليئة بالمناقب، انبرى للتأليف فيها ثلة من المؤرخين والعلماء وأصحاب التراجم، ذلك أن الزهد لا يذكر إلا وذكر معه هذا الإمام، ولا تذكر السنة إلا وأحمد إمامها، ولا يذكر الحديث وأهله إلا والإمام أحمد مرجع الناس في علله وحفظ متونه وأسانيده ورجاله.
وهكذا نجد الامام أحمد على غير العادة يترجم له في طبقات الزهاد وفي طبقات الحفاظ وفي طبقات الفقهاء وغير ذلك.
ولهذا لا نستطيع أن نقدم في هذه الوجازة إلا عبون سيرته ومناقبه وأخباره، وذلك حسب التقسيم التالي:

الطور الأول: النشأة والطفولة.

الطور الثاني: طلبه للعلم والرحلة فيه.
الطور الثالث: حياة الإمام أحمد في بغداد إلى بداية المحنة.
الطور الرابع: المحنة: أسبابها ومراحلها ونتائجها.

الجزء: 1 - الصفحة: 37

الطور الأول

النشأة والطفولة

ينسب الإمام أحمد بن حنبل إلى جده الأدنى، واسمه الكامل: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو عبد الله.
وينتهي نسب الإمام أحمد إلى شيبان بن ذُهل بن ثعلبة، فكان نسبهُ في العرب شيبانيًا صريحًا.
وقد وقع خَطَأٌ في نسبه من بعض النُّساب صححه الخطيب البغدادي، فنُسب إلى بني ذهل بن شيبان.
وسبب الخطأ هو أن ذهل بن شيبان اسم لعم ذهل بن ثعلبة الواقع في سياق نسب الإمام أحمد 37. وكان جد الإمام، وهو حنبل بن هلال، من مؤسسي الدولة العباسية، فقد كان من أبناء الدعوة إليها بعدما كان واليًا للأمويين.
وكان أبوه محمد من أجناد مرو، مات شابًا في سن الثلاثين تقريبًا 38. وكان مولد الإمام أحمد ببغداد، جاءت به أمه صفية بنت ميمونة الشييانية من مرو وهو حمل في بطنها، على الراجح من الروايات، وعلى ما صرح به هو عن نفسه، إذ قال: قدم بي من خراسان وأنا حمل، وولدت هاهنا، ولم أر جدي ولا أبي 39. وكان مولده -رَحِمَهُ اللهُ- في ربيع الأول سنة 164 هـ، وقيل في ربيع الآخر، ولكن لم يختلف في سنة ولادته، فقد صرح هو عن نفسه بذلك في غير ما رواية.

الجزء: 1 - الصفحة: 39

ونشأ الإمام أحمد يتيمًا في حجر أمه في بغداد، وترعرع فيها، وإن كانت الأخبار عن حياته المبكرة شحيحة قليلة، إلا أننا نستطيع أن نعرف بصورة عامة أنه كان يقضي آنذاك معظم وقته في كتاتيب بغداد التي كانت تزخر بالنشاط العلمي، فقد ذكر الخلال عن محمد بن الحسين عن المروذي، قال: "قال لي أبو عفيف وذكر أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقال: كان في الكُتّاب معنا، وهو غُلَيِّم نعرف فضله، وكان الخليفة بالرقة، فيكتب الناس إلى منازلهم الكتب فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل ليكتب لهن جواب كتبهن، فيبعثه، فكان يجيء إليهن مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهن، فربما أملين عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهن" 40. وهذا يدلنا على نبله وعقله وخلقه في صباه.
ويذكر المؤرخون أن داود بن بسطام كان مسؤولًا من قبل الخليفة عن أخبار بغداد في تلك الأيام، فاتفق له مرة أن أخرت عنه جريدة الأخبار، فبعث إلى عم الإمام أحمد يستفسره عن سبب ذلك، فقال له: بعثت بها مع ابن أخي؛ يعني أحمد بن حنبل، وكان أحمد ألقى بها في الماء، واستنكر أن يوصلها إليه، ولعل ذلك لما كان فيها من الوشايات والأنباء التي لا ترضي دين الإمام أحمد وخلقه الرفيع 41. وكانت الكتاتيب في ذلك الوقت تعلم اللغة العربية، وتحفظ القرآن للأطفال.
فقد قال ابن قتيبة في ذكر أسماء المعلمين: ومن المعلمين: علقمة بن أبي علقمة، مولى عائشة، كان يروي عنه مالك بن أنس، وكان له مكتب يعلم فيه العربية والنحو والعروض، ومات في خلافة المنصور 42.

الجزء: 1 - الصفحة: 40

وهكذا كان النبل والعقل والعفة سمة هذا الغلام من أول نشأته، حتى تَفَرَّس فيه أهل زمانه مستقبلًا متميزًا على أبناء جيله، فقال الحافظ الهيثم بن جميل الأنطاكي: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه 43. وكان جادا في الطلب نشيطًا حريصًا، وريما كان يريد البكور في الحديث فتأخذ أمه بثيابه، وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا 44. وكانت والدته رحمها الله تحوطه بالعناية وتغذوه بالرعاية في ظل الباقي من أسرته، وكان وحبدها.
وكان عيشهما من غلة ميراث تركه له والده.
قال ابن الجوزي: كان أحمد - رضي الله عنه - قد خلف له أبوه طِرزًا ودارًا يسكنها، وكان يكري تلك الطِّرز ويتعفف بكرائها عن الناس 45.


الجزء: 1 - الصفحة: 41

الطور الثانى

طلبه للعلم والرحلة فيه

لما أناف الإمام أحمد على الربيع الخامس عشر من عمره توجه بنفسه إلى طلب علم الحديث، وقصد أهله المبرزين فيه، فبدأ بشيوخ بغداد فاستنفد ما عندهم، ثم تنقل في الأمصار المعروفة آنذاك بالحفاظ والفقهاء والأئمة، كالبصرة والكوفة والحجاز واليمن.
فبدأ بالطلب سنة 179 هـ وهي السنة التي توفي فيها عالم المدينة؛ مالك بن أنس، وإمام البصرة حماد بن زيد.
فسمع من علي بن هاشم بن البريد، لكنه سرعان ما بادره الموت به.
قال عبد الله: قال أبي: سمعت من علي بن هاشم بن البريد سنة 179 هـ في أول سنة طبت الحديث، ثم عدت إليه في المجلس الآخر، وقد مات، وهي السنة التي مات فيها مالك بن أنس 46. وكتب عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة.
وفي نفس السنة أي: سنة 179 هـ جلس إلى هشيم ابن بشير الواسطي، وأكثر من الأخذ عنه، ولازمه حتى توفي سنة 183 هـ ولأحمد من العمر عشرون سنة.
وكان هشيم ولد سنة 104 هـ بواسط، ثم قدم بغداد قديمًا واستقر فيها.
قال عنه الذهبي: شيخ الإسلام محدث بغداد وحافظها 47. وروى عنه من أقرانه وأهل طبقته جماعة كبيرة منهم: شعبة والثوري، وهما من شيوخه، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وغيرهم.
فكان الإمام أحمد من طبقة هؤلاء باعتبار هذه المشاركة العالية التي حظي بها.
قال أحمد في وصفه: لزمت هشيمًا أربع سنين أو خمسًا ما سألته عن شيء هيبة له إلا مرتين، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته 48. وكانت حافظة الإمام أحمد تنال إعجاب الألباء، فقد حفظ كل ما سمعه من هشيم ابن بشير، حتى قال عن نفسه: حفظت كل شيء سمعته من هشيم، وهشيم حي قبل

الجزء: 1 - الصفحة: 43

موته.
وقال: مات هشيم وأنا ابن عشرين سنة وأنا أحفظ ما سمعت منه، ولقد جاء إنسان إلى باب ابن عُلية ومعه كتب هشيم فجعل يلقيها علي، وأنا أقول: إسناد هذا كذا، فجاء المعيطي، وكان يحفظ، فقال له: أجبه، فبقي، أي: لم يستطع الجواب، ولقد عرفت من حديثه ما لم أسمعه 49. ولا جرم فقد كان هشيم محدثًا ولم يكن فقيها، لكن كان يجمع في مروياته الأحاديث والآثار وفتاوي الصحابة، يجمعها في الباب الواحد.
فقد قال عنه الإمام أحمد: كتبنا عنه كتاب الحج نحوًا من ألف حديث، ويعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتبًا صغارًا.
قلت (أي ولده صالح): يكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر، وجاءنا موت حماد بن زيد ونحن على باب هشيم، وهشيم يملي علينا الجنائز 50. وإلى جانب اهتمام الإمام أحمد بالحديث واشتغاله فيه منذ نعمومة أظفاره، فقد اطلع على بعض ما دونته مدرسة الرأي وانتهى إلى الناس هناك، فقد كان من شيوخ أحمد الأولين أبو يوسف -رَحِمَهُ اللهُ-.
قال أبو بكر الخلال: "كان أحمد قد كتب كتب الرأي، وحفظها، ثم لم يلتفت إليها" 51.


• رحلات الإمام أحمد: قال ابن الجوزي: ابتدأ أحمد - رضي الله عنه - في طلب العلم من شيوخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد 52.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

ويظهر أثر هذه الرحلات واضحًا في ترتيب كتابه "المسند" وكيفية تفننه في توزيع الصحابة على الأمصار والبلدان.
وقد استوعب الذهبي عددًا كبيرًا من شيوخه على عادته، ثم قال: فعدة شيوخه الذين روى عنهم في "المسند" مائتان وثمانون ونيف 53. وقد رحل الإمام أحمد غِبَّ وفاة شيخه هُشيم سنة 183 هـ، وكان قد وفد عليهم عبد الرحمن بن مهدي قبل ذلك، فكتب عنه واستفاد منه.
فخرج من بغداد في صحبة أعرابي إلى الكوفة، وكان بها من أساطين المحدثين أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، من أبرز من خلف الأعمش -رَحِمَهُ اللهُ-، ووكيع بن الجراح الرؤاسي جامع علم سفيان الثوري وراويته.
وكان فيها من فقهاء الرأي جماعة كبيرة، فاطلع على ما عند الجميع وأفاد منهم، فحفظ حديث الثوري بواسطة وكيع، حتى شهد له عبد الرحمن بن مهدي بأنه أعلم الناس بذلك 54. وقال عن نفسه -رَحِمَهُ اللهُ-: كنت أذاكر وكيعًا بحديث الثوري، وذكر مرة شيئًا، فقال: هذا عند هشيم؟ فقلت: لا.
وكان ربما ذكر العشر أحاديث فأحفظها، فإذا قام قالوا لي، فأمليها عليهم 55. وكان أحمد في رحلته هذه في حال شظف من العيش حتى كان يتوسد اللَّبِن من قلة ذات اليد، فحُمَّ من جراء ذلك فرجع إلى أمه في بغداد 56. ومن الكوفة إلى البصرة دار آبائه وأجداده من بني شيبان، وقد دخل البصرة في المرة الأولى سنة 186 هـ، وتردد عليها خمس مرات آخرها سنة 200 هـ، ولم يحظ بملاقاة محدثها حماد بن زيد (المتوفى سنة 179 هـ). لكن أخلفه الله بها إسماعيل ابن عُلَيَّة، وابن مهدي، ويحيى القطان، والمعتمر بن سليمان وغُنْدَر.
قال -رَحِمَهُ اللهُ-: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة، وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية 57.

الجزء: 1 - الصفحة: 45

ثم رحل إلى واسط سنة 187 هـ وأخذ فيها عن يزيد بن هارون.
وفاته جرير بن عبد الحميد بالري 58؛ لأنه لم يجد ما ينفق على نفسه في الرحلة إليه فتأسف على ذلك، كما تأسف على يحيى بن يحيى النيسابوري أحد الرواة المكثرين عن مالك بن أنس.
ثم رحل إلى الحجاز سنة 187 هـ، فقدم مكة حاجًا لأول مرة، وقد مات الفضيل بن عياض، فكتب عن إبراهيم بن سعد الزهري، وصلى خلفه عدة مرات، ولزم سفيان بن عِيينة وأخذ عنه، واعتبره خلف خير مما فاته من الرواية عن عالم المدينة مالك بن أنس، ولقي الشافعي هناك فروى عنه وأفاد منه قبل أن يجتمع به في المرة الثانية ببغداد.
وقد حج أحمد بيت الله الحرام خمس مرات: الأولى هذه، والثانية سنة 191 هـ وفيها حج الوليد بن مسلم محدث الشام، والثالثة في سنة 196 هـ وجاور هناك إلى سنة 197 هـ، والرابعة في سنة 198 هـ وجاور إلى سنة 199 هـ 59. وكان سفيان قد توفي سنة 198 هـ، فلعل أحمد كان يكثر التردد على مكة في هذه السنوات من أجل سفيان، فلما مات خرج أحمد إلى صنعاء.
وقد قال الذهبي: ولقد كان خلق من طلبة الحديث يتكلفون الحج، وما المحرك لهم سوى لُقي سفيان بن عيينة لإمامته وعلو إسناده.
وجاور عنده غير واحد من الحفاظ 60. وذكره الشافعي، فقال: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وقال: وجدت أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث، ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثًا.
فهذا يدل على أن سفيان جمع أحاديث العراقيين، لأن أصله من الكوفة، إلى أحاديث الحجازيين 61. ورحل اْحمد من مكة سنة 199 هـ متوجهًا نحو اليمن في صحبة يحيى بن معين وإسحاق بن راهويه، وكان يقصد بالذات حافظ صنعاء وعالمها عبد الرزاق بن همام.
قال أحمد: أتينا عبد الرزاق قبل المائتين (250 هـ) وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع 62.

الجزء: 1 - الصفحة: 46

وكان الإمام أحمد حريصًا على عبد الرزاق؛ لأنه كان عنده حديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وكان الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه يذهبان إلى أن "الزهري عن سالم عن أبيه" أصح الأسانيد مطلقًا.
فاستطاب الرحلة لذلك واهتز طربًا إلى نيل الأمنية: وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام وجاء عنه أنه قال: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق، كتبنا عنه حديث الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة 63. ورحل أحمد إلى الشام والجزيرة وأخذ عمن هناك من المحدثين والعلماء.
وبهذه الرحلات خاض لجة العلم، والتقط جواهر الحديث ولآلئه من قاموس بحره المحيط، وكان يدون كل ذلك ويحفظه في كتبه، ويحدث به بعد ذلك، وما حدث قط إلا من كتاب 64 إلا في حالات نادرة شاذة، وكانت هذه سنته وسنة رفيقيه يحيى بن معين وعلي بن المديني في ذلك، على الرغم من حافظته النادرة المجيبة.
مجمل شيوخ الإمام أحمد: الشيخ في اصطلاح المحدثين خاصة هو: كل من رويتَ عنه ولو حديثًا واحدًا، فالمشيخة تثبت بالحديث الواحد، لذلك لا نعجب من كثرة شيوخ الأئمة والحفاظ، فإن بعضهم، كالبيهقي ينيف معجم شيوخه على الألف.
لكن من الشيوخ من يعد ذا فضل كبير وتأثير خاص على تلميذه، لطول الصحبة والملازمة والإستكثار من الرواية.
وكذلك كان الشأن مع الإمام أحمد، فإن له عددًا من الشيوخ أحصي منهم في "المسند" أكثر من (280) شيخًا 65، وقد جرد ابن الجوزي في "المناقب" أسماء شيوخه تفصيلًا، وسردهم المزي في "تهذيب الكمال" مرتبين على حروف المعجم.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

قال البيهقي بعد أن ذكر جماعه من شيوخ الإمام أحمد: وقد أكثر أحمد بن حنبل في "المسند" وغيره الروإية عن الشافعي , وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة 66. وفي جملة هذا العدد الضخم هناك من أكثر عنهم، وعرفت الصحبة بينه وبينهم، وأثنوا عليه وأعجبوا به وربَما رووا عنه.
وذلك كهشيم بن بشير الواسطي شيخه الأول ببغداد، ويزيد بن هارون وابن علية وعبد الرزاق ووكيع وحفص بن غياث وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان، وغيرهم.
وهؤلاء كانوا أئمة حديث في الغالب.
وأما شيوخه في الفقه والأصول ويعض العلوم الأخرى، فأبرزهم الإمام الشافعي، كما سبق في كلام البيهقي , وإذ كان الشافعي بهذه المثابة فإننا نقف وقفة بين الإمامين، ونسىجل ما كان بينهما من الفضل والعلم والإحترام المتبادل.


العلاقة بين الإمامين: الشافعي وأحمد: مرَّ أن الإمام أحمد رأى الشافعي في مكة في حجته الأولى سنة 187 هـ، رآه وهو في سن الكهولة (37 سنة) وكان له هناك مجلس يفقه فيه ويعلم ويفتي، ويبدو أن الإمام أحمد لم يكن متفرغًا في ذلك الوقت لمجلس الشافعي لحرصه الشديد على جمع الحديث وتلقيه عن كبار أئمته، ولكنه بعدما قدم بغداد في القدمة الثانية جلس إليه ولازمه وأخذ عنه الكثير من الفقه والأصول والتفسير والأنساب وأشعار العرب وأيامهم التي رضعها الشافعي من المنهل الصافي بمكة واليمن.
وكان الشافعي قد دخل بغداد ثلاث مرات: كانت الأولى سنة 184 هـ بسبب وشاية من بعض أهل اليمن اتهموه فيها بمعارضة

الجزء: 1 - الصفحة: 48

الحكم العباسي، فأخذ من هناك مكبَّلًا وحوكم في بلاط الرشيد، فكانت محاكمته ومحاورته مع الرشيد سبب إعجابه به 67. وكان الشافعي بعد أن خرج منتصرًا من تلك التهمة الملفقة، قد اتصل بفقهاء العراق، وروى مذهبهم عن محمد بن الحسن الشيباني -رَحِمَهُ اللهُ- (ت 189 هـ) ثم عاد إلى مكة يفقه ويعلم.
وأما القدمة الثانية فكانت سنة 195 هـ واستمر سنتين هناك، وكانت هذه هي الفرصة الذهبية للإمام أحمد مع الشافعي، لأنه كان قد ألف كتبه، وأخذ يقرؤها على الناس.
قال الحسن الزعفراني راوية مذهبه القديم: "قدم علينا الشافعي بغداد سنة 195 هـ فأقام عندنا سنتين، أي إلى سنة 197 هـ ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة 198 هـ، فأقام عندنا أشهرًا، ثم خرج وكان يخضب بالحناء وكان خفيف العارضين (68. وقال ابن كثير: "ثم عاد الشافعي إلى بغداد سنة 195 هـ فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم: أحمد بن حنبلْ، وأبو ثور، والحسين بن علي الكراييسي، والحارث بن سريج النقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزعفراني وغيرهم" 69. وكانت القدمة الأخيرة عبارة عن بضعة أشهر في أواخر سنة 198 هـ ومنها تحول إلى مصر سنة 199 هـ حتى مات بها سنة 204 هـ -رَحِمَهُ اللهُ-.
وكان الشافعي قبل قدومه إلى العراق في المرة الثانية قد ذاع صيته، وأصبح الناس يثنون عليه ويتمنون لقاءه والإفادة من علمه وسارت بأخباره الركبان.
وكانت بغداد تعج بحلقات العلم، وقد غلب على تلك الحلقات أهل الرأي من الفقهاء، وأهل الإعتزال من المتكلمين، فجاء الشافعي ليرد الحق إلى نصابه، ويدافع عن

الجزء: 1 - الصفحة: 49

السنة في الفقه، والسنة في العقيدة، وكان قد صنف في ذلك كتاب "الرسالة" و"جماع العلم" و "إبطال الإستحسان" وغير ذلك من الكتب.
قال الخطيب البغدادي: قدم الشافعي بغداد، وكان في المسجد إما نيف وأريعون أو خمسون حلقة، فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة، ويقول لهم: قال الله، قال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ما بقي في المسجد أحد غيره 70. وقال الزعفراني: حج بشر المريسي سنةً إلى مكة، ثم قدم، فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيت مثله سائلًا ولا مجيبًا، يعني الشافعي، قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك بغداد، فاجتمع إليه الناس، وخَفُّوا عن بشر، فجئت إلى بشر يومًا فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم، قد قدم، فقال: إنه تغير عما كان عليه.
قال الزعفراني: فما كان مثله إلا مثل اليهود في أمر عبد الله بن سلام حيث قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فقال لهم: فإن أسلم؟ قالوا: شرنا وابن شرنا 71. وبشر المريسي هذا هو الداعية إلى بدعة خلق القرآن في بغداد آنذاك.
وكان الشافعي يشدد على المتكلمين لما رأى من بدعهم وقولهم في الله وصفاته بغير علم، ومما يوثر عنه في ذلك قوله: حكمي في أهل الكلام أن يضرلوا بالجريد ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام 72. أقبل أحمد على الشافعي يأخذ منه ما ليس عنده، فسمع منه "الموطأ" بعد أن كان سمعه من جماعة، وقال: إني رأيته فيه ثبتًا 73. وكان يدل إسحاق بن راهويه عليه ويحضه على مجلسه، فيقول له: تعال أذهب بك إلى رجل لم تر عيناك مثله، فذهب به إلى الشافعي.

الجزء: 1 - الصفحة: 50

وقال الزعفراني: ما دخلت على الشافعي قط إلا وأحمد كان قد سبقني إليه 74. وهكذا تضلع أحمد من كتب الشافعي، وتلقى عنه مذهبه القديم الذي يعتبر في أغلبه مذهب مالك وأهل المدينة، لكن الشافعي رجع عن كثير من ذلك المذهب القديم إلى مذهبه الجديد الذي دونه في كتاب "الأم"، ورواه عنه الربيع بن سليمان المرادي وأصحابه المصريون.
فهذه الصحبة المباركة بين الشافعي وأحمد كانت ذات أثر عميق في الإنسجام والتقارب بين المذهبين في الأصول والفروع على السواء، وقد ألف في ذلك الشيخ يوسف ابن عبد الهادي المتوفى سنة 959 هـ كتابًا خاصًا سماه "قرة العين فيما حصل من الإتفاق والإختلاف بين المذهبين".
وقد ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب في "مناقب الإمام أحمد"، فقال: ومن الناس من يقول: ليس بين مذهب أحمد ومذهب الشافعي خلاف إلا في مسائل قليلة نحو ست عشرة مسألة.
وهذا قول بعض الأغبياء، إشارة منه إلى أنه لا حاجة إلى مذهب أحمد.
فإذا حقق الإنسان النظر وجد مذهب أحمد مخالفًا لمذهب الشافعي في أكثر من عشرة آلاف مسألة، بل وأكثر من ذلك.
هذا القاضي عز الدين صنف في المفردات المخالفة للمذاهب الثلاثة كتابه المشهور الذي فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة.
ولِمَ، وهي بالضرورة مخالفة لمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة؟ ومفردات مخالفة الشافعي فقط لم يدركها.
ومن قال ذلك، ينظر إلى الخلاف الضعيف، فإنه قلَّ مسألة إلا وفيها قول ضعيف في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي؛ فيقول: هي موافقة.
وهذا قول لا عبرة به.
وقد وضعت كتاب "قرة العين فيما حصل من الإتفاق والإختلاف بين المذهبين"، وذكرت من ذلك مسائل كثيرة 75. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: وموافقته أي أحمد للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما، ويعظمهما، ويرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذهبه كأصول مذهبهما.
ومذهبه: أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق، هما عنده من أجل فقهاء الحديث في عصرهما، وجمع بينهما في مسجد الخيف فتناظرا في مسألة إجارة بيوت مكة 76.

الجزء: 1 - الصفحة: 51

واذ كان الشافعي ممتنًا على أحمد بالفقه والأصول وصناعة الحجج والأدلة على الأحكام، فإن أحمد هو الآخر ممتن على الشافعي بالكشف عن علل الأحاديث وأسانيدها وطرقها وما صح منها مما لم يصح.
قال ابن كثير: وقد قال الشافعي لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد بعد سنة 190 هـ، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة، قال له: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث فاعلمني به، أذهب إليه حجازيًا كان أو شاميًا أو عراقيًا أو يمنيًا.
وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد واجلال له، وإنه عنده بهذه المثابة إذا صحَّح أو ضعَّف يرجع إليه في ذلك 77. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان أحمد بن حنبل بارع الفهم لمعرفة الحديث بصحيحه وسقيمه، وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه، وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلًا وبنى عليه 78. ومن أجل هذا كان الإمام الشافعي يزوره، فلما قيل له في ذلك أنشد: قالوا يزورك أحمدٌ وتزوره ... قلت المكارم لا تفارق منزلَهْ إن زارني فبفضله أو زرتُهُ ... فلفضله فالفضل في الحالين لَهْ 79 وفي مرويات الشافعي عن أحمد لا يصرح باسمه، بل يقول: حدثني الثقة 80.


الجزء: 1 - الصفحة: 52

الطور الثالث

حياة الإمام أحمد في بغداد إلى بداية المحنة

• أسرة الإمام أحمد: تزوج الإمام أحمد بعدما أوفى على الأربعين من عمره، فتزوج في البداية عباسة بنت الفضل، أم ولده صالح، أحد رواة علمه وحافظي مذهبه، ولم تنجب غيره حتى توفيت -رَحِمَهَا اللهُ-.
فتزوج بعد وفاتها ريحانة بنت عمر، أم ولده عبد الله.
قال ابن الجوزي: وهاتان زوجتان وما عرفنا أنه تزوج ثالثة 81. يعني بذلك أن بقية أولاده ما عدا صالحًا وعبد الله إنما كانوا من جاريته حُسنَ التي اشتراها بعد وفاة ريحانة أم عبد الله، فولدت حسنُ للإمام أحمد زينب أم علي، والحسن والحسين، وهما توأم، لكن لم يلبثا أن ماتا، ثم ولدت الحسن ومحمدا، فعاشا حتى صارا من السن إلى نحو من أربعين سنة، ثم ولدت سعيدًا 82. • الإمام أحمد بعد زواجه: كان الإمام أحمد يفضل عيش الكفاف طيلة حياته، ما ثبت عنه أنه ترفه يومًا بنعيم، أو تفكه بطيب عيش ولذيذ طعام وفاخر ثياب ورياش بيت، ولم يكن ذلك منه عن قلة ذات اليد، مع تلهف النفس وحرصها على أن تبلغ المنى في الرخاء والهناء، بل كان ذلك عن رغبة وزهد، وقناعة وغنى في القلب، ولو أراد أن يعيش عيشة المترفين والأغنياء لكان ذلك ميسور المنال داني القطوف، فقد كانت بغداد في ذلك الوقت مليئة بخيرات الدنيا، لا تنقطع

الجزء: 1 - الصفحة: 53

عنها فواكه الفصول الأربعة، بل جمعت فيها كل ألوان الملذات التي عرفت في ذلك الوقت، حتى إن شعبة بن الحجاج قال لأبي الوليد: أدخلت بغداد؟ قال: لا، قال: فكأنك لم تر الدنيا.
ومثله يروى عن الشافعي في قوله ليونس بن عبد الأعلى 83. بالإضافة إلى ذلك، فقد كانت أعطيات السلاطين والخلفاء وجوائزهم للعلماء معروفة مشهورة، وقد عرض ذلك على الإمام أحمد خصوصًا بعد انكشاف المحنة في زمن المتوكل، فرفض ذلك كله -رَحِمَهُ اللهُ-، فكان كما قال البوصيري: راودته الجبال الشم من ذهب ... عن نفسه فأراها أيما شمم فأخباره في زهده وتعففه وتظلفه تملأ المجلدات، ونحن نجتزئ بالقدر الذي يفي بالغرض ويصور حياته هناك في بغداد -عليه رحمة الله-: كان في أول الأمر يعيش مع زوجته الأولى عباسة، وولده الوحيد صالح نحوًا من عشر سنوات على حال وصفها ابنه صالح فقال: "ربما رأيت أبي يأخذ الكسَر ينفض الغبار عنها، ويصيرها في قصعة، ويصب عليها ماء، ثم يأكلها بالملح، وما رأيَته اشترى رمانا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز، وعنبًا وتمرًا .. وقال لي: كانت والدتك في الغَلاء 84 تغزل غزلًا دقيقًا، فتبيع الإستار 85 بدرهمين أو أقل أو أكثر، فكان ذلك قوتنا.
وكنا إذا اشترينا الشيء، نستره عنه كيَلا يراه، فيوبخنا، وكان ربما خبز له، فيجعل في فخّارة عدسًا وشحمًا وتمرات شِهْرِيز -نوع من التمر- فيجيء الصبيان، فيصوت ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون ولا يأكلون، وكان يأتدم بالخل كثيرًا" 86. فلما توفيت أم صالح، وكان سن صالح إذ ذاك يقارب العاشرة، تزوج ريحانة وأسكنها في دار كان قد ورثها من أبيه وحولها جوانب مؤجرة يعيش من غلتها.
قال الخلّال: وأخبرني

الجزء: 1 - الصفحة: 54

محمد بن علي السمسار، قال: كانت لأم عبد الله بن أحمد دار معنا في الدرب يأخذ منها درهما بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة فأصلحها عبد الله، فترك أبو عبد الله الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أفسده علي 87. وكانت الحاجة قد اشتدت بآل أحمد بن حنبل في أيام المحنة، وكثرت عليهم الديون، ومع ذلك لم يتزحزح الإمام الشيباني عن زهده وورعه، وتظلفه عن الأعطيات والصَّلات، فقد قال ولده صالح: دخلت على أبي في أيام الواثق، والله يعلم في أي حالة نحن، وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبْدٌ يجلس عليه قد أتت عليه سنون كثيرة قد بَلِيَ، فإذا تحته كاغد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك منَ الدَّين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك، وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي.
فقرأت الكتاب، ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبة، ما هذا الكتاب؟ فاحمر وجهه، وقال: رفعته منك.
ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي ونحن في عافية.
فأما الدَّين، فإنه لرجل لا يرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة والحمد لله، فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فلما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل مثل ذلك، فرد عليه بمثل ما رد.
فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها، كانت قد ذهبت 88. وأما بيت الإمام أحمد فقد كان على حد كبير من البساطة والتواضع، قال الميموني في وصفه: كان منزل أبي عبد الله ضيقًا صغيرًا، وكان ينام في الحر في أسفله، وقال لي عمه: ربما قلت له، فلا يفعل ولا ينام فوقُ، وقد رأيت موضع مضجعه وفيه شاذكونة وبردعة، قد غلب عليها الوسخ 89.

الجزء: 1 - الصفحة: 55

• صور من حياته التعليمية في بغداد: سبق القول: إن الإمام الشافعي كان قد دخل بغداد معلمًا مربيًا فيما بين 195 و 197 هـ، فكان أحمد يجلس إليه ويحرص على دروسه العامة والخاصة إلى أن غادر بغداد في أواخر 198 هـ بعد الزيارة الأخيرة التي وقعت له هناك.
وكانت هذه الفترة فترة اضطراب وفتن متكررة بين الأمين والمأمون، فقد بدأ الخلاف بينهما منذ تولي الأمين الخلافة سنة 193 هـ ثم تفاقم ذلك في سنة 194 هـ وفي سنة 195 هـ بدأت المواجهات المسلحة وظهرت آثار الخلاف في جميع الأمصار.
وفي سنة 196 هـ خلع أهل بغداد بيعة الأمين وأخذوا البيعة لأخيه المأمون.
وفي سنة 197 هـ تم حصار بغداد على الأمين، وكانت الوقاح والمشادات تترى بين جيش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين وبين أنصار الأمين، وانتهت الأحداث بقتل الأمين سنة 198 هـ واستقر الأمر من ذلك التاريخ لأخيه.
وقد وصف ابن كثير صورة من تلك الحوادث والمدلهمات، فقال: "استهلت أي سنة 197 هـ وقد ألح طاهر بن الحسين وهَرْثَمة بن أعين، ومن معهما من الجنود في حصار بغداد، والتضييق على محمد الأمين، وهرب القاسم بن الرشيد، وعمه منصور بن المهدي إلى المأمون فأكرمهما، وولّى أخاه القاسم جرجان، واشتد الحصار ببغداد، ونصبت عليها المجانيق والعرَّادات، وضاق الأمين بهم ذرعًا، ولم يبق معه ما ينفق في الجند، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير، وهرب كثير من جنده إلى طاهر، وقُتل من أهل البلد خلق كثير، وأخذت أموال كثيرة من التجار، وبعث محمد الأمين إلى قصور كثيرة، ودور شهيرة، وأماكن ومحالَّ كثيرة فحرقها لما رأى في ذلك من المصلحة، فعل كل هذا فرارًا من الموت، ولتدوم الخلافة له، فلم تدم، وقتل، وخُربت دياره، وفعل طاهر مثل ما فعل الأمين حتى كادت بغداد تخرب بكمالها، فقال بعض الشعراء ذلك: من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زمانًا قرة العين؟ ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم ... وكان قربهم زينًا من الزين؟ 90

الجزء: 1 - الصفحة: 56

فهذه الحوادث لم تكن لتترك بغداد هنيئة بالعلم والمعارف والإزدهار الثقافي الذي بكون من وراء الإستقرار السياسي والاجتماعي.
ثم إن الأمور لم تتحسن بعد ما أفضت الخلافة للمأمون، ففي سنة 201 هـ امتلأت بغداد بالشغب والفساد بسبب فساق الحربية 91 والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ، فآذوا الناس أذى شديدًا، وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق.
نخرج المتطوعون للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك 92. وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- يعيش تلك الأيام العجاف، ويذكر لنا المؤرخون أنه لم يجلس للناس يحدث ويعلم ويفتي إلا بعد تصرّم الأربعين من عمره، أي بعد سنة 204 هـ. قال ابن الجوزي: "اعلم أن أحمد - رضي الله عنه - كان يفتي في شبابه في بعض الأوقات ويحدث إذا سئل ولا يعتبر سن نفسه .. فقد قال القومسي: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في مسجد الخيف بمكة في سنة 198 هـ مستندًا الى المنارة، وجاءه أصحاب الحديث فجعل يعلمهم الفقه والحديث ويفتي الناس في المناسك .. قال: إلا أن الإمام أحمد - رضي الله عنه - لم يتصدر للحديث والفتوى، ولم ينصب نفسه لهما حتى تم له أربعون سنة" 93. ولا نعلم الأسباب التي جعلته يتحامى أن يتصدر إلى هذا السن، وقد حاول الشيخ أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن يعلل ذلك بالإقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: وعندي أن أحمد كان متبعًا للسنة لا يحيد عنها، كان يفعل ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ولا يفعل ما لم يفعله، حتى إنه كان اذا احتجم أعطى الحجام دينارًا؛ لأنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا 94، وأنه تسرى مع عدم رغبة الطبيعة فيه، بل تسرى؛ لأنه علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تسرى، وقد استأذن زوجته في ذلك، فأذنت له لتعينه على الإتباع.
إذا كان أحمد حريصًا على الإتباع في هذه الأمور التي تضمن صغار الأعمال، فأولى أن يكون متبعًا في

الجزء: 1 - الصفحة: 57

ذلك الأمر الجليل الذي لا يوجد عمل أخطر منه في نظر أحمد وغيره، وهو عمل النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم -، ألا وهو الدرس والتحديث والإفتاء.
لقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأربعين، وبلغ رسالة ربه في هذه السن، ولم يرسله الله رحمة للناس إلا فيها، فلابد أن أحمد المتبع المقتدي استحيا أن يجلس للفتيا والحديث إلا بعد أن بلغ الأربعين، وبعد أن تكامل نموه في الجسم والروح.
هذا ما نراه تعليلًا لامتناعه عن الجلوس للحديث والفتوى قبل أن يبلغ هذه السن، وهو تعليل ملتمس من جملة أحواله، كان لم نجد نصًا عليه فيما تحت أيدينا من مصادر 95. أقول: قوله: تسرَّى وقد استأذن زوجته في ذلك ... إلخ.
هذا مخالف لما في بعض المصادر، فقد ذكر ابن الجوزي في الباب الثالث والستين في ذكر سراريه أنه اشترى جارية واحدة فقط، وهي حُسنُ التيْ ذكرناها في أسرته، وأنه اشتراها بعد ما غابت آخر زوجاته عن الحياة.
نعم ذكر ابن الجوزي الإستئذان المشار إليه في "المناقب" (ص 229) ولكن الرواية بذلك ضعيفة على ما يبدو، لأنه رواها بلاغًا، والدليل على ضعفها أنه لم يذكرها في إحصاء سراريه.
• وصف مجلسه: كان مجلس الإمام أحمد مجلسًا جليلًا خلدت ذكره الأخبار، وسارت به الركبان في الأنجاد والأغوار، كان مجلس علم ومجلس حلم ومجلس وقار، فيه السمت وفيه الأدب وفيه الورع، فلا جرم كان بعض الطلاب يقصدون الحديث، فيكتبون، ويعضهم يقصدون أخذ الأدب والسمت، والنظر إلى وقار الإمام أحمد واحترامه للحديث والعلم.
قال المروذي: لم أر المفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد، كان مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تَعلوهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 58

السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر 96. وعن الحسين بن إسماعيل عن أبيه، قال: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت 97. ويظهر أنه كان له مجلسان للدرس والتحديث: أحدهما: في منزله يحدث فيه خاصة تلاميذه وأولاده.
والثاني: في السجد يحضر إليه العامة والتلاميذ، وقدْ رأينا كيف كان يذكر بعضهم أن درسه يبلغ من يحضره خمسة آلاف، وأن خمسمائة فقط هم الذين يكتبون، أي: نحو عُشر الحاضرين الذين ينقلون عنه الحديث، ويروونه، وهم الخاصة من تلاميذه والمستمعين إليه، وخاصة الخاصة من تلاميذه هم الذين كانوا يذهبون إلى بيته، ويتلقون عنه مع أولاده وأهله.
وقد كان وقت درسه في المسجد بعد العصر ولعله كان يختار ذلك الوقت؛ لأنه قبل عتمة الليل، وبعد وهج النهار، ولأنه وقت راحة لأكثر الناس فيتيسر لهم أن يحضروا، ولأنه وقت صفاء النفس، وفراغها من تشاغل الحياة واضطرابها، فيكون الحديث أو الإفتاء والنفس مستجمة مقبلة، لا كليلة مدبرة، والدرس عند إقبال النفس أعمق أثرًا فيها وأكثر شيوعًا في نواحيها 98. • وصف عام للكتب التي كان يقرؤها على الناس: وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، كسائر معاصريه من المحدثين، قد جمع الأحاديث التي رواها عن الأئمة من طبقة شيوخه في دواوين، ومسموعات مصنفة على الشيوخ، فحديث هشيم بن بشير في كتاب، وحديث يزيد بن هارون في كتاب، وحديث وكيع في كتاب، وهكذا، ولكنه لم يضع تراجم الشيوخ وأسماءهم على

الجزء: 1 - الصفحة: 59

ظهور تلك المسموعات، ومع ذلك لا يختلط عليه الحديث، ولا تلتبس عليه النسخ والمرويات والمسموعات، حتى كان أبو زرعة الرازي يعجب من ذلك، ويذعن بعدم القدرة على بلوغه ذلك الشأو.
فقد قال البردعي يومًا لأبي زرعة: يا أبا زرعة، أنت أحفظ أم أحمد بن حنبل؟ قال: بل أحمد بن حنبل.
قال: وكليف علمت ذاك؟ قال: وجدت كتب أحمد بن حنبل، ليس في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كل جزء ممن سمع، وأنا، فلا أقدر على هذا 99. كان الإمام أحمد يحدث بتلك الأحاديث، وهي على تلك الحال، وكان يحدث من تلك الصحف ولا يعتمد على حفظه تورعًا وتواضعًا.
فقد قال علي بن المديني: "ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة 100. بالإضافة إلى هذا كان الإمام أحمد قد صنف جملة من الكتب والمؤلفات، وجعل يقرؤها على الناس، فهذه من جملة ما كان يلقي في دروسه، فقد صنف "المسند" و"فضائل الصحابة" و"العلل وصرفة الرجال" و"الأسامي والكنى" و"الزهد" و"الرد على الزنادقة والجهمية" و"الإيمان" و"الناسخ والمنسوخ" و"الأشربة" وغير ذلك من التصانيف.
ولكن لا نجزم أنه كان يقرأ هذه الكتب، أو قد قرأها جميعًا على الناس، على أن بعض تلك الكتب كان يقرؤها حسبما تفيد الروايات والأخبار، فقد قال أبو حاتم الرازي -رَحِمَهُ اللهُ-: "أتيت أحمد بن حنبل في أول ما التقيت معه سنة 213 هـ، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب "الأشربة" وكتاب "الأيمان" فصلى، ولم يسأله أحد فرده إلى بيته.
وأتيته يومًا آخر فإذا قد أخرج الكتابين فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر من السكر" 101.

الجزء: 1 - الصفحة: 60

• نهي الإمام أحمد عن كتابة فتاويه وسبب ذلك: كان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- يكره تأليف الكتب التي تحتوي على الرأي والتفريعات الفقهية ويحب التمسك بالأثر، وكان ينصح طلابه وتلامذته بذلك.
فقد أخرج ابن الجوزي عن عثمان بن سعيد قال: قال لي أحمد بن حنبل: لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع اسحاق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل 102. وإذا كان الإمام أحمد يوجه أصحابه الى الإشتغال بالحديث الذي هو أصل تلك الإجتهادات المدونة في زمنه ومنبعها، فشيء واضح أنه لا يسمح لأولئك التلاميذ أن يدونوا فتاويه ويكتبوا أجوبته عن المسائل التي يُسأل عنها، وإن كان يعرف عنه أنه كان يجيب بما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة وفتاوي الصحابة، وقد كان حافظًا لذلك لا يفوته إلا القليل النادر.
قال حنبل بن اسحاق: رأيت أبا عبد الله يكره أن يكتب شيء من رأيه أو فتواه.
ويلغه أن إسحاق بن منصور الكوسج قد صار يروي مسائله وفتاويه للناس بخراسان، فأشهد الناس أنه رجع عن ذلك 103، وذلك ليكف إسحاق عن نشر الفتاوي، وليس معناه أنه رجع بالفعل، لأننا لو حملنا كلامه على ظاهره للزم من ذلك أن تكون تلك المسائل كلها غلطًا صدر منه، ثم استدركه على نفسه، وهذه النتيجة تتنافى مع ما كان عليه من الورع والإقتفاء للسنن والآثار الثابتة عن الصحابة، وأن ذلك كان دأبه منذ النشأة الأولى، بل ما زالت تلك المسائل التي رواها اسحاق الكوسج محفوظة الى يومنا هذا، قد أوردها أو عامتها الإمام الترمذي في "جامعه" في تعليقاته على أحاديث الأبواب، وهي تدل على صدق ما قلناه.
بل ذكر ابن الفراء في ترجمة اسحاق المذكور، أنه لما بلغه رجوع الإمام أحمد عن تلك المسائل جمعها في جراب، وقدم اليه بها، فأقر بها ثانية، وأعجب بذلك أحمد من شأنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

وقال أبو عبد الله الحسن بن حامد (403 هـ): وقد رأيت بعض من يزعم أنه منتسب إلى الفقه يُلَيِّن القول في كتاب إسحاق بن منصور، ويقول: إنه يقال: إن أبا عبد الله رجع عنه، وهذا قول من لا ثقة له بالمذهب، إذ لا أعلم أن أحدًا من أصحابنا قال بما ذكره، ولا أشار إليه 104. ولماذا كان الإمام المبجل يكره الإشتغال بكتب الرأي ويتدوين مسائله وفتاويه وأقواله؟ هل هو مجرد التواضع لله سبحانه كما قال ابن الجوزي؟ أو هو شيء آخر بالإضافة إلى ذلك؟ فلو كان التواضع فقط لما كان هناك من داع إلى كراهته الإشتغال بما كتبه غيره، فالظاهر أنه -رَحِمَهُ اللهُ- كان يريد أن يرد الناس إلى السنة والأثر الذي رأى أنه قد ضاع في بغداد بين الفقهاء والمتكلمين، وأن الناس أقبلت على أقوال الناس ومؤلفاتهم في الفقه والإجتهاد؛ تحفظها وترويها كما تحفظ الحديث وترويه، فكان الواجب يقتضيه أن يحث الناس على حفظ الحديث والعناية به بقدرما كان غيره يحث على النظر والتفريع والبحث.
والذي يؤيد هذا ما رواه عنه ابنه عبد الله في "مسائله" أنه لما ذكر وضع الكتب عنده قال: أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أبو يوسف فوضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كل ما جاء رجل وضع كتابًا، وهذا مالك وضع كتابًا، وجاء الشافعي أيضًا، وجاء هذا، يعني أبا ثور، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلَّ ما جاء رجل وضع كتابًا وترك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه 105.

الجزء: 1 - الصفحة: 62

الطور الرابع

المحنة أسبابها.
مراحلها.
نتائجها

قال الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]. وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان رقيق الدين، ابتلي على حسب ذاك، وإن كان صُلب الدين ابتلي على حسب ذاك".
قال: "فما تزال البلايا بالرجل حتى يمشي في الأرض وما عليه خطيئة" (1). وإذا كان الرجل يبتلى على حسب دينه فما تظن بدين اللإمام أحمد؟ فعلى قدر دينه تعرف قدر البلاء الذي ابتلي به، ولم يكن ذلك في مجرد الامتحان بمقالة خلق القرآن، كلا بل إن سيرته - رضي الله عنه - كانت سلسلة من الإبتلاءات التي جرها إليه شدة ورعه، وتصلبه في الحق، وحرصه على منهاج السلف.
كانت محنة القول بخلق القرآن حلقات من تلك السلسلة، وصفحات من تلك السيرة الطويلة في الصبر والثبات، ضرب فيها أروع الأمثال في الإلتزام بالحق، والصبر عليه.
وسيكون الكلام على المحنة في أمور ثلاثة: الأمر الأول:

أسباب المحنة

. الأمر الثاني: مراحل المحنة.
الأمر الثالث: نتائج المحنة.106

الجزء: 1 - الصفحة: 63

أسباب المحنة

كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا في خلافة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. فلما استشهد قُفْلُ باب الفتنة عمر - رضي الله عنه -، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان - رضي الله عنه - حتى ذبح صبرًا.
وتفرقت الكلمة، ووقعت وقعة الجمل، ثم وقعة صفّين، فظهرت الخوارج، وكفَّرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين.
وكان المأمون الخليفة ذكيًا متكلمًا، له نظر في المعقول.
فاستجلب كتب الأوائل، وعرب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخَبّ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها.
وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمهَلْ، وهلك دعامه، وخلّى بعده شرًّا وبلاء في الدين، فإن الأمة مازالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأن كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف؛ كبيت الله وناقة الله.
فأنكر ذلك العلماء، ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين.
فلما ولي المأمون كان منهم وأظهر المقالة 107. وهاتان الفرقتان اللتان كانت لهما صولة ودولة في تلك الأيام قد عرفتا وترجم لهما أصحاب الملل والنحل.
وإليك خلاصة التعريف بهما: • الجهمية: هي فرقة من الفرق الضالة المنحرفة، ضلت بمجموعة مقالات في الإعتقاد، خالفت فيها الحق وأهل السنة والجماعة، فعرفت بذلك، وصار هذا الإسم عنوانًا عليها، وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 65

عبارة عن نسبة إلى زعيمها الأول "جهم بن صفوان" (ت 128 هـ)، وخلاصة آرائه الإعتقادية الضالة: 1 - أن الإنسان مجبَرٌ على أفعاله مضطرٌّ إليها، مسلوب الإستطاعة.
فلا فعل لأحد في الوجود غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين بالمجاز.
2 - أن الجنة والنار تفنيان وتبيدان.
3 - الإيمان هو المعرفة بالله فقط، كما أن الكفر هو الجهل به فقط.
4 - أن علم الله تعالى حادث.
5 - الإمتناع عن وصف الله تعالى بأنه حيٌّ أو عالم أو مريد، مما يجوز إطلاقه على غيره من المخلوقات.
وأجاز وصفه تعالى بأنه قادر وموجد وفاعل وخالق ومحيي ومميت.
6 - القول بحدوث كلام الله تعالى كما قالت ذلك العتزلة 108. بالإضافة إلى هذا الخلاف في العقيدة فإن جهمًا وأتباعه كانوا من الخارجين على الدولة الإسلامية بالسلاح منذ الدولة الأموية، وكانوا بنواحي خراسان ونهاوند.
• المعتزلة: وهي الأخرى فرقة ضالة مشهورة في تاريخ الإسلام بمقالاتها، وكثرة أتباعها إلى قرون متأخرة.
وقد كان منشؤها بالبصرة في أيام الحسن البصري، ولم تعرف بنسبتها إلى زعيم بعينه، وإن كان أول من قال بالمنزلة بين المنزلتين هو واصل بن عطاء (ت 131 هـ)، وتكونت مقالاتها شيئًا فشيئًا ابتداء من القول بنفي القدر، ولهذا سميت بالقدرية.
وهذه خلاصة آرائها: 1 - نفي الصفات الأزلية الثابتة لله سبحانه؛ كالسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم والحياة، فلم يكن لله سبحانه في الأزل اسم ولا صفة على حد قولهم هذا.
2 - نفي رؤية الله تعالى بالأبصار يوم القيامة، وأنه لا يرى نفسه.
وهل يرى غيره؟ اختلفوا في ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 66

3 - حدوث كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وحدوث أمره ونهيه وخبره.
ثم صاروا بعد ذلك يصرحون بان كلام الله مخلوق.
وهو الذي كان سببًا في المحنة.
4 - إن الله ليس بخالق لأفعال العباد الإختيارية، وكذلك أفعال الحيوانات الأخرى.
ولأجل هذه المقالة سُمُّوا بالقدرية.
5 - تنزيل الفاسق منزلة دون منزلة الإيمان وفوق منزلة الكفر.
وبهذا اعتزلوا قول الأمة بأسرها، فسموا معتزلة لذلك 109. وهناك مقالات عديدة متفرعة عما ذكرناه سببها الجدل الطويل الذي عرفوا به، والفلسفة التي اتخذوها وسيلة لجدلهم في الدين، وتكونت أصولهم بعد ذلك في خمسة أبواب، شرحها القاضي عبد الجبار الهمداني في كتاب كبير، وهي: 1 - التوحيد، ويجمع مسائل الصفات التي سبقت الإشارة اليها.
2 - العدل، ومنه مقالاتهم في وجوب الثواب والعقاب والصلاح والأصلح على الله تعالى.
3 - الوعد والوعيد، ومنه نتج قولهم بعدم الشفاعة، وعدم المغفرة لمرتكب الكبيرة ... 4 - المنزلة بين المنزلتين، وهو سبب التلقيب بالمعتزلة.
5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه محتم على جميع المسلمين، كل حسب استطاعته باللسان والسيف واليد كيف قدروا على ذلك 110. وبهذا يتبين لك أن الجهمية والمعتزلة شريكان في القول بخلق القرآن، لكن يجب أن تتنبه إلى الفرق بينهما في نشأة هذه المقالة بين صفوفهم، فالجهمية قالوا ذلك من أول يوم، والمعتزلة إنما حدث فيهم ذلك بعد مُضي زمن على نشأة فرقتهم بالبصرة.
وقد كان ينشر هذه المقالة ويدعو إليها ببغداد رجل من كبار المرجئة اسمه "بشر بن غياث المريسي" (ت 218 هـ)، وكان في أول أمره يتجه إلى الفقه، فجلس إلى أبي يوسف القاضي، وأخذ عليه وروى عنه الحديث وعن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة، ثم أخذ في تعاطي علم الكلام فانشغل به وأُشرب حبه، فنصحه الإمام الشافعي بتركه فلم يقبل منه.
وقال الشافعي: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما عدا الشرك بالله أحب إليَّ من أن يلقاه بعلم الكلام.

الجزء: 1 - الصفحة: 67

قال ابن خلكان في المريسي: جرد القول بخلق القرآن وحكي عنه في ذلك أقوال شنيعة، وكان مُرجئًا، وإليه تنسب المريسية من المرجئة 111. قال الدورقي: إن هارون الرشيد قال: بلغني أن بشر بن غياث المريسي يقول: القرآن مخلوق، فلله علي إن أظفرني به لأقتلنه، قال: وكان متواريا أيام الرشيد، فلما مات الرشيد، ظهر ودعا إلى الضلالة 112. وكان المأمون قد قرب المعتزلة، واتخذهم ندماءه وسُمّاره، واختصهم بمجلسه، فتلقف عنهم هذه البدعة حتى صار يلحن بها، ولكنه لم يجرؤ على إبدائها للناس والدعوة إليها علنًا؛ لأن بغداد، وباقي حواضر الإسلام، كانت تزخرُ بعلماء السنة من المحدثين والفقهاء وغيرهم.
فقد قال المأمون مرة ليحيى بن أكثم وجماعة: لولا يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق.
فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يتقى؟! فقال: ويحك إني أخاف إن أظهرته فيرد علي، فيختلف الناس وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة 113. ويحيى بن أكثم من علماء السنة الذين كانوا يصحبون المأمون، وهو الذي أقنعه بالرجوع عن الإعتقاد بجواز نكاح المتعة بعد أن كان قد تبنى القول به.
وأما يزيد بن هارون فقد توفي سنة (206 هـ). ومن ذلك الحين يقدر أن المأمون جعل يستعلن بهذه المقالة، ويعقد المجالس لمناقشتها، لأنه كان يسأل عن يزيد وموته باستمرار 114. ثم إن المأمون امتحن القضاة والفقهاء والمحدثين والمؤرخين بهذه المقالة، كما سير بعد قليل إن شاء الله.


الجزء: 1 - الصفحة: 68

مراحل المحنة

• المرحلة الأولى في خلافة المأمون: (198 هـ - 218 هـ). • المرحلة الثانية في خلافة المعتصم: (218 هـ - 227 هـ). • المرحلة الثالثة في خلافة الواثق: (227 هـ - 232 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 69

المرحلة الأولى

المحنة في زمن المأمون

كان ذلك في آخر خلافة المأمون سنة (218 هـ) لما توجه إلى غزو الروم وفتح حصونها المتبقية على حدودها الجنوبية على ساحل طرسوس وما حولها.
وكانت قصة هذه المحنة قد بدأت بكتابة رسالة وجهها المأمون، وهو لا يزال بالرقة، إلى عامله على بغداد 115 -وفي بعض الروايات والكتب: صاحب الشرطة ببغداد 116 - إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ت 235 هـ). وكان مضمون هذه الرسالة مصدرًا بالكلام على مسؤولية الخلفاء تجاه حفظ الدين وحماية معالمه، وأن من أهم ذلك الذود عما يتعلق بالله وتوحيده وصفاته وكللامه من الأخطاء والجهالات التي أصبحت مذهب "الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفْلة العامة ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والإستضاءة بنور العلم وبرهانه ... " 117. ثم ثنى بذكر جملة من الإستدلالات من كتاب الله التي تفيد -بزعمه- أن القرآن مخلوق.
ثم عرض بجماعة من العلماء الذين يخالفون هذه المقالة، فطعن بدينهم وأنهم "غروا الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيئ آرائهم ... " , وأنهم إنما فعلوا ذلك ليقربوهم ويقبلوا شهاداتهم في القضاء ... إلخ.
ثم ختم كتابه بأمر إسحاق أن يجمع القضاة ليقرأ عليهم الرسالة ويمتحنهم بها، ويكشف عن عقيدة كل واحد منهم في المسألة، وأن من ذهب إلى غير مذهب أمير المؤمنين فهو غير موثوق بدينه، وخلوص توحيده لله -عَزَّ وَجَلَّ-، وأنه سوف لا يبقيه في منصبه ما دام على هذه العقيدة الفاسدة -في زعم الخليفة وأشياعه- وكلفه أن يأمرهم بإعلان ذلك وتوقيعه والإشهاد عليه، وتسجيل من لم يستجب، وإثبات عدم إقراره بذلك.
فكانت هذه هي الرسالة الأولى، وكانت موجهة إلى القضاة خاصة، وكأن علماء

الجزء: 1 - الصفحة: 71

السنة كانوا قد تفطنوا لخطورة هذه البدعة التي شاعت في بغداد فأوعزوا إلى هؤلاء القضاة أن لا يقبلوا شهادة من يعتقد عقيدة القول بخلق القرآن.
إلى جانب ذلك طلب المأمون إرسال سبعة من العلماء إليه، وهم: محمد بن سعد، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد الدورقي 118. فامتحنهم، فأجابوا مكرَهين، وردهم إلى بغداد.
ثم كتب المأمون رسالة ثانية مطولة كالتي قبلها، ضمنها كلامًا مطولًا على خطورة الإعتقاد بأن القرآن غير مخلوق "فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عنه خلقه، وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته ... " وأطال في الإستدلال لخلق القرآن.
ثم ثنى هذه المرة بأن من يزعم أن القرآن غير مخلوق فلا حظ له في الدين ولا نصيب من الإيمان واليقين، ويالتالي تسقط عدالتهم وترفض شهادتهم في الأقضية والمحاكمات.
وكلف إسحاق بن ابراهيم أن يأخذ على القضاة أن يمتحنوا جميع من يشهد عندهم بحق أو شيء من الأشياء أن يستعلنوا القول بخلق القرآن وإلا ردت شهادتهم، وخصوصا أولئك المبرزين المزكين الذين يحضرون مجالس القضاة.
فأحضرهم إسحاق إلى مجلسه، وكان منهم أحمد بن حنبل، وقرأ عليهم الرسالة وامتحنهم، وسجل أجوبتهم، وكانت أجوبتهم عامة تدل على عدم الموافقة على قول المأمون 119. وهذه صورة ذلك الامتحان، وجواب الإمام أحمد عنه: "إسحاق: ما تقول في خلق القرآن؟ أحمد: هو كلام الله.
إسحاق: أمخلوق هو؟ أحمد: هو كلام الله.
لا أزيد عليها".
فقدم إليه إسحاق الرقعة التي عرضت على من قبله، وامتحنهم بالموافقة على ما فيها، وقد كان فيها ما يلي:

الجزء: 1 - الصفحة: 72

"أشهد أن لا إله إلا الله أحدًا فردًا [ليس كمثله شيء] 120، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يُشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه".
قال أحمدَ: أشهد ... إلى: ليس كمثله شيء" ثم زاد من عنده: وهو السميع البصير، وأمسك عن الباقي فلم يتكلم به.
وكانت التتيجة أن العلماء الذين امتحنوا في هذه المرة خالفوا في أكثرهم رأي المأمون، فكان أن رد عليهم برسالة ثالثة مليئة بالإنتقاص منهم وذكر مثالبهم، وكان حظ الإمام أحمد منها أن قال فيه: وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه، فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك القالة، وسبيله فيها، واستدل على جهله وآفته بها 121. وأمر إسحاقَ بكل من لم يجب بصراحة إلى القول بخلق القرآن أن يبعثه إلى معسكر المأمون ليحمله على ذلك بحد السيف.
ويعد أن عرض عليهم ذلك من جديد أجابوا كلهم إلا أربعة: أحمد بن حنبل، وسَجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح، المضروب، ثم عرض عليهم بعد ذلك، فأجابوا إلا أحمد، ومحمد بن نوح.
ولا شك أن من أجاب كان مكرها يتقي من الفاتنين تقاة.
فأرسل أحمدَ وصاحبَه الى المأمون في عِدْلَي بعير موثقين بالحديد، ووجَّههما إلى المأمون وهو في عسكره بطرسوس، وأرسل مع ناقلهما رسالة تشرح موقفهما.
وأرسل رسالة مستقلة يشرح فيها نتيجة امتحان الآخرين، وأنهم أجابوا مكرهين، وتأولوا قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106). فلم يرض المأمون بذلك منهم، وبعث إليه أن يرسلهم أيضًا، ففعل.
فلما وصلوا جميعًا إلى الرقة بلغهم وفاة المأمون، وقد كان الإمام أحمد يدعو في طريقه أن لا يجمعه الله به، فأجاب الله دعوته وأنجز لو ليه ما كان يرجو 122. هذه خلاصة تلك المحنة في مرحلتها الأولى التي طويت بوفاة المأمون، ويدأت مرحلة جديدة في خلافة أخيه المعتصم.

الجزء: 1 - الصفحة: 73

تعليق على رسائل المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم: يرى الشيخ محمد أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن تلك الرسائل كانت من صنيع أحمد بن أبي داود، وزير المأمون وكاتبه، وصاحب السلطان في دولته، وأنه كتبها مستغلًا وضعية المأمون الصحية التي كانت تنذر بدنو أجله، ورجح أن المأمون لم يطلع عليها عند إرسالها، ووقعها من دون معرفة مضمونها، أو قد عرف مضمونها، ولكنه كان في حال ضعف لا يملك معه السيطرة الكافية على الأمور.
واستدل على ذلك بالقرائن التالية: 1 - الإسهاب الموجود في تلك الرسائل، وهو يتنافى مع المعهود من مكاتبات الملوك.
2 - ورد ذكر الخليفة بصيغة الغائب، مما يدل على أن الذي كتب وعبر هو غيره.
3 - النزول إلى السفاسف التي تأنف عنها سيرة المأمون وسائر الملوك والخلفاء، وذلك بالطعن واللإسفاف بأولئك العلماء الذين سجلت أسماؤهم في تلك المكاتبات.
4 - أن ذلك كان في آخر حياة المأمون، وقي وقت كان فيه بعيدًا عن بغداد ومشغولًا بجهاد الروم 123. لكن هذا الذي رجحه الشيخ أبو زهرة إذا عرضناه على جوانب أخرى من وقائع تلك المكاتبات فإننا نجده غير مسلّم له.
وذلك للأمور التالية: 1 - إن الكتاب الأول الذي أرسله، إنما أرسله من الرقة، وأرّخه بتاريخ: ربيع الأول من سنة 218 هـ 124. وكان المأمون في ذلك الوقت قريبًا من بغداد، وفي كامل صحته.
2 - إن المأمون مرض بسبب وعكة أصابته فجأة، وهو على ساحل طرسوس في شهر جمادى الآخرة 218 هـ فلما اشتد به المرض، وظن أنه سوف يلقى ربه عما قريب كتب وصاياه إلى عماله، وفيها عهد إلى المعتصم أخيه بالخلافة 125. فكيف يكون المأمون مغلولًا حتى يقدِّم ابنُ أبي دواد بين يديه؟ ثم كيف لا يكون عالمًا بتلك الرسائل ومحتوياتها، وقد تكررت عدة موات، وفيها الأجولة على تنفيذات إسحاق ابن إبراهيم، وكتابة ما قام به من الأعمال، بل وفيها الأمر بإشخاص الرجال المذكورين وإرسالهم إليه في معسكره ليمتحنهم بنفسه!! إذن، فلنا أن نسلم بأن الكتابة كانت بيد ابن أبي دواد، ولكن لا نسلم أنه هو الذي صنع كل شيء وأنفذه، والمأمون لا يملك زمام الأمور.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 74

المرحلة الثانية

المحنة في زمن المعتصم

انتهت المحنة في مرحلتها الأولى بموت المأمون، فتنفس الإمام أحمد ومن معه الصعداء، وظنوا أن الفتنة قد انكشفت، والمحنة قد انجلت، فأرجعوا إلى بغداد، ولكنهم وضعوا في إقامة جبرية مؤقتة.
وكان المعتصم قد خَلفَ أخاه المأمون على خلافة المسلمين، وهو بطرسوس، وكان المعتصم على عكس ما كان عليه المأمون من سعة الثقافة، حتى إنهم قالوا: كان أميًا لا يحسن الكتابة.
فقد أوقفه أبوه الرشيد عن التردد على الكُتَّاب، وهو صغير، فبقي أميًا 126. وإذا كان المعتصم على هذا المستوى وقد تسلم مقاليد الخلافة، فلا ريب أن حجته هي السيف، لكن كان إلى جانبه ذلك الرجل المفوه العليم اللسان، الذي قد قويت شوكته في أيام المأمون، ثم استفحلت في زمن المعتصم والواثق من بعده، إنه أحمد بن أبي دواد الإيادي، فقد جاء به أبوه إلى الشام، وهو حدث صغير، فنشأ في طلب العلم، وخاصة الفقه والكلام حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فأشربه هياج لبن الإعتزال من أول يوم 127. كان أحمدُ البدعة يفتل للمعتصم في الذروة والغارب حتى يجيبه إلى ما يريد، كما كان يفعل مع المأمون قبل ذلك، بل كان عيبته ومن خواصه في كل شيء، حتى قال لازون ابن إسماعيل: ما رأيت أحدًا قط أطوع لأحد من المعتصم لإبن أبي دوَاد، وكان يُسأل الشيء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دواد، فيكلمه في أهله، وفي أهل الثغور، وفي الحرمين، وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد 128. وكان المأمون قد أوصى به المعتصم عند موته، فقال له: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن بعدي وزيرًا.
فلما ولي المعتصم جعله قاضي القضاة 129.

الجزء: 1 - الصفحة: 75

وأما إمامنا أحمد، فقد أخذ مقيدًا في الأغلال بعدما مات رفيقه محمد بن نوح بالطريق، فحبس في قرية قرب بغداد، اسمها "الياسرية"، فمكث أيامًا، ثم حبس بدار اكتريت له ببغداد، ثم حول إلى السجن العام، فبقي هناك 28 شهرًا 130 من جمادى الآخرة سنة 218 هـ إلى رمضان سنة 220 هـ. • حالة الإمام أحمد في السجن: كان الإمام أحمد يعيش حياة السجناء في ذلك الوقت، وكان السجين يقيد في الأغلال طيلة فترة سجنه.
فقال الإمام أحمد: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد.
وكأن الله امتن عليهم بأحمد بن حنبل، كما امتن بيوسف عليه السلام على سجناء مصر، غير أن ذاك نبي، وهذا ولي.
وكان الناس يزورون السجناء بغير صعوبة 131، فكانت صلة الإمام أحمد بالناس مستمرة عبر هذه الزيارات، وكان الناس يعرفون قدره بعد أن تقررت له الفضائل وانعقدت له الإمامة في الدين.
وتذكر الروايات أن إسحاق بن إبراهيم كان يرسل إلى أحمد رجلين يناظرانه وهو في السجن، وتكرر ذلك يومين أو ثلاثة، فلما تنتهي المناظرة وتبوء بخيبتهم يشدد عليه الوثاق، فلما استيئسوا منه في اليوم الرابع حمل مكبلًا إلى مجلس المعتصم 132. • ملاحظات على مسيرة الأحداث: يتلخص من مجموع ما تقدم في حوادث ما قبل الضرب بين يدي المعتصم ما يلي: أولًا: كان ابن أبي دواد لا يفارق المعتصم، وهو اليوم قاضي القضاة؛ أي المسؤول عن جميع الشؤون العدلية في الدولة، فكان هو اللسان الناطق باسم المعتصم في محاججة

الجزء: 1 - الصفحة: 76

الإمام أحمد 133، وكان هو المحرض للمعتصم على تنفيذ أقسى عقوبة بحقه باعتبار أنه ضال مضل في نظر هذا الشقي! ثانيًا: يبدو أن المعتصم لم يكن يعرف الإمام أحمد قبل مقابلته، بل وصف له وصفًا مخالفًا لما شاهده بعينه من سجيته وخلقته وسنه.
فدل ذلك على أن رائد المحنة هو أحمد بن أبي دواد، وأن المعتصم صار عصا غليظة في يده، يضرب بها كيف يشاء.
ثالثًا: بعد مرور جزء من المقابلة حين أظهر الإمام أحمد للمعتصم عدم وجود مسوغ لهذه المحنة، اعتذر إليه بأنه لم يكن سببًا فيها، وأنه إنما يتابع من قبله (المأمون).
رابعًا: كان أحمد بن أبي دواد يحرض الخليفة باستمرار على النيل من الإمام أحمد، وكان المجلس مليئًا بالقضاة والفقهاء، ويبدو أنهم كانوا على رأي ابن أبي دواد.
خامسًا: تكررت المقابلة والمناظرة ثلاثة أيام، وفيها سمع الإمام أحمد ببعض المصطلحات الفلسفية والكلامية التي يلحن بها الخصم، ولم يكن يعرفها أحمد من قبل، وكان يُغَلب الكتاب والسنة ويلتمس العذر في قصر الحجاج عليهما، مما أعجز المعتزلة وأثار حفيظتهم.
سادسًا: كان المعتصم يظهر من حين الى آخر خوفه من التورط في الإساءة إلى الإمام أحمد، وأنه ظالم له، فيرده أحمد بن أبي دواد ويشد من أزره، وكذلك إسحاق بن إبراهيم.
• مرحلة التعذيب الجسدي: صدر الأمر ببداية التعذيب من قبل المعتصم بعدما اشتط غضبه، وكانوا قبل ذلك يرجون منه التنازل، ولو بشيء قليل عن موقفه، خشية هذه المواجهة التي تبين أن المعتصم كان غير مقتنع بها في قرارة نفسه.
وكان ابن أبي دواد يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك

الجزء: 1 - الصفحة: 77

لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، فيعد من ذلك ما شاء الله!! فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقنَّ عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه 134!! وهذا يدل على عظم مكانة أحمد في الناس واقتدائهم به.
وعندئذ جُرّد الإمام أحمد وأخذ إلى مكان التعذيب، فضرب نحوًا من ثلاثين سوطًا، ضربًا مبرحًا شديدًا، وكان ذلك بحضرة المعتصم وجماعته، وكان يعرض عليه أن يعود عن رأيه بين الضربات والضربات، فلم ينبس ببنت شفة، على الرغم من أنه أغمي عليه مرارًا، وكان ذلك في أواخر رمضان، وهو صائم، وكان قبل ذلك أخبر عن نفسه أنه لا يخاف من القتل بقدر ما يخاف من الضرب.
ثم أفرج عنه يوم 25/ رمضان/ 220 هـ، وسرح إلى أهله 135، فذهب مضرجًا بالدماء.
وهل أفرج عنه رحمة به؟ الواقع أن ذلك كان ليأسهم من حياته، ولكن كان المكر يقضي لهم بأن يتركوه يموت بعيدًا عن ساحة الخليفة، لئلا يكون في ذلك بطلًا في الثبات وشهيدًا لا ينسى.
قال ابن أبى دوادَ بعد ما أُشير على المعتصم بقتله: لا يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك، قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إمامًا، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك، شك الناس في أمره، وقال بعضهم: أجاب، وقال بعضهم: لم يجب!! 136. وهكذا كانت المكيدة تتوالى عليه!! ويقي الإمام أحمد في بيته يمرَّض من قبَل أولاده، وقد أقعدته السياط وأثنته عن الحركة، وكان المعتصم خائفًا يترقب أخباره خَشية أن يموت من جراء ذلك، فيبوء بإثمه، فلما شفي أحمد وتماثل للعافية سُرّي عن المعتصم 137.


الجزء: 1 - الصفحة: 78

المرحلة الثالثة

المحنة في زمن الواثق

ذكر ابن كثير 138 في سياقة الأحلاث بعد المحنة: أن الإمام أحمد استمر منعزلًا في بيته، لا يشهد جمعة ولا جماعة، ولا يجلس للحديث طيلة أيام العتصم (218 هـ - 227 هـ) واستمر على هذه الحال في أيام ابنه الواثق (227 هـ - 232 هـ). وذلك غير صحيح فيما نرى، فإن الإمام أحمد بعد ما برئ عاد إلى الجمعة والجماعة، وجلس يحدث الناس ويفتيهم، لم ينقطع عن ذلك، فقد صرح بذلك حنبل بن إسحاق ابن أخي الإمام أحمد 139. نعم، إنما انقطع عن التحديث في أيام الواثق، قيل: بدون أي منع من السلطان 140، وقيل: لأن الواثق شدد عليه، وقال له: لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها 141. فكان أحمد في تلك الأيام متخفيًا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها.
والسبب في ذلك: أن الواثق كان قد مال إلى ابن أبي دواد أكثر من أبيه، وكان أحمد بن حنبل قد فاز بالنصرة والسمعة الحسنة بعدما ندم المعتصم وأعرض عن هذه الفتنة في بقية حياته، فأحله الإمام أحمد وكلَّ من شارك في تعذيبه، إلا دعاة البدعة وأنصارها.
فحنق ابن أبي دواد على هذه النصرة التي حظي بها إمام السنة في بغداد وخارجها، وسارت بها الركبان، وتحدث بها الناس في مجالسهم، فأحنق صدر الواثق من جديد، فبعث الفتنة بعد موتها حتى فرق بين بعض العلماء ويين زوجاتهم لأجل ذلك 142.

الجزء: 1 - الصفحة: 79

وصار يلقن للصبيان وهم في الكتاتيب: أن القرآن مخلوق بإيعاز من أحمد البدعة 143. ولكن لم يُصب الإمامَ أحمدَ من الواثق في هذه المرة إلا ما أشرنا إليه، إما لأنه علم أن لا فائدة مَن التشديد عليه بعدما عرض على الكير فخرج ذهبًا إبريزًا، وإما للخوف من عاقبة وقوف الناس في جانبه وانقلابهم على الخلافة برمتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 80

نتائج المحنة

لكل امتحان نتائجه، ولكل بلية عواقبها وآثارها، ونار هذه الفتنة لم تخمد بموت المعتصم ولا بذهاب الواثق، لأنها مسألة تتعلق بالعقيدة وبكلام الله تعالى، ولئن كان الإمام أحمد واجهها بذلك الثبات، واستحق بثباته وسعة علمه وورعه أن يلقب بإمام أهل السنة، فإن القوم لم يهدأ روعهم، ولم يستقر قرارهم.
كان الفقهاء يساقون من الأمصار إلى بغداد، ليختبروا في هذه المسألة، ويفتش عن خبايا قلولهم، وكان منهم أبو يعقوب البويطي الفقيه المصري صاحب الشافعي، فقد جيء به من مصر محمولًا مقيدًا في الأغلال، وأودع السجن حتى مات فيه سنة 231 هـ. ومنهم نعيم بن حماد، فقد مات في سجن الواثق أيضًا سنة 228 هـ 144 وكان من أمر الواثق لما استخلف أنه كتب إلى قاضي مصر محمد بن الحارث بن أبي الليث (250 هـ) بامتحان الناس في القرآن، فهرب كثير منهم، وملأ السجون بالكثير ممن أنكر المسألة، وكتب على أبواب المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه".
وعلى الرغم من تمدد مضاعفات هذه المحنة إلى الأمصار الإسلامية، واتباع الولاة مذهب الخليفة في استنطاق القضاة والفقهاء والمحدثين لمعرفة رأيهم في هذه المسألة، على الرغم من ذلك كله، فقد تغلب مذهب أهل الحق فيما بعد، وأدرك الواثق في آخر أيامه ضعف ما هو عليه مما ورث عمن قبله من سوء القول في كتاب الله العزيز، حتى روي أنه ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى بها أن الأولى ترك الإمتحان 145. ولما ولي المتوكل بعد الواثق (232 - 247 هـ)، خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الإعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال

الجزء: 1 - الصفحة: 81

والمناظرة في الأداء، وعاقب عليه، وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق من كان اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس 146. وقد زاد الله المسلمين إكرامًا بثبات إمام السنة، فأصيب ابن أبي دواد بالفالج، وعُزل عن القضاء، وولي ابنه من بعده، فلم يحسن السيرة في الناس، فسخط المتوكل عليه وعلى أبيه وصادر جميع أمواله، وولى يحيى بن أكثم الذي كان من بقية علماء السنة ممن صحب المأمون، وكان ينصحه ويبصره بالحق في مدلهمات الأمور.
وعظم شأن الإمام أحمد عند المتوكل، حتى صار إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يعظمه رغم أنفه، ورغب بجواره في عاصمة الخلافة الجديدة "سامراء"، فانتقل الإمام المبجل مع أسرته إلى هناك معززًا مكرمًا، بعدما تبينت براءته من وشاية تولى كبرها ابن الثلجي بالإدعاء على إمام السنة أنه أخفى رجلًا من العلويين في بته، وصار الناس يبايعونه سرًا عنده 147. ولكن لم تكن حياة الإمام أحمد بجوار المتوكل إلا زيادة في الزهد، وابتعادًا عن الدنيا وشبهاتها، فلم ينعم بأي شيء مما كان يغدقه الخليفة على أسرته، وسرمد الصيام حتى عاد إلى بغداد في وضعية صحية كادت تأتي على حياته.
وكان المتوكل لا يولي أحدًا إلا بمشورة الإمام أحمد، ومكث إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها، -رَحِمَهُمَا اللهُ- جميعًا 148. • رأي الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن: مما ينبغي تسجيله في ذيل هذا الحادث الذي فُتن الناس به، وجعلهم يتقاولون ويتجادلون إلى حين، أن نترجم مذهب الإمام الشيباني الذي كان يسأله عنه الناس بعد تلك المحنة، حتى كان من جملة السائلين له إسحاق بن إبراهيم، بعدما عظم شأنه عند المتوكل، وقال له: "أسالك مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟ فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوق، قال لي: من أين

الجزء: 1 - الصفحة: 82

قلت: غير مخلوق؟ فقلت: قال الله - عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، ففرق بين الخلق والأمر، فقال إسحاق: الأمر مخلوق، فقلت: يا سبحان الله، أمخلوق يخلق مخلوقًا!! فقال: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق، قال: فسكت" 149. ولا ريب أن الإمام أحمد إنما امتحن من أجل ذلك، لكن ورد في استجواب إسحاق ابن إبراهيم النائب على بغداد تنفيذًا لأمر المأمون: أن الإمام اكتفى بالقول: بإن القرآن كلام الله لم يزد على ذلك، كما ذكرناه فيما سبق 150. ولنا أن نجمع ببساطة بين الموقفين، فنقول: إنه كان يحب في البداية أن لا يخاض في القرآن الكريم، بأي قول لم يثبت عن السلف، وقد كان ذلك واضحًا في كلامه مع المعتصم حينما قال له: "إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله .... إلخ" 151 وذكر قصة وفد عبد القيس، فكأنه يريد أن يقول: إن هذه المسألة مما ينبغي أن تطوى عن أن يخاض فيها أو تمتحن بها عقائد الناس استنانًا بالسلف.
لكن لما أصبحت تناقش في مجالس العلم ويتناظر الناس في شأنها خاف الإمام أحمد أن يتشوش الأمر على أهل السنة، فقال: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، على أنه روي عن السلف أنهم كانوا يقولون ذلك.
لكن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد، فقد استجر الجدل في هذا الموضوع إلى ضرورة الإجابة عن الأسئلة التالية: 1 - ما حكم من يعتقد أن القرآن مخلوق، ويخالف الحق في ذلك؟ 2 - ما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة هل هو مخلوق أم لا؟ 3 - هل يجوز وصف القرآن بأنه قديم، باعتبار أنه وصف مناقض لكونه مخلوقًا ومساو لكونه غير مخلوق؟

الجزء: 1 - الصفحة: 83

• فأما اعتقاد أن القرآن مخلوق: فقد نقل ابن الجوزي 152 من وجوه مختلفة عن الإمام أحمد: أنه استفتي في ذلك فأجاب بأن قائل ذلك كافر.
لكن لم يذكره اللالكائي في زمرة من أفتوا بتكفير من قال ذلك، على أنه استوعب عددًا كبيرًا منهم، وعده في جملة من قالوا: لا ينكحون ولا يُصلى خلفهم، ولا تعاد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، وأن موالاة الإسلام انقطعت بينهم وبين المسلمين 153. فعلى هذا يكونون عنده معدودين في جملة البتدعة.
والذي يستوي عليه النظر، ويليق بمذهب الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، أنه ممسك عن القول في شيء لم يجد له فيه سلفًا من السنة ومذاهب الصحابة والتابعين، وأنه يكتفي بتقرير: أن كلام الله غير مخلوق دون أن يزيد على ذلك حكمًا بالكفر على من يعتقد خلاف الحق، وإن رسالته إلى المتوكل في هذا الموضوع لتدل على هذا المسلك، فقد جاء في خاتمتها ما يلي: "وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" 154. • وأما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة: فقد اختلفت الرواية في ذلك عن إمام السنة وترجمة مذهبه: قال ابن قتيبة: واختلفت عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الروايات، ورأينا كل فريق منهم يدعيه، ويحكي عنه قولًا، فإذا كثر الإختلاف في شيء ووقع التهاتر في الشهادات به، أرجأناه مثل أن ألغيناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 84

ومن عجيب ما حكي عنه مما لا يشك فيه أنه كذب عليه، إذ كان موفقا بحمد الله رشيدًا أنه قال: من زعم أن القراءة مخلوقة، فهو جهمي، والجهمي كافر، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو مبتدع، وكل بدعة ضلالة 155. واستمر في تحقيق المسألة.
ونكتة الأمر أنه قد التبس على الناس كون القرآن غير مخلوق، وكونه حين يتلى بالألسنة لا يتجلى إلا في حروف وأصوات لا يمترى في كونها مخلوقة، فلابد من الذب عن الإمام أحمد - رَحِمَهُ اللهُ- فيما نسب إليه من القول: بأن أوعية القرآن العزيز صارت غير مخلوقة بمجرد تجسد القرآن فيها، وذلك كالحروف والأصوات، والحبر والأوراق.
قأل الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد" (ص 43): أما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كلٌّ لنفسه، فليس بثابت كثيرٌ من أخبارهم، وريما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم: أنَ كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا الكلام والخوض والتنازع إلّا فيما جاء فيه العلم، وبيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذكر ابن كثير عن البيهقي: أنه لما ترجم عقيدة الإمام أحمد في القرآن أنكر على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن.
قال: وفيما حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أخبرنا أحمد -شيخنا- السراج، عن أحمد بن حنبل أنه قال: اللفظ محدث، واستدل بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
قال: فاللفظ كلام الآدميين.
وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيفما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة 156. وقال الذهبي: الذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع 157. ثم قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 85

الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق؛ لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة والصوت وإخراجُ الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يُحدث حروفَ القرآن ولا معانيه، وانما أحدث نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يُجوِّز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا: غير مخلوق؛ إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم.
والله أعلم 158. • وأما وصف القرآن بأنه قديم: فمن المعلوم أن كلمة "قديم" اصطلاح فني استخدمه علماء الكلام للتعبير عن عدم السابقية أو عدم الأولية، فهم يقولون: الله قديم، على معنى: ليس لأوليته بداية، وأنه تعبير عن معنى قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد: 2].
ومعلوم أن علم الله -عَزَّ وَجَلَّ- صفة يصدق عليها هذا الحكم، أعني كون علمه -عَزَّ وَجَلَّ- قديمًا لأنه صفة لذاته تعالى.
وأما كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- فإنه قديم أيضًا، إذ لم يزل سبحانه متكلمًا لا أولية لذلك.
وأما القرآن الذي هو كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- المنزل على قلب نبينا المصطفى محمد - عليه الصلاة والسلام -، فهل يصدق عليه هذا الوصف باعتبار أنه من ذات الكلام القديم، أو لا يجوز أن يوصف بذلك، نظرًا لما تميز به من النزول والوحي به من السماء وغير ذلك؟.
فالذي ينسجم معه مذهب إمام السنة أن لا يوصف القرآن الكريم بأنه قديم على اعتبار أنه من لازم القول بكونه غير مخلوق، وذلك لأمرين: الأول: أن السلف وصفوا القرآن بأنه غير مخلوق، ولم يصفوه بأنه قديم، ومذهب الإمام أحمد ينتهي عند السلف، لا يتجاوزهم.
الثاني: أن هذا الإطلاق فلسفي مستحدث عند علماء الكلام، والإمام أحمد لم يكن بالذي يتعاطى الكلام ويتسارع في استخدام مصطلحاته ليستغني بها عما عنده من الأثر الذي لا يحتاج معه إلى غيره.
وفي الختام نقول، كما قال الذهبي -رَحِمَهُ اللهُ-:

الجزء: 1 - الصفحة: 86

لقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث، خوفًا من أن يُتذرَّع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى.
آمنا بالله تعالى، وبملائكته، ويكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على الله يوم الدين.
ولو بُسط هذا السطر، وحُرر وقُرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحُسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه.
فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين، إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
والله أعلم 159.


الجزء: 1 - الصفحة: 87

المبحث الخامس

وفاة الإمام أحمد

ومجمل مناقبه وعلمه وفاة الإمام أحمد: لما استكمل الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 77 سنة من العمر، ودخل في الثامنة والسبعين أصابته حمى، وذلك في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة 241 هـ، فكثر عواده وتردد عليه الأطباء منذ ذلك الحين، وكان قد كتب وصيته قبل ذلك، على عادة العلماء العاملين، وهذا نص تلك الوصية المباركة: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى: أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته: أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى: أني رضيت بالله -عَزَّ وَجَلَّ- ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا.
وأوصى: أن لعبد الله بن محمد، المعروف بفُورَان عليّ نحوًا من خمسين دينارًا، وهو مصدق فيما قال، فيقضى ماله علي من غلة الدار، إن شاء الله، فإذا استوفى أُعطي ولدُ صالح وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل كل ذكر وأنثى عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد.

شهد أبو يوسف، وصالح وعبد الله ابنا أحمد بن محمد بن حنبل" 160.

الجزء: 1 - الصفحة: 89

فلما كانت صبيحة يوم الجمعة 12/ رييع الأول/ 241 هـ، حين ارتفع النهار بنحو ساعتين سلم الإمام أحمد الروح إلى بارئها، وأجاب دعوته المقررة على كل إنسان: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
وكانت الشوارع والسكك المحيطة بمسكنه ضائقة بالناس.
وحضر غسله نحو من مائةٍ من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبّلون بين عينيه، ويدعون له، ويترحمون عليه.
وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله ما لا يعلم عددهم إلا الله، وكان النائب على بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر، فتقدم وأم الناس في الصلاة عليه على الرغم من عدم موافقة أولاده على ذلك، وقد كانوا صلوا عليه قبل ذلك في داخل بيته.
ولم يستطيعوا دفنه إلا بعد العصر من شدة الزحام 161.


الجزء: 1 - الصفحة: 90

مجمل مناقب الإمام أحمد وصفاته

: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نَضَّر الله امرأً سمع منّا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رُبّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه" 162. ولا غرو أن إمام السنة كان محلًا لذلك الدعاء المبارك، فقد قال ناعتوه: إنه كان حسن الوجه، رَبْعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، أبيض الثياب، وإن كانت غليظة خشنة، يعتمُّ ويلبس إزارًا.
وكان أسمر شديد السمرة، طويل القامة 163. وكان -عليه رحمة الله- يجلس جلوس المتواضعين في خشوع باد على تقاسيم وجهه، يفضل التربع، وهو القرفصاء، وهي جِلسةكانت تحكيها الصحابية قيلة بنت مخرمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها رأته يجلس كذلك 164. وكان رجلًا مهيبًا لا يجرؤ أحد على انتهاك المهابة التي تكون في مجلسه، وهي مهابة جاء بها الورع والسمت والخشوع لله باستمرار، وليست تلك المهابة التي يفرضها المتجبرون على الناس ظلمًا وعلوًا، فكان الإمام أحمد كما قال مصعب بن عبد الله الزبيري في مالك ابن أنس: يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَعُ هَيْيةَ ... والسائلونَ نواكسُ الأذْقَانِ عِزُّ الوَقَار ونُورُ سُلطانِ التُّقَى ... فهو المَهيبُ وليس ذا سُلْطان 165 وكان كما يقول واصفوه: لا يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم، شديد الحياء، كريم النفس، حسن العشرة والأدب، كثير الإطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين

الجزء: 1 - الصفحة: 91

والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بَشَر به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه 166. • ثناء العلماء عليه: وقد أثنى العلماء عليه ثناء لا يتسع لنا أن نسجله في هذه المسطورات، لكثرته، فقد أثنى عليه شيوخه وهو صغير، ووصفوه بالعقل والنباهة، وغير ذلك، وأثنى عليه أقرانه الذين صحبهم، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم وجودة القريحة والتفوق على النظراء، مع أن العادة قد جرت بوجود التحاسد بين الأقران والأنظار، لميل النفوس إلى حب التفوق والإنفراد بالفضائل.
وأثنى عليه تلاميذه الذين لازموه ورووا عنه العلم 167. قال شيخه عبد الرزاق فيه: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع 168. وقال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل 169. وقال محمد بن الحسين الأنماطي: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل، فقال رجل: فبعضَ هذا، فقال يحيى: وكثرة الثناء على أحمد تستنكر! فلو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكاملها 170. ومن تلامذته: قال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر.
وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط 171.

الجزء: 1 - الصفحة: 92

وأثنى عليه الذهبي بكلمة جامعة فقال: "إن أحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التألُّه، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن لإخوانه وأقرانه؟ وكان مهيبًا في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هبت أحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل" 172. وكتب الله للإمام أحمد الإحترام حتى في قلوب أهل الذمة الذين كانوا يعيشون مع المسلمين في بغداد.
فقد قال المرّوذي: رأيت طبيبًا نصرانيًا خرج من عند أحمد ومعه راهب، فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله.
وأدخلتُ نصرانيًا على أبي عبد الله، فقال له: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك.
فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار.
فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس؟ 173


الجزء: 1 - الصفحة: 93

علم الإمام أحمد

(1) يتجلى لنا علم هذا الإمام المؤسس للمذهب الرابع من المذاهب الفقهية المشهورة في ثلاث نواح رئيسة: • في شهادة الناس له بذلك، وقد مضى بعض ذلك في الثناء عليه.
• في الرواية عنه.
• في مؤلفاته.

أولاً: شهادة الناس له بالعلم:

ليس أزكى للإنسان، بعد توفيق الله -عَزَّ وَجَلَّ- له، ورضاه عنه من شهادة أفضل أهل زمانه له بالعلم والتفوق في الفضائل وحيازة السبق في الفنون، وكم يلهث أكثر أهل زماننا وراء الإجازات ونيل التزكيات، ولكن هيهات فقد أدركنا ما وراء الأكمة! والحق كما قال الراجز: والحقُّ أن لا تُفتي حتَّى ترى ... نفسك أهلاً ويرى ذاكَ الورَى فمالكٌ أجازه سَبْعونَ ... محنَّكاً للصَّحْب يتبعونَ 175 وإمامنا أحمد لا يسأل عنه، كما يقول علماء الرجال، فقد انعقدت له الإمامة في العلم بالإستفاضة والشهرة، ولو ذهبنا ننقل شهادات الأعيان له لظن الظانون أن الرجل بحاجة إلى ذلك، ولكننا سنكتفي ببعض ذلك ليدلك على غيره.
فقد قال قرينه أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث!! فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.
وعلق الذهبي على ذلك بقوله:174

الجزء: 1 - الصفحة: 94

فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأثر وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشر معشار ذلك 176. وقد تقدم: أن الإمام أحمد أتى على ما عند شيخه هشيم من مسموعات وهو لا يزال حياً، وكان الشافعي يسترشده في معرفة ما ثبت من صحيح الأحاديث ليعمل به.
كما تقدم أنه لم يكن عنده ترجمة على ظهور الأجزاء المروية عن شيوخه، وكان يعرفها مع ذلك ويميزها، مما أذهل أبا زرعة الرازي.
وتقدم أن عبد الرحمن بن مهدي كان يعتبر الإمام أحمد وارث علم سفيان الثوري، حتى إنه يُذكِّره به وكأنه نسخة ثانية من شخصيته، وكان عبد الرحمن واسطة بين الرجلين تلميذاً لهذا وشيخا لهذا.
وزاد محمد بن إبراهيم البوشنجي على ذلك فقال: هو -أي أحمد- عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري، وذلك أن سفيان لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن أحمد بن حنبل، ولا عِلْم سفيان ومن تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمع لها وأبصر بمتقنيهم وغالطيهم، وصدوقهم وكذوبهم منه 177. فهذه الشهادات تعطينا صورة عن حفظ الإمام أحمد، وسعة اطلاعه على السنن والآثار وفتاوى التابعين، وأنه كان لا يشق له غبار في ذلك، حتى قال أبو بكر ابن أبي شيبة: لا يقال لأحمد بن حنبل: من أين قلت؟! 178. وقال عبد الوهاب الوراق: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، فقالوا له: وأي شيء بأن لك من فضله وعلمه؟ قال: رجل سئل ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: حدثنا وأخبرنا 179.

الجزء: 1 - الصفحة: 95

ثانياً. في الرواية عنه:

روى الناس عن اللإمام أحمد الحديث بسنده، ورووا عنه الفقه الذي نُسج منه مذهبه وتألف فيما بعد.
وكان إذ ذاك في صورة مسائل أجاب عنها، ثم دوَّنها الأصحاب من بعده وجمعوها، وصارت هي أم المذهب.
• فأما الحديث: فهو الإمام فيه، والمفتاح لخزائن كنوزه، والجهبذ في معرفة علله ورجاله، وصحيحه وسقيمه، بل يعتبر فقهه وليداً من حديثه، لا يكاد يسأل عن مسألة إلا ويجيب فيها بحديث مسند، أو أثر لصحابي، أو فتوى لتابعي.
قال عبد الوهاب الوراق: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
قالوا له: وأيش الذي بأن لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: "أخبرنا" و"حدثنا" 180. وقد روى عنه الناس في مسانيد الصحابة، وخرجوا أحاديثه في مصنفاتهم، ورووا عنه في علل الأحاديث، كلما رووا عنه في معرفة الرجال فيما يتعلق بأسمائهم، وكناهم، وألقابهم، وجرحهم وتعديلهم، وغير ذلك.
وحدث عنه جماعة من مشايخه ومن الأكابر منهم، قد استوفاهم ابن الجوزي بأسمائهم، فذكر منهم (19) شيخاً؛ كإسماعيل ابن علية، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وتقدم أنه يذكره في مروياته بوصفه لا باسمه، فيقول: حدثني الثقة 181. وحدث عنه من تلامذته جماعة لا يحصون كثرة، جرد ابن الجوزي أسماءهم في "المناقب" والمزي في "تهذيب الكمال".

الجزء: 1 - الصفحة: 96

• أحمد في الكتب الستة: ومن جملة تلاميذه المباشرين وبواسطة، أصحاب الأصول الستة.
قال الذهبي: "حدث عنه البخاري حديثاً، وعن أحمد بن الحسن عنه حديثاً آخر في المغازي، وحدث عنه مسلم، وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن رجل عنه" 182. وإليك ذلك الحديث المذكور في مغازي "الجامع الصحيح": "حدثني أحمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست عشرة غزوة" 183. وأما الحديث الثاني، فهو موقوف على ابن عبَّاس في كتاب النكاح.
قال البخاري: وقال لنا أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع.
ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الآية.
وذكر الآثار بطولها 184. • قلة أحاديث أحمد في صحيح البخاري وسببها: ذكر الحافظ ابن حجر سبب إقلال البخاري من التخريج للإمام أحمد في "صحيحه"، فقال: وليس للمصنف في هذا الكتاب رواية عن أحمد إلا في هذا الموضع -إشارة إلى الحديث السابق- وأخرج عنه في آخر المغازي حديثا بواسطة -وقد أوردناه آنفا- وكأنه لم يكثر عنه، لأنه في رحلته القديمة لقي كثيراً من مشايخ أحمد فاستغنى بهم، وفي رحلته الأخيرة كان أحمد قطع التحديث، فكان لا يحدث إلا نادراً، فمن ثَمّ أكثر البخاري عن علي بن المديني دون أحمد 185.

الجزء: 1 - الصفحة: 97

وقد خلف لنا الإمام أحمد ذلك الديوان العظيم المسمى: "المسند"، وقد صُنِّف في جمع السنة ما يزيد على المائة مسند 186، فكان لابد من قرن اسم المصنِّف بالمسند الذي صنفه كـ"مسند عبد بن حميد" و"مسند أبي يعلى الموصلي" .. حتى يتميز عن غيره، ولكن لشهرة مسند أحمد، وتفوقه على غيره أصبح هذا الإسم المجرد -أعني "المسند"- علماً عليه بالغلبة، فإذا أطلق فهو المقصود به حصراً، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في ذكر المؤلفات في الحديث.
• وأما الفقه: فقد روي عنه -رَحِمَهُ اللهُ- في صيغة أسئلة وأجولة على غرار الفتاوي المسموعة، ولم يدوّن كتاباً في ذلك قط، لأنه كان يكره حتى التعليقات المكتوبة بإزاء السنن والآثار، كما هو صنيع مالك في "الموطأ"، بَلْهَ الفقه المجرد الذي ليس فيه إلا الإجتهاد الخالص.
فيكون المذهب الحنبلي قد ولد أول ما ولد في صورة أسمعة كتبها الأصحاب، بعضها في حياته وبعضها بعد وفاته، فكان بهذا شبيهاً بالمذهب المالكي.
فقد تَكوَّن هو الآخر بهذه الطريقة، وبزغ فجره في كتاب "الموطأ" وأسمعة الأصحاب لمسائل الفقه التي أجاب عنها، فعبد الرحمن بن القاسم له سماع من مالك بلغ عشرين كتاباً، وأبو محمد عبد الله بن وهب له سماع من مالك بلغ ثلاثين كتاباً، وأشهب بن عبد العزيز له سماع من مالك يقول عنه سحنون: حدثني المتحري في سماعه: اْشهب ... وكان ورعاً في سماعه.
وعدد كتب سماعه عشرون كتاباً.
وأبو محمد عبد الله بن عبد الحكم كان له سماع من مالك، "الموطأ" نحو ثلاثة أجزاء.
وصنف كتباً اختصر فيها أسمعته 187. وكذلك الإمام أحمد دون أصحابه مذهبه في مرحلته المبكرة، فيما عرف واشتهر بـ "المسائل".

الجزء: 1 - الصفحة: 98

قال الذهبي: "وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات، كالمرّوذي، والأثرم، وحرب، وابن هانئ، والكوسج، وأبي طالب، وفوران، ويدر المغَارلي، وأبي يحيى الناقد .. " وسرد نحواً من خمسين راوية، ثم قال: "وخلق سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله، نقلوا المسائل الكثيرة والقليلة" 188. وجرد ابن أبي يعلى في مقدمة "الطبقات" عدداً من نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ثم قال: وهم مائة ونيف وعشرون نفساً.
ويتميز هذا الكتاب -يعني كتاب الطبقات- بالعناية برواية المترجمين عن الإمام أحمد وذكر مصنفاتهم 189. ويعتبر جرد العلامة علاء الدين المرداوي (ت 885 هـ) أحسن جرد في هذا الموضوع، فقد عقد في آخر كتاب "الإنصاف" فصلاً في ذكر أسماء نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ورتبهم على حروف المعجم، وعرَّف بكل واحد منهم تعريفاً موجزاً مبيناً ما لكل واحد منهم من الرواية على وجه الإجمال، فتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة جداً حساناً" وتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة" وتارة يقول: "نقل مسائل" وتارة يقول: "نقل أشياء" .. فأحصى نيفاً وثلاثين رجلاً.
وقال في أوله: "فصل في ذكر من نقل الفقه عن الإمام أحمد، - رضي الله عنه - من أصحابه ونقله عنه إلى من بعده، إلى أن وصلت إلينا، فمنهم المقل، ومنهم المكثر، وهم كثيرون جداً، لكن نذكر جملة صالحة منهم يحصل المقصود بها إن شاء الله" 190. وقال في خاتمته: "وهذا آخر ما قصدنا ذكره من أئمة أصحاب الإمام أحمد - رضي الله عنهم -، ممن نقل الفقه عنه، مما لا يستغني عنه طالب العلم.
وهم نيف على ثلاثين ومائة نفس.
ومن نقل عنه الفقه وغيره جماعة كثيرون جداً، ذكرهم أبو بكر الخلال، وأبو بكر بن عبد العزيز -يعني غلام الخلال- في "زاد المسافر" والقاضي أبو الحسين بن أبي يعلى في "الطبقات" وقد زادوا فيها على الخمسمائة.
وذكر ابن الجوزي بعضهم في "مناقب الإمام أحمد" وغيرهم.
فإن من طالع في هذا الكتاب وغيره

الجزء: 1 - الصفحة: 99

من كتب الأصحاب يحتاج إلى معرفة الناقلين عنه، فإن بعضهم تارة يذكرهم بكناهم، ويعضهم يذكرهم بألقابهم، ويعضهم يذكرهم بأسمائهم.
وهم أيضاً متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد - رضي الله عنه -، والنقل عنه والضبط والحفظ" 191. وينبغي أن نعلم أن كلمة "فقه" الواردة في مثل هذه المواطن تعني أوسع من مدلولها الإصطلاحي المستقر.
فكتب "المسائل" هي عبارة عن دواوين لفقه الدين بمعناه الواسع، فنجد فيها الفقه والاعقاد والتفسير والأصول والزهد ومناحي من الفنون لا تحصى كثرة، يتجلى لنا ذلك في أعمال أبي بكر الخلال (ت 311 هـ). فقد قال عنه ابن الجوزي: "صرت عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتباً، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء, ولم يقارب أحد من أصحاب أحمد في ذلك" 192. وهو يعد في الطبقة الثانية من الأصحاب، فلذلك يعتبر متلقياً لعلم الإمام أحمد بواسطة أصحابه، فيكون هو جامع شتات تلك "المسائل" من مدونيها، كما يدل عليه عنوان كتابه الكبير.
قال الذهبي: "وجمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة" 193. ثم قال: "وألف كتاب "الجامع" في بضعة عشر مجلدة أو أكثر، وقد قال في كتاب "أخلاف أحمد بن حنبل": لم يكن أحدٌ علمتُ عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله قط، ما عُنيت بها أنا".
وقد طبع من هذه المسائل: رواية ابنيه صالح وعبد الله، وأبي داود السجستاني صاحب "السنن"، وإسحاق ابن هانئ، وعبد الله البغوي المشهور بابن بنت منيع، وإسحاق بن منصور الكوسج، ومسائله ممزوجة بمسائل إسحاق بن راهويه، حقق منه: الطهارة، والصلاة، والصيام، والمعاملات.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

ثالثاً: في مؤلفاته:

قال ابن الجوزي: "كان الإمام أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات" (1). وهذه إشارة مهمة جداً في تصوير المنحى العام لمصنفات الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، فقد كانت تصانيفه المنقولات، على معنى أنه -رَحِمَهُ اللهُ- كان يجمع في مؤلفاته الأحاديث المرفوعة، والموقوفة، وفتاوى التابعين، وتفاسيرهم التي تلقوها عن الصحابة فيما يتعلق بتأويل القرآن وعلومه المختلفة.
فكونه يذهب الى كراهة وضع الكتب لا يتنافى إذن مع تأليفه لمجموعة من الكتب والمصنفات، والرسائل، ما دام يروي في تلك المصنفات ولا يرى، ويتبع ولا يبتدع، ويحيل ولا يتكفل.

وإليك جريدة ب

ما نسب إلى الإمام أحمد من كتب

: 1 - المسند.
طبع مراراً 2 - العلل ومعرفة الرجال.
ذكر العقيلي في "الضعفاء" أنه قرأه على عبد الله غن أبيه.
طبع منه جزءان.
3 - فضائل الصحابة.
فيه زيادات لابنه عبد الله وأبي بكر القطيعي.
طبع في (مجلدين) بتحقيق وصي الله بن محمد عباس سنة (1403) هـ، مؤسسة الرسالة ببروت.
4 - التفسير.
ذكره ابن النديم وابن الجوزي، ونقل عن الزجاج في "معاني القرآن" حيث قال فيه (4/ 166): أكثر ما رويتُ في هذا الكتاب من التفسير فهو من كتاب "التفسير" عن أحمد بن حنبل.
وقال في موضع آخر منه (4/ 8): روينا عن أحمد بن حنبل -رَحِمَهُ اللهُ- في كتابه "كتاب التفسير"، وهو ما أجازه لي عبد الله ابنه عنه.
ومع ذلك فقد أنكره الذهبي في "السير" (11/ 332 و 13/ 325).194

الجزء: 1 - الصفحة: 101

5 - الناسخ والمنسوخ.
مصورته في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة المنورة.
6 - الزهد.
قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": إنه كتاب كبير في قدر ثلث "المسند" مع كبر "المسند" وفيه من الأحاديث والآثار مما ليس في "المسند" شيء كثير.
فعلى هذا يكون المطبوع منه جزءاً يسيراً فقط.
7 - الفرائض.
ذكره ابن النديم.
وقال الذهبي في "السير" (11/ 228): رأيت له ورقة من هذا الكتاب.
وفي "المناقب" (613) لإبن الجوزي ما يشير إلى أنه كان عند إبراهيم الحربي يرويه للناس.
8 - الأسامي والكنى.
ذكره الوادي آشي في "برنامجه" ضمن مسموعاته.
وقد طبع.
9 - حديث شعبة.
ذكره ابن الجوزي والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (9/ 375). 10 - التاريخ.
ذكره ابن الجوزي.
11 - الورع.
نُسب إليه، وليس من تأليفه بل هو من تأليف أبي بكر المرّوذي (تلميذه).
وقد طبع.
12 - الرد على الزنادقة والجهمية.
وقد طبع مراراً.
13 - كتاب أهل الردة والزنادقة.
يوجد في مكة في حوزة محمد حمزة، ومنه نسخة مصورة بالقاهرة.
انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (3/ 225). وهو مطبوع.
14 - الإيمان.
ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/ 353) وتوجد منه مخطوطة في المتحف البريطاني.
انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (3/ 229). 15 - طاعة الرسول.
ذكره ابن النديم.
16 - الإمامة.
ذكره الذهبي في السير (11/ 335) وقال: مجلدة صغيرة.
17 - نفي التشبيه.
ذكره الذهبي في السير (11/ 335) وقال: مجلدة.
18 - المقدم والمؤخر في القرآن.
ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 375). وفي ترجمة المروذي من "الطبقات" (1/ 62) لإبن أبي يعلى شيء من مضمونه.
19 - جوابات القرآن.
ذكره الخطيب في "التاريخ" (9/ 375).

الجزء: 1 - الصفحة: 102

20 - المناسك الكبير.
ذكره ابن النديم.
21 - المناسك الصغير.
ذكره ابن الجوزي.
22 - الأشربة.
ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/ 303). وهو مطبوع.
23 - الوقوف والوصايا.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
وهو مطبوع.
24 - أحكام النساء.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
وهو مطبوع.
25 - الترجل.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
وهو مطبوع، 26 - الإرجاء.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
27 - الفتن.
توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق.
وهو مطبوع.
28 - فضائل أهل البيت.
ذكره الحاكم في "المستدرك" (3/ 157). 29 - مسند أهل البيت.
مُستلّ من "المسند".
وهو مطبوع.

الجزء: 1 - الصفحة: 103

رسائل الإمام أحمد

وتنسب إلى الإمام أحمد الرسائل التالية: 1 - رسالة "السُّنة" المعروفة برسالة الإصطخري: رواها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (1/ 24 - 36). 2 - رسالة كتبها إلى المتوكل في مسألة خلق القرآن: أخرجها أبو نعيم في "الحلية" (9/ 216 - 219) ومن طريقه رواها ابن الجوزي والذهبي، وأثنى على إسنادها ثناء حسناً.
3 - رسالة الحسن بن إسماعيل الربعي: قصيرة جداً، أوردها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (1/ 130). 4 - رسالة عبدوس بن مالك العطار: مطولة، أوردها ابن أبي يعلى أيضاً (1/ 241 - 246). 5 - رسالة محمد بن عوف الطائي: مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (1/ 311 - 313). 6 - رسالة محمد بن يونس السرخسي: أوردها ابن أبي يعلى (1/ 329 - 330). 7 - رسالة إلى مسدد بن مسرهد البصري (ت 228 هـ): مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (1/ 341 - 345). 8 - رسالة في الصلاة: كتبها إلى مهنا بن يحيى الشامي، كما في "الطبقات" (1/ 348 - 380) وهي موضوعة على الإمام أحمد، كما قال الذهبي (11/ 287، 330)، والذي يقرؤها يجد أنها تتجافى مع أسلوبه وطريقته، مما يؤكد قول الذهبي.
وتوجد منها نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (2/ 13853 مجاميع) مؤلفة من (9) ورقات، ونسخة أخرى برقم (1/ 6786 مجاميع) مؤلفة من (12) ورقة.
وهي مطبوعة بمصر بعنوان "الرسالة السنية في الصلاة وما يلزم فيها للإمام".

الجزء: 1 - الصفحة: 104

المسند

ديوان السنة النبوية

الجزء: 1 - الصفحة: 105

لا يذكر الإمام أحمد إلا ويذكر معه ذلك الديوان العظيم "المسند" والذي غابت في ضياء شمسه لوامع كتبه ومصنفاته الأخرى، لقد انتشر هذا الكتاب في الآفاق وسارت به الركبان، وكان له من المنزلة بين كتب الإسلام ما كان للإمام أحمد من المنزلة بين أئمة الإسلام الكبار.
وسيكون الحديث عن المسند في المباحث التالية:

  • تاريخ تأليفه.
  • وصفه.
  • روايته.
  • مكانته.
  • الأعمال التي تمت عليه.

تاريخ تأليف المسند

: لقد مر تاريخ تدوين السنة النبوية بعدة مراحل، فكانت في زمن الصحابة محفوظة في صدور الرجال إلا بعض الصحائف التي كانت بأيدي ثلة قليلة من الصحابة ... وكذلك كان الحال في صدر زمن التابعين، إلى أن عهد عمر بن عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- إلى حافظ زمانه ابن شهاب الزهري (ت 124 هـ) بجمع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبدأ الجمع من يومئذ وبزغ فجر التدوين، فدونت السنة في تلك المرحلة الأولى في "جوامع" كجامع سفيان الثوري، وجامع سفيان بن عيينة، وجامع ابن جريج، وجامع فلان وفلان ... وكانت تلك "الجوامع" لا تتميز بأي نظام تصنيفي، وإنما كانت تجمع أحاديث فلان على حدة وأحاديث فلان على حدة، وهكذا، ويسمى المجموع الكلي لتلك المسموعات المترجمة على الشيوخ: الجامع.
ثم جاء دور"التصنيف"، والتصنيف يختلف عن التدوين؛ إذ إنه يعتمد على منهج محدد وترتيب منسق داخل الكتاب المؤلف.

الجزء: 1 - الصفحة: 107

فهناك من صنف الأحاديث التي رواها عن شيوخه على أبواب الفقه، فوضع كل حديث في كتابه المناسب وبابه المناسب.
وهذا ما عرف "بالسنن"، كسنن أبي داود والترمذي وهناك من توسع أكثر فأضاف إلى أبواب الفقه علوماً أُخر، كالمغازي والتفسير والإيمان والتوحيد والفضائل، وغير ذلك، فكان كتاباً جامعاً، وذلك كـ: "صحيح الإمام البخاري" و"صحيح الإمام مسلم".
وهناك من سلك مسلكاً آخر وكان غرضه تجميع أحاديث الصحابة صحابياً صحابياً، وإفراد مرويات كل صحابي في كتاب، وتكوين ديوان جامع من ذلك كله، وهو ما سمي بـ"المسند".
فالمسند: هو الكتاب الذي يكون فيه حديث كل صحابي على حدة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، من غير التفات إلى الموضوعات والأبواب، ويتبع في ترتيب مسانيد الصحابة طرائق عدة، فقد ترتب على حروف الهجاء، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحايي واحد، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة يجمعها وصف واحد، كمسند المُقلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك 195. وهكذا كان "مسند الإمام أحمد" الذي يقع إلى جانبه ما يزيد على مئة كتاب بهذا العنوان، مثل: مسند الحميدي، ومسند أسد بن موسى، ومسند عَبد بنِ حُميد، ومسند الطيالسي.
متى بدأ الإمام أحمد بتصنيف مسنده؟ يرى الشيخ محمد أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن الإمام أحمد بدأ في تصنيف "المسند" مع بداية الطلب، أي في حدود سنة (180 هـ) قبل خروجه من بغداد 196. وهذا الرأي بعيد، فأما أن يكون الإمام أحمد بدأ بجمع مادة "المسند" مع بداية الطلب فذلك ما لا يجادل فيه أحد، وأما أن يكون فكَّر في "المسند" وأخذ في تصنيفه منذ ذلك الحين فهناك من الأدلة ما يخالفه، وذلك أن أحاديث الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد كانت في ذلك الوقت عبارة عن "جوامع" لمرويات الشيوخ على ما وصفنا آنفاً، وبالتالي فتصنيف "المسند" لا يمكن أن يخصل لأحد إلا بعد استشراف ما عند الشيوخ من الأحاديث ليرتبها بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 108

ذلك على مسانيد الصحابة، وهذا مالم يكن قد توفر للإمام أحمد وهو في بداية الطريق.
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد من النقل ما يصرح بأن بداية تصنيف "المسند" كانت على رأس المئتين حينما رجع الإمام أحمد من رحلاته التي كان آخرها رحلته اليمنية إلى عبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ). فقد روى الحافظ أبو موسى المديني بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: صنف أبي السند بعد ما جاء من عند عبد الرزاق (1). فالإمام أحمد لما أنهى تلك الرحلات التي رحلها إلى الأمصار الإسلامية التي كانت فيها الأحاديث، ويستوطنها الحفاظ والرواة، وجد نفسه قد دوَّن ما يتجاوز ثلاثة أرباع المليون 750.000) من الأحاديث، فجاءت فكرة تصنيف مسند يجمع أحاديث كل صحابي على حدة، وينتقي من ذلك العدد الهائل الأحاديث ذات الأسانيد المعروفة المشهورة.


وصف المسند

: يتكون المسند من عدد كثير من الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 198؛ بعضها رواه الإمام أحمد بأسانيده إلى أولئك الصحابة، وهي تشكل معظم المسند، بالإضافة إلى زيادات رواها ابنه عبد الله عن عوالي شيوخه وأدرجها ضمن مسند أبيه، كما توجد زيادات لأبي بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد عن أبيه.
ويتطلب البحث أن نتفحص السند وهو في الوضع الذي كان عليه قبل أن يتصرف فيه عبد الله ابن الإمام بالترتيب والإضافات.
ثم نتعرف على عدد أحاديثه إجمالاً وكيفية توزيعها على مسانيد الصحابة، وزوائد عبد الله والقطيعي.197

الجزء: 1 - الصفحة: 109

• المسند في صورته التي تركه عليها أحمد: يقول ابن الجزري -رَحِمَهُ اللهُ-: إن الإمام أحمد شرع في هذا "المسند"، فكتبه في أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسوّدة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته، ما يشابهه ويماثله 199. وهكذا كان "المسند" في بدايته؛ عبارة عن مجموعة من الأجزاء المنفردة بعضها عن بعض، وكل جزء يحتوي على مجموعة من الأوراق المنفردة هي الأخرى بحيث لا تربطها أرقام ولا يهتدى فيها إلى تسلسل معين.
• المسند بين يدي عبد الله بن أحمد: وقد رتب عبد الله بن الإمام "المسند" ترتيباً لم يخرجه في حقيقة الأمر عن الصورة التي كان عليها عند أبيه، وقد وقع فيه خلل في جملة مواضع لا تمس جوهر الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرار الحديث الواحد بإسناده ومتنه لغير فائدة في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان.
وقد نبه على ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه: "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند".
ثم قال: ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله -رَحِمَهُ اللهُ- فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذييه، ونزل به أجله قبل تلفيقه وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فيه خوفاً من حلول عائق موته دون بلوغ مقصوده فيما يرتضيه 200.

الجزء: 1 - الصفحة: 110

• عدة أحاديثه: قال الحافظ أبو موسى المديني -وهو من جملة من وقع له المسند كاملاً عن شيخه ابن الحصين-: فأما عدد أحاديث "المسند" فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زُريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه منه؛ يعني: عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع "المسند"، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير، وهو مئة ألف وعشرون ألفاً، سمع منه ثمانين ألفاً والباقي وجادةٌ.
فلا أدري: هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره؟ ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى 201. وعلق الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- على ذلك بقوله: "هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفاً، وقد لا يبلغ الأريعين ألفاً.
وسيتبين عدده الصحيح عند إتمامه إن شاء الله".
اهـ. ولكنه عاجلته المنية قبل تحقيق الأمنية -رَحِمَهُ اللهُ- وقد عمل في "المسند" نحو الربع، ولو أتمه لكوشف بعين الحقيقة، ولصار اليقين الذي قطع به إلى المراجعة، فقد كشفت الطبعة الجديدة الصادرة عن "مؤسسة الرسالة" في (50) مجلداً؛ أن عدد أحاديث "المسند" (27647) حديثاً، بما في ذلك المكررات وزوائد عبد الله.
والله أعلم.
= الصحابة" بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري.
وقال الحافظ ابن حجر: وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- لم يرتب مسانيد المقلين فرتبها ولده عبد الله فوقع فيه إغفال كبير من جعل المدني في الشامي ونحو ذلك.
اهـ. مقدمة تحقيق "أطراف المسند" ص 55، نقلاً عن "المعجم المفهرس" لإبن حجر.

الجزء: 1 - الصفحة: 111

• ترتيب الصحابة في المسند: لقد توخَّى الإمام أحمد ترتيب الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها: الأفضلية، والسابقة في الإسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية.
وذلك أنه بدأ "مسنده" بمسانيد الخلفاء الأربعة، وثنى بمسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، وثلث بمسند أهل البيت، ثم تلاهم بمسانيد المكثرين من الرواية، كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسانيد الأمصار: مسند المكيين، ثم المدنيين, ثم الشاميين، ثم الكوفيين, ثم البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء 202. • زوائد المسند: وتعتبر زوائد عبد الله على أصل "المسند" من جملة آثاره التي أكمل بها عمل أبيه في هذا الديوان العظيم.
وذلك أن عبد الله لما تلقى "المسند" عن أبيه على الصفة التي مرت203204205206207208209210211212213214215216217218219

الجزء: 1 - الصفحة: 112

آنفاً، قام بعد ذلك بترتيبه وتهذيبه، وفي ذلك يقول الذهبي: وهذا كتاب "المسند" لم يصنفه هو -يعني الإمام أحمد- ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخاً وأجزاء، ويأمره أن: ضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان 220 اهـ. فالمسند بالصورة الحالية من عمل عبد الله، وإلى جانب العمل الفني في الترتيب والتهذيب أضاف عدداً غير قليل من الأحاديث بأسانيده عن شيوخ أُخَر غير أبيه، قال الذهبي: وله زيادات كثيرة في "مسند" والده واضحة عن عوالي شيوخه 221 اهـ. وجملة الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد في "المسند" (283) شيخاً، وجملة شيوخ عبد الله في زوائده (173) شيخاً، وذلك على ما أحصاه ابن الجزري 222. وأما زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (ت 368 هـ) فقد صرح بوجودها أكثر من واحد من العلماء 223. فقد قال ابن الجزري في سياق إسناده في تلقي "المسند": فأخبرني به كذلك مع الزيادات فيه لعبد الله بن أحمد وأبي بكر القطيعي الشيخ الصالح الأصيل رحلة البلاد وجامع لواء الإسناد وملحق الأحفاد بالأجداد اللإمام صلاح الدين أبو عبد الله وأبو عمر محمد بن الشيخ الصالح العالم تقي الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ عز الدين ... إلى أن قال: أخبرك بجميع مسند الإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، وبما فيه من زيادات ابنه عبد الله عن غير أبيه، وبزيادات القطيعي أيضًا، وهي في مسند الأنصار - رضي الله عنهم - 224. اهـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الزيادات: ثم زاد ابن أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة 225. اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

رواية المسند

: انفرد عبدُ الله بن أحمد بن حنبل برواية "المسند" عن أييه، مع أنه سمعه مع أخيه صالح وابن عم أبيه حنبل بن إسحاق، وصالح -وهو أكبر أولاد الإمام - كان كثيراً ما يتغيَّبُ عن السماع سعياً وراء عياله 226، ولعلَّ حنبلَ بن إسحاق اهتمَّ بفقه الإمام أحمد أكثر من اهتمامه بحديثه 227، ومن ثَمَّ انفرد عبد الله بسماع سائر "المسند" عن أبيه 228، بل إن بعض الأحاديث سمعها منه مرتين وثلاثاً 229، وقد روى لنا "المسند" كما سمعه وزاد عليه أحاديث عن عوالي شيوخه وقد بلغ عددهم مئة وثلاثةً وسبعين شيخاً.
وعبد الله وثَّقه النسائي والدارقطني والخطيب وغيرهم، وحدَّث عنه النسائي وابن صاعد، وأبو علي بن الصواف، وأبو بكر بن النجاد، وأبو بكر القطيعي، وخلق كثير.
كانت ولادته سنة (213 هـ)، وتوفي سنة (290 هـ) عن سبع وسبعين سنة 230. وقد نقل "المسند" برواية ابن الحُصين عن ابن المُذْهب، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن الإمام أحمد.
• ترجمة القطيعي (الراوي عن عبد الله): هو أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعيُّ، ولد سنة (274 هـ)، وسمع "المسند" مع عمِّ أمه عبد الله بن الجصَّاص، وكان لأبيه جعفر اتصالٌ بالدولة، وكان عبد الله ابن الإمام أحمد يقرأ "المسند" لإبن ذلك السلطان، فحضر القطيعيُّ أيضاً، وسمعه منه 231. وقد اتهمه ابنُ أبي الفوارس، فقال: لم يكن بذاك، له في بعض "المسند" أصولٌ فيها نظر، ذُكر أنه كتبها بعد الغرق 232. وكانت القطيعة -موطن سكناه- قد غرقت، فغرق فيها

الجزء: 1 - الصفحة: 114

بعض كتبه، فغمزه الناس لاستحداث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه 233. وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة بقوله: ومثلُ هذا لا يُطعنُ به عليه، لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب التي غرقت قد قُرئت عليه، وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني، وابن شاهين، والبرقاني وأبي نعيم والحاكم 234. وقال الخطيب البغدادي: لم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه، ولا ترك الإحتجاج به 235. وقال الحاكم: ثقة مأمون 236. توفي أبو بكر سنة (368 هـ) وله خمس وتسعون سنة 237 • ترجمة ابن المُذهِب (الراوي عن القطيعي): هو أبو علي الحسنُ بن علي ابن المُذْهِب، البغدادي الواعظ.
ولدَ سنة (355 هـ). قالَ الخطيب البغدادي: كَتَبْنا عنه، وكان يروي عن ابن مالك القَطيعي "مسند" أحمد ابن حنبل بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلا في أجزاء منه، فإنه ألْحقَ اسمَه فيها 238. وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة أيضاً بقوله: هذا لا يوجب القدح، لأنه إذا تيقن سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه 239. وقال أبو بكر ابن نقطة: ليتَ الخطيب نبَّه في أيِّ مسند تلك الأجزاء التي استثنى، ولو فعل لأتى بالفائدة، وقد ذكرنا أن مسندي فضالة بن عبيد، وعوف بن مالك لم يكونا في

الجزء: 1 - الصفحة: 115

نسخة ابن المذهب، وكذلك أحاديث من مسند جابر، لم توجد في نسخته، رواها الحرَّاني عن القطيعي، ولو كان ممن يُلحقُ اسمه كما قيل لألحق ما ذكرناه أيضاً، والعجب من الخطيب يَرُدّ قوله بفعله 240. وقد روى الحافظ ابن عساكر "المسند" من طريق ابن المذهب وليس في نسخته مسند فضالة بن عبيد وعوف بن مالك، قال في كتابه "ترتيب أسماء الصحابة": عوفُ بن مالك الأشجعي في جزءٍ فيه فضالة بن عبيد، ولم يقع إلينا مسموعاً 241. وقال ابن حجر في "أطراف المسند": وهو فوتٌ لإبن المُذهب على القطيعي لم يسمعه منه، وقد رواه عن القطيعي أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران، وحدَّث به عنه أبو الحسن علي بن العلاف، وهذا العلاّف قد أجاز لأبي القاسم بن عساكر ولأبي موسى المديني وطائفة، فيمكن اتصاله بالإجازة من طريق بعضهم 242. توفي ابن المُذهب سنة (444 هـ) 243. • ترجمة ابن الحصين (الراوي عن ابن المُذْهب): هو أبو القاسم هبةُ الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصين الشيباني البغدادي.
ولد سنة (432 هـ). قال ابن الجوزي؛ كان ثقةً، صحيح السماع، وسمعتُ منه "مسند" الإمام أحمد جميعه 244. وقال السمعاني: شيخٌ، ثقة، دَيِّنٌ، صحيح السماع، واسعُ الرواية 245. وقد حدَّث عن ابن الحُصين أيضاً أبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المديني، وحنبل ابن عبد الله المكبِّر.

الجزء: 1 - الصفحة: 116

وعن ابن الحصين اشتهرت روايةُ "المسند" وذاع في جميع البلدان، ورواه العددُ الجمُّ من الحفاظ الثقات، وتصدوا لإسماعه وروايته.
توفي ابن الحُصين سنة (525 هـ) 246. • طريق أخرى في رواية المسند: وللحافظ أبي موسى المديني 247 طريقٌ آخر للمسند ينتهي إلى القطيعي، قال عنه في كتابه "خصائص المسند": فإن مما أنعم الله علينا أن رزقنا سماع كتاب المسند للإمام الكبير، إمام الدين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -رَحِمَهُ اللهُ- تعالى - فحصّل لي والدي -رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه عني خيراً - إحضاري قراءته سنة خمس وخمس مئة على الشيخ المقرئ بقية المشايخ أبي علي الحسن بن الحداد، وكان سماعه لأكثره عن أبي نعيم أحمد ابن عبد الله الحافظ -وما فاته منه قرئ عليه بإجازته له- وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، على ما تنطقُ فهرست مسموعاتي بخط والدي -رَحِمَهُ اللهُ- 248: 1 - أما أبو علي ابن الحدّاد، فهو مسند العصر، الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مهرة الأصفهاني، شيخ أصبهان في القراءات والحديث جميعاً.
ولد سنة (419 هـ)، وبدأ بالسماع سنة (424 هـ) وبعدها، وأكثر عن أبي نعيم الحافظ، ومن جملة ما سمع منه "مسند" الإمام أحمد.
قال السمعاني: هو أجلُّ شيخٍ أجاز لي، رَحَل الناس إليه، وكان خيراً صالحاً ثقة.
توفي سنة (515 هـ) 249. 2 - وأما أبو نعيم: فهو الحافظ، الثقة، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الأصبهاني، صاحب كتاب "حلية الأولياء"، و"تاريخ أصبهان"، و"معرفة الصحابة"، و"المستخرج على الصحيحين".
ولد سنة (336 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 117

كان حافظاً مبرِّزاً، عاليَ الإسناد، تفرَّد في الدنيا بشيء كثيرٍ من العوالي، وهاجر إلى لُقِيِّهِ الحفاظ.
توفي سنة (430 هـ) 250. 3 - وأما أبو علي ابن الصواف: فهو الشيخ، المحدث، الثقة، الحجة، محمد بن أحمد ابن الحسن بن إسحاق البغدادي.
ولد سنة (270 هـ). قال الدارقطني: ما رأت عيناي مثلَ أبي علي ابن الصواف.
وقال ابن أبي الفوارس: كان أبو علي ثقة مأموناً، ما رأيتُ مثله في التحرز.
توفي سنة (359 هـ) وله تسع وثمانون سنة 251. وممن سمع "المسند" من ابن الحصين: المسند، المعمَّر، الصالح، أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة، الواسطي البغدادي، الرُّصافي، المكبِّر، وهو آخرُ من روي "المسند" عنه، فالحق الصغار بالكبار 252. ولد سنة (511 هـ)، فبادر والدُه إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، فأعلمه أنه ولد له ولدٌ ذكر فقال: سمِّ ابنك حنبلاً، وأسمعه "المسند" فإنه يُعمَّر ويُحتاج إليه 253. فسمَّعه أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره جميعَ "المسند" من ابن الحصين بقراءة نحويِّ عصره أبي محمد بن الخشَّاب، وذلك في رجب وشعبان سنة (523 هـ) 254. قال ابن الأنماطي 255: تتَّبعتُ سماع حنبل للمسند من عدة نُسخ وأثبات، وخطوط أئمة أثبات، إلى أن شاهدتُ بها أصول سماعه لجميع "المسند" سوى أجزاء من مسند ابن عباس، شاهدت بها نقل سماعه بخط من يوثق به.
وسمعتُ منه جميع "المسند" ببغداد في نيف وعشرين مجلساً، ثم أخذتُ أرغِّبه في السفر إلى الشام، وقلتُ له: يحصُلُ لك من

الجزء: 1 - الصفحة: 118

الدنيا شيء، وتُقْبلُ عليك وجوه الناس، فقال: دعني، فوالله ما أسافرُ من أجلهم، ولا لما يحصُل منهم، إنما أسافر خدمةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أروي أحاديثه في بلد لا تروى.
قال: ولما علم الله تعالى نيته الصالحة، أقبل بوجوه الناس عليه، وحرك الهمم للسماع عليه، فاجتمع عليه جماعةٌ ما اجتمعوا بمجلس بدمشق.
قال ابن الجزري: وذلك في مجالس، آخرها في صفر سنة ثلاث وست مئة.
قال ابن الأنماطي: فحدَّث بالمسند بالبلد (يعني دمشق) مرة، وبالجامع المظفري (أي: بالصالحية) أخرى، وازدحم عليه الخلقُ، وسمع منه السلطان الملك المعظم وأقاربه، وأبو عمر الزاهد، وسائر المقادسة، وحدّث عنه الكبار بالمسند، كالشيخ الفقيه ببعلبك (ت: 617 هـ) 256، وقاضي الحنفية شمس الدين عبد الله بن عطاء (ت: 673 هـ) 257، والشيخ تقي الدين بن أبي اليسر (ت: 672 هـ) 258، والشيخ شمس الدين ابن قدامة (ت: 682 هـ) 259، والشيخ شمس الدين أبي الغنائم ابن علّان (ت: 631 هـ) 260، والشيخ أبي العباس ابن شيبان (ت: 685 هـ) 261، والشيخ فخر الدين ابن البخاري (ت: 690 هـ) 262، والمرأة الصالحة زينب بنت مكِّي (ت: 688 هـ) 263. وأما من حدَّث عنه ببعض "المسند" فعددٌ كثير، ورجع إلى وطنه، فمرّ على حلب، فحدَّث بالمسند بها، ثم بالمَوْصل، فحدث بالمسند بها أيضًا ويإربل، ودخل إلى بغداد بخيرٍ كثير.
فتوفي بالرصافة في نصف المحرَّم سنة (604 هـ) عن نحو ثلاث وتسعين سنة -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- 264.

الجزء: 1 - الصفحة: 119

• طرق المتأخرين في رواية المسند: وعن حنبل روى "المسند" الإمامُ، العالم، المحدِّث، الفقيه، الصَّالح، الثقة، الأمين، فخر الدين، أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الواحد، السَّعدي، المقدسى، الحنبلي، الشهير بابن البخاري، المتوفى سنة (690 هـ) بجبل قاسيون.
قال ابن الجزري: وقد قرئ عليه "المسند" مرات، آخرها في سنة (689 هـ)، سمعه منه جماعات بقراءة الإمام كمال الدين أحمد بن أحمد بن محمد ابن الشريشي (ت: 718 هـ) 265، منهم شيختنا أم محمد ست العرب بنت محمد (ت: 767 هـ) 266، وآخرهم شيخنا صلاح الدين محمد بن أحمد 267. وصلاح الدين: هو الشيخ الصالح، الصدوق، الدَّيِّن، الخيِّر، المُسْنِد، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامة، المقدسي، الحنبلي.
قال ابن الجزري: أخذتُ عنه "المسند" كاملاً بقراءتي وقراءة غيري في نحو سبع سنين.
وسببه أن نسخة أصل سماعه كانت بخط الحافظ الضياء -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فوُجد بعضها، وكان شيخنا الحافظ الكبير شمس الدين أبو بكر ابن المحب يُحرضنا على سماع "المسند" منه، ويقول: لا تشكُّوا في أنه سمعه كاملاً، فكنا نقرؤه من نسخة وَقْفِ الباذرائية (مدرسة لا تزال إلى يومنا هذا بمحلة العمارة الجُوَّانية في الشمال الشرقي من جامع بني أمية) لوضوحها، وكان بعض المحدثين قد احتاط عليها، ولا يُعطي منها شيئاً إلا بعد تعب كثير فطالت المدة لذلك.
وسمعه أيضاً كلاملاً الشيخُ صدرُ الدين سليمان الياسوفي (ت: 789 هـ) 268، والشيخ بدر الدين محمد بن مكتوم، والشيخ شهاب الدين أحمدُ بن شيخنا عماد الدين بن الحُسباني (ت: 815 هـ) 269، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ علاء الدين حِجِّي

الجزء: 1 - الصفحة: 120

(ت: 816 هـ) 270، والمُحدِّث شمس الدين محمد بن محمود بن إسحاق الحلبي، والشيخُ الإمام ناصرُ الدين محمد بن ظُهيرة المكي (ت: 817 هـ) 271، وصاحبنا أبو عبد الله محمد ابن محمد بن ميمون البَلوي الأندلسي (ت: بعد التسعين وسبع مئة) 272، والفقيهُ الفاضل شمس الدين محمد بن عثمان بن سعد بن السَّقَّا المالكي وغيرهم.
وسمع بعضه عليه جماعة كثيرون.
ولم يظهر سماعُه بالمجلد الثاني من مسند أبي هريرة، ولا بمسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي آخره مسند أبي رِمثة نحو ثلاث أوراق، ولا بمسند الكوفيين، ومسند ابن مسعود، ومسند ابن عمر، ومسند الشاميين، ومسند المكيين، لعدم وقوفنا على ذلك من نسخة الحافظ الضياء، فكنا نقرأ ذلك عليه إجازةً إن لم يكن سماعاً، فظهر قبل موته مجلدان من ذلك بخطِّ الحافظ الضياء، وفيهما أصلُ سماعه، فقال لنا الحافظ ابن المحبِّ: ألم أقل لكم: إنه سمع جميع "المسند".
ثم بعد وفاة الشيخ صلاح الدين ظهر تتمَّةُ "المسند" بخط الحافظ الضياء، وظهر سماعُه فسُرَّ طلبةُ الحديث بذلك.
وكانت وفاته سنة (780 هـ) بمنزله بدَيْر الحنابلة بسَفْح قاسيون 273. وذكر المُحَدِّثُ المتقنُ الشيخ أبو بكر محمدُ بن خير الإشبيلي، التوفى سنة (575 هـ)، في "فهرسته" 274 من مروياته "مسند" الإمام أحمد، وقال: حدثني به الشيخ أبو محمد بن عتاب إجازةً، قال: حدثنا به أبو عمر بنُ عبد البر إجازةً، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي -رَحِمَهُ اللهُ-.
ثم قال: قال ابن عبد البر: وكذلك ناوَلَنيه وأجازه لي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوَهراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه -رَحِمَهُ اللهُ-.

الجزء: 1 - الصفحة: 121

قال أبو محمد ابن عتاب: وحدثني به أيضاً أبو عمر أحمد بن محمد بن الحذَّاء، وأبو القاسم حاتِمُ بن محمد الطرابُلسي، قالا: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه.
وذكر أيضاً إسناده من طريق ابن الحُصين.
وقال القاسم بن يوسف التُّجيبيُّ السبَّتي المتوفى سنة (735 هـ) في "برنامجه" 275 ص 121 - 122: سمعتُ يسيراً من "المسند"، وذلك جميع مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، على الشيخ الفقيه المفتي علاء الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان بن سالم بن سلامة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن العطار، وأجازنا جميعه بحقِّ سماعه من أبي علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرُّصافي البغدادي المكبِّر بجامع المهدي بالرصافة، بحقّ سماعه لجميعه من أبي علي الحسن بن علي بن المذهب التميمي، بسماعه من الإمام أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، بسماعه من أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، بسماعه من أبيه أحمد بن محمد بن حنبل، -رَحِمَهُمْ اللهُ أَجْمَعِينْ-.
وأخبرنا أيضًا به الشيخُ الفقيهُ الإمامُ -جار الله تعالى ونزيل حَرَمه- الأمين فخر الدين أبو عمرو عثمان بن محمد المالكي فيما شافهنا به من إذنه، وأقرَّ لنا بروايته، قال: قرأتُه على سفير الخلافة العباسية نجيب الدين أبي الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني في سنة إحدى وستين وست مئة بمنزله من القاهرة، بحقِّ سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد الحربي في سنة ست وتسعين وخمس مئة ببغداد، بسماعه من أبي القاسم ابن الحصين المذكور بالسند المذكور.
وكتب إلينا عامّاً المسنِدُ الأجلُّ، فخر الدين، أبو الحسن عليُّ بن اللإمام أبي العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي،

الجزء: 1 - الصفحة: 122

المعروف بابن البخاري، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قال: سمعتُ جميع هذا "المسند" على حنبل المذكور، وهو آخرُ من روي عنه في الدنيا.
وقال العلامة المحدث محمد بن جابر الوادي آشي الأصل، التونسي مولداً وإقامة، المتوفى سنة (749 هـ)، في "برنامجه" (1): ناوَلَني "مسند الإمام أحمد" الشيخ جمال الدين أبو يعقوب يوسف المِزّي بدمشق، وكان في أربعة وعشرين سفراً، وأجازنيه، وحدثني به بحق سماعه لجميعه على أبي الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم بن علّان القيسي، ويجميعه إلا مسند بني هاشم على أبي العباس أحمد بن شيبان بن تغلب، بسماعهما من حنبل بن عبد الله الرصافي، عن أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحُصين، عن أبي علي ابن المذهب، عن أبي بكر القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، مع ما فيه من زيادات عبد الله عن شيوخه.
وقد ذكر الوادي آشي (2) أن صفي الدين محمود بن أبي بكر بن محمود الأُرْمَوي القرافي المتوفى سنة (723 هـ) قرأ "المسند" على المسلَّم بن علان.
وذكر أيضاً أن الإمام المحدِّث البارع المتقن شهاب الدين أحمد بن فرْح بن محمد الإشبيلي الأندلسي الشافعي المتوفى سنة (699 هـ) سمع "المسند" على شرف الدين عبد العريز بن محمد الأنصاري، بسماعه من عبد الله بن أحمد بن أبي المجد الحربي، بسماعه من ابن الحُصين.

منزلة المسند بين كتب الحديث

: كان الإمام أحمد يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا "المسند" فإنه سيكون للناس إماماً 278. وقال الحافظ أبو موسى المديني (581 هـ): وهذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً 279.276277

الجزء: 1 - الصفحة: 123

إن "مسند الإمام أحمد" هو أجلّ كتاب في الحديث في عصر المؤلف وما بعده، وهو المورد الثجاج لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم، بل البخاري، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة.
وقد شهد لهذا "المسند" المحدثون في القديم والحديث بأنه أجمع كتب السنة للحديث، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في زاده ومعاده، فهو كتاب لا تزال بركاته شاملة، يقدره من يعرف قدر السنة النبوية الفاضلة، ولا يزال هذا العمل مشكوراً للإمام أحمد، فجزاه الله خير الجزاء.
وهو الكتاب النفيس الذي يُرغب في سماعه وتحصيله، وكان يرحل إليه، إذ كان مصنفه الإمام -المقدم- في معرفة هذا الشأن، والمعترف بفضله عند الفرق في سائر الأزمان.
ومع جلالة قدر كتاب "المسند" وحسن موقعه عند ذوي الألباب، فالوقوف على المقصود منه متعسر، والظفر بالمطلوب منه بغير تعب متعذر، لأنه غير مرتب على أبواب السنن، ولا مهذب على حروف المعجم لتقريب السنن، وإنما هو مجموع على مسانيد الرواة من الرجال والنساء، لا يسلم من طلب منه حديثاً من نوع من الملال والعناء 280. وفي هذا المضمار يقول الشيخ عبد القادر بن بدران: واعلم أيها الطالب للحق أن البحر الزاخر في هذا الموضوع، والمورد العذب، والوابل الصَّيِّب، إنما هو مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل - رضي الله عنه - وأرضاه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه، وإنما منع من الإشتغال به اشتغالاً كالإشتغال بالسنن أمور: أحدها: كونه مرتباً على أحاديث الصحابة، وهذا الترتيب أصبح غير مألوف عند المتوسطين والمتأخرين، فصار بحيث لو أراد محدث أن يجمع أحاديث باب منه احتاج إلى مطالعته من أوله إلى آخره، وهذا أمر عسير جداً.
ثانيها: عزة وجوده لطوله؛ فإنه قد ضمّ ثلاثين ألف حديث، وزاد عليه ولده الإمام عبد الله عشرة آلاف حديث، فصار أربعين ألفاً.
ثالثها: أن عزة وجوده كانت سبباً لعدم خدمته كما خُدمت السنن وغيرها من كتب الحديث 281.

الجزء: 1 - الصفحة: 124

فالمسند من جهة كونه يتجه إلى جمع أحاديث الصحابة واحداً واحداً، ومحاولة حصر مروياتهم، كان بعيداً عن اهتمام كثير من الناس الذين لم يكن يعنيهم هذا المقصود بقدر ما كان يعنيهم معرفة الأحاديث المحتج بها في المسائل الفقهية والموضوعات الشرعية، والتي كانت طريقها ممهدة وسبيلها ميسرة في كتب الصحاح والسنن.
قال الحافظ ابن حجر: .... فإن النفوس تركن إلى من أخرج له بعض الأئمة الستة أكثر من غيرهم لجلالتهم في النفوس، وشهرتهم، ولأن أصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب أن يقتصر فيه على ما يصلح للإحتجاج أو الإستشهاد، بخلاف من رتب على المسانيد فإن أصل وضعه مطلق الجمع 282. اهـ وإذا نظرنا إلى "المسند" من جهة كونه مستوعباً للسنة إلا قليلاً 283، فإن ذلك يعطي هذا الكتاب الجليل قيمة متفردة، ويبوئه مكانة متميزة، فإنه يكاد يستوعب جملة ما في الكتب الستة من أحاديث إلى جانب ما تفرد به من زيادات أخرى، حتى إن بعض العلماء كان يستغني بحفظ "المسند" عن حفظ الكتب الستة، فقد قال ابن الجزري: حدثني شيخنا اللإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الخطيب الشافعي، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قال: سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ اللإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رَحِمَهُمَا اللهُ-: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ "مسند أحمد" وما يفوت "المسند" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصله في المسند، فأنا أحفظها بهذا الوجه.
أو كما قال -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- 284.

الجزء: 1 - الصفحة: 125

• درجة أحاديث المسند: قال الخطيب البغدادي: ومما يتلو الصحيحين سنن أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النسوي، وأبي عيسى الترمذي، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم كتب المسانيد الكبار مثل مسند أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأبي يعقوب إسحاق ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وأبي بكر وأبي الحسن عثمان ابني محمد بن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي، وعبد بن حميد، وأحمد بن سنان الواسطي 285. فكتب المسانيد بعامة -ومنها مسند الإمام أحمد- تقع في المرتبة الثالثة بعد الصحيحين والسنن الأربعة، وذلك لأنها لم تلتزم الإنتقاء والإخراج للأحاديث التي يحتج بها في الأحكام، لأن المقصود من وضعها مطلق الجمع لمرويات كل صحابيٍّ صحابيٍّ.
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: "كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة 286، التي هي: الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي، وما جرى مجراها في الإحتجاج بها والركون إلى ما يورَدُ فيها مطلقاً، كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى، ومسند أحمد، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عبد بن حميد، ومسند الدارمي، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار، وأشباهها.
فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كلّ صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتجاً به" 287. وقال الحافظ ابن حجر معقباً على كلام ابن الصلاح: وأما من يصنف على المسانيد فإن ظاهر قصده جمع حديث كل صحابي على حدة، سواء أكان يصلح للإحتجاج به أم لا.

الجزء: 1 - الصفحة: 126

وهذا هو الظاهر من أصل الوضع بلا شك، لكن جماعة من المصنفين في كل من الصنفين خالف أصل موضوعه فانحط أو ارتفع، فإن بعض من صنف على الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة؛ بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها وإما لقلة معرفة بالنقد.
وبعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه.
كما رويناه عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في "مسنده" أصح ما وجده من حديث كل صحابي، إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق، فإنه يخرجه.
ونحا بقي بن مخلد في "مسنده" نحو ذلك.
وكذا صنع أبو بكر البزار قربياً من ذلك، وقد صرح ببعض ذلك في عدة مواضع من "مسنده" فيخرج الإسناد الذي فيه مقال ويذكر علته، ويتعذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا من ذلك الوجه.
وأما الإمام أحمد فقد صنف أبو موسى المديني جزءاً كبيراً ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن أحمد انتقى "مسنده" وأنه كله صحيح عنده، وأن ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات، وان كان أبو موسى قد ينازع في بعض ذلك، لكنه لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديث وأتقن رجالاً من غيره.
وهذا يدل على أنه انتخبه.
ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها.
وروى أبو موسى في هذا الكتاب من طريق حنبل بن إسحاق، قال: جمعنا أحمد أنا وابناه عبد الله وصالح، وقال: "انتقيته من أكثر من سبعمئة ألف وخمسين ألفاً فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة" 288. فهذا صريح فيما قلناه؛ إنه انتقاه، ولو وقعت فيه الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فلا يمنع ذلك صحة هذه الدعوى، لأن هذه أمور نسبية، بل هذا كاف فيما قلناه؛ إنه لم يكتف بمطلق جمع حديث كل صحابي 289. فكلام الحافظ ابن حجر يقيد الإطلاق الوارد في كلام الخطيب وابن الصلاح من أن المسانيد تترتب من وراء الصحاح والسنن؛ لأنها لم تلتزم الصحة ولا الإنتقاء، فمسند الإمام

الجزء: 1 - الصفحة: 127

أحمد قد التزم الإنتقاء على الرغم من كثرة الأحاديث التي اشتمل عليها، فهو بهذا يضاهي السنن ويقع في مصافها من حيث درجة الصحة الإجمالية، حتى قال الحافظ ابن حجر: وليست الأحاديث الزائدة في "مسند أحمد" على ما في "الصحيحين" بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة على "الصحيحين" من "سنن أبي داود" و"جامع الترمذي" 290. وبعد، فهل يصح إطلاق القول بأن ما في "المسند" صحيح في الجملة، على معنى أن الرجال الذين أخرج لهم الإمام أحمد في كتابه هذا هم من رجال الصحيح، ولو على مثل شرط ابن خزيمة أو ابن حبان؟ والجواب: أن هناك من ادعى الصحة في "المسند" كما سبقت الإشارة في كلام ابن حجر إلى الحافظ أبي موسى المديني (581 هـ) أنه ذهب إلى القول بذلك، وهذا نصه في "خصائص المسند": ولم يخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طُعن في أمانته 291. وقال في موضع لاحق: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد، -رَحِمَهُ اللهُ- "مسنده" قد احتاط فيه إسناداً ومتناً.
ولم يورد فيه إلا ما صح عنده 292 .. ثم ساق مثالاً لقوله.
فعلى قول الحافظ أبي موسى يكون كل ما في "المسند" صحيحاً، وهذا القول لم يذهب إليه أحد مت العلماء الكبار -فيما نعلم- غيره، ويبدو أن هذا القول كان شائعاً بين الناس في أصبهان -وهي بلاد الحافظ أبي موسى- وخراسان، حتى عُرض سؤال على ابن الجوزي (597 هـ) في بغداد حول هذا الموضوع، ذكره في "صيد الخاطر" 293 فقال: سألني بعمق أصحاب الحديث: هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم.
فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك.
وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان، منهم أبو العلاء الهمداني، يعظمون هذا القول، ويردونه، ويقبحون قول من قاله! فبقيت دهشاً

الجزء: 1 - الصفحة: 128

متعجباً.
وقلت في نفسي: واعجباً! صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضاً، وما ذلك إلا أنهم سمعوا اهديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد.
وليس كذلك، فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد ردّ كثيراً مما روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهباً له.
أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ: مجهول؟ ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند" وقد طعن فيها أحمد.
اهـ. فادعاء أن ما اشتمل عليه "المسند" كله صحيح يخالف الواقع، إذ إن الطعن في الحديث وإيراده في كتب العلل يؤذن بعدم سلامته ونزوله عن درجة الصحيح إن لم يكن ضعيفاً أو موضوعاً، وقد أورد الخلال جملة من أحاديث "المسند"، في كتابه "العلل" ويوجد في كتاب "العلل" للإمام أحمد نفسه أحاديث من "المسند"، وقد أورد ابن الجوزي جملة من أحاديث "المسند" أيضاً في كتابيه "الموضوعات" و"العلل المتناهية"، مما يدل على أن "المسند" لا يخلو من الأحاديث الضعيفة، وإن كان المحققون لم يسلموا ببعض ما ادُّعي فيه الضعف الشديد والوضع.
إذن فليس هناك من العلماء من أيد الحافظ أبا موسى المديني في ذهابه إلى القول بصحة ما في "المسند" من حديث، اللهم إلا السيوطي (911 هـ) فإنه عد جملة ما في "المسند" صالحاً للإحتجاج، فقد قال في مقدمته للجامع الكبير: وكل ما كان في "مسند أحمد" فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
اهـ وتوسط الشيخ عبد القادر ابن بدران فاعتبر أحاديث الأحكام في "المسند" كلها صحيحة، فقد قال: وقد حكى الحفاظ أن الإمام أحمد اشترط أن لا يخرج في "مسنده" إلا حديثاً صحيحاً عنده.
قلت: وهذا صحيح بالنسبة إلى أحاديث الأحكام.
فقد روي عنه أنه قال: إذا كان الحديث في الحلال والحرام شددنا، وإذا كان في غيره تساهلنا ... إلى أن قال: ومهما تعصب القوم فإن أحاديث "المسند" كلها يصح الإحتجاج بها، وهي صحيحة على طريقته التى استقام عليها، كما أشرنا إلى بعض ذلك عند الكلام على أصوله.
ولعل الذين قالوا بضعف أحاديث من مسنده جاءتهم من طرق ضعيفة غير طريقه، فضعفوها

الجزء: 1 - الصفحة: 129

باعتبار ما جاءهم من طرقها، وكثيراً ما يذهب إلى مثل هذا أصحاب الحديث ممن لا يحيط علماً بالطرق، فتأمل هذا، واحفظه، واعتبر به كتب الحديث، فإنك تجد الأمر واضحاً 294. وهذا الرأي محل نظر، فقد أورد ابن القيم في كتاب "الفروسية" عدة أمثلة من "المسند" ذاته، وفي أحاديث الأحكام، وأرفقها بعللها التي طعن بها الإمام أحمد نفسه في تلك الأحاديث فيما رواه أصحابه عنه 295. وإذا تبين أن "المسند" ليس خالصاً للصحيح، فإن القسم الذي ينزل عن درجة الصحة منه اختلف فيه العلماء، وقد رأينا أن السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ- جعله كله من الحسن وما يقاربه، والذي يهمنا من ذلك هو دعوى وجود بعض الأحاديث الموضوعة الباطلة.
فهناك من ادعى وجود ذلك في "المسند"، وهناك من أنكر.
فمن جملة من ادعى الوضع في "المسند" الحافظ ابن كثير، فقد قال في رده على أبي موسى المديني: وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن "مسند الإمام أحمد!: إنه صحيح، فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة، كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك كما نبه عليه طائفة من الحفاظ 296. اهـ وكذلك ادعى الوضع الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته على "مقدمة ابن الصلاح" 297، وفي جزء أفرده لبيان تلك الأحاديث والكلام عليها واحداً واحداً، وهي تسعة أحاديث.
قال في مقدمته: وقع لنا في أثناء السماع كلام: هل في "المسند" أحاديث ضعيفة أو كله صحيح؟ فقلت: إن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة 298.

الجزء: 1 - الصفحة: 130

ولا جرم أن دعوى الوضع قوبلت بالنقد والتحقيق من قبل جماعة من الحفاظ، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد أورد في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد" الأحاديث التسعة التي جمعها الحافظ الراقي في جزء وانتقدها، وأضاف إليها خمسة عشر حديثاً أوردها الإمام ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأجاب عنها حديثاً حديثاً، وقد فاته أحاديث أُخَر ذكرها ابن الجوزي في كتابه المذكور، فنقلها السيوطي في جزء، وسماها "الذيل الممهد" وأجاب عنها وعدتها أربعة عشر حديثاً (1). وأقل ما يقال بعد النظر في هذه الأحاديث وما أجاب به العلماء عنها: إنها بالغة الضعف، وكثير منها يُعلم بطلان متونها بالبداهة، فلا يمكن أن تشد أزرها تلك المتابعات والشواهد (2). وهذا لا يضير "المسند" شيئاً؛ لأنها -كما قال الذهبي (3) - قطرة في بحر.

الأعمال التي تمت على المسند

: قديماً تمنى الحافظ الذهبي أمنية عزيزة، فقال: "فلعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي -يعني المسند- من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقلَّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه" 302. وأمنية الذهبي هذه تدل على أن هذا المسند العظيم كان إلى ذلك الوقت 303 لا يزال بعيداً عن الإعتناء والخدمة التي تتناسب ومكانته، وهذا لا ينفي وجود بعض الأعمال التي تمت على "المسند" قبل الإمام الذهبي، إلا أنها لا تقرِّب البعيد ولا تذلِّل الصعب ولا تيسِّر الإستفادة من هذا الكتاب، ولا تقرُّ عيون الناظرين إليه.299300301

الجزء: 1 - الصفحة: 131

ومن ذلك اليوم إلى عصرنا الحاضر والجهود تتوالى شيئاً فشيئاً على هذا الكتاب الجليل، حتى تحققت أمنية الإمام الذهبي كاملة أو شبه كاملة في جملة تلك التآليف والجهود المتتابعة المتلاحقة المتناسقة وغير المتناسقة؛ تارة في شرحه وبيان غريبه، وتارة في الكشف والتعريف برجاله، وتارة ثالثة بدراسات جزئية مفردة متنوعة، وهناك من ألف في ترتيب المسند وتقريبه على طريقة الأطراف أو على طريقة الأبواب، وغير ذلك.
وهذه جريدة تعريفية موجزة بما أمكن التعرف عليه من تلك الجهود والتآليف المبذولة في خدمة المسند من داخله أو من خارجه نعرضها مُرتَّبة حسب تواريخ وفيات مؤلفيها:

1 -

غريب الحديث، لغلام ثعلب (261 هـ - 345 هـ):

هو العلامة اللغوي، المحدث، أبو عمر بن عبد الواحد بن أبي هاشم، البغدادي، الزاهد، المعروف بغلام ثعلب.
قال الخطيب البغدادي: سمعت عبد الواحد بن بَرهان يقول: لم يتكلم في علم اللغة من الأولين والآخرين أحسن كلاماً من كلام أبي عمر الزاهد.
قال: وله كتاب "غريب الحديث" ألفه على مسند أحمد بن حنبل (1). وهو حسن جداً فيما قيل (2).

2 -

ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج لهم أحمد بن حنبل في "المسند" لإبن عساكر (499 هـ - 571 هـ):

هو الحافظ، المحدث، المؤرخ، ثقة الدين، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي، المعروف بابن عساكر، صاحب "تاريخ دمشق".
وقد بلغ عدد الصحابة والصحابيات الذين أحصاهم ابن عساكر في هذا الكتاب (1056) سواء منهم الذين ذكروا بأسمائهم أو بكناهم أو المبهمون.
طبع في بيروت بدار البشائر الإسلامية سنة (1409 هـ) بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري.
وقد كشف بالأرقام التداخل الموجود بين مسانيد الصحابة ضمن "المسند".304305

الجزء: 1 - الصفحة: 132

ويعتبر هذا الكتاب في أصله وتحقيقاته ذا أهمية كبيرة نظراً لما توفر عليه، بالإضافة إلى الترتيب والإحصاء، من الفوائد الحديثية النادرة التي لا يستغني عنها المتمرسون في هذا الفن، لا سيما من يتولى خدمة المسند وتحقيقه.

3 -

خصائص المسند، للحافظ أبي موسى المديني (501 هـ -581 هـ):

هو العلامة الحافظ الكبير، الثقة، شيخ المحدثين، أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى المديني الأصبهاني الشافعي.
وقد طبع الكتاب بالقاهرة سنة (1347 هـ) وأعيد طبعه سنة (1368 هـ). وصدر به الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- تحقيق "المسند".

4 -

تجريد ثلاثيات المسند (1)، للمقدسي (ت 613 هـ):

وهو العلامة المحدث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي (2). خرّج في هذا الكتاب الأحاديث التي رواها الإمام أحمد بأسانيد عالية ليس بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاثة رجال: الصحابي الراوي ثم التابعي الذي روى عنه، ثم تابع التابعي الذي يكون شيخاً للإمام أحمد.
وممن خرج هذه الثلاثيات أيضًا: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (3) (ت 643 هـ).

5 -

التذكرة في رجال العشرة، لإبن حمزة الحسيني (715 هـ - 765 هـ):

هو الحافظ محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي، شمس الدين، حافظ للحديث، مؤرخ.
ولد ومات في دمشق.
يحتوي هذا الكتاب على رجال عشرة مؤلفين في مصنفاتهم العشرة، وهم الصحيحان والسنن الأربعة، وهي الكتب الستة الأصول، وأربعة كتب أخرى للأئمة الفقهاء: موطأ306307308

الجزء: 1 - الصفحة: 133

مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، و"المسند" الذي خرّجه الحسين بن محمد بن خَسْرُو من حديث الإمام أبي حنيفة.
ويعتبر هذا الكتاب أصلاً لكتاب: تعجيل المنفعة الآتي لاحقاً.
وله أيضاً:

6 -

الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في تهذيب الكمال:

قال ابن الجزري: وأما رجال "المسند" فما لم يكن في "تهذيب الكمال" أفرده المحدث الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني، لإفادة شيخنا الحافظ أبي بكر محمد بن المحب فيما قصر، وما فاته فإني استدركته وأضفته إليه في كتاب سميته "المقصد الأحمد في رجال مسند أحمد" وقد تلف بعضه في الفتنة (1)، فكتبته بعد ذلك مختصراً (2). وجاءت فكرة تصنيف هذا الكتاب نتيجة لقيام المؤلف باختصار "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وهو يحتوي على رجال الكتب الستة، ثم قام بعد ذلك بترميز رجال المسند الذين وردت أسماؤهم في "التهذيب".
فلما تم له ذلك فكر في وضع كتاب يحتوي على سوى مَن ذُكر هناك من بقية رجال المسند (3). طبع الكتاب في كراتشي بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعه جي سنة (1409 هـ) ثم طبع مرة ثانية سنة (1412 هـ) بتحقيق عبد الله سرور.

7 -

الهدي والسّنن في أحاديث المسانيد والسنن، المعروف بـ"جامع المسانيد والسنن" (4)، للحافظ ابن كثير (701 هـ - 774 هـ):

وهو عبارة عن كتاب بناه المؤلف على "ترتيب المسند" لإبن المحب.
وفي ذلك يقول ابن الجزري: ثم إن شيخنا مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، أخذ هذا الكتاب المرتَّب من309310311312

الجزء: 1 - الصفحة: 134

مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي.
وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله (1). وقد صدر الكتاب بعنوان "جامع المسانيد والسنن" نشرته دار الفكر ببيروت بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعه جي، في (37) مجلداً.

8 -

ترتيب المسند، لأبي بكر بن المحب (712 هـ - 789 هـ):

هو الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، المقدسي، الحنبلي (2). قال ابن الجزري في "المصعد الأحمد": وأما ترتيب هذا المسند، فقد أقام الله تعالى لتوتيبه شيخَنا خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع، أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك، كترتيب الأطراف، تعب فيه تعباً كثيراً (3). ويعتبر هذا الكتاب عمدة وأساساً لكتب أخرى عُملت على المسند، منها:

  • إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي، للحافظ ابن حجر، وسيأتي.
    ومنها:

9 -

ترتيب المسند، لإبن زريق (ت 803 هـ):

هو الحافظ محمد بن عبد الرحمن بن محمد المقدسي، ثم الصالحي، ناصر الدين، المعروف بابن زريق، تخرج بابن المحب وتمهر، وكان يقظاً عارفاً بفنون الحديث ذاكراً للأسماء والعلل 316. وهو مرتب على الأبواب، وغالب الظن أنه فقد في جملة ما فقد في كائنة تيمور في دمشق سنة (803 هـ).313314315

الجزء: 1 - الصفحة: 135

10 -

إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لإبن الملقن (723 هـ -804 هـ):

وهو الشيخ عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص، النحوي، المعروف بابن الملقن، من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال (1). قال السخاوي: قال -يعني الحافظ ابن حجر-: ومن تصانيفه مما لم أقف عليه: إكمال تهذيب الكمال، ذكر فيه تراجم رجال كتب ستة، هي: أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم (2). قلت: قد رأيت منه مجلداً وأمره فيه سهل (3). ولابن الملقن أيضاً:

11 -

مختصر المسند

(4). 12 -

غاية المقصد في زوائد المسند، للهيثمي (735 هـ - 807 هـ):

هو الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، نور الدين، المصري، القاهري.
جرّد في هذا الكتاب زوائد المسند الحنبلي على الكتب الستة الأصول (الصحيحين والسنن الأربعة).
فأورد تلك الزوائد بأسانيدها مرتبة على الموضوعات.
ويقع الكتاب في مجلدين (5). وللحافظ الهيثمي أيضاً:

13 -

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

وهذا الكتاب يحتوي -كما يوحي عنوانه- على زوائد المسانيد الثلاثة: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزار.
إضافة إلى زوائد معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير.317318319320321

الجزء: 1 - الصفحة: 136

فالكتاب يتضمن زوائد هذه الكتب الستة على الأصول الستة (الصحيحين والسنن الأربعة)، جمعها، وحذف أسانيدها، ورتبها على موضوعات صحيح البخاري، وعلق عليها بما يفيد الحكم على أسانيدها.
وقبل أن يضع الحافظ الهيثمي هذا المجمع عمد أولاً إلى تخريج أصوله، وذلك أنه: أولاً: خرّج زوائد المسند الحنبلي، وهو كتاب "غاية المقصد" السابق.
ثانياً: خرّج زوائد البزار والموصلي والطبراني في معجمه الكبير (1). ثالثاً: خرّج زوائد المعجمين: الأوسط، والصغير، في كتاب مستقل سماه "مجمع البحرين في زوائد المعجمين".
ثم ألّف بين هذه الأصول في كتاب واحد سماه "مجمع الزوائد".
قال الحافظ السخاوي: "وتخرّج -أي الحافظ الهيثمي- به -أي الحافظ العراقي- في الحديث، بل درّيه في إفراد زوائد كتب، كالمعاجم الثلاثة للطبراني، والمسانيد لأحمد والبزار وأبي يعلى، على الكتب الستة، وابتدأ أولاً بزوائد أحمد، فجاء في مجلدين، وكل واحد من الخمسة الباقية في تصنيف مستقل، إلا الطبراني الأوسط والصغير فهما في تصنيفين، ثم جمع الجميع في كتاب محذوف الأسانيد سماه "مجمع الزوائد" (2). ويضاف إلى ما سبق:

14 -

جزء للحافظ الهيثمي:

استدرك فيه على الحسيني مما فاته من رجال أحمد، لقطه من "المسند" حين كان يقوم بتخريج زوائده على الكتب الستة 324.322323

الجزء: 1 - الصفحة: 137

15 -

ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، للمقدسي (ت 820 هـ):

وهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر المقدسي الحنبلي (1).

16 -

ذيل الكاشف، لإبن العراقي (762 هـ - 826 هـ):

وهو الحافظ أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني، ثم المصري، أبو زرعة، ولي الدين، ابن الحافظ العراقي، قاضي الديار المصرية.
وهذا الكتاب أكمل فيه "الكاشف" للحافظ الذهبي وأضاف إليه زوائد رجال "المسند" من كتاب "الإكمال" للحسيني.
قال الحافظ ابن حجر: ثم وقفت على تصنيف للإمام أبي زرعة ابن شيخنا حافظ العصر أبي الفضل ابن الحسين الراقي، سماه "ذيل الكاشف" تتبع الأسماء التي في "تهذيب الكمال" ممن أهمله "الكاشف" وضم إليه من ذكره الحسيني من رجال أحمد، ويعض من استدركه الهيثمي، وصيّر ذلك كتاباً واحداً، واختصر التراجم فيه على طريقة الذهبي، فاختبرته فوجدته قلّد الحسيني والهيثمي في أوهامهما، وأضاف إلى أوهامهما مِنْ قبَله أوهاماً أخرى (2). اهـ.

17 -

المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن الجزري (751 هـ - 833 هـ):

هو الشيخ العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي، الشهير بابن الجزري، شيخ الإقراء في زمانه، ومن حفاظ الحديث.
وقد طبع الكتاب مع "خصائص المسند" في تصدير الشيخ شاكر لتحقيق "المسند".
ولابن الجزري على المسند أيضاً:

18 -

المقصد الأحمد في رجال أحمد.

19 -

المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد

327.325326

الجزء: 1 - الصفحة: 138

20 -

ترتيب المسند المسمى "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري"، لإبن زكنون (758 هـ - 837 هـ):

هو الشيخ الصالح العالم، أبو الحسن علي بن حسين بن عروة الدمشقي، الحنبلي، المعروف بابن زكنون (1). قال الحافظ السخاوي في هذا الكتاب: رتب المسند على أبواب البخاري وسماه "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" وشرحه في مئة وعشرين مجلداً.
طريقته فيه: أنه إذا جاء لحديث الإفك مثلاً يأخذ نسخة من شرحه للقاضي عياض، ويضعها بتمامها، وإذا مرت به مسألة فيها تصنيف مفرد لإبن القيم أو شيخه ابن تيمية أو غيرهما وضعه بتمامه، ويستوفي ذاك الباب من "المغني" لإبن قدامة ونحوه (2). وقال ابن بدران: وقد رأيت من هذا الكتاب أربعة وأربعين مجلداً (3)، فرأيت مجلداته تارة مفتتحة بتفسير القرآن، فإذا جاءت آية فيها، أو إشارة إلى مؤلف، وضعه بتمامه، وتارة مفتتحاً بترتيب المسند، فيكون على نمط ما ذكره السخاوي، حتى إن فيه شرح البخاري لإبن رجب (4) الذي وصل فيه إلى باب صلاة العيدين، وغالب مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية نسخت من هذا الكتاب وطبعت (5).

21 -

زوائد المسانيد المسمى بـ: "إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة" للبوصيري (762 هـ - 840 هـ):

هو الشيخ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، أبو العباس، الكتاني، البوصيري القاهري الشافعي 333.328329330331332

الجزء: 1 - الصفحة: 139

ألف زوائد عشرة مسانيد على الكتب الستة، واختصره، ومن جملة تلك المسانيد مسند أحمد.
قال السخاوي وهو يتكلم عن مؤلفات البوصيري: ومما جمعه ... زوائد مسانيد الطيالسي، وأحمد، ومسدد، والحميدي، والعدني، والبزار، وابن منيع، وابن أبي شيبة، وعبدِ، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى مع الموجود من مسند ابن راهويه، على الستة أيضاً، أحدهما يذكر أسانيدهم والآخر بدونها مع الكلام عليها (1).

22 -

القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن حجر العسقلاني (773 هـ - 852 هـ):

وهو كتاب رد فيه على شيخه أبي الفضل العراقي في دعوى الوضع في (تسعة) أحاديث وردت في المسند الحنبلي، ثم استكمل البحث بالرد على ابن الجوزي في دعواه الوضع في (خمسة عشر) حديثاً من "المسند" أوردها في كتابه "الموضوعات" (2). وقد طبع هذا الكتاب بدائرة المعارف بحيدر آباد سنة (1319 هـ). وفي غيرها.
وللحافظ ابن حجر أيضاً:

23 -

إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي:

وهو عبارة عن موسوعة إسنادية جمعت مصدراً واحداً من مصادر السنة المشرفّة، وهو"المسند الحنبلي" على طريقة فن الأطراف 336. رتب فيه المؤلف أسماء الصحابة على حروف المعجم، ثم من عُرف بالكنية كذلك،334335

الجزء: 1 - الصفحة: 140

ثم المبهمات، ثم النساء.
ورتب الرواة عن الصحابي إذا كان مكثراً على حروف المعجم، فإن كان بعض الرواة مكثراً على ذلك الصحابي رتب الرواة عنه أيضاً على الحروف، وربما رتب أحاديثه على الألفاظ (1). وقد احتوى الكتاب على (12787) حديثاً، وطبع في تسعة مجلدات مع مجلد مخصص للفهارس، بتحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، نشرته دار ابن كثير ودار الكلم الطيب بدمشق.
وله أيضاً:

24 -

تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة:

قال في مقدمته: فلما رأيت كتاب الحسيني أحببت أن ألتقط منه ما زاد لينتفع به من أراد معرفة حال ذلك الشخص، فلذلك اقتصرت على رجال الأربعة (2). طبع الكتاب بحيدر آباد الدكن سنة (1324 هـ). وله أيضاً:

25 -

التعريف الأجود بأوهام من جمع رجال السند:

خصصه في نقد الأوهام التي وقع فيها كل من ألف في رجال المسند: ذكره الحافظ عبد الله زين الدين بن خليل الدمشقي (1170 هـ) في كتابه "جمان الدرر في مؤلفات ابن حجر" (3).

26 -

الذيل الممهد على القول المسدد، للسيوطي (ت 911 هـ):

وهو تكملة لكتاب "القول المسدد" أضاف فيه السيوطي (أربعة عشر) حديثاً مما استدركه على الحافظ ابن حجر في تتبعه لأحاديث "المسند" التي أوردها ابن الجوزي في "الموضوعات" 340. وللحافظ جلال الدين السيوطي أيضاً:337338339

الجزء: 1 - الصفحة: 141

27 -

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد:

وهو يختص بإعراب أحاديث المسند.
قال في مقدمته: "وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعبٍ جامعٍ، وغيث على رياض كتب المسانيد والجوامع جامع، شامل للفوائد البدائع شافٍ، كافل بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كل فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خَريدة، وأجعله على "مسند أحمد" مع ما أضمه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتّبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشئ له من بحار كتب العربية كتابة.
واعلم أن لي على كل كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة، وهي: "الموطأ" و"مسند الشافعي" و"مسند الإمام أبي حنيفة" والكتب الستة.
ولم يبق إلا "مسند أحمد" ولم يمنعني من الكتابة عليه إلا كبر حجمه جداً، وعدم تداوله بين الطلبة كتداول الكتب المذكورة، وقدّرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد.
فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب عوّقته (1) بمسند أحمد عوضاً مما كنت أرويه (2) عليه من التعليقة، ولكونه جامعاً لغالب الحديث المتكلم على إعرابه، فإن شئت فسمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد"، وان شئت فقل: "عقود الزبرجد في إعراب الحديث" ولا تتقيد" (3).

28 -

الدر المنضد من مسند أحمد (4)، للشماع (ت 936 هـ):

وهو الشيخ عمر بن أحمد الحلبي الشافعي، المعروف بالشماع.
وهذا الكتاب عبارة عن مختصر للمسند الحنبلي.

29 -

شرح المسند، للشيخ أبي الحسن السندي (ت 1139 هـ):

وهو نور الدين محمد بن عبد الهادي التتوي، محدث المدينة المنورة.
قال ابن بدران في هذا الشرح: وهو شرح مختصر مفيد، كما أخبرني من اطلع عليه341342343344

الجزء: 1 - الصفحة: 142

في خزائن الكتب بالمدينة، وهو في نحو خمسين كراسة كبار، حذا فيه حذو حواشيه على الكتب الستة (1). وقال العلامة الشبيخ عبد الحي الكتاني المراكشي: له حاشية على مسند الإمام أحمد، عندي منها الربع الأول، لا يستغني عنها مطالعه أو قارئه (2). وقد تضمنت هذه الحاشية -أو الشرح- تعليقات لطيفة اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب.
وتعتبر من جملة الكتب التي اعتمد عليها في التعليقات المثبتة في التحقيق الأخير للمسند الصادر عن مؤسسة الرسالة.

30 -

نفثات الصدر المُكْمَد وقرّة عين السعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني (1114 هـ - 1189 هـ):

وهو العلامة المتفنن محمد بن أحمد بن سالم، السفاريني (3). طبع هذا الكتاب في دمشق سنة (1385 هـ) بعناية الأستاذ الفاضل الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.

31 -

ذيل القول المسدد، لمحمد صبغة الله المدراسي:

وهو تعليق على "القول المسدد" كتبه مؤلفه سنة (1281 هـ) وطبع بحيدر آباد الدكن سنة (1319 هـ) مع الطبعة الأولى لـ: "القول المسدد".

32 -

الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (ت 1378 هـ):

وهو الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي.
ويتمثل عمله في:

  • حذف الأسانيد إلا نادراً لحاجة البيان لحال بعض الرواة.
  • جمع المكرر في موضع واحد، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات والتمييز بينها.
  • تقسيم الكتاب إلى سبعة أقسام: التوحيد وأصول الدين - الفقه - التفسير - الترغيب - الترهيب - التاريخ - أحوال الآخرة وما يتقدم ذلك من الفتن.345346347

الجزء: 1 - الصفحة: 143

وتحت كل قسم من هذه الأقسام السبعة تندرج جملة من الكتب، كل كتاب يحتوي على جملة من الأبواب.

  • وضع الأحاديث الطوال في أول الباب الذي يليق بها.
  • تجزئة الحديث الواحد على عدة أبواب إذا كان يتضمن عدة أحكام.
    والكتاب مطبوع في أربعة وعشرين جزءًا.
    وتوفي الشيخ الساعاتي -رَحِمَهُ اللهُ- سنة (1378 هـ) عند بلوغه منتصف الجزء المذكور (1)، فقام شيخنا الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري -رَحِمَهُ اللهُ-، بإخراج بقية الجزء الثاني والعشرين، ثم توقف لانشغاله بأمور أخرى، فتكونت لجنة من أبناء الشيخ الساعاتي، وهم: عبد الرحمن ومحمد وجمال، لإتمام الجزأين الأخيرين.
    وله أيضًا:

33 -

بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني:

ألف هذا الكتاب تتمة للسابق، وذلك أنه:

  • ذكر الأسانيد التي وإن قد حذفها في "الفتح".
  • حل الألفاظ الغريبة بضبط لفظها وشرح معناها.
  • بيّن حال الحديث مع ذكر من أخرجه من الأئمة أصحاب الأصول، وغيرهم، معتمدًا في الرموز على مصطلحات السيوطي في "الجامع الكبير".
  • بيّن فقه الحديث، وذكر من ذهب إليه من الأئمة، مع إضافة شواهد وفوائد.
  • نبّه إلى الأحاديث التي أوردها مقطعة في الأصل، دفعًا لتوهم أن متن الحديث كامل، مع إيراد المتن بكامله عند الحاجة.
  • نبّه على الأحاديث التي ادُّعي فيها الوضع، وكتب بإزاء كل حديث منها رد الحافظ ابن حجر على دعوى الوضع.

34 -

تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر للمسند:

عمل الشيخ أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- في "المسند" عملًا علميًا يستحق كل شكر وتقدير أجزل الله له المثوية في العقبى.
وجاءت فكرة عمله في "المسند" في أوائل شبابه لما هُدي إلى حب السنة النبوية المطهرة،348

الجزء: 1 - الصفحة: 144

ومالت رغبته إلى الإشتغال بعلومها والتعمق في الفقه في فنونها، والتنقيب عن روائعها ونفائس كتبها.
فاطلع في جملة ما اطلع على"المسند" الذي كان من ضمن ما تحتوي عليه مكتبة أبيه، فوجده بحرًا لا ساحل له، ونورًا يستضاء به، لكن لا تنقاد شوارده، ولا تنال فوائده، ولا تلتقط درره المكنونة فيه إلا بعد تعب وعناء، لا يدركه إلا من حفظه واستَظهره على الغيب وهيهات .. قال: فشُغفت به وشُغلت، ورأيت أن خير ما تخدم به علوم الحديث أن يوفق رجل لتقريب هذا المسند الأعظم للناس، حتى تعم فائدته، وحتى يكون للناس إمامًا، وتمنيت أن أكون ذلك الرجل 349. وتتلخص فكرة عمل الشيخ شاكر في المسند بما يلي: أولاً: وضع فهارس لفظية للكتاب، كفهارس الأعلام، والقبائل، والبلدان، وغير ذلك.
ثانيًا: وضع فهارس علمية للأبواب والمسائل والموضوعات التي تعرف بعناوين مشهورة في كتب الفقه والعقيدة والآداب والأخلاق والسير وغير ذلك.
ولا ريب أن تخريج مثل هذه الفهارس لكتاب مثل "المسند" يستغرق عمرًا طويلاً وجهدًا مضنيًا متواصلاً، وقد فتق الله سبحانه في ذهن الشيخ فكرة العمل بالأرقام، وذلك بأن يقوم بترقيم أحاديث "المسند" من أوله إلى آخره على ما هو عليه، بحيث يصبح كل حديث معروفًا برقم عددي خاص به يكون عَلمًا عليه ويسهل للباحث الرجوع إليه، وتبنى عليه الفهارس كلها مهما تنوعت وتعددت 350. وقسم الفهارس اللفظية إلى خمسة أقسام: الأول: فهوس الصحابة رواة الأحاديث مرتب على حروف العجم.
فإن أبهم الصحابي وضع اسم التابعي الراوي عنه على الترتيب نفسه.
الثاني: فهرس الجرح والتعديل.
وهو يتناول الرواة الذين تكلم فيهم الإمام أحمد أو

الجزء: 1 - الصفحة: 145

ابنه عبد الله في "المسند".
وهم قليل.
بالإضافة إلى الرواة الذين تكلم عليهم الشيخ شاكر في نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها.
الثالث: فهرس الأعلام الواردة في متون الأحاديث.
الرابع: فهرس الأماكن الواردة في متون الأحاديث.
الخامس: فهرس لغريب الحديث.
وأما الفهارس العلمية فهي الأصل والمقصود من هذا العمل العظيم.
وقد خرّج الشيخ تلك الفهارس من فهارس كتب السنة وكتب الفقه والسير والأخلاق، وصاغ من مجموع ما تحصل عنده عناوين جديدة مقاربة للموضوعات الشرعية المختلفة، وفي ذلك يقول: وقد قرأت من أجل هذا الفهرس كل فهارس كتب السنة، وكتب الفقه، وكتب السير، وكتب الأخلاق التي يُسِّر لي الحصول عليها، ثم ضممت كل شبْه إلى شبْهه، وكل شَكْل إلى شكله، وتخيرت في ترتييها أقرب الطرق إلى عقل المحدِّث والفقيه.
بعد أن قسمتها إلى كنب جاوزت الأريعين، فيها أكثر من ألف باب.
وكلما رأيت بابًا فيه شيء من العموم كثرت أرقام أحاديثه، اجتهدت في تقسيمه إلى معان فرعية، ليُحصر أقرب العاني إلكتابعضها في أرقام يسهل على القارئ الرجوع إليها 351. وقد استفاد الشيخ من منهج الإمام البخاري وصنيعه في "صحيحه"؛ وذلك أن الإمام البخاري يكرر الحديث الواحد أو يُقطِّعه على عدة مواضع بحسب ما يرى فيه من علاقة بين ذلك الحديث وذلك الباب.
ولئن كان الإمام البخاري ينهج نهج التكرار والتقطيع انسجامًا مع زمانه، فإن الشيخ شاكرًا استفاد من الأرقام التي رقم بها الأحاديث بحيث أراحته من كل ذلك؛ من تقطيع الحديث ومن تكراره.
رَقْم الحديث يوضع في كل باب، وفي كل معنى يدل عليه، أو يصلح للإستشهاد به فيه، دون تكلف ولا مشقة 352.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

وكان الشيخ في أول الأمر لا يرى نفسه أهلاً للقيام بنقد الأسانيد، وتمييز الأحاديث وييان درجاتها.
ولكنه بعدما واجهته صعوبة اشتباه بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، وألجأته إلى مراجعة دواوين الحديث وكتب الرجال، ويعد أن أشار عليه أحد أصدقائه الخُلَّص بأهمية هذا العمل وفائدته، بعد ذلك شرح الله صدره لهذا العمل، فأقدم عليه واستعان بالله.
فجاءت الأحاديث التي عمل فيها مبيَّنة الدرجة؛ فإن كان الحديث صحيحًا ذكره كذلك، وإن كان ضعيفًا بين سبب ضعفه، وإن كان في إسناده رجل مختلف في توثيقه وتضعيفه اجتهد فيه رأيه على ما وسعه علمه، وذكر مارآه 353. ويعتبر فهرس الجرح والتعديل-وهو الفهرس الثاني من الفهارس اللفظية- كاشفًا بأسماء الرجال الذين تكلم عليهم وهاديًا إلى الموضع الذي يوجد فيه ذلك الكلام، لأن عادته أن لا يتكلم على الرجل الواحد إلا مرة واحدة.
وفي النتائج التي توصل إليها من عمله القيم الجليل قال: وإني أرجو أن تكون دعوة الذهبي أُجيبت بما صنعت، وأسال الله سبحانه الهدى والسداد، والعصمة والتوفيق.
وما أبغي أن أتمدح بعملي أو أفخر به، ولكني أستطيع أن أقول: إن في بعض ما حققت من الأسانيد قد حللت مشاهل، وبينتُ دقائق، وصححت أخطاء، فاتت على كثير من أئمة الحديث السابقين، لا تقصيرًا منهم، ولا اجتهادًا مني، ولكن هذا الديوان السامي-كما سماه الحافظ الذهبي- وإن مفتاحًا لما أُغلق، ومنارًا يهتدى به في الظلمات، وكان للناس إمامًا، حين وُفق رجل لخدمته، وحين حققت أحاديثه تحقيقًا مفصلاً 354. ويُعتبر عمل الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- مقربًا للمسند وميسرًا للإستفادة منه لولا أن المنية عاجلته (ت 1377 هـ) قبل تحقيق الأمنية وإتمام المسند، فلم يخرج منه إلا ما يقارب ربع الكناب، كما أنه لم يكمل عمله في سنن الترمذي أيضًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

35 - الموسوعة الحديثية الكبرى: إن آخر الأعمال العلمية المنجزة حول "المسند" هو التحقيق الذي قامت به "مؤسسة الرسالة" العامرة؛ ضمن

"الموسوعة الحديثية الكبرى".

وهو مشروع قد اعتزمت هذه المؤسسة الميمونة بعون الله وتوفيقه على أن تتولى إصداره، مبتدئة بـ: "مسند الإمام أحمد"، وتالية ببقية الدواوين الأخرى، كالصحيحين والسنن الأريعة، وغيرها من كتب السنة المسندة مما دونه المحدثون الثقات خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى؛ ما طبع منها وما لم يطبع، متبعة في ذلك أمثل مناهج التحقيق الذي يعتمد على الأصول الخطية المتقنة الموثقة، وضبط النص وترقيمه، وسلامته من التحريف والتصحيف، ووضع الفهارس الميسِّرة للإفادة منها بأقرب الطرق.
وقد نشأت هذه الفكرة لدى موسسة الرسالة خطوة جديدة على الطريق الأصيل، والمنهج الإسلامي الواضح الذي سلكته في العناية بالتحقيق والطباعة والنشر للكتب النافعة والهادفة إلى إصلاح الأمة، وبما أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأنه إنما صلح أول هذه الأمة بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه الخالية عن شوائب التشويه والتغيير، والدس والوضع، فقد رأت أن الطريق إلى صلاح آخر هذه الأمة ونهضتها والسبيل إلى إيجاد وعي إسلامي صحيح لدى أبنائها، بعيد عن الأهواء العاصفة، إنما يتمثل في إخراج أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضمن إطار موسوعة حديثية كبرى تنتظم كتب السنة.
ويعتبر "المسند" أول كتاب في طريق تحقيق هذا المشروع الجليل، وباكورة السعد في إنجاز هذه الموسوعة المنشودة.
وقد عهدت مؤسسة الرسالة في القيام بمثل هذا العمل ذي الأهمية والخطورة من حيث إنه يتطلب كفاية واقتدارًا وصرفة بالصناعة الحديثية وطول مراسها، عهدت بذلك إلى ثلة من الأساتذة الذين لهم باع في هذا الشأن.
ولم يكن "المسند" ليحتل الصدارة في السعي في إنجاز هذه الموسوعة اعتباطًا، ولا وقع عليه الإختيار بضربة لازب، بل إن لتقديمه على غيره ما يبرره من الأسباب، ذلك أنه ما

الجزء: 1 - الصفحة: 148

من حديث -غالبًا- إلا وله أصل في هذا "السند" فعليه مدار السُّنة، وهو يكاد يستوعبها، ويالتالي فالقيام بتحقيقه سيوفر كثيرًا من الجهود في القيام بتحقيق كتب السنة الأخرى.
أضف إلى ذلك أن الهيكل الذي يتم وفقه صنع هذه المعلمة الحديثية الكبرى يقوم على جمع حديث كل صحابي على حدة على طريقة أصحاب المسانيد، لأن ذلك يحقق الإستقراء التام، وهذا ما يساعد عليه المسند الحنبلي غاية المساعدة.
وتتمثل الجهود التي صُبَّت في هذا العمل الجليل في ثمانية أمور:

  • توثيق النص بالمقابلة بين النسخ الخطية والمقارنة مع المطبوعة.
  • ضبط النص ضبطا قريبًا من التمام.
    -التنبيه على الملاحظات المتعلقة بالسقط والتحريف والتصحيف في المطبوع.
  • تخريج أحاديث الكتاب من "الصحاح" و"السنن" و"المسانيد" و"المعاجم"، وغيرها من المظان بقدر ما تيسر، مع محاولة الإستيعاب والتقصي، مع الإحالة على مواضع تكرر الحديث بلفظه أو بمعناه في المسند نفسه.
  • الحكم على أسانيد الأحاديث.
  • التعليق على بعض المواضع بما يستدعيه المقام من تفسير لفظ غريب، أو توضيح معنى مستغلق.
  • ترقيم الأحاديث مع ترميز المكررات، وزيادات عبد الله ابن الإمام، ووجاداته، وما رواه عن أبيه وعن شيخ أبيه أو غيره.
  • صناعة فهارس لشيوخ أحمد وابنه عبد الله، والصحابة، والرواة، والأحاديث.
    نسأل الله أن يجزل المثوبة لكل من أسهم في هذا المشروع العلمي الكبير، إنه سميع قريب مجيب.

الجزء: 1 - الصفحة: 149

دعوى كون الإمام أحمد محدثًا غير فقيهٍ والرَّد عليها:

لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول: إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن لذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات، كالطحاوي، والدَّبّوسي، والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي، والفراهي الحنفي في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل"، والغزالي في "الوجيز"، وأبو البركات النسفي في "الوافي"، ولم يذكره ابن قتيبة في "المعارف"، وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داودَ الظاهريَّ في الفقهاء، كما لم يذكره ابن عبد البر في كتابه "الإنتقاء".
واعتبره كثير من المتقدمين، كالإمام الترمذي في جامعه 355. ومن العلماء الذين ذكروه في كتب الإختلاف: الإمام أبو عبد الله المروزي في كتابه "اختلاف العلماء"، فهو يذكر الأئمة الأريعة، ومنهم أحمد، ويذكر غيرهم من أصحاب المذاهب والأقوال، وعنايته بقول أحمد ورأيه واستدلاله واضح لمن يتصفح كتابه، وكذلك ذكره الشيرازي في "طبقات الفقهاء".
ودعوى أن أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- محدث وليس فقيها أثارت كلامًا حول فقه الإمام أحمد ومذهبه، مما جعل بعض العلماء يضعه دون الإمامة في الفقه، ولا يذكر مذهبه ورأيه ضمن مذاهب الفقهاء.
وكثيرًا ما يطالع الإنسان الكتب التي تعتني بذكر الخلاف، ومذاهب الأئمة، فلا يرى ذكرًا للإمام أحمد أو الحنابلة.
وقد نقل عن القاضي عياض أنه قال في "المدارك" عن الإمام أحمد: إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه 356.

الجزء: 1 - الصفحة: 150

هذه خلاصة هذه الدعوى، فما دوافعها وأسبابها؟

والجواب عن ذلك يتلخص في النقط التالية 357: ا- المعروف أن الإمام أحمد اتجه أول حياته لدراسة الفقه، وتتلمذ على الإمام أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة -رَحِمَهُ اللهُ-، ثم انصرف عن هذه الدراسة ولم تعجبه، لأنها تتعلق تعلقًا قويًا بالرأي.
وبعد إنقطاعه عنها اتجه إلى الحديث والمحدثين، والتقى بهُشيم بن بشير الواسطي، ثم تابع لقاءاته بالمحدثين، بل إن الروايات تنقل: أنه لم يلتفت إلى المسائل التي حفظها من الإمام أبي يوسف أولاً، بل ركز جهده على الحديث، وقضى جل حياته في جمعه، ومتابعته، والإعتماد عليه، والبعد عن الرأي، وتتبع الأثر ما وجده.
2 - هذه النزعة والإرتباط بالحديث والمحدثين أضفى عليه -رَحِمَهُ اللهُ- صفة المحدث أكثر من أي صفة أخرى، وذمه للرأي والتأويل ومن يعتمد على أقوال الرجال وتفريعاتهم مع إمكانه أخذ الحق من مصدره الأساسي أبعده - في زعم من قال بأنه ليس فقيهًا- عن الفقه والرأي.
فقد ذكر القاضي عياض -رَحِمَهُ اللهُ- في الفصل الذي عقده لترجيح مذهب مالك على غيره، ووجوب تقليد المذاهب التي نشأت في العالم الإسلامي واتباعها، وتكلم عن أصحابها، وبين ميزة كل منها، وقال عن أحمد وداود: كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث، ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه، لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه، ولا جودة النظر في مأخذه، ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما مع المفهوم من الحديث.
3 - ثبت عنه في أكثر من موضع أنه كان ينهى أصحابه عن أن يكتبوا عنه شيئًا وخاصة في مسائله وفتاواه، وهذا وارد في أكثر من موضع في ترجمته، وفيما كتب عنه.
بل قد صرح في بعض المناسبات أنه لما سمع أحد أصحابه يحدث عنه بالمسائل التي أفتى فيها وينشرها في خراسان، جمع عددًا من أصحابه، وقال: أشهدكم أني رجعت عنها، وكان يكره أن يُتخذ كلامه دينًا وشرعًا 358.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

4 - وثبت أيضًا أنه لم يصنف أو يدون شيئًا كبيرًا في الأصول، ولا في الفقه، مع أنه في عصر ازدهر فيه التأليف، ودونت فيه العلوم، وأسست فيه المذاهب، وجل ما ألف في مذهبه، إنما هو من عمل أصحابه الذين جاؤوا من بعده.
فهذه الأمور، وما ماثلها قد تكون هي التي دعت الطبري -رَحِمَهُ اللهُ- وغيره إلى اعتبار أحمد محدثًا وليس فقيهًا.
ونحن هنا نورد من الأدلة الواقعية ما يثبت أنه من أعظم الفقهاء، ومن أقواهم في الإستنباط والإجتهاد، وأن مذهبه ليس بعيدًا عن الإجتهاد، خلافاً لما ظن ابن خلدون -رَحِمَهُ اللهُ- 359. وقلة أتباع المذهب ليس مقياسًا في كون المذهب قريبًا من الإجتهاد أو بعيدًا عنه.
فانتشار المذاهب وكثرة أتباعها لهما أسباب وظروف ودواعٍ كثيرةٌ غير ذلك.
وفيما يلي بيان أن النقط السابقة ليست داعية إلى اعتبار اللإمام أحمد محدثًا وليس فقيهًا، كما توهم بعضهم، وفيه أدلة واقعية وتاريخية على إثبات فقه اللإمام أحمد وحسن استنباطه: 1 - لا يُماري أحد في تفوق اللإمام أحمد في الحديث، ونزعته الشديدة للأثر والتمسك به، ولكن ذلك لم يكن سببًا في كونه غير فقيه، فإن الحديث هو أصل الفقه.
وتوفر النصوص وأقوال السلف لدى اللإمام أحمد أغناه عن القول في كثير من المسائل بالرأي المجرد، وتطرق الخطأ إلى الرأي المجرد أكثر وأقوى من تطرقه إلى المنقول، وكم من سلف الأمة وعلمائها منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جعل الحديث أصل فتواه، ومع ذلك يُعد من أعظم الفقهاء، واللإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ- ممن اعتمد على النصوص واللآثار واهتم بها، وبنى فقهه عليها.
والأمة كلها متفقة على أن خير مناهج القرون في الإستنباط هو منهاج صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهم بإحسان، وهو من الأسس التي بنى أحمد عليها مذهبه.
والرجوع إلى أصل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والإعتصام بذلك آمن مزلة من

الجزء: 1 - الصفحة: 152

الإنسياق في الرأي، والتفريع بموجبه بناء على قواعد.
وإن كانت قعدت على أساس من النصوص، إلا أنه قد تفوت من قعّدوها نصوصٌ أخرى، لو اطلعوا عليها ما قالوا بمقتض القواعد.
والخلاصة: أن أحمد إمام في الحديث، وقد اتفق على هذا، ولكن إمامته فيه لا تنفي عنه صفة الفقه، بل فقهه فقه أثر وسنة.
وهذه النزعة مما امتاز بها مذهبه، ووضحت في أصوله.
2 - ذمه للرأي، ولتقليد الرجال، محمول على معارضة النصوص بذلك، كما يتضح عند الكلام على رأيه في القياس، ورأيه في الإجتهاد، وتقديمه النصوص على ذلك كله، وذلك لا يخصه وحده، بل أئمة المذاهب المعتبرة كلهم ينهون عن تقليدهم، ويوجبون عند ظهور الحجة من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب بقولهم عرض الحائط.
3 - نهيه أصحابَه عن أن يكتبوا عنه مسائله وفتاواه ثابتٌ عنه، ولكن الهدف منه أن لا يشغلهم ويصرفَهم عن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته.
لأنه رأى بعض الناس صرفتهم خلافات المذاهب، وتقليد الناس عن تعرف الحق من مصدره، وعن النظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو يرى أن مرتبة الرأي تأتي بعد ذلك كله، وعند الضرورة، ومع ذلك فقد ثبت عنه آخر حياته أنه أجاز لأصحابه أن يكتبوا عنه، بعد أن خبر أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووثق مما يقول، ويعد محاولات أيضًا من أصحابه.
من ذلك ما حدث من عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، وهو من أجلِّ أصحاب الإمام أحمد، ومن أكثرهم ملازمة له، وسؤالاً، ونقلاً لمسائله، قال عن نفسه فيما ذكره أبو بكر الخلال: "صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة خمس ومئتين إلى سنة سبع وعشرين" 360. وقال أيضًا: "سألت أبا عبد الله عن مسائل فكتبتها، فقال: أيَّ شيء تكتب يا أبا

الجزء: 1 - الصفحة: 153

الحسن؟ فلولا الحياءُ منك، ما تركتك تكتبها، وإنه عليَّ لشديد، والحديث أحبُّ إليَّ منها، قلت: إنما تطيب نفسي في الحمل عنك، إنك تعلم أنه منذ مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد لزم أصحابَه قوم، ثم لم يزل يكون للرجل أصحاب يلزمونه، ويكتبون، قال: من كتب؟ قلت: أبو هريرة، قال: وكان عبد الله بن عمرو يكتب، ولم أكتب، فحفظ وضيعت، فقال لي: فهذا الحديث، فقلت له: فما المسائل إلا الحديث، ومن الحديث تشتق" 361. فهذا يدل على أنه أخيرًا لم يُشدد في الكتابة عنه، وقد قال الخلال: "إن عند الميموني من مسائل أبي عبد الله نحو ستةَ عشر جزءًا" 362 وغيره من الأصحاب كتب عن أحمد، حتى لقد روي أنه كان يأمر من يكتب عنه أن يقرأ عليه ليصحح له إن كان فيه خطأ.
ومن ذلك أن إسحاق بن منصور الكوسج،-وهو أحد الأصحاب الذين نقلوا عن أحمد- لما سمع أن أحمد رجع عن بعض المسائل التي كتبها عنه، جاء بها إليه، وقرأها عليه.
قال حسان بن محمد: "سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمدَ ابنَ حنبل رجع عن تلك المسائل التي علقها عنه، قال: فجمع إسحاق بن منصور تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيًا وأعجب بذلك أحمد من شأنه" 363. والأمثلة والحوادث في ذلك كثيرة من أصحابه -رَحِمَهُ اللهُ-، مذكورة في تراجمهم، وما كتب عنهم.
4 - كونه لم يصنف في الفقه ولا في الأصول، ليس سببًا أيضًا في كونه غير فقيه، فقد كان يكره التصنيف في ذلك، وليس كل أصحاب المذاهب الفقهية مصنفين، والمذهب

الجزء: 1 - الصفحة: 154

يتأسس بطريقة صاحبه في الفتاوي والإستنباط، وقد تقدمت الإشارة إلى أن بعض أصحابه دوّنوا عنه "المسائل"، في حياته، ومنهم من استقصاها بعد مماته، وكانوا يتناقلونها بالسند المتسلسل، ويطبقون فيها ما يطبقونه في الحديث، من اشتراط العدالة والثقة والضبط والحفظ، حتى تصل إلى أحمد، وكون الإمام لم يصنف في الفقه والأصول لا يُؤثر على منزلته الفقهية، ما دامت رواياته وأقواله محفوظة متداولة بين الناس، ولم يتوجه الإنكار إليها ولا الشك فيها من أحد.
قال الشيخ أبو زهرة: "ومهما يُثر من الغبار حول المرويات الفقهيات عن أحمد، فإن الأجيال قد توارثت تلك المجموعة الفقهية المنسوبة إليه، وتدارسها الناس، وتكون من مجموعها الفقه الحنبلي، وضبطت بقواعد جامعة، وتكون منها منطق فقهي على حد تعبير بعض أصحاب أحمد" 364.

الجزء: 1 - الصفحة: 155

الفصل الثاني

في أدوار المذهب ومواطن انتشاره

الدور الأول: النشأة والتأسيس

(164 هـ - 300 هـ)

الدور الثاني: النقل والنمو (300 هـ - 403 هـ)

الدور الثالث: الإنتشار - الإزدهار - الإستقرار (403 هـ - العصر الحاضر)

الجزء: 1 - الصفحة: 157

الدور الأول

النشأة والتأسيس

وفيه

تمهيد

، ومبحثان:

  • المبحث الأول: وصف عام لأصحاب الإمام أحمد.
  • المبحث الثاني: التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 159

تَمْهِيدْ

رسمنا الدور الأول من أدوار تاريخ المذهب الحنبلي، بالدور النشأة والتأسيس" للعلم بأن هذا المذهب قد نشأ وتأسس بصورة تدريجية على مدى هذا الدور.
ويتحدد الإطار الزمني لهذا الدور بحياة الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- وحياة أصحابه وتلامذته، إذ إن التأسيس قام على جهود الإمام في التأصيل والتكوين، وجهود أصحابه في الحفظ والتسجيل، وذلك من أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث.
وأما الإطار المكاني لهذا الدور فهو عاصمة الخلافة الإسلامية، أو مدينة السلام والعلم والعلماء: بغداد، وهذا في الفترة التي كان الإمام أحمد يجلس فيها للفتوى والتعليم، ويرحل الناس إليه، ويسمعون منهء.
لكن بعض أصحابه تفرقوا من بعده في الأمصار، ورجعوا إلى بلدانهم التي كانوا قد جاءوا منها، فتوسع بذلك الإطار المكاني حتى طال أصبهان، ومرو، والجزيرة، والشام، وغيرها، حتى إن الخلاَّل (311 هـ) لما جمع علم أحمد بن حنبل تعب كثيرًا في الرحلة إلى بقية هؤلاء الأصحاب المنتشرين في مناطق متعددة.
وينبغي أن ندخل إلى هذا الدور بتحديد مميزاته العامة، من أجل رسم الإطار الإجتماعي والثقافي والسياسي، الذي سُجلت فيه أعمال التأسيس، وجهود النشأة الأولى.
ولكننا اكتفينا بما وضعناه بين يدي القارئ الكريم في المدخل إلى دراسة سيرة الإمام أحمد، ففيه الكفاية فيما نظن.
ثم إن منهج الدراسة يتطلب أن نستعرض حياة الإمام أحمد وجهوده المباركلة أولاً، ونُثني بحياة أصحابه وجهودهم، إلا أننا لما فصلنا سيرة الإمام بفصل مستقل؛ نظرًا لأهميتها، وإن علينا أن نقتصر على دراسة حياة أصحابه من خلال: 1 - الوصف العام لأصحاب الإمام أحمد وتصنيفهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

2 - التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه، وييان جهودهم في تأسيس المذهب.
وتناولنا ذلك في مطلبين: الأول: وفيه تصنيف رواة المسائل إلى مكثرين ومقلّين، ثم جرد أسمائهم مع تمييز المقل عن المكثر.
الثاني: التعريف بأشهر رواة المسائل، وقد اقتصرنا على ما يخدم البحث من جوانب تراجمهم، مع التركيز على الجهود التي بذلها كل واحد منهم في بناء المذهب الحنبلي، سواء برواية المسائل عن أحمد، أو بالتأليف، أو بالتعليم، أو غير ذلك.
والله الموفق وهو يهدي السبيل.

الجزء: 1 - الصفحة: 162

المبحث الأول

وصف عام لأصحاب الإمام أحمد

كلمة "الأصحاب" في السير والتراجم لها معنيان: الأول: أنها تعني الصحبة الحقيقية في اللغة، وهي الملازمة، سواء قلَّت أم كثرت.
ويهذا الإعتبار يكتسب كل مسلم حصل له شيء من ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرفَ بأن يلقب "صحابيًا" مع ما لذلك من الفضل والمزايا.
ولكن العرف خصص دلالة الصحبة في غير صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن كثرت ملازمته 365. الثاني: أنها تعني الصحبة المباشرة وغير المباشرة، وهي الصحبة المعنوية التي تعني الملازمة للمصحوب بالعناية والهمة.
فأصحاب الإمام أحمد بالمعنى الأول، هم تلامذته الذين رووا عنه العلم على مراتبهم وأصنافهم.
وهم المعنيون ببحثنا هذا؛ في نطاق الدور الأول من أدوار المذهب، والذي مثله الإمام وأصحابه الذين تلقوا عنه الفقه.
وأما أصحابه بالمعنى الثاني، فهم الفقهاء المجتهدون في سلك هذا المذهب، سواء أكانوا من أصحاب التخريج أم من أصحاب الترجيح أم ممن لهم اختيارات تفردوا بالذهاب إليها، ولو خرجوا عن المذهب في ذلك، وهم موزعون على عدة طبقات موزعة على العصور.
والذين ترجموا في الطبقات ليسوا كلهم من هذا القبيل، بل قد اعتاد المتأخرون من مقلدة المذاهب أن يذكروا في الطبقات المذهبية كل من له عناية وعمل في المذهب، ولو لم يسلك في عمله أي مسلك اجتهادي.
وسنصنف تلاميذ الإمام أحمد ثلاثة أصناف:

الجزء: 1 - الصفحة: 163

الأول: الذين رووا عنه الحديث فقط.
الثاني: الذين رووا عنه الفقه إلى جانب الحديث.
الثالث: الخواص من رواة الفقه الذين عليهم العمدة في نقل المذهب إلى دور التدوين.
• الصنف الأول من الرواة عن أحمد: وهم الذين رووا عنه الحديث فقط، وربما سمعوا منه الفقه والمسائل، لكنهم لم يُعرفوا بحمله للناس، والعناية بتدوينه.
وهؤلاء عددهم كثير جدًا، قد أحصى منهم أصحاب التراجم عددًا لا بأس به، ويقي الآخرون لا نعرف عنهم شيئًا.
قال الحسين بن إسماعيل: "سمعت أبى يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السَّمت" 366. فقد حظي الإمام أحمد بشيوخ كُثر، كما حظي بتلاميذ كثُر، وليس ذلك إلا لما حباه الله -عَزَّ وَجَلَّ- وأولاه من العناية والرعاية، فكرمه بنفس زكية طيية، مسجاة بأخلاق عالية، وعقل حصيف راجح، فيه النباهة والنجابة والفهم، وذاكرة حافظة نادرة يقضى منها العجب.
ثم إن الله سبحانه قد بسط له القبول في الأرض، وكنب له المحبة في قلوب العباد 367. • الصنف الثاني من الرواة عن أحمد: وهم الذين رووا الفقه عنه إلى جانب الحديث، وعددهم أيضًا كثير، وقد حاول العليمي أن يحصيهم 368 في "المنهج الأحمد" فذكر (578) ترجمة، ثم قال: "وقد انتهى ذكر أسماء أصحاب الإمام أحمد - رضي الله عنهم -، وهم الطبقة الأولى الذين عاصروه، وتفقهوا عليه، ورووا عنه، وعدتهم خمسمائة وثمانية وسبعون (578)

الجزء: 1 - الصفحة: 164

نفسًا، فمنهم جماعة كانوا على مذهبه في الأصول والفروع، وأخذوا عنه الفقه، ونقل عنهم إلى من بعدهم إلى أن وصل إلينا".
ثم قال: "فلنذكر أسماء من اشتهر من أعيانهم سردًا، ليتميزوا عن غيرهم ممن صحب الإمام أحمد، وروى عنه وقرأ عليه الحديث وغيره، فأقول، وبالله التوفيق: أصحاب الإمام أحمد من الفقهاء المشهورين، مئة وثلاثة وثلاثون نفسًا، كما تقدم التنبيه عليه في ترجمة الإمام، وهم:" وذكر أسماءهم 369. ثم قال: "هؤلاء هم الحنبليون من أصحاب الإمام أحمد ممن ذُكرت تراجمهم في هذا الكتاب، فمنهم المقل عنه، ومنهم المكثر، وهم أيضًا متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد والنقل عنه، والضبط والحفظ، وقد تقدم في تراجمهم ما يدل على ذلك" 370. وقد ذكرهم المرداوي في آخر "الإنصاف" كما تقدم ذكره في بحث: الرواية عن أحمد 371. • الصنف الثالث من الرواة عن أحمد: وهم خواص المصنف السابق وخلاصتهم، فهم المكثرون، ورواة "المسائل"، وأولو الأيدي البيضاء في وضع اللبنات الأولى في بناء البيت الحنبلي، بما حفظوا لنا من مسائل أجاب عنها الإمام أحمد في الفقه أو الحديث، أو العقيدة أو الزهد، أو غير ذلك من علوم الدين التي لم تكن قد تمايزت آنذاك، بل قد حفظوا لنا المسائل التي توقف، فيها الإمام فلم يجب بشيء؛ لتكون كالشهادة المفصلة الدالة على تورعه رحمه الذ فيما ليس له به علم، كما حفظوا لنا المسائل التي قال فيها: لا أدري، وكذلك المسائل التي حلف عليها، وإن كانت هذه الأواخر من جمع المتأخرين.
وكان من هؤلاء جماعة ريما تفردوا بتوجيه مسائل الأئمة الآخرين من فقهاء الأمصار، ليعرفوا فيها رأي الإمام المبجل وجواب إمام السنة.
فقد كان حنبل بن إسحاق وأحمد بن الفرج يسألانه عن مسائل مالك وأهل المدينة.
وكان الميموني يسأله عن مسائل الأوزاعي وأصحابه.
وكان الشالنجي يسأله عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه.

الجزء: 1 - الصفحة: 165

وكان إسحاق بن منصور وغيره يسألونه عن مسائل سفيان الثوري وغيره 372. ولا ريب أن جل صفات الإمام أحمد قد انعكست على أصحابه وتلامذته والملازمين له منهم على وجه الخصوص، شأن كل إمام وأصحابه، فقد كانوا أئمة في الزهد والورع والمحافظة على مذهب السلف والإقتداء بهم، والحرص الشديد على السنة في الإعتقاد والعمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد كانوا يحفظون فضل إمامهم، وورعه، حتى إنهم تركوا بعض الأشياء المباحة أحيانًا، لما يعلمون من أنها لا تليق بمقام إمامهم.
فقد أسند ابن الجوزي إلى الأثرم، أنه قال: "ريما يترك أصحاب أحمد ابن حنبل أشياء ليس لها تبعة عند الله، مخافة أن يُعبَّروا بأحمد بن حنبل" 373. وقال ابن عقيل (513 هـ) فيهم كلمة جامعة أحسن فيها وأجاد، قمينة بأن تسجل في خاتمة هذا المبحث: قال ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة": قرأت بخط الحافظ أبي محمد البرزالي، قال: قرأت بخط الحافظ ضياء الدين المقدسي، قال: كتب بعضهم إلى أبي الوفاء ابن عقيل يقول: صف لي أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت من الإنصاف.
فكتب إليه يقول: "هم قوم خُشُن، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجدّ، وقل عندهم الهزل، وعقلت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجًا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا: الله أعلم بما فيها، من خشية باريها، ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها، إنما غلبت عليهم الشناعة؛ لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار.
والله يعلم أنني لا أعتقد في الإسلام طائفة مُحِقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق، والسلام" 374.

الجزء: 1 - الصفحة: 166

المبحث الثاني

في التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه

تصنيف رواة المسائل عن الإمام أحمد

: ذكرنا في الفصل السابق أن أصحاب الإمام أحمد الذين رووا عنه الفقه بمعناه الواسع، أي "فقه الدين" ينقسمون إلى قسمين: مكثرين ومقلين.
وعدد الجميع حسب إحصاء المرداوي (131) نفسًا، والمكثرون منهم (33) نفسًا.
ونذكر هنا أسماءهم مجردة مرتبة على حروف المعجم، مع وضع حرف "م" قبل اسم المكثرين الذين سنفرد لبعضهم تراجم موجزة في المبحث اللاحق إن شاء الله.
1 - إبراهيم بن اسحاق النَّيسابوري 2 - (م) إبراهيم بن إسحاق الحَربي 3 - إبراهيم بن الحارث الطَّرَسُوسِي 4 - إبراهيم بن زياد الصَّائغ 5 - إبراهيم بن عبد الله الدَّينَوَري 6 - إبراهيم بن محمد بن الحارث 7 - إبراهيم بن هاشم البَغَوي 8 - (م) إبراهيم بن هانئ النَّيْسابوري 9 - إبراهيم بن يعقوب الجَوْزجاني 10 - أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي

الجزء: 1 - الصفحة: 167

11 - أحمد بن إبراهيم الكوفي 12 - أحمد بن أبي خَيْثمَة 13 - أحمد بن أبي عَبْدَة الهمداني 14 - أحمد بن أصْرم المُزَني 15 - أحمد بن بشر بن سعيد 16 - أحمد بن جعفر الوكيعي 17 - أحمد بن حسن الترمذي 18 - (م) أحمد بن حُميد المُشْكاني، أبو طالب 19 - أحمد بن سعد بن إبراهيم الزُّهْري 20 - أحمد بن سعيد الدَّارمي 21 - أحمد بن صالح المصَري 22 - أحمد بن الفُرات 23 - أحمد بن القاسم 24 - (م) أحمد بن محمد، أبو بكر المَرُّوذي 25 - (م) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم 26 - أحمد بن محمد الصائغ، أبو الحارث 27 - (م) أحمد بن محمد الكحَّال 28 - (م) أحمد بن محمد المَرْوزَي، أبو الحارث 29 - أحمد بن محمد، أبو بكر 30 - أحمد بن محمد المقري 31 - أحمد بن محمد، أبو العباس البُرَائي 32 - أحمد بن محمد المزني 33 - أحمد بن مُلاعِب بن حَيَّان 34 - أحمد بن منصور الرَّمادي 35 - أحمد بن منيع

الجزء: 1 - الصفحة: 168

36 - أحمد بن نصر، أبو حامد الخَفّاف 37 - أحمد بن نَصر الخُزاعي 38 - أحمد بن هاشم الأنطاكي 39 - أحمد بن يحيى الحلواني 40 - أحمد بن يحيى ثعلب 41 - (م) إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري 42 - إسحاق بن إبراهيم البغوي 43 - إسحاق بن الجراح 44 - إسحاق بن الحسن بن مَيمون 45 - إسحاق بن حَنبل، عم الإمام أحمد 46 - (م) اسحاق بن منصور الكَوْسج 47 - (م) إسماعيل بن سعيد الشَّالَنجِي 48 - (م) إسماعيل بن عبد الله، أبو اَلنضر العِجلي 49 - أيوب بن إسحاق بن إبراهيم 50 - بدر بن أبي بدر، أبو بكر المغازلي 51 - (م) بشر بن موسى الأسَدي 52 - (م) بكر بن محمد بن الحكم النَّسائي 53 - جعفر بن محمد النَّسائي 54 - جعفر بن محمد الصائغ 55 - حُبيش بن سِنْدي 56 - (م) حرب بن اسماعيل الكِرْماني 57 - (م) الحسن بن ثواب 58 - (م) الحسن بن زياد 59 - الحسن بن الصباح 60 - الحسن بن عبد العزيز المعروف بالجَروي

الجزء: 1 - الصفحة: 169

61 - الحسن بن علي الإسكافي 62 - الحسن بن محمد الأنماطي 63 - الحسين بن إسحاق الخِرَقي 64 - حنبل بن إسحاق بن حنبل 65 - (م) خطاب بن بشر بن مَطر 66 - زياد بن أيوب بن زياد 67 - زياد بن يحيى بن عبد الملك بن مروان 68 - زياد بن يحيى الناقد 69 - سلمة بن شَبيب 70 - (م) سليمان بن الأشعث، أبو داود صاحب السنن 71 - (م) سِنْدي، أبو بكر الخواتيمي 72 - (م) صالح بن الإمام أحمد 73 - طاهر بن محمد 74 - عباس بن محمد الدُّورِي 75 - عبد الرحمن بن عَمْرو، أبو زُرعة الدمشقي 76 - عبد الرحمن، أبو الفضل المتطبب 77 - عبد الكريم بن الهيثم القطان 78 - (م) عبد الله بن الإمام أحمد 79 - عبد الله بن أحمد بن عبيد الله 80 - عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، صاحب التصانيف 81 - (م) عبد الله، المعروف بلقب "فُوْرَان" 82 - عبد الله بن محمد بن عبد العزيز 83 - (م) عبد الملك بن عبد الحميد الميموني 84 - عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق 85 - عبدوس بن مالك العطار

الجزء: 1 - الصفحة: 170

86 - عُبيد بن سعيد السَّرْخَسي 87 - عبيد الله بن عبد الكريم، أبو زُرعة الرازي 88 - عبيد الله بن محمد الفقيه المروزي 89 - عصْمة بن أبي عصْمة 90 - علي بن أحمد الأنماطي 91 - علي بن أحمد ابن بنت معاوية 92 - علي بن الحسن بن زياد 93 - علي بن الحسن المصري 94 - علي بن سعيد بن جرير النَّسَوي 95 - علي بن عبد الصمد الطيالسي 96 - (م) الفرج بن الصباح البُرْزاطي 97 - (م) الفضل بن زياد القطان 98 - (م) مُثَنَّى بن جامع الأنباري 99 - (م) محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجِي 100 - محمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي 101 - محمد بن إسماعيل التِّرمذي 152 - محمد بن حبيب أبو عبد الله البَزّار 103 - محمد بن بشر بن مطر 104 - محمد بن الحسن بن هارون 105 - (م) محمد بن الحكم، أبو بكر النسائي 106 - محمد بن حَمّاد بن بكر المقري 107 - محمد بن داود المِصِّيصي 108 - محمد بن عبد الرحيم المعروف بصاعقة 109 - محمد بن عبد العزيز البيوردي 110 - محمد بن عبد الله مُطَيِّن

الجزء: 1 - الصفحة: 171

111 - محمد بن علي الجُرجاني 112 - محمد بن ماهان النيسابوري 113 - محمد بن موسى بن أبي موسى 114 - (م) محمد بن موسى بن مُشَيْش 115 - محمد بن هارون الحمال 116 - محمد بن هُبَيرة البغوي 117 - (م) محمد بن يحيى المتطبب الكَحّال 118 - محمد بن يزيد الطَّرسوسي 119 - موسى بن عيسى الجَصّاص 120 - موسى بن هارون الحمال 121 - مُهَنَّا بن يحيى الشامي 122 - ميمون بن الأصبغ 123 - (م) هارون بن عبد الله الحمال 124 - هارون المُسْتمَلي 125 - يحيى بن زكريا المرّوذي 126 - (م) يحيى بن يَزْداد، أبو الصَّقر 127 - يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي 128 - (م) يعقوب بن إسحاق بن بُخْتان 129 - يعقوب بن العباس الهاشمي 130 - يوسف بن موسى العطار الحربي 131 - يوسف بن موسى بن راشد

الجزء: 1 - الصفحة: 172

التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد

1 -

إبراهيم الحَرْبي (198 هـ - 285 هـ):

هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي.
سمع من أبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعبد الله بن صالح العجلي.
ونقل عن الإمام أحمد مسائل وصفها المرداوي بأنها كانت كثيرة جدًا حسانًا جيادًا.
وقد أورد ابن أبي يعلى نماذج منها، وهذا واضح فيمن طالت ملازمته، وكأن إبراهيم الحربي فرغ نفسه في أول العمر للحديث، ثم تفرغ للفقه، فجاء بنيانه كاملًا.
ووصفه ابن أبي يعلى بقوله: "كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث" 375. لازم إبراهيمُ الإمامَ أحمدَ نحوًا من عشرين سنة، وأخذ عنه حديثه وفقهه، ولذلك كان يقول لأصحابه: "كل شيء أقول لكم: هذا قول أصحاب الحديث، فهو قول أحمد ابن حنبل، وهو ألقى في قلوبنا مذ كنا غلمانًا اتباع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقاويل الصحابة، والإقتداء بالتابعين" (1). ومع ملازمته الإمام أحمد لم يَفُتْه إمام الورع بشر بن الحارث الحافي، وإمام اللغة أبو عبيد القاسم بن سلام، فهؤلاء كانوا يملأون عينيه، حتى قال عنهم: "رأيت رجالات الدنيا فلم أر مثل ثلاثة: رأيت أحمد بن حنبل، يعجز النساء أن يلدن مثله.
ورأيت بشر بن الحارث؛ من قرنه إلى قدمه مملوءًا عقلًا، ورأيت أبا عبيد كأنه جبل نفخ فيه علم" (1)).
وعاش إبراهيم بعد الإمام أحمد أكثر من أربعين سنة، مما يدل على أنه أفاد كثيرًا، ونشر علم الإمام أحمد في الطبقة الثانية بغزارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 173

مؤلفاته: "غريب الحديث"، "دلائل النبوة"، "كتاب الحمام"، "سجود القرآن"، "ذم الغيبة"، "النهي عن الكذب"، "المناسك".
وغير ذلك من المصنفات الكثيرة، وقد استوفى الكلام عليها الدكتور سليمان العايد في مقدمة تحقيق القسم الذي نشره من "غريب الحديث".
نماذج من مسائله: أ- قال إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يختم القرآن في شهر رمضان في الصلاة، أيدعو قائمًا في الصلاة؟ أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلام؟ فقال: لا، بل يدعو في الصلاة، وهو قائم بعد الختمة.
قيل له: فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم.
ب- قال إبراهيم: وسئل أحمد عن رجل صلى في جماعة، أيؤمَّ بتلك الصلاة؟ قال: لا، ومن صلى خلفه يعيد.
قيل له: فحديث معاذ؟ قال: فيه اضطراب، وإذا ثبت فله معنى دقيق، لا يجوز مثله اليوم (1).

2 -

إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (218 هـ - 285 هـ):

هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري الأصل، البغدادي المولد والنشأة والوفاة.
وأبوه إبراهيم من المكثرين للرواية عن الإمام أحمد أيضًا، بل ييتهم كله بيت علم ورواية، فقد كان عمه وإخوته من أهل الفضل والتعبد والرواية.
وكان له ولأبيه اختصاص بالإمام أحمد، فقد خدمه وهو ابن تسع سنين، ولازمه إلى أن مات، واختفى الإمام أحمد عندهم أيام الواثق بالله.
ويظهر أثر هذه الصلة الوثيقة بشكل واضح جلي من خلال "مسائله" التي رواها عنه، فقد كان الإمام أحمد يأتي إلى دارهم، ويأكل عندهم، وينبسط في منزلهم.
نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة في ستة أجزاء 377، وقد طبعت في مجلد.376

الجزء: 1 - الصفحة: 174

نماذج من مسائله: أ - سألت أبا عبد الله، عمن يقرأ بقراءة عبد الله-أي ابن مسعود- أيصلَّى خلفه؟ ويحتج بقراءته (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) (فجعلهم كالصوف المنفوش)؟ قال: لا يصلى خلفه (1). ب - وسألت أبا عبد الله عن الرجل يفجر بالمرأة، ثم يتزوجها؟ قال: لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت؛ لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولدًا من غيره.
قلت: وما عِلمُه أنها قد تابت؟ قال: يريدها على ما كان أرادها عليه، فإن امتنعت فهي تائبة، يتزوجها، وإن طاوعته فلا يتزوجها (2).

3 -

أحمد بن حُميد (أبو طالب) (؟ - 244 هـ):

هو أحمد بن حُميد، أبو طالب، المُشْكاني، نسبة إلى مُشْكان قرية من نواحي همذان.
صحب أحمد قديمًا ولازمه حتى مات، وكان الإمام أحمد يكرمه ويقدمه، وكان رجلاً صالحًا فقيرًا صبورًا على الفقر.
روى أبو طالب المسائل عن الإمام أحمد، فأكثر الرواية عنه، وله أفراد تفرد بها، ولكنه لموته المبكر إثر الإمام أحمد لم يتلق عنه رواية هذه "المسائل" إلا الكبار من رجال الطبقة الثانية 380.378379

الجزء: 1 - الصفحة: 175

نماذج من مسائله: أ - قال أبو طالب: سألت أحمد عن الخفاش يكون في المسجد يبول، فيصيب الرجل؟ فقال: أرجو أن لا يضره.
قلت: إن كان كثيرًا، نجس؟ قال: ما أدري.
قلت: أليس البول قليله وكثيره يغسل؟ قال: ذاك بول الإنسان.
قلت: هذا لا يؤكل لحمه، يغسل؟ قال: إن كان كثيرًا يغسل.
ب - وقال أبو طالب: سمعت أحمد يقول: إذا أخذ شعره، إن شاء مسح على رأسه، وإن شاء لم يمسح.
قلت: لا يكون مثل العمامة؟ قال: لا، العمامة يمسح عليها، والخف يمسح عليه، فإذا خلع أعاد، والشعر إذا مس بالرأس يصيبه الماء، ويبلغ أصول الشعر، فإذا أخذ الشعر، فالماء قد أصاب ما بقي من شعره، وليس هو مثل العمامة والخف (1).

4 -

أحمد المرّوذي (؟ - 275 هـ):

هو أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر، المروذي، كانت أمه مرّوذية وأبوه خوارزميًا.
وهو المقدم من أصحاب الإمام أحمد، لورعه وفضله، وكان الإمام يأنس به وينبسط إليه، وهو الذي تولى إغماضه يوم مات، وغسله.
وقد روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة.
وهو الذي روى كتاب "الورع" عن الإمام أحمد، وقد نقل الخطيب البغدادي تكذيب رواية كتاب "الورع" عن غيره، وقد طعن فيه بعض الناس.
فقال عبد الوهاب الوراق رادا على طعنهم: "أبو بكر ثقة صدوق، لا يشك في هذا، إنما يحملهم على هذا الحسد" 382. وقد كان أحمد يثق به الثقة كلها، يثق بنقله، كما يثق بورعه وعقله، حتى إنه كان يقول: كل ما قلتَ على لساني فأنا قلته 383.381

الجزء: 1 - الصفحة: 176

نماذج من مسائله: أ - قال أبو بكر: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش؟ فصححها، وقال: قد تلقتها الأمة بالقبول، وتُمَرُّ الأخبار كما جاءت.
ب - وقال أبو بكر: سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل -وأنا أسمع- عن الحقنة؟ فقال: أكرهها، لأنها تشبه اللواط (1). جـ - وقال أبو بكر: سئل أحمد: أمرُّ في الطريق، فأسمع الإقامة، ترى أن أصلي؟ فقال: قد كنت أُسهِّل، فأما إذ كثرت البدع فلا تصل إلا خلف من تعرف (2).

5 -

أحمد الأثرم (؟ - 273 هـ):

هو أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر، الأثرم، الطائي -ويقال: الكلبي- الإسكافي.
جليل القدر، حافظ، سمع حرميّ بن حفص، وعفان بن مسلم، وأبا بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن مسلمة 386 القعنبي؛ تلميذ مالك بن أنس، وعددًا لا بأس به من طبقة شيوخ البخاري، وأخرج له النسائي في "السنن".
ويعتبر الأثرم من المعمرين، فقد ولد في خلافة هارون الرشيد، وكان قد انصرف في أول حياته إلى الحديث، ثم لازم الإمام أحمد فتفقه عليه، ونقل عنه مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا.
وكان معه تيقظ عجيب، حتى نسبهُ يحيى بن معين، ويحيي بن أيوب المقابري، فقالا: أحد أبوي الأثرم جني! وكان الأثرم عالمًا بمؤلفات أبي بكر بن أبي شيبة (ت 235 هـ) لأنه لازمه مدة طويلة.384385

الجزء: 1 - الصفحة: 177

مؤلفاته: كتاب "السنن" في الفقه الممزوج بالحديث، وكتاب "التاريخ"، وكتاب "العلل"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ" في الحديث (1). قال الذهبي: ووقع لنا جزء من البيوع من "سننه" (2). وله رسالة إلى أهل الثغر أورد منها ابن أبي يعلى حوالي أربع صفحات (3). نماذج من مسائله: أ - قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فضل وَضوء المرأة؟ قال: إذا خَلتْ به فلا يتوضأ منه، إنما رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضآ جميعًا.
ب - وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسح على العمامة، قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم.
قال أبو عبد الله: [ثبت] من خمسة وجوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. جـ - وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الوضوء من القيء؟ فقال: نعم، يتوضأ.
قلت له: على إيجاب الوضوء؟ قال: نعم، واحتج بحديث ثوبان: "أنا صببت لرسول الله وضوءه" (4).

6 -

إسحاق الكَوْسَج (170 هـ - 251 هـ):

هو إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب، الكوسج، المروزي 391. شارك الإمام أحمد في بعض شيوخه؛ كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، والنضر ابن شميل، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وعفان بن مسلم.
وحدث عنه أصحاب الكتب الستة ما عدا أبا داود، وله "مسند" يروى عنه.
ومن هنا يتبين أن إسحاق الكوسج وكان يغلب عليه جانب الحديث، لكنه مع ذلك دوّن "مسائل الإمام أحمد" في حياته وضم إليها "مسائل إسحاق بن راهويه"، وصار يمليها على387388389390

الجزء: 1 - الصفحة: 178

الناس بخراسان، فأنكر الإمام أحمد ذلك، وأشهد على رجوعه عنها كلها، لكن -كما تقدم- عاد بها إليه فأقره عليها، وأعجب به (1). وفقه أحمد في "سنن الترمذي" بالإضافة إلى فقه إسحاق بن راهويه يروى من طريق إسحاق الكوسج، كما صرح بذلك الترمذي في آخركتابه، فلذلك يجب التنبه إلى أنه لا يكون قول الإمام أحمد دائمًا معتمدًا في الترمذي، فقد يكون الصحيح من النقل أو الراجح من الروايات خلافه.
وقد طبع من مسائل إسحاق الكوسج "الطهارة" و"الصلاة" و"الصيام" و"المعاملات".
نماذج من مسائله: أ - قال إسحاق: قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار، وأن يصوم غدًا من قضاء شهر رمضان، ثم لم ينوه من الليل؟ قال: قد تقدمت منه النية، لا بأس به، إلا أن يكون قد فسخ النية بعد ذلك.
ب - وقال إسحاق: وسألت أحمد عن الرجل يعرض عليه الإسلام عند الموت، يقر، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أيرثه وارثه المسلم؟ قال: نعم، ومن يقول غير هذا؟! هؤلاء في مذهبهم لا ينبغي أن يكون هذا، ولكن العجب أن لا يوافقوا.
جـ - وقال إسحاق: قلت لأحمد: الرجل يأتي أهله، وليس له شهوة النساء، أيؤجر على ذلك؟ قال: إي والله، يحتسب الولد.
قلت: إن لم يرد الولد، إلا أن يقول: هذه امرأة شابة؟ قال: لِمَ لا يؤجر؟ (2).

7 -

حرب الكرماني (؟ - 280 هـ):

هو حرب بن إسماعيل بن خلف، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، الحنظلي، الكرماني.392393

الجزء: 1 - الصفحة: 179

رحل وطلب العلم، وأخذ عن أبي الوليد الطيالسي، وأبي بكر الحميدي، وأبي عبيد، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه.
وقد ابتدأ حياته سالكًا مسلك المتزهدين الذي ساد في ذلك العصر، ولذلك تأخر في لقاء أحمد، فلم يلقه إلا في سنن متقدمة، فقد نقل عنه ابن أبي يعلى أن أبا بكر الخلّالَ سأله عن سبب تأخره في لقاء أحمد - رضي الله عنه -، فأجاب: كنت أتصوف قديمًا، فلم أتقدم في السماع 394. وكانت بينه وبين المرّوذي مودّة، وقد أنزله في بيته لما جاء للقاء أحمد، وقد حث المروذيُّ الخلال على السفر إليه والسماع منه، ونقل مسائل أحمد عنه.
ومعلوم أن الخلّال كان يجمع "المسائل" من مدونيها وسامعيها قبل أن يحررها في كتابه الكبير "الجامع لمسائل الإمام أحمد".
وقد نقل الكرماني عن الإمام أحمد فقهًا كثيرًا، ولكنه لم يسمع عنه كل ما أذاع عنه، حتى إن الخلّال قال: إنه حفظ أربعة آلاف مسألة عن أحمد وإسحاق بن راهويه قبل أن يلقاهما.
قال الذهبي في وصف مسائله: "مسائل حرب" من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين.
نماذج من مسائله: أ - قال حرب: قلت لأحمد: أنصلي خلف رجل يقدم عليا على أبي بكر وعمر؟ قال: لا تصل خلف هذا.
ب - وقال حرب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين.
جـ - وقال حرب: سمعت أحمد يكره الإمالة مثل ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وقال: أكره الخفض الشديد والإدغام 395.

الجزء: 1 - الصفحة: 180

8 -

حنبل بن إسحاق (؟ - 273 هـ):

هو حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي، الشيباني، ابن عم الإمام أحمد.
ولد حنبل قبل المائتين، فهو من كبار أصحاب أحمد في السن والرواية، وسمع الحديث من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان بن حرب، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، والحميدي، وأبي الوليد الطيالسي، وخلقٍ كثيرٍ من طبقة شيوخ البخاري، وبعض شيوخ أحمد.
يُعدّ حنبل ثالث ثلاثة ممن اختصهم الإمام أحمد بإسماعهم "المسند" في بيته، والإثنان الآخران هما ولداه: عبد الله وصالح.
قال عن نفسه: "جمعنا عمي، لي، ولصالح، ولعبد الله، وقرأ علينا "المسند".
وما سمعه منه -يعني تامًا- غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمئة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة" 396. ولحنبل مسائل كثيرة رواها عن أحمد، والعجب أن المرداوي لم يذكره في زمرة المكثرين.
وقد وصف الخلّال تلك "المسائل"، فقال عنها: "قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية، وأغرب بغير شيء، وإذا نظرت في "مسائله" شبهتها في حسنها وإشباعها، وجودتها بمسائل الأثرم" 397. مؤلفاته: كتاب "الفتن"، وكناب "المحنة"، وكتاب "التاريخ".
وله جزء حديثي.
بالإضافة إلى كتاب "المسائل" عن الإمام أحمد.
نماذج من مسائله: أ - قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلمًا، والقرآن كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- غيرمخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه -عَزَّ وَجَلَّ-.

الجزء: 1 - الصفحة: 181

ب - وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يضع قدمه" نؤمن به، ولا نرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال، بل نؤمن بالله ويما جاء به الرسول.
قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] (1). جـ - وقال حنبل: وسمعت أبا عبد الله، وسأله رجل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه، وعن أصحابه أنهم فعلوه: إذا افتتح، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
قلت له: فبين السجدتين؟ قال: لا.
قلت: فإذا أراد أن ينحط ساجدًا؟ قال: لا، فقال له عباس العنبري: يا أبا عبد الله، أليس يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله؟ قال: هذه الأحاديث أقوى وأكثر (2).

9 -

سليمان بن الاشعث أبو داود (202 هـ - 275 هـ):

هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو داود، الأزدي، السجستاني.
وهو أحد أصحاب الكتب الستة المصنفة في الأصول الحديثية التي أجمع عليها أهل الإسلام.
وهو ممن رحل، وطوف، وجمع، وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والبصريين.
وترجمته في طبقات المحدثين مشهورة حافلة، ولذلك سنوجز الكلام فيه على ما يتعلق بالفقه والرواية عن الإمام أحمد، وعلاقته به.
ألف الإمام السجستاني كتاب "السنن"، وهو كتاب يصنف في كتب "أحاديث الأحكام"، وبالتالي يكون قد رتب أبو داود أدلة الفقه الحنبلي، بل أدلة الفقه الإسلامي ومهدها للفقهاء على اختلاف المذاهب، حتى إن الغزالي اعتبره كافيًا لطالب الإجتهاد في خصوص المعرفة بالسنة 400، قال الخطابي في مقدمة "معالم السنن": "اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود -رَحِمَهُ اللهُ- كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من398399

الجزء: 1 - الصفحة: 182

كافة الناس، فصار حكمًا بين فرق الناس، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلٍ منه ورد ومنه شرب، وعليه مُعوَّل أهل العراق وأهل مصر وبلاد الغرب، وكثير من أقطار الأرض" 401. ويشتمل كتاب السنن على:

  • (35) كتابًا، كلها مبوية ما عدا ثلاثة أبواب.
  • (1871) بابًا.
  • (5274) حديثًا.
    وقد ذكر في رسالته إلى أهل مكة أن كتابه يشتمل على (4800) حديث، وقد حرّر الشيخ محيى الدين عبد الحميد سبب هذا الإختلاف، وأنه يرجع إلى اختلاف في النسخ، بالإضافة إلى مراعاة التكرار في الأسانيد والمتون 402. قال الخلّال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، ويصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورِع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا واحدًا، كان أبو داود يذكره 403. وقال الذهبي: أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وساله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول.
    وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضايق الكلام 404. مؤلفاته: "السنن" (مطبوع)، و"المراسيل" (مطبوع)، و"الزهد" (مخطوط في خزانة القرويين بفاس رقم 80/ 133)، "البعث"، و"تسمية الإخوة"، وهما رسالتان، و"سؤالات أبي داود للإمام أحمد" في الجرح والتعديل (مطبوع) 405. بالإضافة إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 183

كتاب "المسائل" في الفقه عن الإمام أحمد.
نماذج من مسائله: أ - قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه فكلِّمه، وإلا فألحقه به.
قال ابن مسعود: "المرءُ بِخِدْنِه".
ب - وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب "ملك" أو "مالك" يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: "مالك"، أكثر ما جاء في الحديث (1). جـ - وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل - رضي الله عنه -؛ سثل عن المُعْتمِّ تحت الحنك؟ فقال: ما نعرف العمامة تحت الحنك.
قال أبو داود: ورأيت أحمد يعتمُّ بعمامة بيضاء يجعلها تحت الحنك، ورأيت أحمد يعتم على قلنسوة (2). و"مسائل الإمام أحمد" برواية أبي داود مطبوع في مطبعة المنار بمصر (1353 هـ)، وقد قدم له العلامة الشيخ محمد رشيد رضا.

10 -

صالح بن الإمام أحمد (203 هـ - 266 هـ):

وهو أكبر أولاد الإمام أحمد، يكنى أبا الفضل.
سمع من والده، وأبي الوليد الطيالسي، وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن أبي سويد، وعلي بن المديني، وطبقتهم.
وروى عنه ابنه زهير، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبو الحسن بن المنادي، وأبو بكر الخلّال.
وتولى قضاء أصبهان، وتوفي بها، وكان قد تولى القضاء بطرسوس قبل ذلك.
وكان أحمد معنيًا بتربيته، حفيًا بأن يكون من الزهاد مثله، وكانت طريقته في تهذيبه أمثل الطرق، وهي التربية بالأسوة الحسنة، وقد حظي صالح بذلك؛ لأنه كان ابنه الوحيد مدة عشر سنين قبل أن يولد عبد الله.406407

الجزء: 1 - الصفحة: 184

وكان الإمام أحمد إذا زاره رجل من ذوي التقى والورع أحضر ابنه صالحًا هذا ليراه، فقد قال صالح في ذلك: "كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد أو رجل صالح متقشف، لأنظر إليه، يحب أن أكون مثلهم" 408. وكان صالح رجلاً سخيًا جدا، وكان كثير العيال، فدخل عليه الدَّين، وكان ذلك سببًا في قبوله ولاية القضاء، وفي قلة روايته عن أبيه، على أنه روى عنه الكثير بالنظر إلى بقية الأصحاب.
وقد روى صالح عن أبيه كثيرًا من الفقه والحديث.
قال الخلال: سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جياد 409. وقد طبع الموجود من "المسائل" برواية صالح عن أَبيه وتوجد منه مخطوطة بدار الكتب الصرية برتم 2168 ب. نماذج من مسائله: أ - قال صالح: قلت -لأبي-: رجلٌ أسلف رجلاً دراهمَ في بُرٍّ، فلما حل الأجل لم يكن عنده بُرٌّ، فقال: قَوم البُرَّ دراهمَ، وخذ بالدراهم شعيرًا؟ قال: لا يأخذ منه شعيرًا إلاَّ مثلَ كيل البُرِّ أو أنقص، لا يأخذ منه زيادة 410. ب - قال صالح: قلت -لأبي-: رجل يدفع أرضه إلى الأكّار على الثلث والريع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض، والبقرُ والحديدُ والعمل من الأكّار.
أذهب فيه مذهب المضارية 411. ب - قال صالح: قلت- لأبي-: رجل رهن رهنًا، وأخذ مالاً، فلمّا حلّ الأجل لم يأته بماله والْتَوى عليه، كيف يصنع بالرهن؟ قال: يكون عنده باقيًا على حاله إلاَّ أن يوكله ببيعه 412.

الجزء: 1 - الصفحة: 185

11 -

عبد الله بن الإمام أحمد (213 هـ - 290 هـ):

يكنى أبا عبد الرحمن، وأمه ريحانة، تزوجها الإمام أحمد بعد وفاة عباسة أم صالح أخيه.
كان عبد الله رجلاً صالحاً، صادق اللهجة، كثير الحياء، شغوفًا بالحديث، سالكًا مسلك أبيه.
قال الحافظ ابن عَدِيّ: "نبل عبد الله بأبيه، وله في نفسه محل في العلم، أحيا علم أبيه من "مسنده" الذي قرأه عليه أبوه، خصوصاً قبل أن يقرأه على غيره، ومما سأل أباه عن رواة الحديث، فأخبره به ما لم يسأله غيره، ولم يكتب عن أحد، إلا مَن أَمَره أبوه أن يكتب عنه" 413. فكان عبد الله أروى الناس عن أبيه على الإطلاق، وسمع معظم تصانيفه وحديثه، وسمع من عبد الأعلى بن حماد، وكامل بن طلحة، ويحيى بن معين، وأبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وشيبان بن فروخ، وكثير من الشيوخ قد أتى الذهبي على معظمهم سردًا، ثم قال: "وسائر هؤلاء حدث عنهم في "مسند" أبيه سوى بعض الأحمدين" 414. وقد طال عمر عبد الله بعد أبيه نحوًا من خمسين سنة، مع عنايته البالغة بنشر الحديث والعلم، فلذلك روى عنه الأكابر والأصاغر من رجال الطبقة الثانية، وتلقوا عنه مصنفاته ومصنفات أييه.
قال أبو الحسين بن المنادي: "لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أَبيه من عبد الله بن أحضد، لأنه سمع منه "المسند"، وهو ثلاثون ألفًا، و"التفسير" وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منه ثلاثين ألفًا، والباقي وجادة، وسمع "الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"حديث شعبة" و"المقدم والمؤخر في كتاب الله" و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير"، و"الصغير"، وغير ذلك من التصانيف، و"حديث الشيوخ".
قال: "وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث، والأسماء والكنى، والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن

الجزء: 1 - الصفحة: 186

أسلافهم الإقرار له بذلك، حتى إن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة، وزيادة السماع للحديث على أبيه" 415. وقال الخلال في قصة جمعه لعلوم الإمام أحمد: "فلما قدمت من كرمان سألني عبد الله عن حرب، وعما عنده من المسائل والأحكام والعلل.
وجعل يسألني عما جمعت من مسائل أبي عبد الله.
فقال لي: أنت أحوج إلى ديوان، يعني لكثرتها" 416. قال ابن أبي يعلى (2): فوقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة، يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل، فقد جود عنه، وجاء عنه بما لم يجئ به غيره.
اهـ. مؤلفاته: "زوائد المسند" وهو ممزوج مع "المسند"، و"زوائد كتاب الزهد" ممزوج أيضًا مع الأصل، و"السنة"، و"الرد على الجهمية".
قال الذهبي: في مجلد، و"الجمل" 417. و"مسائل الإمام أحمد" برواية عبد الله، وهو مطبوع في المكتب الإسلامي.
نماذج من مسائله: أ - قال عبد الله: سألت أبي عن ماء الطّهور إذا تطهر به، فأصاب ذلك الماءُ خفَّه أو نعله، ينبغي أن يغسل ذلك أم لا؟ قال: لا يغسل ولا يلتفت إلى شيء من ذلك 418. ب - وقال عبد الله: سألت أبي عن رجل سَهَا في الركعة الثانية، فقام، فذكر مِنْ بعد قيامه أنه قد سها؟ فقال: يمضي على صلاته، ويسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، وإن هو جلس فأرجو أن لا يكون بذلك بأس 419. جـ - وقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يبيع ثمرة أرضه، يستثني كرًا أو كُرّين؟ فقال: أرجو ليس به بأس 420.

الجزء: 1 - الصفحة: 187

وقال أبي: حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان".
قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهولاء كفار.

12 -

عبد لله بن محمد (فوران) (- 256 هـ):

هو عبد الله بن محمد بن المهاجر، أبو محمد، الملقب بـ "فوران".
روى الحديث عن شعيب بن حرب، ووكيع، وأبي معاوية الضرير، وإسحاق بن سليمان الرازي، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن الإمام، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وغيرهم.
وكان فوران من خواص أصحاب الإمام أحمد، الذين يقدمهم، ويأنس بهم، ويخلو معهم، وكان يستقرض منه، وقد ذكره الإمام أحمد في وصيته، وأقر له بدين له عليه أوصى بقضائه، ولكن فوران لم يأخذ ذلك الدين وأحله منه.
نقل فوران عن الإمام أحمد أشياء كثيرة (1). ومسائل فوران مفرقة مبثوثة في كتب الفقه الحنبلي القديمة.
نموذج من مسائله: قال فوران: سمعت أحمد يقول: إذا اختلط المال، وكان فيه حلال وحرام، فالزهري ومكحول قالا: إذا اختلط الحلال والحرام، نكل هذا عندي من مال السلطان، كما قال علي -رَحِمَهُ اللهُ-: "بيت المال يدخله الخبيث والطيب".
فمال السلطان يدخله الحلال والحرام، فيوصل إلى الرجل، يكل منه، فأما إذا كان حلالاً وحرامًا من ميراث، أو أفاد رجل مالاً حرامًا وحلالاً، فإنه يرد على أصحابه، فإن لم يعرفهم ولم يقدر عليهم تصدق به، فإن لم يعلم كم الحلال والحرام، يتصدق بقدر ما يرى أن فيه من الحرام، ويأكل الباقي (2).

13 -

عبد الملك الميموني (- 274 هـ):

هو عبد الملك بن عبد الحميد، أبو الحسن، الميموني، الرقي.
والميموني نسبة إلى جده الثاني ميمون بن مهران، شيخ الجزيرة.421422

الجزء: 1 - الصفحة: 188

سمع من ابن علية، وأبي معاوية الضرير، وعلي بن عاصم، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون.
فهو من علية أصحاب الإمام أحمد بهذه المشاركة المباركة في شيوخه.
وكان عبد الملك الميموني عالم الرقة ومفتيها فى زمانه.
وذكره الخلّال، فقال في وصفه: "الإمام في أصحاب أحمد، جليل القدر، كان سنة يوم مات دون المائة، فقيه البدن، كان أحمد يكرمه، ويفعل معه مالا يفعله مع غيره.
وقال لي: صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة (205 هـ) إلى سنة (227 هـ). قال: وكنت بعد ذلك أخرج وأقدم عليه الوقت بعد الوقت.
قال: فكان أبو عبد الله يضرب لي مثَل ابن جريج في عطاء، من كثرة ما أسأله، ويقول لي: ما أصنع بأحد ما أصنع بك" 423. وقوله: "فقيه البدن" اصطلاح وإن شائعًا آنذاك يستعمل في معنى "الفقه" بمعناه العهود عندنا، ففقيه البدن هو العالم بأحكام البدن، ليقع ذلك في مقابل "فقيه القلب"، و"فقيه النفس": فالأول: من يتمتع بجودة القريحة وشدة الفهم والغوص على المعاني، سواء في فقه الأحكام أم في غيرها.
والثاني: من يتقن دقائق علم السلوك والتزكية.
ويفيدنا كلام الخلّال السابق: أن الميموني من أكثر اللازمين للإمام أحمد، وأن ملازمته قد طالت عقدين من الزمان، مع إلحاحه في الأسئلة والإستفتاء، فيكون ذلك قد أكسبه تفوقًا في المعرفة بمذهب الإمام أحمد وعلمه، وأن روايته للمسائل يُقَدَّر فيها أن تكون حافلة، كما يُقَدَّر فيها أن يكون فيها المرجوع عنه كثيرًا، فإن انقطاع اللازمة للإمام أحمد فيما بين (227 - 241 هـ) جدير بأن يفوِّت على الميموني كثيرًا مما رجع عنه الإمام أحمد وخالفه إلى غيره.
فهل هذه التوقعات صحيحة في واقع الأمر؟ فأما الكثرة، فنعم، فقد قال الخلّال في ذلك: "وعنده عن أبي عبد الله مسائل كثيرة، في ستة عشر جزءًا، منها جزءان كبيران بخط جليل، مائة ورقة إن شاء الله، أو نحو ذلك، لم يسمعه منه أحد غيري فيما علمت من مسائل لم يشركه فيها أحد، كبار جياد تجوز الحد في عظمتها وقدرها وجلالتها"!! (1).

الجزء: 1 - الصفحة: 189

وأما وقوع المرجوع عنه بكثرة نسبيًا في رواية الميموني، فلا نستطيع أن نحكم في ذلك بشيء، إلا أن ولوع الميموني بالإمام أحمد له سببه، فقد كان من أعلام الرقة، وقد كان فقه الإمام الأوزاعي نقل إليها، فكان الميموني أراد أن يجمع بين المعرفة بفقه الأوزاعي وفقه الإمام أحمد، فكان يعرض عليه مسائل الأوزاعي وأصحابه 424 ليجيبه فيها، على غرار ما كان يصنع أسد بن الفرات مع ابن القاسم، فقد جاء بمسائل "المدونة" من العراق، وعليها أجوية الحنفية، فعرضها على ابن القاسم ليجيبه بمذهب مالك فيها.
ولعل هذا هو السبب في حرص الميموني على تدوين "مسائل الإمام أحمد" في أثناء حياته، وقد أنكره عليه الإمام، لكن الميموني راجعه في ذلك حتى أقنعه 425. وعلى أية حال، فالميموني يعد في زمرة السبعة الذين كان يظلهم اسم "الجماعة" على اعتبار أنهم في المرتبة الأولى من ناقلي الفقه الحنبلي عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-.
فقد قال النجدي في حاشيته على "منتهى الإرادات" ما نصه: "وحيث أطلق الجماعة، فالمراد بهم: عبد الله بن الإمام، وأخوه صالح، وحنبل ابن عم الإمام، وأبو بكر المرّوذي، وإبراهيم الحري، وأبو طالب، والميموني" 426. ولم يكتب لمسائل الميموني أن تصل إلينا في مجموع مخطوط، بل هي مبثوثة في كتب المذهب التي تعنى بالنقل.
نماذج من مسائله: أ - قال الميموني: قلت لأحمد: اجتمع عيدان في يوم، أيكفي أحدهما من الآخر؟ قال: أما الإمام فيجمعهما جميعًا، ومن شاء ذهب في الآخر، ومن شاء قعد.
ب - وقال الميموني: قلت لأحمد: من قتل نفسه يصلي عليه الإمام؟ قال: لا يصلي الإمام على من قتل نفسه، ولا على من غل.
قلت: فالمسلمون؟ قال: يصلون عليهما.
جـ - وقال الميموني: قلت لأحمد: تحج المرأة من مكة إلى منى بغير محرم؟ قال: لا يعجبني، قلت: لم؟ قال: لأن مذهبنا لا تسافر امرأة سفرًا إلا مع ذي محرم 427.

الجزء: 1 - الصفحة: 190

14 -

مُهَنّا بن يحيى الشامي:

هو مُهنّا بن يحيى، أبو عبد الله، السلمي، الشامي.
حدث عن بقية بن الوليد، وسمرة بن رييعة، ومكي بن إبراهيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق الصنعاني.
وروى عنه حمدان الوراق، وابراهيم النيسابوري، وعبد الله بن الإمام أحمد، وسهل التستري.
ويعتبر مُهنّا من أكبر أصحاب الإمام أحمد، وأكثرهم ملازمة له، وإلحاحًا عليه في المسائل، فإنه قال عن نفسه: لزمت أبا عبد الله ثلاثًا وأربعين سنة.
ورحل معه إلى عبد الرزاق الصنعاني، ولازم أحمد إلى أن مات، وكان أبو عبد الله يكرمه، ويعرف له حق الصحبة.
وكان مُهنّا يسأل أبا عبد الله ويلح عليه حتى يضجره في بعض الأحيان، فكان في ذلك أشبه بابن جريج مع شيخه عطاء.
وكانت هذه الملازمة الطويلة والإلحاح الدائب قد فَوَّق مُهنّا على بقية أقرانه وأناف به على اليفاع.
فقد حصل كثيرًا من العلم والأدب، وغير ذلك.
قال مُهنَّا: "صحبت أبا عبد الله، فتعلمت منه العلم، والأدب، واكتسبت به مالًا.
قال عبد الله: قلت له: فيف اكتسبت به مالًا؟ قال: فقال: وُلي أبو موسى الأنصاري على الصدقات، فكتب العلماءَ، فمضوا وأخذوا.
قال: وجاء إلى أبي عبد الله، فعرض عليه في القول، فحرج منه، فلما كان بعد ذلك ضقت، فجئت إلى أبي عبد الله، فقلت له: اكتب لي إلى أبي موسى في الغارمين، فلم يفعل، وقال: لو بقي الإنسان على كذا وكذا -لشيء يذكره- ما كان ينبغي له أن يفعل هذا.
قال: فسكت عنه مدة.
قال: ثم عاودته الكلام، فسكت عني.
قال: فسكت عنه مدة، قال: ثم عاودته الكلام، فقال: لن أفعل، ولا أفعل.
قال: فلما قال: لا أفعل، علمت أنه لا يفعل، فسكت عنه مدة، ثم أتيته، فقلت: يا أبا عبد الله لي عليك حقوق: حق الجوار، وحق الصحبة.
وجعلت أذكر له حقوقي عليه.
وقد قلتَ: لا أفعل، فأكتب عن لسانك كتابًا؟ قال: فقال لي: افعل، أنت أعلم.
قال: فكتبت عن لسانه، فلما جئت بالكتاب إلى أبي موسى أنكره، وقال: أحمد لا يكتب في مثل هذا، فهذا خطه؟ قال: فحدثته بالقصة، فقلت: إن شئت

الجزء: 1 - الصفحة: 191

قبلت، وإن شئت وجهت إليه وسألته.
قال: واختبرني، وكتب لي إلى البصرة بأريعة آلاف، قال: وأحسب قال: كتب لي مرة أخرى.
قال: فاشتريت وبعت.
قال عبد الله: وكان ينسى، قال: فاكتسبت نحوًا من ثلاثين ألفًا" 428 ا. هـ. وروى مُهّا كثيرًا من المسائل في الفقه والحديث وعلله وأصوله ورجاله، وغير ذلك من علوم الشريعة المطهرة.
وكانت مسائله من الكثرة بحيث كان يفخر بها، ووصفها ابن أبي يعلى بأنها كانت أكثر من أن تحد لكثرتها.
حتى إن عبد الله ابن الإمام تتلمذ عليه وأخذ عنه مسائل كئيرة جيادًا لم يسمعها عبد الله من أبيه، بل ولم تكن عند غير مُهنّا بن يحيى، وقد حددت ببضعة عشر جزءًا.
وهى مبثوثة في متفرقات الكتب لا توجد في مجموع مخطوط فيما نعلم.
نماذج من مسائله: أ - قال مُهنَّا: سألت أحمد عن رجل مات وترك كتبًا كثيرة من كتب الرأي، وترك عليه دينًا.
فقلت له: فأي شيء يصنع بالكتب؟ قال: تدفن.
ب - وقال مُهنّا: سألت أحمد عن الرجل يحفظ الشيء، ويكون في الكتاب شيء، أيهما أحب إليك؟ قال: الكتاب.
جـ - وقال مُهنّا: سألت أحمد عن رجل يجد في كتابه الشيء، فيقول له الناس خلاف ما في كتابه؟ قال: يقول في كتابي كذا وكذا، ويقول الناس: كذا 429. د- وقال مُهنّا: سألت أبا عبد الله عن رجل يختن ابنه لسبعة أيام؟ فكرهه، وقال: هذا فعل اليهود، وقال لي أحمد بن حنبل: كان الحسن يكره أن يختن الرجل ابنه لسبعة أيام.
قال الخلّال: إن ذلك قديم، والعمل على ما رواه حنبل وغيره 430.


الجزء: 1 - الصفحة: 192

الدور الثاني

النقل والنمو

وفيه:

تمهيد

، ومبحثان:

  • الأول: مميزات هذا الدور
  • الثاني: أشهر علماء هذا الدور

الجزء: 1 - الصفحة: 193

تَمْهِيدْ

رسمنا هذا الدور بعنوان "دور النقل والنمو".
وهو دور يترتب فوق "دور التأسيس والتدوين" مباشرة، فالمذاهب الفقهية على اختلافها دونت بعد نشأتها، ثم نقلت وأخذت تنمو قليلًا قليلًا، وتتكامل مع الزمان، وفي أعقاب هذا الدور أخذت عبارات النقل ومصطلحاته تلوح في الأفق، وأخذت الروايات والوجوه تتمايز قوة وضعفا، وصحة وسقمًا، من حيث انتسابها إلى الإمام المجتهد وأصحابه.
فهناك الصحيح، والأصح، والضعيف، والشاذ، والمنكر من الأقوال والوجوه.
والنقل للفقه مسؤولية صعبة وأمانة ذات حمل ثقيل، إذ تعتبر طرق النقل والرواية مظنة للخطأ والغلط والإلتباس، بل والكذب في بعض الأحيان، فكان لابد من ضبط قواعد نقل الفقه وروايته، لئلا يضيع بين تلك الأخطاء والأغلوطات والأوهام التي تعرض للرواة عادة، وقد عالج منها نقاد الحديث وصيارفته من قبل معالجة لا تخفى.
وفي مجمل هذه القواعد والشروط اللازمة في نَقَلَة الفقه الإسلامي على وجه العموم ننقل إليك كلام الجويني بحرفه لما فيه من النفائس.
فقد قال -رَحِمَهُ اللهُ-: "لا يستقل بنقل مسائل الفقه من يعتمد الحفظ، ولا يرجع إلى كيس وفطنة وفقه طبع.
فإن تصوير مسائلها أولًا، وإيراد صورها على وجوهها لا يقوم بها إلا فقيه.
ثم نقل المذاهب بعد استتمام التصوير لا يتأتى إلا من مرموق في الفقه خبير، فلا ينزل نقل مسائل الفقه منزلة نقل الأخبار والأقاصيص والآثار.
وإن فُرض النقل في الجليات من واثقٍ بحفظه، موثوق به في أمانته، لم يمكن فرض نقل الخفيات من غير استقلال بالدراية.
فإذا وضح ما حاولناه من صفة الناقل، فالقول بعد ذلك فيما على المستفتين.
فإذا وقعت واقعة، فلا يخلو إما أن يصادف النقلة فيها جوابًا من الأئمة الماضين، وإما أن لا يجدوا فيها بعينها جوابًا.
فإن وجدوا فيها مذهب الأئمة منصوصًا عليه نقلوه واتبعه المستفتون".

الجزء: 1 - الصفحة: 195

ثم قال: "قد تقدم أن نقل الفقه يستدعي كيسًا وفطنة وحُظوة بالغة في الفقه.
ثم الفقيه الناقل يُفرض على وجهين: أحدهما: أن يكون في الفقه على مبلغ يتأتى منه بسببه نقل المذاهب في الجليات والخفايا، تصويرًا وتحريرًا، وتقريراً، ولا يكون في فن الفقه بحيث يَسْتَدُّله قياسُ غير المنصوص عليه على المنصوص.
فإن كان كذلك، اعتُمد فيما نقل ... " 431. فراوية الفقه ليس كراوية الأخبار، بحيث يكتفى فيه بالعدالة مع الضبط، بل لابد من الفقاهة، ولابد من الدراية بمسالك الإجتهاد التي اختطها الأئمة المنقول عنهم، وذلك يتطلب قدرًا من الفهم والمراس، والمعرفة بالمعاني، والقواعد، وطرق الإستدلال، ومناهج الإستنباط.
والنقل الذي نتحدث عنه كما يكون في الرواية والحكاية لمذهب الإمام المجتهد، كذلك يكون في عملية التخريج والإثراء والزيادة على المنصوصات بالوجوه والأقوال المخرجة المختلفة.
فكلمة "النقل" لها مدلولها بهذا المعنى الثاني على وجه الخصوص، ولذلك فهي قريبة من كلمة "التخريج" في المعنى والمضمون إلا أن بينهما فرقًا.
أوضحه الشيخ عبد القادر بدران بقوله: "واعلم أيضاً أن بين التخريج والنقل فرقًا، من حيث إن الأول أعم من الثاني؛ لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام أو الشرع أو العقل؛ لأن حاصل معناه: بناء فرع على أصل جامع مشترك، كتخريجنا على تفريق الصفقة فروعًا كثيرة، وعلى قاعدة "تكليف مالا يطاق" أيضًا فروعًا كثيرة في أصول الفقة، وفروعه، وقد جعل فقهاؤنا ذلك كأنه فن مستقل، فألف فيه الحافظ ابن رجب كتابه المسمى بـ"القواعد الفقهية" وألف بعده في ذلك ابن اللحام، لكنهما لم يتجازوا في التخريج القواعد الكلية الأصولية.
وأما النقل: فهو أن ينقل النص عن الإمام، ثم يُخرج عليه فروعًا، فيجعل كلام الإمام أصلًا وما يخرجه فرعًا، وذلك الأصل مختص بنصوص الإمام، فظهر الفرق يينهما" 432.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

هذا، ونحاول في دراسة هذا الدور أن نبرز مميراته العامة فيما يتعلق بتصوير الخريطة السياسية للعالم الإسلامي، تتلوها الخريطة الإجتماعية، ثم الخريطة الثقافية التي لها علاقة قوية جدًا ببحثنا في البحث الذي يليه، والذي قد خُصص لبيان الأعمال المهمة التي قام بها رجال هذا الدور، في الجمع والإختصار، وعَمَلِ الشروح والتآليف الجزئية المفردة، والكتابة في أصول الفقه الحنبلي.
ولابد أن نعرف بأبرز هؤلاء الرجال الذين قامت على عواتقهم هذه الجهود والأعمال الناقلة للمذهب والمنمية لشجرته الباركة.
والله ولي توفيقنا وعليه التكلان.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

المبحث الأول

مميزات هذا الدور

يعتبر القرن الرابع من أبرز قرون الدولة الإسلامية في السياسة والإجتماع والثقافة.
فالدولة العباسية كانت قد قطعت أكثر من مائة وسبعين سنة في مطالع هذا القرن، ويالتالي تكون تجربتها في السياسة والحكم والإدارة قد بلغت حد النضج، على الرغم من الفتن الداخلية ومنازعة الدول المنشقة عنها لها في أطراف العالم الإسلامي.
وتتبين خريطة العالم الإسلامي السياسية على وجه التقريب في هذه الحقبة الزمنية واضحة في انقسام الخلافة الإسلامية إلى ثلاث دول: فنجد بلاد الأندلس قد خلصت للأمويين منذ الأيام الأولى التالية لسقوط دولتهم في المشرق، وقد استقلت استقلالًا تامًا عن بغداد، وتَسمَّى أميرها بأمير المؤمنين.
وتكونت دولة الفاطميين (العُبيديين) في تونس على أنقاض الأغالبة وأخذت تمتد في ناحية المشرق طامعة في الوصول إلى العاصمة العباسية، فامتدت على رقعة واسعة من المغرب الأقصى والجزائر ومصر والحرمين والشام، وزاحمت بني العباس حتى في العراق، وبني أمية في الأندلس التي كانت قد عظمت جدًا في آخر القرن الثالث والرابع.
فصارت الخلافة الإسلامية في القرن الرابع يدعيها ثلاث دول عظمى: بنو أمية في الأندلس، والفاطميون الروافض في المغرب ومصر والحجاز والشام، وبنو العباس فيما وراء ذلك 433. وقد كانت سُلطة الدولة العباسية في هذا القرن قد انتقلت إلى بني بُوَيه بالفعل، وان كانت عباسية بالإسم، وهم جماعة من الفرس حكموا العراق وجنوي فارس زهاء قرن

الجزء: 1 - الصفحة: 199

ونيف، فكان من الطبعي أن يصاب العربي في عهدهم بنكسة، وأن تكون الغلبة للقومية الفارسية، وأن يسود المذهب الشيعي، ويتوغل في شرق الخلافة العباسية المفككة وغربها، وأن يؤدي ذلك إلى صراع عنيف بين السنِّيين الذين كان يساندهم الأتراك، ويين الروافض الذين كان يساندهم البويهيون.
وكان هؤلاء البويهيون على ما لهم من مزايا معروفين بالسطوة والجبروت والقسوة، حتى امتلأ تاريخهم بأخبار الويلات والمآسي التي حلت بالناس من جراء الفوضى التي سادت أيام حكمهم.
ويذكر كثير من المؤرخين أن الخلافة العباسية فقدت هيبتها، وضعف شأنها في العهد البويهي، وأن الخليفة أصبح عبارة عن رمز ديني ليس له من السلطة سوى الإسم فقط، أما السلطة الفعلية في الدولة فكانت في يد الأمير البويهي.
وفي الحقيقة لم يكن بنو بويه هم السبب المباشر لضعف الخلافة العباسية وفقدانها لهيبتها، فالأحداث التاريخية تثبت أن الخليفة العباسي والخلافة العباسية فقدا ما كان لهما من نفوذ وهيبة في عهد ازدياد نفوذ الأتراك قبل قيام الدولة البويهية، حيث أصبح القواد الأتراك، هم المسيطرين فعلًا على مقاليد الأمور في الدولة، وبلغ من نفوذهم المتزايد أن الخلفاء الأريعة الذين تعاقبوا على الخلافة بعد المتوكل على الله في الفترة ما بين (247 هـ) و (256 هـ) وهم المنتصر بالله، والمستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، فقدوا جميعاً حياتهم بسبب ذلك النفوذ المتزايد يومًا بعد يوم.
وكانت النتيجة الحتمية لذلك، هي أن الخليفة أصبح ألعوبة في يد القواد الأتراك، كما كان عاجزًا تمامًا عن عمل أي شيء يتعلق بالخلافة إلا بعد أخذ موافقتهم 434. هذا من الناحية السياسية.
أما من الناحية الإجتماعية، فقد كان وضع المجتمع صورة منعكسة للحالة السياسية على مرآة الزمان والتاريخ، إذ لا ينفك المجتمع عن التأثر والتأثير في السياسة التي تحكمه وتقود زمام الأمور فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 200

فقد كانت بغداد مسرحًا للفوض وفقدان الإستقرار، وكان من أبرز مظاهر هذا الاضطراب تباعد في الطبقات الشعبية، وفشو الإستغلال والترف والبذخ في الطبقات العليا على حساب الطبقات الدنيا حتى أصبح الناس كما يقول مسكويه:"بين هارب جال، إلى مظلوم صابر، إلى مستريح لتسليم ضيعته إلى المُقْطَع ليأمن شره ويوائقه" 435. وقد ازداد الحال سوءًا لكثرة الضرائب واشتداد وطأة الإقطاعات، وفرض الرسوم، واشتطاط عمال البويهين من جند وقواد ومتصرفين في تحصيل الأموال، واحتكار قوت الفقراء، والإعتداء على الناس، ومصادرتهم حتى ثارت الطبقة الفقيرة أكثر من مرة وخاصة في عهدي عضد الدولة، وصمصام الدولة.
وقال المقدسي يصف حال العراق سنة (375 هـ):"إنه ييت الفتن والغلاء، وهو في كل يوم إلى الوراء، ومن الجور والضرائب في جهد وبلاء" 436. وأما الناحية الثقافية، فقد كانت على العكس من ذلك، قد ازدهرت وذهبت بعيداً في الإنتاج والإبداع.
فقد كان الوزراء البويهيون يعنون عناية واضحة بالعلم والأدب، بل كان كثير منهم من جملة العلماء والأدباء الكبار، وكانت مجالسهم تضم كبار العلماء والأدباء، فيحوطونهم بالرعاية مما يشجعهم على تأليف الكتب، ونظم الأشعار في مدحهم والإشادة بفضلهم.
وفد كانت الري وأصفهان من مراكز الثقافة والعلم في شرق الدولة الإسلامية، ويخاصة في عهد البويهين، وقد تقدمت الحركة العلمية في الري بعد أن استقر فيها الوزير البويهى أبو الفضل ابن العميد، الذي تشبه بالبرامكة أيام الرشيد، ففتح بابه للعلماء والأدباء والشعراء، وكان هو الآخر أديباً عالمًا يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل: إن الكتابة بدئت بعبد الحميد وختمت بابن العميد.
وسمي بـ"الجاحظ الثاني"لمكانته الأدبية الرفيعة.
وكان متبحراً في علوم الهندسة والمنطق والفلسفة.
إلى جانب ذلك فقد أنشأ مكتبة عظيمة وعين أحد العلماء خازناً لها، وهو مسكويه 437.

الجزء: 1 - الصفحة: 201

والوزير الصاحب ابن عباد، هو الآخر يعد من أشهر رجال الأدب في عصره، فقد وصفه ابن النديم بأنه كان "أو حد زمانه وفريد عصره في البلاغة والفصاحة والشعر" 438. وقد تعمق في دراسة العلوم الشرعية واللسانية والأدبية.
وكان كثير الإحسان إلى رجال العلم والأدب، دؤوياً على عقد مجالس علمية وأديية لهم، ويذكر ابن خلكان أنه اجتمع عنده من الشعراء مالم يجتمع عند الفقهاء والأدباء والعلماء، مما ساعد على انتعاش الحركة العلمية والأدبية 439. وإذا راجعت كتب الوفيات من الفقهاء والمحدثين والأدباء ومشاهير الأعلام على مدى هذا القرن، فإنك تجد أكثرهم مراوزة أو رازيين أو أصفهانيين أو همذانيين، مما يدل على غزر العلوم هناك ونفاق سوقها في تلك البلدان.
ويصف الشيخ محمد بن الحسن الحجوي -رَحِمَهُ اللهُ- حالة الفقه العامة في هذا الطور.
فيقول: "تطور الفقه في طور الكهولة من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة، إذ وقف في قوته ولم يزد قوة، ومال إلى القهقرى، ولكن لم يسرع إليه الهرم، ولا وصل إلى طور الإنحلال، بل حفظ قوته الأصلية زمن قرنين بسبب ما ظهر فيه من الحفاظ والمجتهدين الكبار والتآليف العظام.
وفي هذا العصر اختلط فيه المجتهدون بغيرهم، فكان يوجد أهل الإجتهاد الطلق، ولكن غلب التقليد في العلماء، ورضحوا به خطة لهم، ولا يزال في هذا العصر يزيد التقليد وينقص الإجتهاد إلى المائة الرابعة، إذ أصبح كثير من علمائها راضين بخطة التقليد، عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن خنبل، وأضرابهم ممن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك.
وانساقوا إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها، وأصبحت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة لا يعدونها، ويذلك نشأت سدود بين الأمة ويين نصوص الشريعة، ضخمت شيئاً فشيئًا إلى أن تنوسيت السنة،

الجزء: 1 - الصفحة: 202

ووقع البعد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم، لا أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - " 440. وهذا الذي صوره الحجوي، وإن كان طابعاً عاماً، إلا أنه ليس كلياً، فقد ظهر في هذا القرن كوكبة من أعظم الفقهاء، وهم وإن صُنفوا في طبقات أحد المذاهب إلا أنهم كانوا يجتهدون ويأنفون من التقليد، كأبي القاسم الداركي الشافعي البغدادي وأحمد بن ميسر المالكي القرطبي، وأبي جعفر الطحاوي الحنفي.
فقد قال الخطيب البغدادي في ترجمة الداركي: "كان عبد العزيز بن عبد الله الداركي إذا جاءته مسألة يُستفتى فيها تفكر طويلاً ثم أفتى فيها، وربما كانت فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهما -، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بكذا وكذا، والأخذ بالحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهما - إذا خالفاه" 441. وقال ابن فرحون في ترجمة أحمد بن ميسر: "مشاور في الأحكام يميل إلى النظر والحجة، ربما أفتى بمذهب مالك حفظاً حسناً واعتنى بكتب الشافعي، وكان يميل إليه، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب أهل بلدنا فكذا، وأما الذي أراه فكذا" 442. وعلى الرغم من أن الفقه نزل من درجة الإجتهاد المطلق إلى درجة الإجتهاد المذهبي والتقليد البحت، فإن العلوم الإسلامية الأخرى قد ازدهرت وتكاملت، وبلغت حد النضج في هذا القرن على وجه الخصوص، وذلك كعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم اللغة، والأصول والجدل والمناظرة.
كل تلك الفنون الخادمة للفقه، والمغذية لأدلته ورسم مناهجه وقواعده، كانت قد مهدت الطريق إلى التدوين

الجزء: 1 - الصفحة: 203

والترتيب رالجمع والتنقيح، وتقسيم الفقه إلى أقسام متعددة، وجعل كل قسم يختص بجانب من جوانبه، كفقه الأدلة وفقه الخلاف وفقه الروايات والأقوال المتعددة المروية عن الإمام الواحد.
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد هو اكتشاف المسلمين لأوراق الكاغد أو الكاغيط في زمن الدولة العباسية على يد الفضل بن يحيى البرمكي، ولا ريب كان ذلك الاختراع من أعظم التسهيلات لنشر العلم وتدوينه، ولذلك كانت المائة الثالثة الهجرية متميزة بظهور الدواوين الكبار في الإسلام في مختلف العلوم والمعارف.
وكانت قد اتخذت عدة مصانع للكاغد في بغداد والشام ومصر وفاس والأندلس في شاطبة وبلنسية وطليطلة، ومنها انتقلت صناعته إلى أوربا في حدود القرن الخامس الهجري 443.

الجزء: 1 - الصفحة: 204

المبحث الثاني

أشهر علماء هذا الدور

وأبرز أعمالهم أشهر علماء هذا الدور ينتظم هذا الدور أحفاد الإمام أحمد في التلمذة ورواية العلم، فمن دونهم، إلى خاتمة المتقدمين وشيخ الشيوخ الحسن بن حامد -رَحِمَهُ اللهُ- (ت 403 هـ). وقد ذكر ابن الجوزي منهم عددًا كثيرًا في "المناقب" واستقصاهم القاضي ابن أبي يعلى في "الطبقات".
وسنعرّف بأشهرهم متتبعين في ذلك سير الزمن وترتيب الطبقات:

1 -

الخلال (311 هـ):

أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر، الشهير بالخلال.
نشأ في بغداد وعاش فيها إلى أن مات.
والخلّال نسبة إلى بيع الخل فيما يبدو، ويشاركه في هذه النسبة جماعة من أصحاب أحمد وغيره، لكن لشهرته وعظم شأنه عند الحنابلة أصبحت هذه النسبة عَلمًا عليه بالغلبة عند الإطلاق.
سمع الخلال من الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، ومحمد بن عوف الحمصي، ومن في طبقتهم ويعدهم، وصحب أبو بكر المروذي إلى أن مات.
ورحل إلى فارس والشام والجزيرة يتطلب فقه الإمام أحمد وفتاويه وأجوبته، وكان فقه الإمام أحمد إذ ذاك لا يزال مفرقًا في دواوين أصحابه: رواة السائل، وكان كثير منهم قد رحل إليه من بلدان مختلفة ثم رجعوا إلى أوطانهم أساتذة معلمين، وهناك من كان ببغداد، كالمروذي وعبد الله بن الإمام أحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

ولماكان قصد الحلال هو جمع علم الإمام أحمد وتدوينه في كتاب مصنف، كان لابد من الرحلة والتقصي في البلدان.
ولم يقتصر على الرواة الكبار للمسائل، ولا على طبقة واحدة، بل تتبع الرواة على اختلافهم في الكثرة والقلة، والمباشرين والذين رووا بواسطة، وهكذا.
قال ابن أبي يعلى: "سمع منهم مسائل أحمد، ورحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد، فنال منها، وسبق إلى ما لم يسبقه إليه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق، وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم" 444. وقال ابن الجوزي: "صرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبا، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء، ولم يقاريه أحد من أصحاب أحمد في ذلك" 445. وهذا يدل على حجم ذلك الديوان العظيم الذي أطلق عليه اسم "الجامع لعلوم أحمد" تارة، و"جامع الرواية عن أحمد" تارة، و"الجامع في الفقه من كلام الإمام أحمد" تارة ثالثة.
فهو نحو من مائتي جزء في كلام ابن الجوزي السابق، وقال الذهبي وابن القيم 446: يكون عشرين مجلدًا أو أكثر.
ولا معارضة بين ذلك، لأن المتقدمين كانوا يطلقون على الكراس، وعلى ما يقرب من الكراسين جزءًا، وأما السفر -أو المجلد- فهو ما جمع عدة أجزاء 447. • مصنفات الخلّال: صنف الخلال إلى جانب "الجامع" كتبًا أخرى، منها: "العلل"، و"السنة"، و"الطبقات" يعني طبقات أصحاب الإمام أحمد، و"العلم"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، و"أخلاق أحمد"، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، و"الحث على التجارة" 448.

الجزء: 1 - الصفحة: 206

2 -

ابن المنادي (256 هـ - 336 هـ):

أحمد بن جعفر بن محمد، أبو الحسين، البغدادي المولد والنشأة والوفاة.
سمع جده محمدًا، وأباه جعفرًا، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعباس الدوري، وزكريا بن يحيى المروذي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم.
لكنه اختص بكثرة الرواية عن عبد الله بن الإمام أحمد، فلئن كان الخلال اختص بالمروذي، وروى ما عنده، فقد اختص ابن المنادي بعبد الله.
وكان -رَحِمَهُ اللهُ- ثقة أمينًا ثبتًا صدوقًا ورعًا، حجة فيما يرويه، محصلًا لما يحكيه.
وكان من المصنفين المكثرين، حتى قالوا: إن مصنفاته بلغت نحوًا من أربعمائة مصنف، قال ابن الجوزي: ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقي الكلام جمع بين الرواية والدراية 449. ومع كثرة هذه التصانيف، فإن الناس لم يسمعوا منها إلا أقلَّها، والسبب في ذلك على ما قاله الخطيب البغدادي، هو أنه كان صُلْب الدين، شرس الأخلاق 450. ويعد ابن المنادي، بالإضافة إلى روايته الفقه عن أحمد، من الحفاظ للحديث، ومن القراء واللغويين، فلذلك نجده مترجمًا في طبقات علماء هذه الفنون.
قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضاً، وروى الحروف سماعًا عن الحسن بن العباس، وأبي أيوب الضبي، وإدريس بن عبد الكريم، والفضل بن مخلد الدقاق .. ثم قال: مقرئ جليل، غاية في الإتقان، فصيح اللسان، عالم بالآثار، نهاية في علم العربية، صاحب سنة، ثقة مأمون 451. وكان ابن المنادي من المشاركين في الفقه الممارسين له، المستقلين بالفهم داخل الذهب الحنبلي، حتى إنه كانت له اختيارات، منها: إيجاب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وتنجيس أسآر جوارح الطيور، وتحريم الوضوء من آنية الذهب والفضة مع الحكم بصحة الطهارة 452.

الجزء: 1 - الصفحة: 207

3 -

أبو بكر النجاد (253 هـ - 348 هـ):

أحمد بن سلمان بن الحسن، أبو بكر النجاد، البغدادي.
العالم الناسك الورع، الحافظ، الفقيه المفتي.
كان له في جامع المنصور حلقتان قبل الصلاة للفتوى على مذهب الإمام أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث.
وقد اتسعت رواياته، وانتشرت أحاديثه ومصنفاته.
سمع الحسن بن مكرم، ويحيى بن أبي طالب، وأحمد بن ملاعب، وأبا داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن الإمام، وغيرهم.
وكان النجاد إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق البابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته، وكان يملي في حلقة عبد الله بن الإمام، وفيها كان يملي تلميذه من بعده ابن مالك 453 (أبو بكر القطيعي).
وهذا يدل على التوارث الذي أخذ يتناسق على الدهر في رواية الفقه الحنبلي وعلومه في مدينة السلام.
صنف النجاد كتاباً كبيرًا في السنن 454، كان محدثاً معدودًا في الحفاظ، حتى كان تلامذته يفرحون به ويقايسونه بابن صاعد.
قال أبو الحسن بن رَزقُوَيهْ: النجاد ابن صَاعدنا.
وهو يعني -كما قال الخطيب البغدادي: "أن النجاد في كثرة حديثه، واتساع طرقه، وعظم رواياته، وأصناف فوائده، لمن سمع منه، كيحيى بن صاعد لأصحابه، إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته في الحديث" 455. وصنف أبو بكر النجاد كتابًا كبيرًا في "الخلاف"، قال ابن الجوزي: نحو مائتي جزء 456.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

وهذا يعني أنه يقع بحدود عشرين مجلدًا بتقديرنا الحالي.
وفقه الخلاف هو الفقه المقارن بين إمامين أو مجموعة من الأئمة المجتهدين، وقد ألف فيه العلماء من مختلف المذاهب من لدن الإمام الشافعي (204 هـ) في كتابه "الأم" إلى قرون متأخرة، وللغزالي فيه كتاب "المآخذ"، ولأبي بكر بن العربي المالكي كتاب "التلخيص" جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي الحنفي كتاب "التعليقة"، ولابن القصار من شيوخ المالكية "عيون الأدلة"، وقد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً في كل مسألة منه ما ينبني عليها من الخلافيات (1). وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل في هذا الفن، حتى إن تصنيفاتهم بلغت فيه نحوًا من خمسين عنوانًا في الخلاف العالي فقط، وهو الخلاف خارج المذهب الحنبلي، فضلًا عن الخلاف المذهبي الممثل بالروايات والوجوه والإحتمالات والإختيارات وغير ذلك.

4 -

الخِرَقي (334 هـ):

عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم، الخرقي، نسبة إلى بيع الخِرَق، البغداري المولد الدمشقي الوفاة 458. أحد أئمة الذهب الحنبلي، كان عالمًا بارعًا فيه، ذا دين وورع.
تلقى العلم على تلامذة المرّوذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد.
صنف الخرقي عدة مصنفات، لكن حظه منها في الإنتشار كان كحظ ابن المناري من قبله، فلم ينتشر منها إلا "المختصر" الشهير، والسبب في ذلك: أنه خرج من بغدار -مدينة السلام- لما ظهر سب الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد 459.457

الجزء: 1 - الصفحة: 209

وظهور سب الصحابة في مدينة السلام يدل على مدى الضعف الذي آلت إليه الخلافة في تلك السنوات العجاف، فقد كانت الخلافة مهددة من داخلها بالعُبيديين الروافض من جهة مصر والشام، وظهور حركلة القرامطة في نواحي الكوفة، وأخذت تعيث فسادًا حتى وصلت إلى المسجد الحرام فأعملت سيف القتل ويد النهب في الحجيج حتى طال ذلك أميرَ مكة: ابن محارب، وقلعوا باب الكعبة المشرفة وأخذوا الحجر الأسود (1). وكانت مهددة من خارجها بدولة الروم التي كانت تنقض على بعض الأطراف من حين إلى آخر.
ويعتبر الخرقي أستاذًا لجماعة من كبار شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله ابن بطة العكبري، وأبو الحسين بن سمعون، وغيرهما.
توفي الخرقي بدمشق في سنة 334 هـ، وسبب موته أنه أنكر منكرًا بدمشق فضُرب، فكان موته بذلك.
-رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.

5 -

الآجُرّي (360 هـ):

محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر، الآجري نسبة إلى قرية من قرى بغداد على أحد الأقوال.
من أكابر الأصحاب، سمع خلقًا كثيرًا، وكان ثقة، عالمًا، فقيهًا، دَيِّنًا، حجّة، صدوقًا.
له تصانيف كثيرة، أكثرها في الحديث والفقه، منها كتاب "الأريعين حديثًا" وهي مشهورة به، و"النصيحة" في الفقه ينقل عنه ابن مفلح في "الفروع" اختيارات حسنة، وكتاب "الشريعة وفي السنة"، وكتاب "الرؤية" و"الغرباء" و"آداب العلماء"، و"مسألة الطائفين"، و"التهجد"، وغير ذلك 461.460

الجزء: 1 - الصفحة: 210

ويعتبر الآجري من أصحاب الإختيارات في المذهب الحنبلي، لعلو كعبه فيه، فقد ذكر ابن الزاغوني (ت 527 هـ) في كتابه "الواضح في الفقه" عن أحمد أن الجد كالأب يحجب الإخوة، وهي اختيار أبي حفص العكبري، وأبي بكر الآجري.
وعادة صاحب "الواضح" أن لا يذكر فيه إلا اختيارات الأصحاب (1). وقد أورد ابن مفلح اختيارات كثيرة له.
توفي الأجرّي بمكة المكرمة -رَحِمَهُ اللهُ- ورضي عنه.

6 -

غلام الخلَّال (285 هـ - 3763 هـ):

عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر، الشهير بغلام الخلال.
كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة.
أخذ العلم عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، وجعفر الفريابي، والحسين بن عبد الله الخرقي، وأبي بكر بن أبي داود، وجماعة آخرين من طبقتهم.
وتفقه به كثير من شيوخ المذهب الحنبلي، مثل أبي إسحاق بن شَاقْلَا، وأبي عبد القه ابن بطة، وأبي الحسن التميمي، وأبوي حفص: العكبري والبرمكي، وخاتمة متقدمي الذهب: الحسن بن حامد، حدث عنه بمسائل الأثرم، وصالح، وعبد الله، وغير ذلك.
ويعتبر عبد العزيز تلميذًا خاصًا لأبي بكر الخلال جامع المذهب الحنبلي، حتى عرف به بهذا اللقب: "غلام الخلال".
وهذا يدل على أنه كان من أقرب الناس إلى ذلك الديوان العظيم "جامع الرواية عن أحمد" ومستوعبًا لمضمونه.
ولهذا سهل عليه التصنيف في المذهب والتفقه فيه.
قال الذهبي: ومن نظر في كتابه "الشافي" عرف محله من العلم لولا ما بشَّعه بِغَضِّ بعض الأئمة، مع أنه ثقة فيما ينقله 463. ومن مصنفاته عدا "الشافي": "المقنع" نحو مائة جزء، و"زاد المسافر"، و"الخلاف مع الشافي" و"مختصر السنة"، و"تفسير القرآن"، و"القولين"، و"التنبيه"، وغير ذلك.462

الجزء: 1 - الصفحة: 211

وكان غلام الخلال معظمًا في النفوس، متقدمًا عند الدولة، بارعًا في مذهب الإمام أحمد.
وهو معدود من نظراء الخرقي وأترابه، إذ كلاهما قد عمل في المذهب ترجيحًا واختصارًا واختيارًا.
ولذلك وقع بينهما الخلاف في بعض المسائل وتقرير ما هو مذهب الإمام أحمد فيها.
قال عبد العزيز: خالفني الخرقي في مختصره في ستين مسألة.
قال ابن أبي يعلى: ولم يسمها، فتتبعت أنا اختلافهما فوجدته في ثمانية وتسعين مسألة.
ثم أوردها بالتفصيل والتعليق والتحقيق في كتابه "الطبقات" (1). وكان عبد العزيز متفوقًا في الفهم، مستقلًا في الإختيار، تبعًا لما ترجح عنده من النقل أو الدليل، فلذلك نجده يخالف شيخه في كثير من اختياراته (2). بل قال: سمع مني الخلال نحوًا من عشرين مسألة، وأثبتها في كتابه (3).

7 -

ابن بَطة العُكْبَري (304 هـ - 387 هـ):

عُبيد الله بن محمد بن محمد، أبو عبد الله، العكبَري، البغدادي، الشهير بابن بطة.
أخذ العلم عن الخرقي، وغلام الخلال، وابن صاعد، وجماعة من طبقتهم.
وصحبه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبَوَا حفص: العكبَري والبرمكي، وأبو عبد الله الحسن بن حامد، وأبو علي بن شهاب، وأبو إسحاق البرمكي.
نشأ ابن بطة محبًا للعلم في أسرة علمية، فقد كان لأبيه ببغداد شركاء، فأشار أحدهم على أبيه بأن يبعثه إلى بغداد ليسمع الحديث، وقدكان صغيرًا، وتكفل بأخذه والعناية به نيابة عن أبيه، فحظي بمجلس ابن منيع، فسمع عنه معجمه في عشرة أيام تقريبًا.
ثم إنه سافر بعد ذلك إلى أمصار الإسلام: البصرة، ودمشق، وحمص، وأردبيل، ومكة، والثغور المختلفة، ولقي العلماء وأخذ عنهم علومًا جمة، ثم ما لبث أن رجع إلى عكبرا، ولزم بيته، وتفرغ للتصنيف وإفادة الناس، وكان أمّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيَّره.464465466

الجزء: 1 - الصفحة: 212

وكان ابن بطة طويل اليد، متضلعاً في رواية الحديث والدفاع عن عقيدة السلف، فقد ألف في ذلك "السنن" والإبانتين "الكبرى" و"الصغرى".
ولم يغفل جانب الفقه والتصدي لإفتاء الناس، وإرشادهم فيما يشكل عليهم من أموردينهم، فقد أولى ذلك عناية خاصة، ووجّه إليه همته منذ وقت مبكر، حتى ليقال: إنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، ولهذا يرد اسمه في بعض المصادر مقرونًا بوصف: الفقيه.
وقد صنف في عدد من المسائل الفقهية، بحيث بلغت مصنفاته في هذا الشأن خمسة وعشرين مضنفاً من مجموع خمسة وثلاثين.
فلا غرو أن نجده مشاركاً في تكوين الإختيارات والترجيحات في المذهب الحنبلي.
مؤلفاته: مؤلفاته كثيرة، حتى إنها لتنوف على المائة، ذكر منها ابن أبي يعلى (19) عنوانًا، منها: "الإبانة الكبرى".
و"الإبانة الصغرى" و"السنن"، و"المناسك"، و"الإمام ضامن"، وغير ذلك (1).

8 -

ابن المُسْلِم (387 هـ):

عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص، العكبري، الشهير بابن المُسْلِم.
سمع من أبي علي الصواف، وأبي بكر النجاد، وأبي محمد بن موسى، وغيرهم.
ورحل إلى الكوفة والبصرة وغيرهما من البلدان، وسمع من شيوخهما.
وصحب من فقهاء الحنابلة: عمو بن بدر المغازلي، وأبا بكر عبد العزيز، وأبا إسحاق بن شَاقْلَا، وأكثر ملازمة ابن بطة العكبري.
ومعرفة ابن المسلم بالمذهب الحنبلي معرفة عالية، وقد صنف فيه تصانيف عديدة، منها: "المقنع"، و"شرح الخرفي"، و"الخلاف بين أحمد ومالك"، و"رؤوس المسائل"، و"الآداب" 468.467

الجزء: 1 - الصفحة: 213

وله اختيارات في مسائل خلافية فقهية وأصولية، منها: أن كل سُنة سنَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته فبأمر الله، واحتج لذلك بما رواه بإسناده إلى أبي نضلة، قال: أصاب الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سَنَة، فقالوا: يارسول الله سعّر لنا، فقال: "لا يسألني الله -عَزَّ وَجَلَّ- عن سُنّة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله -عَزَّ وَجَلَّ- بها" (1). وبقوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم: 3 - 4].

9 -

الحسن بن حامد (403 هـ):

الحسن بن حامد بن علي، أبو عبد الله، البغدادي.
إمام الحنابلة في زمانه، ومدرسهم، ومفتيهم، ويعد واسطة العقد الحنبلي بين المتقدمين والمتأخرين.
فقد روى العلم عن أبي بكر القطيعي، وأبي بكر النجاد، وأبي بكر الشافعي، وأحمد ابن سالم الخُتَلي، ويعتبر أكبر تلامذة أبي بكر عبد العزيز، غلام الخلال.
وتفقه عليه القاضي أبو يعلى الفراء، وجماعة آخرون.
وصنف كتبًا كثيرة في علوم مختلفة، منها 470: "الجامع في الذهب" نحو أربعمائة جزء و"تهذيب الأجوبة"، و"شرح الخرقي"، و"شرح أصول الدين"، و"شرح أصول الفقه".
وقد نقل ابن أبي يعلى في "الطبقات" مقدمة ابن حامد في كتابه "الجامع في النصب"، وسنثبتها بين يدي القارئ لما فيها من الفائدة في الكشف عن طييعة التصنيف الفقهي في ذلك الوقت.
قال ابن حامد: "اعلم أن الذي يشتمل عليه كتابنا هذا من الكتب والرواية المأخوذة، من حيث نقل الحديث والسماع، منها: كتاب الأثرم، وصالح، وعبد الله، وابن منصور، وابن إبراهيم، وأبو داود، والميموني، والمروذي، وأبو الحارث، وأبو طالب، وحنبل، وعلي بن سعيد، ومُهنا، وأبو النضر، وأبو الصقر، ويعقوب بن بختان،469

الجزء: 1 - الصفحة: 214

وإبراهيم بن هانئ، وحَمْد بن علي، وجعفر بن محمد النسائي، وعبد الكريم بن الهيثم ... وكتاب الخرقي.
فأما كتاب الأثرم، فقرأته على: أحمد بن سَالم الختلي 471، قال: حدثنا أبو حفص، عمر الشرابي، قال: حدثنا الأثرم، عن أبي عبد الله.
وعبد العزيز بن جعفر عن أحمد بن محمد بن خلف القاضي، عن الأثرم عنه".
وساق الأسانيد 472 إلى الإمام الأحمد في أصول كتاب "الجامع" التي هي "السائل" بالإضافة إلى "مختصر الخرقي"، وهي أسانيد جياد تحصر طرق الرواية للفقه الحنبلي من لدن إمامه (241 هـ) إلى خاتمة علمائه المتقدمين الحسن بن حامد (403 هـ). ثم إن ابن حامد علق على الروايات المختلفة التي وقعت له ولمن قبله عن الإمام أحمد، بأنه يجب تقبلها كلها ما دام أصحابها "أثباتًا فيما نقلوه، أمناء فيما دونوه، وواجب تقبل كل ما نقلوه، وإعطاء كل رواية حظها على موجبها، ولا تُعَل رواية وإن انفردت، ولا تنفى عنه، وان غربت، ولا ينسب إليه في مسألة رجوع إلا ما وجد ذلك عنه نصّاً بالصريح، وإن نقل "كنت أقول به وتركناه"،وإن عَرِيَ عن حد الصريح في الترك والرجوع أقر على موجبه، واعتبر حال الدليل فيه لإعتقاده؛ بمثابة ما اشتهر من روايته" 473. وكان ابن حامد زاهداً، ورعاً محتاطاً، ينسخ الكتب ولقتات من أجرة النسخ، فسمي لأجل ماكثر ذلك منه: ابن حامد الوراق.
وكان كثير الحج، فعوتب في كثرة سفره وحجه مع كبر سنه، فقال: لعل الدرهم الزيف يخرج مع الدراهم الجيدة 474.

الجزء: 1 - الصفحة: 215

توفي ابن حامد شهيدًا سنة (403 هـ) راجعًا من مكة، وهو في طريقه إلى العراق، في منزلة "واقصة" قرب الفرعاء، وهي على طريق حاجّ الكوفة، وبينها وبين "تيماء" نحو (150) كيلو مترًا، وكان ذلك ضحية عصابة لصوص من الأعراب 475. وبهذا نكون قد تعرفنا على عدد غير حاصر لعلماء المذهب الذين دونوه وصنفوا فيه وهذبوا مسائله في مدة قرن من الزمان تقريبًا، وهو القرن الرابع، وهو أهم القرون الزمنية في أعمال المذهب الحنبلي.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

أبرز أعمال علماء هذا الدور

عرّفنا فيما سبق بأبرز الرجال الذين خدموا الذهب في هذا الدور، ومن خلال ذلك التعريف نستطيع أن نستخلص أهم الأعمال العلمية التي قام بها أولئك الأئمة، وما هي مميزاتهما العامة، وكيف كانت حجر الأساس لمن أتى بعدهم.
ولئن كان على عاتق أصحاب الإمام الأولين أمانة حفظ تلك المسموعات، وتدوين تلك المسائل للأجيال اللاحقة، فإن على عاتق الذين جاءوا من بعدهم رسالة الجمع لتلك المدونات والمسموعات غير المدونة أيضاً، بالإضافة إلى التصنيف لها وصبها في قالب منهجي مرتب على غرار ما عرف من أساليب الكتابة في المذاهب الأخرى التي كانت تعتبر تجربة سابقة يعول عليها الحنابلة من حيث الشكل، وينسجون على منوالها فقههم الواسع المتشعب.
وتلك الأعمال تتطلب جهودًا في عملية النقل والرواية، كما تتطلب جهوداً في التبويب والترتيب، كما أن عليهم أن يختصروا الطوال ويهذبوا المختلطات، ويوضحوا المشكلات، ويكتبوا أصول فقه المذهب، وغير ذلك.
ومن خلال تتبع المصنفات التي مرت في ثنايا تراجم رجال هذا الدور يمكننا أن نقسم التأليف فيه إلى الأقسام التالية: 1 - جمع مسائل الرواية عن أحمد.
2 - الإختصار الفقهي.
3 - شروح المختصرات.
4 - التآليف الجزئية المفردة.
5 - الكتابة في أصول الفقه الحنبلي.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

أولاً - الجمع للمسائل

لكل مذهب من المذاهب الفقهية المدونة المتبعة عملية جمع، مر بها في مرحلة من تاريخه، مع الإختلاف الملحوظ بين مذهب وآخر.
فالمذهب الحنفي، جمعه محمد بن الحسن الشيباني في تلك الكتب التي سميت فيما بعدبـ "ظاهر الرواية"، ولخصها الحاكم الشهيد في كتابه "الكافي".
والمذهب المالكي كان في بدايته عبارة عن مجموعة من الأسمعة المدونة بأيدي أصحاب الإمام، كابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وابن نافع، وغيرهم، فجاء محمد العتبي الأندلسي فجمع هذه الأسمعة وألفها في كتاب "المستخرجة من الأسمعة" وهي المعروفة عند المالكية بـ "العتبية".
كما اختصر أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم ما انتهى إليه من تلك الأسمعة والكتب في "المختصر الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، وكان هو عمدة علماء المالكية البصريين.
ثم جاء ابن أبي زيد القيرواني (386 هـ) فاختصركتاب " المدونة" لسحنون، وألف كتاب "النوادر والزيادات على ما في المدونة من الأمهات"، فجمع في هذا الكتاب النصوص والمسائل المروية عن المذهب 476 في غير "المدونة" وذلك كـ"ـالعتبية"، و"الواضحة"، و"المبسوط"، و"الموازية"، و"المجموعة"، و"كتب ابن سحنون".
وبالتالي يعتبر أبو عبد الله محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الفضل في جمع المذهب المالكي وتقريبه لمن أتى بعده، فسهل الإختصار، وسهل الترجيح، وسهلت المقارنة.
وأما المذهب الشافعي، فإنه لم يبدأ متفرقًا حتى يحتاج إلى جمع وتحرير، لأن الإمام الشافعي كتب فقهه بيده، فاختصر المزني ذلك الفقه، وكذلك فعل البويطي، وعمل الفقهاء من بعدهم تعليقات وشروحًا على مختصر المزني خاصة، وهكذا انتقل المذهب الشافعي إلى الطبقات اللاحقة سهلًا وميسرًا من أول يوم.

الجزء: 1 - الصفحة: 218

ونستطيع أن نقول: إن المذهب الحنبلي يشبه في عملية تأسيسه وتدوينه، ثم جمعه وتحريره، مذهب الإمام مالك؛ إمام دار الهجرة.
ويعتبر أبو بكر الخلال -رَحِمَهُ اللهُ- جامع المذهب الحنبلي بحق، كما تقدم في ترجمته، فإنه جمع كتب"المسائل" وفحص رواياتها، ورتبها على أبواب العلم، وأخرجها في كتابه المَعْلَمي الكبير "جامع الروايات عن أحمد"، فلفت بهذا الأنظار، وصار مطلبًا لعلماء الأمصار، ومن هنا بدأ ظهور الإنتساب إلى الإمام، وبرز في مذهبه المشايخ الكبار، وأصبحت أصول المذهب، وخطوطه العريضة، ومصطلحاته الدقيقة، وآثاره النفيسة، محل درس وتدريس، واستقراء وتأليف، وتقريب وتلقين.
ونظرًا لوجود المذهب متفرقًا في مرويات الأصحاب المختلفة المتفاوتة في الكمية، فإن من العذر لإبن قتية (276 هـ)، في عدم عد الإمام أحمد من الفقهاء في كتابه "المعارف"، أن نقول: إنه لو عاش حتى اطلع على جامع الخلال لكان الشأن غير الشأن، بل وكذلك يقال في الإعتذار عن ابن جرير الطبري (310 هـ). فكان "الجامع" هو الأصل في الروايات المنقولة عن أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- حيث تناوله المجتهدون من أصحابه بالترجيح والإختيار لما نقل من الروايات 477. ويعتبر جامع الخلال كتابًا يحتوي على عناوين كبيرة تختلف عن العناوين التي نجدها في فهارس الكتب الفقهية المعتادة، فنجد من تلك العناوين مثلًا: كتاب الوقوف، وكتاب الترجل، وكتاب أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض، وكتاب أحكام النساء 478 .. وهكذا.
وهذا يدل على أنه لم يستوعب "المسائل" فقط، بل أفرغ مصنفات الإمام أحمد فيه.
ومع هذا فقد قال ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه 479.

الجزء: 1 - الصفحة: 219

ثانياً - الإختصار الفقهي

والإختصار تقليل الشيء، فقد يكون اختصار الكتاب بتقليل مسائله، وقد يكون بتقليل ألفاظه مع تأدية المعنى، ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوتيتُ جوامع الكلم، واختصر لى الكلام اختصاراً" 480. ومن ذلك مختصرات الطرق، قال ابن قدامة المقدسي: وفائدة الإختصار التقريب والتسهيل على من أراد تعلمه وحفظه، فإن الكلام يختصر ليحفظ، ويطول ليفهم 481. ويعتبر ابن خلدون 482 الإختصار في مختلف العلوم عملاً مخلًا بالتعليم وذاهبًا بفوائده المودعة في مطولاته ومبسوطاته، وذلك للأسباب التالية: أ - الخلط على المبتدئين بتحفيظهم هذه المتون، وفيها من المسائل والبحوث التي لا يجوز إلقاؤها على الطالب إلا في نهاية المراحل التعليمية.
ب - تزاحم المعاني المفرغة في قالب الألفاظ العويصة التي صيغت بها المختصرات.
ج - عدم جدوى المختصرات في تحصيل الملكة، لإنعدام الإحالات، والتكرار، وغبر ذلك.
وعند التحقيق في تاريخ الإختصار الفقهي على الخصوص نجد أن ما أنحى به ابن خلدون إنما يتجه على تلك الإختصارات التي درج عليها الناس وألِفُوها في العصر الذي عاشه، وقبله ويعده، حيث شحنت المختصرات بالمصطلحات والألفاظ الفنية الطاغية على حلاوة الفقه ونضارته.
أما الإختصارات التي قام بها علماء المذاهب المتقدمون، فهي بعيدة عن تلك المغامز، لأن فيها كثيرًا من الجهود في الجمع والتهذيب والصياغة والترتيب الفني البديع مع قلة المصطلحات.
وهذا ما ينطبق على"مختصر الطحاوي" و"مختصر القدوري" في الفقه

الجزء: 1 - الصفحة: 220

الحنفي، و"مختصر ابن عبد الحكم"، و"مختصر ماليس في المختصر" لإبن شعبان، و"مختصر الوقار" في الفقه المالكي.
و"مختصر المزني"، و"مختصر البويطي" في الفقه الشافعي.
و"مختصر الخرقي" في الفقه الحنبلي.
هذا، وقد وقع الإختصار الفقهي للمذهب الحنبلي خلال هذا الدوركما وقع الجمع، فيكون المذهب الأحمدي قد سار سيراً طبعياً في عمليتي جمعه واختصاره في مدة زمنية لم تتجاوز القرن منذ وفاة الإمام أحمد.
وكما تفرد الخلال (311 هـ) بجمع المذهب، كذلك تفرد الخرقي (334 هـ) باختصاره في هذا الدور.
ويعد "مختصر الخرقي" أول متن وُضع في الفقه الحنبلي المجرد، وضعه صاحبه على طريقة مختصر المزني 483، واقتصر فيه على المعتمد من المذهب، وهذا يعني أنه في كل مسألة يقتصر على رواية واحدة من مجموع الروايات، ويعقدها على أنها المذهب.
فيقول في كتاب الطهارة مثلاً: "وإذا كان معه في السفر إناءان: نجس وطاهر، واشتبها عليه أراقهما وتيمم" 484. فجزم بالإراقة، مع أن صاحب "المحرر" قال: "وهل يلزمه إعدام الطهور بخلط أو إراقة أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه، وهو المذهب" 485. ويعتبر مختصر الخرقي وحيدًا في زمانه، صغيراً من حيث الحجم، لم تتجاوز مسائله (2300) مسألة 486، ولهذا سهل حفظه، وبنى عليه المشايخ، وجعلوه عمدتهم قراءةً إقراءً، وحفظاً، وشرحاً، بل عمدة لدى طبقات علماء المذهب الكبرى الثلاث، وهم: المتقدمون، والمتوسطون، والمتأخرون 487. وكان واسعَ الشُّهْرَةِ عندهم مثنياً عليه أحسن

الجزء: 1 - الصفحة: 221

الثناء، حتى قال ابن البناء في مقدمة شرحه له: "وكان بعض شيوخنا يقول: ثلاثة مختصرات في ثلاثة علوم لا أعرف لها نظيرًا: "الفصيح"لثعلب، و"اللمع" لإبن جني، وكتاب "المختصر" للخرقي، ما اشتغل بها أحد وفهمها كما ينبغي إلا أفلح وأنجح" (1). ويعتبر مختصر الخرقي غير منتسب لكتاب قبله على خلاف ما هي العادة في أن تكون المختصرات تهذيبات وتصحيحات وتصغيرات لأمهات قبلها، فمختصر الخرقي، هو مختصر لفقه الإمام أحمد نفسه (2)، وخلاصة اجتهاده، كما أن "الرسالة" لإبن أبي زيد القيرواني (386 هـ) تعد اختصارًا لفقه الإمام مالك بن أنس، و"مختصر المزني" يعد اختصارًا لعلم الشافعي.

ثالثا - شروح المختصرات

لم يشتهر في هذا الدور من المختصرات إلا "مختصر الخرقي" المتقدم، وبالتالي لا نجد من شروح المختصرات إلا ما شرح به المختصر المذكور.
فمن تلك الشروح: شرح المصنف نفسه على ما تذكره بعض المصادر، فقد قال ابن مفلح في مباحث النية في الصيام من كتاب "الفروع" ما نصه: " ... وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر" 490. وشرحه أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعروف بـ"ابن شاقْلا" (369 هـ)، فقد قال أبو يعلى في كتاب"العُدّة" في أصول الفقه: "وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إلي من شرح الخرقى، فقال: "أصحابنا على وجهين، فمنهم من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذلك" 491. وشرحه ابن المسلم: أبو حفص عمر بن إبراهيم العكبري (387 هـ).488489 = (المدخل المفصل 1/ 455 وما بعدها).

الجزء: 1 - الصفحة: 222

وآخرهم شرحاً له هو الحسن بن حامد (403 هـ)، وهو خاتمة رجال هذا الدور.

رابعاً - التآليف الجزئية المفردة

وذلك في موضوعات مختلفة متناثرة من أصول الدين وفروعه.
وذلك كـ"الرد على الجهمية"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"الفرائض"، و"أحكام النساء"، و"إبطال الحيل"، و"أركان الإسلام"، و"أحكام أهل الذمة"، و"الخصال والأقسام"، و"المناسك"، و"الحمام"، و"الغناء والملاهي"، وغير ذلك.
وتكون هذه الطريقة البديعة عند علماء الحنابلة المتقدمين خصيصة من خصائص المذهب، ومناهج التأليف فيه، فإن إفراد المسائل والموضوعات العلمية بالبحث مفيد جداً، كما هو الآن في البحوث والرسائل الجامعية، فهي سنة الحنابلة، وإن كانت موجودة عند غيرهم، لكنها ليست بالقدر الذي عرف عند الحنابلة من الإتساع والتفنن.
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد تلك العناوين الجزئية في المباحث المختلفة المفردة قد تكررت عند المتوسطين والمتأخرين، مما يدل على أن المذهب الحنبلي حافظ على هذه المزية على اختلاف الأزمنة والأعصار.

خامساً - الكتابة في أصول الفقه الحنبلي

تكاد تكون مباحث علم الأصول عند الحنابلة خلال هذا الدور مبثوثة في كتبهم الفقهية المطولة والجامعة، شأن كل علم في نشأته وبداية تأسيسه.
فهناك من كان يلقي على تلامذته الأصول العامة لمذهب الإمام أحمد في اعتبارها وترتيبها، وذلك كما روى الفضل بن زياد القطان عن أبي طالب - صاحب الإمام أحمد- أنه أملى عليه ما يلي: "قال أبو عبد الله: إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
ثم يَتبعها إن لم يكن لها مخالف، ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكابر، وأئمة الهدى يُتَّبعون على ما قالوا، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك لا يخالفون، إذا لم يكن بعضهم لبعض مخالفاً، فإذا اختلفوا، نظر في الكتاب، فأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به، أوكان أشبه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ به، فإن لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر في قول التابعين، فأي قولهم كان

الجزء: 1 - الصفحة: 223

أشبه بالكتاب والسنة أخذ به، وترك ما أحدث الناس بعدهم" 492. ونجد في كتاب "الرد على أهل الإلحاد" لأبي بكر الأنباري بحثًا في المحكم والمتشابه، أفاد منه القاضي أبو يعلى (458 هـ) في كتابه "العدة"، كما أفاد أيضًا فيه من كتاب "القدر" لغلام الخلال في مسألة صيغة الأمر هل هي للوجوب أو لا؟ وأفاد من كتاب "التفسير" لنفس المؤلف في: أسماء الأشياء هل حصلت عن توقيف أو عن مواضعة؟ ومسألة اقتضاء الأمر المجرد عن القرائن للوجوب، ومسألة وقوع المجاز في القرآن، كما أفاد من كتابه "التنبيه" في بحث مسألة وجوب العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وأفاد من كتابه "الشافي" في مسألة مروية عن الإمام أحمد في أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بواجب 493. إلى جانب ذلك نجد بعض المصنفات المخصصة لأصول الفقه أو التي غلب عليها مباحث هذا الفن، منها ما هو كلي جامع، ومنها ما هو جزئي مفرد.
فمن ذلك: كتاب "العلم" لأبي بكر الخلال (311 هـ) فإنه هو وكتاب "السنة" صنوان، بين في الأول أصول الإمام أحمد في الفقه، ويين في الثاني أصوله في العقيدة، قال شيخ الإسلام -رَحِمَهُ اللهُ-: " ... "السنة" وهو أجمع كناب يذكر فيه أقوال أحمد في مسائل الأصول الدينية، وإن كان له أقوال زائدة على ما فيه، كما أن كتابه في "العلم" أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في الأصول الفقهية" 494. وفي ترجمة إلي إسحاق ابن شاقلًا يقول ابن إلي يعلى: "كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع" 495. وهذا يعني أن له عناية بالأصول.
وفي ترجمة أبي الحسن التميمي، قال ابن أبي يعلى: "وصنّف في الأصول والفروع والفرائض" 496. وفي ترجمة أبي الحسن الجزري البغدادي قال: "كان له قدم في المناظرة ومعرفة

الجزء: 1 - الصفحة: 224

الأصول والفروع" 497. وقد نقل القاضي أبو يعلى عنه في تخصيص العموم بالقياس، فقال: "وقع إلي جزء فيه مسائل في أصول الفقه، إملاء أبي الحسن الجزري، وذكر فيه هذه المسألة، وحكى فيها خلافاً بين أصحابنا، واختار أبو الحسن: أنه لا يجوز تخصيصه بالقياس، وذكر فيها كلاماً كثيرًا 498. وقد مّر معنا في ترجمة منقح المذهب الحسن بن حامد -رَحِمَهُ اللهُ- أن من جملة مؤلفاته كتاب "شرح أصول الفقه".
على أن الذي يطالع كتاب "العدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (458 هـ) يستطيع أن يعتبره أول كتاب صدر للحنابلة في أصول الفقه بمباحثه الكاملة وتحرراته المنهجية المقارنة، والدليل على ذلك أنه بناه على "أصول الجصاص" الحنفي و"المعتمد" لأبي الحسين البصري المعتزلي الشافعي، وذلك يدل دلالة واضحة أنه لم يكن بين يديه كتاب حنبلي ينسج على منواله، وهذا من ناحية المنهج والمسلك في الإستدلال والمناقشة، أما مادته العلمية فقد استقاها من كتب المذهب التي وصلت إليه، وهي في عامتها متنوعة وجامعة للفقه والأصول والعقيدة وغير ذلك، كما سبق وصفها.
ويالتالي يكون القاضي أبو يعلى -رَحِمَهُ اللهُ- جامعا ومحرراً لأصول المذهب الحنبلي، كما أن الخلال وابن حامد جمعا الفروع وحرراها التحرير الأولي المبكر، والقاضي أبو يعلى يعتبر من رجالات الدور اللاحق، إلا أن البحث اقتضانا أن نعطف عليه بما تقدم من الكلام لاستكمال التوضيحات اللازمة في موضوع كتابة الحنابلة في أصول الفقه الإسلامي في الدور الثاني من أدوار تاريخ هذا المذهب السَّني.


الجزء: 1 - الصفحة: 225

الدور الثالث

الإنتشار - الإزدهار - الإستقرار

وفيه

تمهيد

، وخمسة مباحث:

  • الأول: المذهب في العراق.
  • الثاني: المذهب في حرّان.
  • الثالث: المذهب في الشام.
  • الرابع: المذهب في مصر.
  • الخامس: المذهب في الجزيرة العربية.

الجزء: 1 - الصفحة: 227

تَمْهِيدْ

لم نر ضرورة تدعو إلى تقسيم فترة ما بعد نهاية القرن الرابع إلى يومنا هذا إلى أكثر من دور واحد، وذلك لأن الأعمال الأساسية في تحرير المذاهب الإسلامية الفقهية التي دونت وانتشرت، أصبحت منجزة ومستكملة في حدود نهاية القرن الرابع، ولذلك لم يبق لمن جاؤوا بعدهم من العلماء إلا الترتيب الفني والجمع بين الكتب والمصنفات، والموازنة في نطاق الرواية والحكايهَ للخلاف، وغير ذلك من الأعمال التي سنشير إليها في مواضعها المناسبة إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن المذهب الحنبلي انتشر انتشارًا متاخراً عن بقية المذاهب التي كانت في ذات الوقت تتعرض للإنحسار والإنقراض من بعض الأمصار.
وفي ظل هذا الإنتشار كان المذهب الحنبلي يتطور نحو الأحسن، ويتوجه نحو الإزدهار والقوة والتمكن في أصوله وفروعه ومناهجه.
ولذلك لا نتفق مع الشيخ محمد بن الحسن الحجوي حين عَمَّم في وسم هنا الطور بأنه "طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم" 499، فإن هذه الشيخوخة، وهذا الهرم إن لزم بعض المذاهب، فإنه لا يلزم المذهب الحنبلي، لأننا إذا رجعنا إلى كتب المذاهب المعتمدة إلى يومنا هذا، فإننا نجد سائر المذاهب لا زالت نحتفظ بكتب المتقدمين "كالمدونة" عند المالكية، ومختصري الطحاوي والقدوري عند الحنفية، و"الأم" عند الشافعية، أما المذهب الحنبلي فإنه لا يكاد يعرف إلا من خلال مؤلفاته التي صنفها الأئمة فيما بعد القرن الرابع.
وهذا يدل بصفة عامة على مدى الجهود المبذولة في تنمية هذا المذهب وتقويته على مدى القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور على الأقل.
ويبدو أن بداية هذا الدور تميزت بفجوة أخذت لتكون وتتنامى في صفوف العلماء، وهي انقسام العلماء إلى فقهاء ومحدثين.

الجزء: 1 - الصفحة: 229

وقد رصد الخطابي المتوفى سنة 388 هـ تلك الفجوة، وأقام النكير على تكونها، فقال في "معالم السنن": "ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر.
وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو كالفرع.
وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب.
ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين: فأما هذه الطبقة، الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما وَكْدُهُم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث، الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.
وأما الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما يينهم، من غير تثبت فيه أويقين علم به، فكان ذلك ضلالة في الرأي وغبنًا فيه.
وهؤلاء -وفقنا الله إياهم- لو حكى لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم، وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه، طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له العهدة" 500.

الجزء: 1 - الصفحة: 230

وقد واجه المذهب الحنبلي في انتشاره في ديار الإسلام صعوبة بسبب تأخره في الزمان، وذلك أن الناس قد استقروا على المذاهب التي انتهت إليهم، ودرجوا على تلك المذاهب في شأن الفتوى والقضاء والتعلم والتعليم والتصنيف وغير ذلك.
وعلى الرغم من تلك العوائق، فإن هذا المذهب لم ينقرض، كما انقرضت بعض المذاهب مع مطلع القرن الخامس للهجرة، بل كتب له الإستمرار في مسقط رأسه وموطن نشأته: دار السلام، فبقي هناك يدرّس ويعلّم، ويتلقاه اللاحق عن السابق إلى عهود متأخرة، كما انتشر هنا وهناك في الأقطار الإسلامية، كحرآن، والشام، ومصر، والجزيرة العريية، وملأ سجلات التاريخ الإسلامي برجاله وآثاره، فما من فن من الفنون إلا وللحنابلة فيه مشاركة عالية ويد بيضاء سابغة.
وفي المراحل الأولى من هذا الدور ازدهر المذهب الحنبلي ازدهارًا شاملًا، وتكامل تكاملًا نسبيًا، وتدريجيًا، وذلك بالأعمال العلمية التالية: أولاً: ضبط القواعد العامة في نقل المسائل المروية عن الإمام أحمد وأصحابه، ومن ثَمَّ تبين ما هو منصوص، وما ليس منصوصًا، وما هو منصوص: هل فيه رواية واحدة أو أكثر؟ وهل الروايات المتعددة مختلفة أو متفقة؟ وهكذا.
ثانياً: نشاط المجتهدين في المذهب بتخريج الفروع على الأصول، وبناء غير المنصوص على المنصوص.
ثالثا: نشاط المجتهدين في الترجيح بين الروايات، والوجوه، والإحتمالات، وتولدت من جراء ذلك عدة اصطلاحات فنية استخدامية.
وهذا النوع من النشاط الإجتهادي امتد حتى عصور متأخرة، وكثرت عليه التعقبات والتصحيحات، حتى أواخر القرن التاسع تقريباً، وكان خاتمتهم في ذلك العلامة علاء الدين المرداوي (885 هـ). الذي وصفه العليمي بقوله: "شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه" 501.

الجزء: 1 - الصفحة: 231

رابعًا: وضع "قواعد" عامة و"ضوابط" خاصة لفقه المذهب، وتنظيم فروعه، ليسهل على الطلاب والعلماء والمحققين معرفة القول الشاذ من المطرد، ورد كل حكم إلى قاعدته ما أمكن، وجمع النظير إلى النظير، وقرن الشبيه بالشبيه، وضبط ما يمكن ضبطه من المتشابهات في الباب الواحد بضابط عام، كما ظهرت إلى جانب ذلك جهود كثيرة في تحديد "الفروق" بين المسائل المتشابهة.
فبهذه الأعمال الجليلة دخل الفقه الحنبلي في طور جديد، وأصبح مُمكنًا بفضل فقه القواعد وفقه الضوابط وفقه النظريات وفقه الفروق 502. خامسًا: استكمال البحث في أصول الفقه الحنبلي على غرار المذاهب الأخرى، لبيان القواعد العامة والخاصة في تفسير نصوص الكتاب والسنة، بالإضافة إلى طرق الإستنباط ومناهج الإجتهاد والفتوى، وييان المصادر التشريعية التبعية الأخرى، وتحديد موقف الحنابلة منها اعتبارًا وإلغاء، بالإضافة إلى طرق الترجيح عند التعارض بين الأدلة.
ولا ريب أن هذا الإستكمال في هذه الجوانب أمَدَّ فقهاء المذهب فيما بعد - فضلًا عن أصول فقه الأدلة والإستنباط، ومصادر التشريع- بعُدّة لا بأس بها طبقت على كيفية التصرف مع كلام المتقدمين، والموازنة بين المرويات من الأقوال والوجوه والإحتمالات، وغير ذلك.
سادسًا: إثراء المذهب بالصطلحات المختلفة التنوعة، كالإصطلاحات المفردة في ألفاظ الإمام أحمد، والإصطلاحات المختصة بالنقل والرواية، والإصطلاحات المختصة بالترجيح وطرقه، والإصطلاحات اللفظية الموضوعية في التعبير عن الأحكام، ومختلف أنواعها ودرجاتها.
وهذه المصطلحات كثرت وطغت على كتب المختصرات، ومصنفات المتأخرين، الذين عنوا بتصحيح المذهب، وتولد عند الحنابلة فقه خاص بالمصطلحات يسمى "لغة الفقهاء".
ويعد ابن الجوزي (597 هـ) صاحب الفضل في السبق إلى التأليف في هذا الموضوع 503.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

ويمكن القول بأن المذهب الحنبلي قد استقر من الناحية التنقيحية بعد القرن التاسع، إذ لم نر بعد نهاية هذا القرن غير النقول، والفتاوي، والحفظ، والتدريس، والإعتناء بالتراجم، وبالتالي فوصف "الإستقرار" لم يكن عاما لهذا الدور، بل اختص بالقسم الأخير منه فقط.
وسيتم بحث هذا الدور الكبير في مداه الزمني، الحافل بالأعمال والحوادث والتغيرات، مراعيًا تطور المذهب وتوضعه هنا وهناك، في محوري الزمان والمكان بآن واحد.

الجزء: 1 - الصفحة: 233

المبحث الأول

المذهب في العراق

نشأ المذهب الحنبلي في العراق كما هو معروف، وبالتالي فنحن إذا تحدثنا عن انتشاره، فإنما نتحدث عن وجوده ونموه خارج بغداد، ولكن آثرنا أن نفرد عاصمة المذهب الأولى بتسليط الضوء على ما كان فيها من جهود وأعمال في ظل ذلك الإنتشار، الذي أخذ ظله يتمدد في بلاد الإسلام عبر زمن طويل، وذلك من أجل الكشف عن جهود البغاددة في خدمة هذا المذهب السني وإعلاء شأنه، وتصديره إلى الخارج.
ويغمز الحنابلة بأنهم قليلو الأتباع، لم يحظو بما حظي به غيرهم من كثرة الإنتشار في الأمصار، وأن سحائبهم لم تبلّ بوابلها إلا قلًّا قليلاً من الأراضي والديار، إذ بزغ النجم الحنبلي بعدما ملأت نجوم غيره الآفاق بضيائها.
وهذا المغمز إنما يتضرر منه من يعد المناقب بعدد الأتباع والأشياع، وينظر إلى الأمور يمنظار الحساب المادي الذي لا قيمة له في بعض المواطن بتاتا، فإن العبرة في قوة المذاهب وضعفها بأئمتها وشيوخها المجتهدين، وعلمائها العاملين، لا بالسواد الذي لا يقدم شيئًا ولا يؤخره في هذا المضمار 504. وإذاكانت العبرة بالعلماء لا بالعوام، وبالأئمة لا بالطَّغام، فإن العالم الواحد قد يقاس بأمة، وذلك بما يبذله من الجهود العظيمة وما يقدمه للأمة من الأعمال الجليلة التي تَخْلُدُ مِنْ بَعده، وتتوارثها الأجيال، لا تفتأ تستفيد منها، مما لا يستطيعه العشرات.
فهذا ابن حزم لا يكاد يُعرف المذهب الظاهري إلا من خلال كتبه ومصنفاته التي لا يستطيع تأليف مثلها إلا الفحول الأفذاذ.

الجزء: 1 - الصفحة: 235

فالحنابلة إن قل عددهم بالنظر إلى غيرهم، فقد بورك في تلك القلة، حتى انتشر علمها، وكثر المستفيد منها، ونهل من معينها الصافي القريب والبعيد، وصارت بذلك كثرة في المعنى، كما قال القائل 505: يقولون لي: قد قل مذهب أحمدٍ ... وكلُّ قليل في الأنام ضئيلُ فقلت لهم: مهلًا غلطتم بزعمكم ... ألم تعلموا أن الكرام قليلُ وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليلُ على أن أبا الوفاء ابن عقيل (513 هـ) البغدادي رد سبب هذه القلة إلى ميل الأصحاب إلى التزهد والإنقطاع إلى العبادة، فقال في ذلك: "هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه، لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع واحد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات.
فكانت الولاية لتدريسه واشتغاله بالعلم.
فأما أصحاب أحمد، فإنه قل فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد، لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم" 506. ولكلن هذا الحكم من ابن عقيل ليس عامًا، بل هو وصف لأصحابه البغدايين فقط، فقد تقلد الحنابلة في الشام ومصر مناصب القضاء، وإدارة المدارس، وشؤون الفتوى، بل عمل بعضهم في الوزارة كابن هبيرة (560 هـ) والسفارة كأبي محمد التميمي (488 هـ). وانتشار المذهب بعد القرن الرابع خارج بغداد يدل على قوته، وتلقي الناس له بالرضا والقبول، وترجيحه على غيره عند كثير من العلماء 507.

الجزء: 1 - الصفحة: 236

والمذهب الحنبلي، وإن انتشر خارج بغداد خلال هذا الدور واشتد ساعده بعد ذلك في الشام ومصر والجزيرة العربية، إلا أن الفضل في ذلك إنما يرجع إلى ما بذله البغداديون من الجهود والأعمال، وذلك كما قال القائل 508: نقِّل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ فقد كان علماء العراق مثابة للطلاب من الأنحاء المختلفة، إليهم تضرب أكباد اللإبل في الأغوار والأنجاد، فكانوا هم السبب في تصدير المذهب إلى بلدان مختلفة.
وقد ضرب الحنابلة في بغداد أروع الأمثال في الصبر والثبات، والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، ومواجهة البدع، والدفاع عن السنة ومذهب السلف 509. وقد التزم الحنابلة القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بغداد أيما التزام، فقد كانوا يأخذون على أيدي العصاة والفساق، ويداهمون دور الفساد، ويقيمون الحسبة على الناس في أسواقهم، وبيعهم وشرائهم، ويمنعون اختلاط الرجال بالنساء، والخلوة المحرمة بين الجنسين، حتى سجلوا في ذلك مقامات وقصصًا مشهورة، دونها الأخباريون والمؤرخون في سجلاتهم.
قال ابن الأثير في حوادث سنة 323 هـ: "وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها، وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه: من هو؟ فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد" 510.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

فلما أبلى الحنابلة البلاء الحسن وصبروا في ذات الله بوأهم الله المراتب العالية والمناصب المرموقة، فتولوا القضاء، والتدريس في المدارس الرسمية وغير الرسمية، والقيام ببعض الأعمال في الدولة العباسية، كتولي الوزارة، والقيام بالسفارة.
ومن أبرز العلماء الذين خدموا المذهب في بغداد:

1 -

القاضي أبو يَعْلى (380 - 458 هـ):

وهو محمد بن الحسين، المعروف بالفراء، تلميذ الحسن بن حامد (403 هـ). تتلمذ على يديه منذ السنة العاشرة من عمره، والشيخ ابن حامد هذا كان إمام الحنابلة وفقيههم في زمانه.
أخذ القاضي عنه أخلاقه، ونهل من علمه وتفقه على يديه، وفاق أقرانه، ولاحظ ذلك الشيخُ الأستاذُ الذكاءَ والتفوق يبرق في عيني تلميذه أبي يعلى، فاعتنى به، وكانت له فراسة، فرأى في أبي يعلى مع صغر سنه بين أصحابه الذين يدرسون ويتفقهون عليه أنه أجدرهم بحمل الراية من بعده، وتولي رئاسة حلقة الحنابلة ليدرسهم ويفتيهم.
قال أبو بكر ابن الخياط: "سألت أبا عبد الله ابن حامد إمام الحنبلية في وقته عند خروجه إلى الحج في سنة 402 هـ. فقلت: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى.
وأشار إلى القاضي الإمام أبي يعلى" 511. وهذا يدل على أنه تصدر للتدريس والتعليم في سن الثانية والعشرين.
ومعنى ذلك أنه بقي في هذا الشأن بالإضافة إلى القضاء والتأليف مدة ست وخمسين سنة!! وقد بدأ بالتصنيف في هذه السنة أيضًا، أي: سنة 402 هـ، على ما ذكر عنه ولده، لذلك كثرت مصنفاته وتنوعت.
ويمكن القول بأن القاضي أبا يعلى خدم المذهب الحنبلي من خلال ثلاث قنوات رئيسة: التأليف، والتعليم، والقضاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

فأما التأليف: فقد حاز فيه قصب السبق، إذكانت كتبه كثيرة ومتنوعة ومفيدة في نفس الوقت.
قال الذهبي في وصفها: "صاحب التعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب" 512. وقد تجاوزت مصنفاته الخمسين في عدتها، أحصاها ولده 513. وكانت هذه التصانيف موزعة على علوم التفسير، وأصول الدين، وأصول الفقه، والفقه بكافة فروعه، والأدب، والطب، وغير ذلك.
وقد كانت عمدة الطالبين، وبغية الباحثين، عول عليها الشيوخ وبنوا في قالبها، ونسجوا على منوالها.
قال ولده أبو الحسين في وصفها: "ومن نظر في تصانيفه حقيقة النظر، علم أن ما وراءه مرامًا ولا مقالًا، إلا ما يدخل على البشر من التقصير عن الكمال، ويخرج به العالم عن منازل الأنبياء، ويتميز به المتأخر عن مراتب أهل التقدم من العلماء.
فلقد حمل الناس عنه علماً واسعًا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن الأصول والفروع" 516.514515517518519520521522523

الجزء: 1 - الصفحة: 239

ولم تكن مصنفاته نقولًا لكلام من تقدم عليه فحسب، بل هي مليئة بالتحقيقات والإجتهادات والإختيارات والوجوه.
والإحتمالات التي لأبي يعلى تشكل نسبة عالية من الإحتمالات الواردة في الفقه الحنبلي كله.
قال البعلي: "وكثير من الإحتمالات في المذهب، بل أكثرها للقاضي أبي يعلى محمد بن الفراء في كتابه "المجرد" وغيره" 524. لا شك أن هذه الإحتمالات فعلت فعلها الإيجايي البَنّاء في إثراء المذهب وتنميته.
والدليل على ذلك أن فقهاء الحنابلة عدوا القاضي أبا يعلى في زمرة المجتهدين في المذهب في الدرجة العالية.
فقد قال ابن القيم في النوع الثاني من أنواع المجتهدين ما نصه: "النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس مالم ينص من ائتم به [عليه] على منصوصه، من غير أن يكون مقلداً لإمامه، لا في الحكم، ولا في الدليل.
لكن سلك طريقه في الإجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره.
فهو موافق له في مقصده وطريقته معاً.
وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة: القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في شرح "الإرشاد" الذي له" 525. وأما التعليم: فقد كان القاضي أبو يعلى شيخ الحنابلة في وقته بلا منازع، يدرس ويعلم، لم يفتر عن ذلك حتى مع تقدم السن به، فبرز على يديه تلامذة نجباء، وعلماء أعلام.
فمن الذين تفقهوا على يديه: الشريف أبو جعفر، وأبو علي ابن البناء، وأبو الوفاء ابن عقيل، ومحفوظ الكلوذاني (أبو الخطاب).
وغيرهم عدد كثير 526.

الجزء: 1 - الصفحة: 240

وأما القضاء: فقد عاش القاضي أبو يعلى في ظل خلافة القادر بالله، الذي تعتبر مدته في الخلافة أطول المدد، فقد أنافت على أربعين سنة، وكان من الفقهاء المشتغلين بالعلم حتى عده ابن الصلاح في طبقات فقهاء الشافعية.
وكان القادر بالله يميل إلى القاضي أبي يعلى ويقربه.
فلما توفي سنة 422 هـ، وخلفه ولده القائم بأمر الله، ولاه على قضاء الحريم، وكان يُشترط لهذا المنصب الجمع بين العلم والزهد، وكان القاضي أبو يعلى على جانب عظيم من الزهد والورع والعبادة والعفة والنظافة.
وأما العلم فهو المفسر الأصولي الفقيه المحدث المناظر.
فكان هو المرشح الوحيد لهذا المنصب في رأي القائم بأمر الله.
فوافق أبو يعلى على ذلك بعد إلحاح شديد وتمنع متكرر، واشترط على الخليفة شرائط، منها: أن لا يحضر أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، وفي كل شهر يقصد نهر المعلّى يوما وياب الأزج يوماً، ويستخلف من ينوب عنه في الحريم.
فاستجاب الخليفة لشروطه، وولاه القضاء في الدماء والفروج والأموال، وأسند إليه قضاء حرّان وحلوان العراق 527. فسار في القضاء سيرة الأبرار النزهاء، فأصلح الفساد، وأنصف المظلوم، وأوصل الحقوق، وفصل الخصومات، وكان في ذلك كله يعرض المذهب الحنبلي على ميدان الواقع، ولا يخفى ما في ذلك من إعطاء هذا المذهب قوته وحيويته في الجانب القضائي، وكان القاضي أبو يعلى من السابقين الأولين في الكتابة في موضوع الأحكام السلطانية 528 من وجهة نظر الإجتهاد الحنبلي، ولعل عمله في القضاء وعلاقته الطيبة مع الخليفة هي التي حفزت همته لذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 241

ومع ما كان لديه من الحظوة عند الخلفاء العباسيين، فإنه لم يكن مداهناً لهم، بل بالعكس كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كتابه "تبرئة معاوية" لأعظم دليل على أنه بعيد كل البعد عن مداهنة الخلفاء.
-رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه خيراً على ما قدم وأبلى.

2 -

أبو الخَطّاب (432 - 510 هـ):

محفوظ بن أحمد الكَلْوَذَاني.
تلميذ القاضي أبي يعلى.
ويعتبر أبرز من جاء بعد القاضي بالنسبة إلى تحقيق المذهب وخدمته والإجتهاد فيه، فقد درس على أبي يعلى ولزمه حتى برع في المذهب والخلاف.
وقرأ عليه بعض مصنفاته، وقرأ الفرائض على أبي عبد الله الوني، وبرع فيها أيضاً، وصار فريد عصره في الفقه، ودرّس وأفتى، وقصده الطلبة 529. قال ابن رجب في وصفه: "كان أبو الخطاب - رضي الله عنه - فقيهاً عظيماً كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن في مسائل الفقه وأصوله شيء كثير جداً، وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب" 530. ثم شرع في إيراد تلك التفردات معلقاً عليها.
وهذا التحقيق والتدقيق الذي أشار إليه ابن رجب، قد بثه أبو الخطاب فيما خلّف من ذخائر المواريث، وهي مصنفاته الحسان في المذهب والأصول والخلاف، ومن جملتها: "الهداية" في الفقه، وقد طبع في الرياض في جزأين، والخلاف الكبير سماه "الانتصار في المسائل الكبار" حُقق منه مسائل: الطهارة والصلاة والزكاة في ثلاث رسائل جامعية، والخلاف الصغير المسمى "رؤوس المسائل" وهى التي كان يشير صاحب "المحرر" إلى أن ما ذكره فيها ظاهر المذهب 531. ومن تأليفاته أيضاً: "التهذيب" في الفرائض، و"التمهيد" في أصول الفقه، وقد طبع في جامعة أم القرى في أريعة مجلدات، و"مناسك الحج".

الجزء: 1 - الصفحة: 242

بالإضافة إلى هذا يعتبر الكلوذاني من الأدباء الشعراء المجيدين، وظف شعره في خدمة العلم، فقد نظم قصيدة دالية في بيان اعتقاده في مسائل الصفات وغيرها.
وقد أوردها العليمي (1) كاملة، ومن جملة ما جاء فيها: قالوا: فتزعم أنْ على العرش استوى ... قلت: الصوابُ كذاك أخبر سيدي قالوا: فما معنى استِواه؟ أبِن لنا ... فاجبتهم: هذا سُؤالُ المعتدي قالوا: فأنت تراه جسمًا قُلْ لنا ... قلت: المجسِّم عندنا كالمُلحِدِ وقد تخرج على يدي أبي الخطاب عدد من أعلام المذهب، منهم: أبو المحاسن هبة الله بن أبي القاسم منصور الحراني، وعبد الوهاب بن حمزة البغدادي، وعلي بن الحسن الدواحي، وأبو بكر أحمد الدينوري، وعبد الله بن هبة الله السامُرّي، وعبد الرحمن الحلواني، وأحمد الأزجي، وعبد القادر الجيلي، وابن الدجاجي، ومسلم ابن ثابت المأموني، وأحمد بن أبي الوفاء البغدادي.

3 -

ابن المَنِّي (501 - 583 هـ):

نصر بن فِتْيان بن مطر النهرواني.
وهو وإن لم يكن معروفا بمؤلفاته، إذ لم يذكر له مترجموه إلا تعليقة كبيرة في الخلاف، فإنه صاحب المنة على كثير من الحنابلة من مختلف البلدان الإسلامية، فقد رحلوا إليه، وتربوا بين يديه، وتلقوا الفقه من لسانه.
قال ابن رجب في وصفه:"ناصح الإسلام، وأحد الأعلام، وفقيه العراق على الإطلاق" 533. وقد صرف همته طول عمره إلى الفقه أصولًا وفروعًا، وطال عمره، وبعُد صيته، وتخرج عليه أئمة كثيرون.
قال ناصح الدين ابن الحنبلي -وهو من حنابلة الشام-: "رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورًا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورًا، فأنخت راحلتي بربعه، وحططت زاملة بغيتي على شرعة شرعه، فوجدت الفضل الغزير، والدين القويم المنير، والفجر المستطيل المستطير، والعالم الخبير،532

الجزء: 1 - الصفحة: 243

فتلقاني بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح، فتح الله عليه.
حفظ القرآن العظيم، وهو في حداثة من سنه، ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح مَنُّه على كل مَنّ بفضل الله تعالى ومَنّه، ولم ينقل عنه أنه لعب، وَلَاَلهَا، ولا طرق باب طرب ولا مشى إلى لذة ومشتهى" 534. وقال ابن الحنبلي أيضًا: أفتى ودرّس نحوًا من سبعين سنة، ما تزوج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسًا ... وكان لا يتكلم في الأصول.
ويهذا تدرك السر الذي لأجله كثر تلاميذ هذا الشيخ وذاعت أخباره ورحل إليه الرجال من الآفاق.
فمن تلامذته البغداديين: أبو بكر الحلاوي، وقاضي القضاة نصر بن عبد الرزاق، حفيد الشيخ عبد القادر الجيلي.
ومن تلامذته الشامين: الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي، والحافظ عبد الغني المقدسي، وكلاهما غني عن التعريف، ومنهم الناصح ابن الحنبلي.
ومن تلامذته الحرانيين: الشيخ المفسر فخر الدين ابن تيمية، والموفق ابن صديق، ونجم الدين ابن الصيقل.
قال الناصح بن الحنبلي: "وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه".

الجزء: 1 - الصفحة: 244

وعقب ابن رجب على ذلك، فقال: "وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك، فإن أهل زماننا، ومن قبلهم إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسي، ومجد الدين ابن تيمية الحراني.
فأما الشيخ موفق الدين، فهو تلميذ ابن المنّي، وعنه أخذ الففه، وأما ابن تيمية فهو تلميذ نلميذه أبي بكر محمد بن الحلاوي" (1).

4 -

ابن الجَوزي (2) (509 - 597 هـ):

هو الشيخ العلامة، الحافظ، المفسر، شيخ الإسلام، جمال الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد.
ينتهي نسبه إلى خليفة المسلمين الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه وأرضاه - 537. ولد في بغداد سنة (509 هـ) ونشا فيها وتعلم حتى برع في كثير من الفنون والعلوم، وصار شيخ وقته، وواعظ زمانه.
وكان مولده بدرب حبيب -محلة ببغداد- وتوفي أبوه وهو صغير لا يتجاوز الثالثة من العمر، فقامت على رعايته وكفالته أمه وعمته، وكانت عمته جاهدة حريصة على تعليمه وتحفيظه، فحملته عند ترعرعه إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر، فاعتنى به وأسمعه الحديث 538. وهكذا أخذ يتدرج ويتقدم في العلوم حتى نضج واكتمل وبرع، ومالت نفسه إلى الوعظ منذ صغره، فلهج به وهو مراهق، ووعظ الناس وهو صبي.
وبدأ مسيرته العلمية سنة (516 هـ)، وقد تحدث هو بنفسه عن تلك البداية في مقدمة مشيخته فقال: "حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر، وأسمعني العوالي، وأثبت535536

الجزء: 1 - الصفحة: 245

سماعاتي كلها بخطه، وأخذ لي إجازات منهم.
فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم، وأوثر من أرياب النقل أفهمهم، فكانت همتي تجويد العُدد لا تكثير العدد.
ولما رأيت من أصحابي من يؤثر الإطلاع على كبار مشايخي ذكرت عن كل واحد منهم حديثًا" 539. وكانت بغداد إلى ذلك الوقت لا تزال عاصمة العلم يجتمع فيها الجهابذة في كل فن، فكان ذلك نعمة على ابن الجوزي وفضلًا من الله، إذ إنه لم يحتج إلى أن يرحل في طلب العلم، فالشيوخ بين يديه تزخر بهم بغداد في كل فن، فجعل يختار منهم الأعلم والأفهم، ومع هذا الإنتقاء فقد حصلت له مشيخة حافلة تنوف على الثمانين شيخًا 540، ومن أشهر هؤلاء الشيوخ:

  • أبو بكر الدينوري الحنبلي، وهو شيخه في الفقه والخلاف والجدل والأصول.
  • القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى الفراء.
    وهو شيخه في الفقه.
  • أبو حكيم النهرواني.
    وهو شيخه في الفقه أيضًا.
  • أبو الحسن بن الزاغوني.
    أخذ عنه الفقه والوعظ.
  • سبط ابن الخياط.
    وهو شيخه في القرآن.
  • أبو منصور الجواليقي.
    وهو شيخه في اللغة والأدب.
    فهؤلاء الأئمة اجتمعوا على تكوين ثقافة ابن الجوزي وتعاونوا على تثقيف قلبه وعقله ولسانه، وانضاف إلى ذلك ما كان متوفرًا بين يديه من الكتب التي كانت موقوفة على المدارس آنذاك، إلى جانب حصافة في الذهن وحذاقة في الفكر وذاكرة عجيبة تحفظ ما يستودع فيها.
    وكان يثابر على طلب العلم بنهمة لا تنقطع.
    وهكذا حتى جاءت مرحلة النضج سريعة مبكرة، فصار الفتى شيخًا مصنفًا وهو في ريعان شبابه، فقد صنف وعمره لا يتجاوز السابعة عشرة 541، وكان شيخه وشيخ الحنابلة في وقته؛ أبو حكيم النهرواني، قد أسند إليه إعادة دروسه في المدارس التي وكان يتولاها 542.

الجزء: 1 - الصفحة: 246

ونبغ ابن الجوزي في كثير من الفنون والعلوم، له المشاركة الواسعة، فكان بحرًا في التفسير، علّامة في السِّير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث ومعرفة فنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والإختلاف، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، وإكباب على الجمع والتصنيف، مع التصوّن والتجمل، وحسن الشارة ورشاقة العبارة، ولطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام 543. وقد أورث لنا ابن الجوزي مكتبة لا يزال الزمان يتحدث بها إلى اليوم في كثرتها وتنوعها، كشف عنها بالتفصيل مطبوعًا ومخطوطًا ومفقودًا الأستاذ عبد الحميد العلوجي، فبلغ (574) عنوانًا، المطبوع منها (66)، والمخطوط منها (166) عنوانًا، والباقي مفقود 544. ومن تلك المصنفات الكثيرة والمتنوعة نجد مجموعة تختص بخدمة الفقه الإسلامي والمذهب الحنبلي في أصوله وفروعه.
وإليك جريدة بأسماء بعض تلك الكتب مع وضع علامة (ط) أمام المطبوع، وعلامة (خ) أمام المخطوط، وعلامة (ف) أمام المفقود.
1 - أحكام النساء.
(ط).
2 - الإنصاف في مسائل الخلاف.
(ف).
3 - إيثار الإنصاف وآثار الخلاف.
(خ).
4 - تعظيم الفتوى (خ).
5 - تقرير القواعد وتحرير الفوائد.
(خ).
6 - الدلائل في منثور المسائل (ف).
7 - السر المصون في الفرائض.
(ف).
8 - العدة في أصول الفقه (ف).

الجزء: 1 - الصفحة: 247

9 - فتوى فقيه العرب.
(ف).
10 - الفرائض للوازم الفقه.
(ف).
11 - فضائل الفقه.
(ف).
12 - لغة الفقه.
(ف).
13 - المَذهب الأحمد في فقه الإمام أحمد.
(خ).
14 - المُذْهَب في المَذْهَب.
(ف).
15 - المعتمد في الأصول.
(ف).
16 - المنفعة في المذاهب الأريعة.
(ف).
17 - منهاج الوصول إلى علم الأصول.
(خ).
18 - التحقيق في أحاديث التعليق.
(ط).
19 - عمدة الدلائل في مشهور المسائل.
(ف).
20 - المسائل المفردة.
(ف).
21 - الخواتيم.
(خ).
22 - مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ط).
ولئن لم يكن ابن الجوزي.
قد تخصص في خدمة الذهب الحنبلي، كما تخصص القاضي أبو يعلى وأمثاله، فإنه كان إمامًا في الوعظ قدوة في الزهد والورع، يجتمع على مجلسه الألوف، وأوقع الله في القلوب القبول والهيبة.
وهو من هذا الجانب، بالإضافة إلى ما خلف من كتب، وتولى من الدارس، وعلم من الطلاب، وتخرج على يديه من أمثال الحافظ عبد الغني وموفق الدين القدسيين، كان بذلك كله مفخرة للحنابلة، فلتة من الزمان رمى الله بها المبتدعة في بغداد وقطع دابرهم بما كان له من الحجة، والمنزلة عند السلطان 545. توفي -رَحِمَهُ اللهُ- ببغداد سنة (597 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 248

وبعد، فهؤلاء الأريعة الذين عرفنا بهم: أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو الفتح، وأبو الفرج، هم أساطين المذهب الحنبلي في بغداد خلال قرنين من الزمن (الخامس والسادس).
وهذا لا يعني الغض من شأن غيرهم، كإبن عقيل وابن الزاغوني، وأبي حكيم النهرواني، وغيرهم، وهم كثر، ذلك لأن المقصود من هذا البحث هو بيان المسار العام للمذهب، دون الترجمة لأعيانه وفقهائه.
والحقيقة أن المذهب أخذ يتناقص في بغداد بعد ابن المنيّ، الذي يعتبر نقطة انعطاف في تاريخه، وجعل يتقوى في حرّان والشام على وجه الخصوص، كما تنوه كلمة ابن رجب السابقة في ترجمة ابن لمنّي.
ولا يخفى أن بغداد كانت موطنًا للمذهب الشافعي، ولا ريب فقد كانت المساجلات بين المذهبين تقوم من حين إلى آخر في شأن المناظرات الفقهية تارة، وفي شأن العقيدة وأصول الدين تارة أخرى، والسبب في ذلك أن كثيرًا من الشافعية كانوا على مذهب الأشعري في الإعتقاد، فكانت تقع الواقعات بينهم ولين الحنابلة بسبب الخلاف في مسائل الصفات وأخبارها على وجه الخصوص.
ومن تلك المساجلات ما وقع بين ابن القشيري والشريف أبي جعفر، تلميذ القاضي أبي يعلى، وكانت الخلافة إذ ذاك في جانب الحنابلة، والوزارة في جانب الشافعية إلا أن الوزير كان في تلك الأيام قويا نافذًا أمره 546. بالإضافة إلى ذلك كانت المعتزلة مستمرة الوجود هي الأخرى في عاصمة الخلافة، وكان الحنابلة بالمرصاد في مواجهتها، ودحض شبهها، ومع ذلك فقد كاد يقع بعض كبار رجالاتهم في شركها في أول نشأتهم العلمية، فقد كان ابن عقيل (513 هـ) يتردد في أول أمره على ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما علم الكلام سرًا، ثم استدرك على نفسه بعد ذلك وأعلن توبته من تلك الأباطيل 547.

الجزء: 1 - الصفحة: 249

وكانت الحنابلة تُتهم بصفة متكررة على أنهم مجسمة مخالفون لما يعتقده علماء الإسلام وأئمته، ولم يكونوا يرضون بهذه التهمة العظيمة والفرية الكبيرة، التي تطعن عليهم في أصل الدين وصميمه، فكانوا يردون بأبلغ الردود على ذلك، ويجابهون الخصوم بأسنة الأقلام وقوارع الحجج.
ويذكر المؤرخون أن السلطان جلال الدولة لما دخل إلى بغداد، ومعه وزيره نظام الملك سنة 482 هـ، قال النظام: أريد أن أستدعي بهم -يعني الحنابلة- وأسالهم عن مذهبهم، فقد قيل: إنهم مجسمة، فانبرى ابن عقيل لذلك وتصدى للرد عليه، وكان خلاصة ما أعد لهم من الحجة أن يقول لهم: نحن نقلد فيما نعتقد من اعتقادات الإمام أحمد ابنَ حنبل، الذي أجمعت الأمة على أنه إمام السنة وحامل لوائها، فإن طعن أحد علينا فليطعن عليه 548. وقد وكانت علاقة الحنابلة بالخلافة العباسية جيدة على وجه العموم خلال هذه الفترة، ومن أجل ذلك تقلدوا عدة مناصب في القضاء والوزارة، وعملوا في بعض السفارات، وأشرفوا على إدارة المدارس والمكتبات.
ولا يسعنا المجال في الراد تلك التقاليد لئلا نخرج عن الصدد، ويإمكان أي منا أن يطلع على ذلك من خلال تواريخ الوزارء والقضاة والمدارس والمكتبات في بغداد.
وإننا لنقرأ على سبيل المثال في ترجمة عبد العزيز بن دُلف البغدادي أنه: "ولي نظر خزانة الكتب بمسجد الشريف الزيدي، ثم خزانة كتب التربة السلجوقية، ثم صرف عنها، ثم أعيد إليها" 549.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

المبحث الثاني

المذهب في حَرَّان

هذه البلدة تتميز بحسن موقعها الجغرافي، فإنها قريبة من بغداد نسبيًا، كما أنها كانت ملتقى الطرق المؤدية إلى الشام والروم والموصل في نفس الوقت، ولا ريب أن الذاهب والجائي من تلك البلدان يتعرف عليها وعلى أهلها، كما يتعرف أهلها عليه.
فتحها أمير المؤمنين عمر بنُ الخطاب - رضي الله عنه - بواسطة أميره عياض بن غنم، وكانت قبل الإسلام موطنًا للصابئة عبدة النجوم 550. فلا غرو أن تسهل الرحلة على الحرانيين إلى عاصمة العلم والحضارة الإسلامية بغداد، فيتعلموا من هناك، ثم يعودوا علماء دعاة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بألسنتهم وأقلامهم.
وكان في عداد هؤلاء المتعلمين من تفقه على المذهب الحنبلي وتلمذ لأصحابه البغداديين.
وإننا لنجد في "المقصد الأرشد" لإبن مفلح قائمة بأسماء الحرّانيين تقارب الأربعين عالمًا.
فمن جملة هؤلاء الرجال: أبو الفتح عبد الوهاب ابن جلبة البغدادي، ثم الحراني، تلميذ القاضي أبي يعلى ونائبه على قضاء حرّان، المقتول شهيدًا في فتنة الرافضة التي كان يقودها مسلم بنُ قريش العقيلي، حاكم الموصل آنذاك، وذلك سنة 476 هـ 551. قال ابن أبي يعلى: "قدم بغداد من ثغر حَرَّان، قاصدًا لمسجد الوالد السعيد، وطالبًا لدرس الفقه، فتفقه عليه، وكتب كثيرًا من مصنفاته، وكان يلي القضاء

الجزء: 1 - الصفحة: 251

بحران من قبل الوالد السعيد، كلتب له عهدًا بولاية القضاء بحران.
وكان ناشرًا لمذهبنا داعيًا إليه في تلك الديار، وكان فقيهها وواعظها وخطيبها ومدرسها" 552. وهذا يدل على أنه صاحب الفضل والسبق في نشر المذهب هناك، وأنه خدم المذهب الحنبلي من خلال: القضاء، والفتوى، والوعظ والخطابة، والتدريس، والتأليف.
ومن تأليفاته القيمة: اختصار "المجرد" الذي صنفه شيخه أبو يعلى، و"رؤوس المسائل" و"أصول الفقه" و"أصول الدين" و"النظام بخصال الأقسام" 553. والذي يتراءى لنا من سياقة تراجم حنابلة حرّان، أن هذه البلدة كانت خالصة لهم، لا ينازعون فيها، فكانت مقاليد القضاء والفتوى مسندة إليهم، ففي ترجمة فتيان بن مياح (566 هـ ظنًا) قال ابن رجب 554: "وتفقه بمذهب الإمام أحمد، وعاد إلى بلده، فأفتى ودرّس به إلى أن مات" وفي ترجمة حامد بن محمود (570 هـ) قال 555: "شيخ حرّان وخطيبها ومفتيها ومدرسها".
ونقل عن الشيخ ناصح الدين ابن الحنبلي أنه قال فيه: "كان شيخ حرّان في وقته، بنى نور الدين محمود المدرسة في حَرّان لأجله، ودفعها إليه، ودرس بها، وتولى عمارة جامع حرّان، فما قصر فيه".
وفي ترجمة فخر الدين ابن تيمية (622 هـ) نجد: "شيخ حَرَّان وخطيبها .. ولي الخطابة والإمامة بجامع حرّان، والتدريس بالمدرسة النورية.
وبنى هو مدرسة بحران أيضًا.
قال الناصح ابن الحنبلي: انتهت إليه رئاسة حَرَّان، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس بالمدرسة النورية، وهو واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها" 556.

الجزء: 1 - الصفحة: 252

وعلى وجه العموم، فقد كانت العلاقة جد طيبة بين حنابلة حَرَّان، ويين الدولة النورية، وكان من نتيجة ذلك أن ولوهم الشؤون القضائية والفتوى والخطابة وإدارة المدارس والتدريس.
إن المتتبع لتراجم الحنابلة ليجد كثافة واضحة من الحرّانيين في القرن السابع على وجه الخصوص، مما يدل على ازدهار المذهب هناك خلال هذا القرن، ولا أوضح ولا أدل على ذلك من أن أسرة ابن تيمية (عبد السلام وعبد الحليم وأحمد) قد كان لها أثر عظيم في هذا الشأن، وفي هذا القرن على وجه الخصوص، ولذلك فإننا ننوه بشيء من التعريف بهذه الأسرة، وكشف اللثام عن شيء من جهودها في خدمة المذهب الحنبلي في حَرَّان.

آل تيمية وجهودهم في خدمة المذهب الحنبلي

: جدّ هذه الأسرة 557 هو: أبو القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي.
ينتهي نسبهم إلى بني نمير.
ولقب محمد بـ "تيمية"، قيل: لأنه حج على درب تيماء فرأى هناك طفلة اسمها تيمية، وكانت امرأته حاملًا، فجاء وقد وضعت بنتًا، فقال: تيمية، لما رأى من شبهها بتلك الطفلة، فلقب بذلك.
وقيل: إن أم محمد هذا كانت تسمى: تيمية، وكانت واعظة 558. نشأت هذه الأسرة بحران، ثم انتقلت إلى دمشق الشام بسبب غارة التتار، وكانت عدة أسر أخرى قد هاجرت في تلك الغارة، وكان أحمد بنُ عبد الحليم تقي الدين في ذلك الوقت لم يتجاوز السابعة من عمره.
وقد كان أبوه عبد الحليم (682 هـ) وجده عبد السلام (652 هـ)، من علماء حرّان المشهورين، قبل الهجرة إلى الشام.
كان عبد السلام أبو البركات فقيهًا إمامًا مقرئًا، محدثًا مفسرًا أصوليًا، نحويًا.
نشأ نشأته الأولى في حرّان وتلقى العلوم الأولية فيها، ثم رحل إلى بغداد على

الجزء: 1 - الصفحة: 253

ما كانت عليه سنة الطلب والتدرج العلمي في ذلك الوقت.
تلمذ على يدي أبي بكر الحلاوي تلميذ القاضي أبي يعلى.
وكانت بغداد في ذلك الوقت قد دخلت في طور التخصص العلمي، فلكل فن شيخه المختص فيه، فكان يأتي الطالب إليها فيأخذ القراءات على فلان، والخلاف على فلان، والعربية على فلان، والفرائض على فلان، والجبر والمقابلة على فلان ... وهذا الذي حصل مع عبد السلام ابن تيمية 559. وكانت نتيجة ذلك أن فاض على بلاده وغيرها بتلك العلوم، قال الحافظ عز الدين الشريف: "حدث بالحجاز، والعراق، والشام، وبلده حرّان، وصنف، ودرّس، وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده، وبيته مشهور بالعلم والدين والحديث" 560. ولما رآه جمال الدين ابنُ مالك صاحب "الألفية" في النحو، أعجب به وبفقهه، وقال: "أُلين للشيخ المجد الفقه كما أُلين لداود الحديد" 561. وقال الذهبي: "كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله، بارعًا في الحديث ومعانيه، له اليد الطولى في معرفة القرآن والتفسير، وصنف التصانيف، واشتهر اسمه، وبَعُد صيته، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن" 562. وكان المجد ينشر العلم في حَرَّان من خلال المدرسة النورية التي تولى مشيختها بعد وفاة ابن عمه الفخر ابن تيمية سنة 622 هـ، فلا ريب كان شيخًا لعدة تلاميذ هناك.
ومنهم ولده شهاب الدين عبد الحليم على وجه الخصوص، وابن تميم صاحب "المختصر".
وبالإضافة إلى التعليم، فقد صنف المجد عدة تصنيفات، منها: "أطراف أحاديث التفسير" رتبها على السور معزوة، و"أرجوزة في علم القراءات"،

الجزء: 1 - الصفحة: 254

و"الأحكام الكبرى" في عدة مجلدات، و"المنتقى من أحاديث الأحكام"، وهو الكتاب المشهور، انتقاه من الأحكام الكبرى 563، و"المحرر في الفقه"، و"منتهى الغاية في شرح الهداية" بيض منه أربع مجلدات كبار إلى أوائل الحج، والباقي لم يبيضه، و"مسودة" في أصول الفقه، زاد فيها ولده عبد الحليم، ثم حفيده أبو العباس، طبعت بعنوان "المسودة في أصول الفقه" لآل تيمية.
و"مسودة في العربية" على نمط المسودة في الأصول.
ويعتبر كتاب "منتقى الأخبار" -وقد احتوى على (5529) حديث- مرجعًا من المراجع الأساسية في أحاديث الأحكام التي اعتمد عليها الأئمة على وجه العموم، وفقهاء الحنابلة على وجه الخصوص، وإن بعض الأحاديث التي نزلت درجتها إلى حد الضعف، وعمل بها الحنابلة وتركوا القياس لأجلها، مذكورة في كتابه، وربما أخلى ابن حجر كتاب "بلوغ المرام" من بعضها.
كما نجده يعلق في بعض الأحيان على الأحاديث تعليقًا خفيفًا أو طويلًا.
ففي التعليق على حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال المجد: "وفيه تنبيه على أنه لا بأس برفع الحدث من ماء زمزم، لأن قصاراه أنه ماء شريف مستشفى، متبرك به، والماء الذي وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده فيه بهذه المثابة 564 ". وقال في عقيب حديث آخر لأنس في باب الدخول في الماء بدون إزار: "وقد نص أحمد على كراهة دخول الماء بغير إزار.
وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل، لقول الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وقد قيل لهما وقد دخلا الماء وعليهما بردان- فقالا: إن للماء سكانًا 565 ". وأما "المحرر" فهو الكتاب الذي بنى عليه علماء الذهب من بعده، واعتمدوا على ترجيحاته وتحريراته، بالإضافة إلي "شرح الهداية" الذي يُحتمل أن يكون أصلًا للمحرر، فإن منهج "المحرر" ومنهج "الهداية" منهج واحد 566.

الجزء: 1 - الصفحة: 255

وبالجملة فقد سبق كلام ابن رحب في ترجمة ابن المنّي: أن العلماء وإلى وقته لم يزالوا يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى المجد والموفق ابن قدامة.
فالعمدة في معرفة الصحيح والراجح في المذهب الحنبلي عند اختلاف الشيوخ في ذلك إلى هذين الإمامين 567. وأما عبد الحليم (682 هـ) فله هو الآخر أثر كبير في القيام بنشر العلم بحرّان قبل رحلته إلى الشام، وإنما اختفى نوره -كما قالوا- بين ضوء الشمس ونور القمر، أعني: ولده أبا العباس ووالده عبد السلام، فإن فضائله وعلومه انغمرت بين فضائل أبيه وابنه وعلومهما.
قرأ المذهب على أبيه، فلما أتقنه وصار في درجة الإمامة فيه، تسلّم مقاليد التدريس والإفتاء، والتصنيف، وصار شيخ البلد بعد أبيه خمسة عشرة سنة قبل أن يهاجر إلى الشام سنة 667 هـ، بالإضافة إلى ذلك كان خطيب حرّان وحاكمها، وكان إمامًا محققا لما ينقله 568. وقد خدم المذهب من خلال هذه المنابر، بالإضافة إلى أنه أنجب شيخ الإسلام أبا العباس فكان والده وشيخه بآن واحد، "والولد من كسب أبيه" كما ورد في الترمذي وغيره، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولما قدم عبد الحليم إلى الشام مع أسرته، سكن بدار الحديث السكرية، واستلم مشيختها، وكان له كرسي خاص به في الجامع الأموي يتكلم عليه عن ظهر قلبه، فلما توفي خلفه ولده أحمد في هذا المجلس 569.


الجزء: 1 - الصفحة: 256

المبحث الثالث

المذهب في بلاد الشام

تعتبر الشام -وقلبها النابض دمشق- رائدة للحضارة الإسلامية، ومعقلًا للعلم، ومثابة للعلماء منذ فجر التاريخ الإسلامي الذي بزغ بفتح الصحابة لها واستيطان كثير منهم فيها، ثم اتخذها خلفاء بني أمية عاصمة للخلافة ومركزًا لإدارة شؤون الدولة الإسلامية.
وورثت حضارة الرومان البائدة فهذبتها بتهذيب الإسلام وحضارته السائدة، فصنعت هناك الأمجاد، وارتفع صرح العلوم والمعارف عاليًا خفاقًا، فأخذت الرحلات من طلاب العلم تشق طرقها إلى ذلك المعقل الزاخر من كل مشرق ومغرب.
وكان العلم في بلاد الشام في القرون الأولى والأزمنة التقدمة يُتلقى عن طريق حلقات المساجد وفي بيوت العلماء، وكان لمسجد بني أمية أثر فعال في هذا المضمار من أول يوم.
ثم إنه تحول بعد أريعة قرون أو خمسة إلى مؤسسات علمية مستقلة، فبنيت دور لتحفيظ القرآن الكريم وتلقينه، ودور لرواية الحديث الشريف وسماعه، ودور مشتركة بين هذا وذاك.
كما أنشئت مدارس لتعليم الفقه ونشره بمختلف مذاهبه، فعرفت دمشق عددًا من المدارس للشافعية وأخرى للحنفية وأخرى للمالكية ورابعة للحنابلة.
وأوقفت الأوقاف لبناء تلك الدور والمدارس وتعميرها، والنفقة على تسييرها، وعلى من يقوم عليها من الشيوخ والنظار ومن يؤمُّها من الطلاب 570. ومن تلك

الجزء: 1 - الصفحة: 257

المدارس والمعاهد العلمية تخرج كبار الحفاظ والمقرئين والفقهاء والمؤرخين.
كما أوقفت الكتب على بعض تلك المدارس والدور وأنشئت لها خزائن وعُيِّن لها نُظَّار، إلى جانب تأسيس دور مستقلة للكتب، واشتهر ذلك في العهد المملوكي خاصة، ولا يزال بعضها باقيًا إلى اليوم، كالظاهرية والعادلية.
وكان أثر تلك المكتبات والخزائن واضحًا في المؤلفات التي أئرى بها الشاميون المكتبة الإسلامية، فإن مؤلفاتهم كانت تتميز بالكثرة والتنوع، وتكثير المصادر للكتاب الواحد.
وجاء المذهب الحنبلي إلى بلاد الشام في أواسط القرن الخامس الهجري، وتركز بعد ذلك شيئًا فشيئًا، حتى قوي وازدهر في دمشق وما حولها من القرى والضواحي التابعة لها، والمدن والأعمال التي كانت ترتبط بها آنذاك ارتباطًا عضويًا، وتتصل بها اتصالًا سياسيًا وعلميًا، كعسقلان ونابلس وبعلبك وبيت المقدس.
وصارت الشام منذ أواسط القرن السادس معقلًا وريثًا لبغداد في حمل راية المذهب الحنبلي، والعناية به، وإثرائه بالتدريس والتأليف والفتوى والشرح والتنقيح.
ولعل الضعف الذي لحق هذا المذهب في بغداد في نهاية القرن السادس، إنما مرده إلى النهضة القوية التي أخذت تشق طريقها في دمشق على أيدي المقادسة، فأخذت الأنظار تتوجه إليهم، وتضرب إليهم أكباد الإبل، والطلاب يتجمعون هناك ويؤسسون المدارس.
وسنعود إلى ذلك بعد قليل إن شاء الله.
ويرجع الفضل الأول في نشر هذا المذهب في بلاد الشام إلى الفقيه الزاهد، شيخ الشام في وقته، أبي الفرج عبد الواحد الشيرازي، ثم المقدسي (486 هـ)، فإنه كان هو وذريته خَدَمة المذهب الحنبلي في الشام.
قال ابن رجب: "وللشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- ذرية، فيهم كثير من العلماء، نذكرهم إن شاء الله تعالى في مواضعهم من هذا الكتاب، يعرفون ببيت ابن الحنبلي" 571.

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وهذه الأسرة ترجع في نسبها إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري - رضي الله عنه - 572. تفقه أبو الفرج على القاضي أبي يعلى ببغداد، ثم قدم الشام، فسكن ببيت المقداس، فنشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله، ثم أقام بدمشق فنشر المذهب، وتخرج به الأصحاب.
وكما نشر فقه أحمد في ريوع الشام، فقد نشر أصوله الاعتقادية ومذهبه السَّني هناك، وكان ذلك قد سبب له عدة وقائع مع الأشاعرة، قال ابن أبي يعلى: "وكانت له كرامات ظاهرة ووقعات مع الأشاعرة، وظهر عليهم بالحجة في مجالس السلاطين ببلاد الشام" 573. وجاء ولده من بعده، وهو شرف الإسلام عبد الوهاب، الذي وقف المدرسة الحنبلية الشريفية في دمشق وراء الجامع الأموي 574، وقد توالى على المشيخة فيها كثير من ذريته، وعلى رأسهم حفيده عبد الرحمن الملقب ناصح الدين، والشهير بـ "ابن الحنبلي" المتوفى سنة 634 هـ. وهو تلميذ أبي الفتح ابن المنِّي البغدادي في الفقه، والعكبري في اللغة وعلومها.
وشارك الناصح في فتح بيت المقدس مع صلاح الدين الأيوبي -رَحِمَهُ اللهُ-، وكان يستفتيه في كثيرٍ من المسائل 575. وتولى التدريس بعدة مدارس بدمشق، منها: مدرسة جده المشار إليها آنفًا، وقد بَنَت له الصاحبة رييعة خاتون مدرسة خاصة به بجبل قاسيون 576، وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد وفاة الموفق ابن قدامة المقدسي سنة 620 هـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 259

المقادسة وجهودهم

ونعني بالمقادسة تلك الأسرة المباركة التي تسمى "آل قدامة" على وجه الخصوص، ثم الأسر التي تبعتها في الهجرة والتحقت بها، فكونوا المجتمع الجديد بصالحية دمشق.
وهي أسرة فلسطينية الأصل، دمشقية الدار، قد كان لها الأثر الواضح والنور اللائح في سماء تاريخ التراث الإسلامي بعامة، والفقه الحنبلي على وجه الخصوص، خلال العصر المملوكي، سواء بكثرة من ظهر فيها من العلماء، أو باستمرار نشاطها العلمي على مدى عدة قرون (ما بين أواسط القرن السادس والحادي عشر الهجريين).
والجد الأعلى لهذه الأسرة هو: قُدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي.
وكان من أهل قرية جَمَّاعيل (أو جمَّاعين) على القرب من نابلس في القرن الخامس الهجري.
وكان أول لقاء بين فقهاء الحنابلة وبين هذا الجد في أرض بيت المقدس، ذلك اللقاء الذي كان مع ناشر المذهب الحنبلي في الشام، أبي الفرج الشيرازي (486 هـ) المتقدم.
ويروي لنا الموفق قصة ذلك اللقاء المبارك، فيقول: "كلنا في بركات الشيخ أبي الفرج ... لما قدم الشيخ أبو الفرج إلى بلادنا من أرض بيت المقدس تسامع الناس به، فزاروه من أقطار تلك البلاد.
فقال جدي قدامة لأخيه: تعال نمشي إلى زيارة هذا الشيخ، لعله يدعو لنا.
فزاروه، فتقدم إليه قدامة، فقال له: يا سيدي، ادع لي أن يرزقني الله حفظ القرآن.
فدعا له بذلك، وأخوه لم يسأله شيئًا، فبقي على حاله" 577.

الجزء: 1 - الصفحة: 260

وكان محمد بن قدامة، ثم ابنه أحمد، ثم حفيده محمد أبو عمر، خطباء جمَّاعيل حين غزا الفرنجة الصليبيون فلسطين سنة 492 هـ (1099 م).
وقد عاشوا مع فلاحي الريف الفلسطيني في إقطاع الأمراء الفرنجة.
وتمثلت مقاومة آل قدامة في المزيد من التمسك بالدين والتقوى، حتى كان أبناء القرى يجتمعون إليهم في خطب الجمعة، وكان لأقوالهم صدى طيب في نفوسهم، بسبب ما يعانونه من اضطهاد الإقطاع الفرنجي الذي كان يتقاضاهم الجزية أضعافًا مضاعفة، ويؤذي الناس بالضرب والحبس وقطع الأرجل.
وحين تنبه الفرنجة لنشاط الشيخ أحمد، وعزموا على قتله هرب إلى دمشق 578. وكانت تلك الهجرة المباركة في سنة 551 هـ، وكانت دمشق قد صارت قبل سنتين فقط من ذلك التاريخ لنور الدين محمود بن زنكي، الذي اشتهر يومذاك بالجهاد والتقوى.
وقد رافق الشيخ أحمد في هجرته بعض أقربائه، فلما استقروا في ظاهر دمشق (في مسجد أبي صالح خارج باب توما)، بعث فأحضر أسرته وسائر الأقرباء.
وقد لحق بهم فيما بعد كثيرون من جمّاعيل والقرى المحيطة بها (الجمّاعيليات)، وانتسبوا جميعًا فيما بعد إلى القدس، فصاروا يسمون: المقادسة.
وضاق المسجد بعد ثلاث سثوات باللاجئين، وكثرت عليهم المصاعب والأمراض المميتة 579، والمشاكل بسبب عددهم ومذهبهم الحنبلي (وقد كان أكثر سكان دمشق شافعية آنذاك).
فارتاد لهم أبو عمر منزلًا آخر في سفح جبل قاسيون المطل على دمشق، وبنى دارًا سميت "دير الحنابلة"، وهي اليوم "جامع الحنابلة" 580. ومنذ سنة 554 هـ بدأ تاريخ جديد لآل قدامة، والبقعة التي نزلوها من قاسيون -وقد سميت "الصالحية" باسم سكنهم القديم في جامع أبي صالح- والمذهب الحنبلي الذي كان يحمله هولاء المقادسة.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

توفي الشيخ أحمد بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ.
وابنه أبو عمر محمد هو الذي بنى مجد الجماعة، ورسم لها خط الحياة العلمية الذي ظلت عليه في القرون التالية.
فقد بنى لنفسه مدرسة عرفت بـ "المدرسة العمرية" 581 على ضفة نهر يزيد في سفح الجبل، وآثارها لا تزال باقية إلى اليوم، وظل يعمل على التدريس فيها طوال نصف قرن، إلى أن توفي سنة 607 هـ. وقد اْدت زيادة الطلبة إلى قيام مدرسة أخرى بناها ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، صهر أبي عمر، على باب دير الحنابلة لتكون دار حديث للغرباء، ووقف عليها كتبه 582. خلال ذلك أخذت سمعة آل قدامة في التقى، وسمعة مدرستهم في العلم، تنتشران، وأخذ تلاميذهم في القرآن والحديث والفقه يتكاثرون.
وكانت الأموال والأوقاف والهبات بالمقابل تتدفق على الجماعة المقدسية 583، والمدرستين، والأبنية القائمة حول دير الحنابلة، فتحولت البقعة إلى بلدة كاملة العمران ذات أسواق، ومنازل وسكان ومساجد 584. وإذا كان آل قدامة قد أعطوا هذا المركز الكثير من جهودهم الفكرية، فإن ما لقوه من التشجيع الكبير والاحترام والتكريم، دفعهم بالمقابل إلى المزيد من العمل والإنتاج والاندفاع على مدى أيام الدولة النورية، فالصلاحية، فالعادلية.
ولم يكن آل قدامة في هذا الجهد كله وحدهم، فإن نجاحهم كان قد أغرى منذ الأيام الأولى مجموعة من الأسر الحنبلية القريبة لهم في جمّاعيل وما حولها بالهجرة إليهم على توالي السنين، والدخول في نشاطاتهم العلمية نفسها، وبرز منهم كما برز

الجزء: 1 - الصفحة: 262

من آل قدامة وبتأثيرهم، عدد من العلماء، يرتبطون بآل قدامة بالروابط العائلية المتفاوتة.
وقد حملوا مثلهم لقب "المقادسة".
وأبرز تلك الأسر خمس: 1 - آل عبد الهادي، وجدهم يوسف بن محمد بن قدامة، شقيق أحمد المهاجر الأول إلى دمشق.
2 - بنو سرور بن رافع الجماعيليين، ويرتبطون بآل قدامة برابطة المصاهرة.
3 - بنو عبد الواحد بن أحمد السعدي، وهم أصهار لآل قدامة.
4 و 5 - أسرة راجح، وجماعة ممن يحملون نسبة المرداوي، وبينهما وبين آل قدامة روابط قرابة عائلية.
من جهة أخرى اجتذب آل قدامة بحركتهم العلمية النشطة، وسمعتهم الدينية، علماء الحنابلة من: حرّان، وبغداد، ونابلس، وبعلبك، وغيرها إلى دمشق، فجاؤوها، وشاركوا في جهود المركز الحنبلي الصالحي، وذيوع شهرة دمشق العلمية.
ومن أبرز هؤلاء، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (728 هـ) المجتهد المشهور الذي عرفنا بأسرته في السابق، وأبناء مفلح المقدسيون، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسندين والحفاظ المحدثين، والفقهاء والقضاة من أصحاب المذاهب الأخرى 585. وأدى تأثير المركز الصالحي من جهة ثانية إلى تصدير المذهب الحنبلي إلى مصر، ويعلبك وغيرهما.
وقام في نابلس فرع من بني سرور (أولاد نعمة) خرّج -بعد تحرير فلسطين من الفرنجة- عددًا من العلماء الحنابلة، ناظروا أقرباءهم في الشام، وإن لم يحظوا بالتألق نفسه.
وقد استمر نشاط هذه الجماعة العلمية في نابلس حتى أواسط القرن الثامن الهجري.
وكانت النتيجة التي حصلت من جهود المقادسة ومن اتصل بهم في الشام: أن دخل عدد كبير من العلماء الذين أنجبوهم في سجلات التاريخ.
إن مجموع العلماء الذين ظهروا من آل قدامة والأسر المتصلة بهم، ممن ذكرتهم كتب التراجم ليزيدون في العدد على (110) شيخ، منهم قرابة النصف من آل قدامة فقط (أسرة

الجزء: 1 - الصفحة: 263

أحمد وابنه أبي عمر 52 اسمًا) وحوالي الرلع من بني سرور بفرعيهم الشامي والنابلسي (26) اسمًا و (14) اسمًا من آل عبد الهادي و (12) اسمًا من آل عبد الواحد.
والبقية من أسرة راجح ومن المرداووين.
وتتضمن هذه الأسماء عددًا من النساء العالمات، فقد مس النشاط العلمي نساء البيت القدامي أيضًا، وأدخلهن في الجو العام لعلوم الحديث، والفقه، وسمع عليهن عدد من علماء العصر 586. ومن أبرز علماء آل قدامة والأسر المتصلة بهم:

  • عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور (541 - 600 هـ) ومؤلفاته تزيد على 45 عنوانًا.
  • موفق الدين عبد الله بن أحمد (541 - 620 هـ) صاحب "المغني" و"الكافي" و"المقنع" التي هي عمدة علماء الحنابلة من بعده.
  • ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد (569 - 643 هـ) وكان محدث عصره، وهو صاحب الفضل في كتابة تاريخ المقادسة.
  • شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي (603 - 676 هـ) قاضي قضاة مصر.
  • عائشة بنت عيسى بن الموفق.
  • فخر الدين علي بن احمد بن عبد الواحد (575 - 690 هـ) الذي حدَّث ستين سنة، وصار مسند عصره كله.
  • شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي (704 هـ - 744 هـ) وله 58 مؤلفًا.
  • عائشة بنت محمد بن عبد الهادي 587 (723 - 816 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 264

نتائج جهود المقادسة

ولا شك في أن آل قدامة، ومن ارتبط بهم من الأسر العلمية قد تركوا في تاريخ الفترة التي عاشوها أثرهم الواضح في النواحي التالية 588: 1 - أسهموا في إشاعة النماذج المثلى للعلم والتقوى في تلك العصور، بما عرف عنهم من السلوك الديني والزهد.
وتمثل الإحترام العام لهم في رعاية الحكام لمكانتهم، ومبالغة الناس في تكريمهم.
2 - امتد تأثيرهم في المدى الزماني عدة قرون، وفي المدى المكاني من الصالحية ودمشق إلى ضواحي الشام (دوما والرحيبة والضمير)، ثم إلى بعلبك، وتراهم في جمَّاعيل، وإلى نابلس، والقدس، ومصر، والإسكندرية، وحرَّان، وأربيل، وبغداد.
3 - قدموا لنظام الحكم المملوكي أعدادًا كثيرة من رجال القضاء والإفتاء وأصحاب الوظائف الدينية.
4 - تركوا تراثًا واسعًا من المؤلفات في الفقه الحنبلى، وكتب التراجم والحديث وعلوم القرآن واللغة، وكان إسهامهم الأساسي في بلورة الفقه الحنبلي.
5 - جمعوا مجموعة واسعة من الكتب المخطوطة، ما تزال بقاياها من ثروة المكتبة الظاهرية بدمشق، وكتبوا منها بخطوطهم الآلاف.
6 - أسهموا في تلك العصور في تعليم المرأة حتى ظهرت منهم عدة نساء عالمات.

المقادسة نماذج حية في الإلتزام العملي بالإسلام: كان المقادسة نماذج حية في الإلتزام التام بالإسلام فقها وتفقها وعلما وعملًا، حتى إنه لا يكاد يجاريهم أحد أو ييلغ ما بلغوا من الشأو.
وكان الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد، أخو موفق الدين، وواقف "المدرسة العمرية"

الجزء: 1 - الصفحة: 265

قدوة صالحة لإخوته وذريتهم من بعدهم، فكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده، ولا جهاد إلا خرج فيه.
وكان يقرأ في الصلاة في كل ليلة سُبُعًا مرتلًا، ويقرأ في النهار سُبُعًا بين الظهر والعصر، وكانت التزاماته اليومية بالصلاة والدعاء والأذكار تملأ وقتًا طويلًا من الليل والنهار.
وكان يزور القبور كل جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ولا يترك غسل الجمعة، ولا يخرج إلى الجمعة إلا ومعه شيء يتصدق به، وكان يحمل همَّ أصحابه، ومن سافر منهم تفقد أهله، وكان يتفقد الأشياء النافعة مثل النهر والسقاية، وغير ذلك مما فيه نفع للمسلمين (1). وكان أخوه الموفق يقول: هو شيخنا، ربَّانا وأحسن إلينا، وعلمنا وحرص علينا، وكان للجماعة، كالوالد يقوم بمصالحهم، وهو الذي هاجر بنا، وسفَّرنا إلى بغداد، وبنى الدير ... إلخ (2).

أشهر الفقهاء الشاميين الذين خدموا المذهب

: لقد ازدهر المذهب الحنبلي وتبلور تبلورًا دقيقًا على أيدي علماء الشام، ولا يزال الموجع والمعول على جهودهم إلى يومنا هذا.
ولتجلية هذه الحقيقة والكشف عن مكنونها نعرف بأشهر من كان له منة في ذلك، مع التركيز على إبراز الجوانب التي تخدم بحثنا هذا من تراجمهم.
فمن أولئك الأفذاذ:

- موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (541 - 620 هـ)

: كان من المهاجرين مع أبيه وإخوته من جمَّاعيل إلى دمشق، ومنها رحل إلى بغداد مرتين، كانت الأولى مع ابن خاله عبد الغني، تعلم الفقه والزهد من الشيخ عبد القادر الجيلي.
فلما توفي، انتقل الموفق إلى حلقة أبي الفتح ابن المنّي، فتعلم منه فقه المذهب، والفقه المقارن، وأصول الفقه، حتى برع في تلك الفنون، وتمكن منها، فتمهد له الطريق إلى شرح "مختصر الخرقي" الذي كان يحفظة منذ صغره، فبدأ في تأليف الموسوعة الموسومة بـ "المغني" في حدود سنة 576 هـ، فأتمه بتوفيق الله تعالى وقرأه عليه بعض تلامذته.589590

الجزء: 1 - الصفحة: 266

ومع أنه شرح فيه الخرقي إلا أن الكتاب يعد كتاب المسلمين عامة، يرجع إليه المتخصص وغير التخصص، والحنبلي وغير الحنبلي، فكان بحق فيه الغَناء لمن حازه عالمًا ومتعلمًا.
ثم ألف كتابه (المقنع) الذي صار المتن المقرر للحفظ عند الحنابلة، فرتبه ترتيبًا جديدًا جيدًا، فاق به "مختصر الخرقي"، فعَمَد إليه ابن أخيه أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الجمَّاعيلي، فشرحه، وكانت مادة هذا الشرح: "الشرح الكبير" 591 مأخوذة من "المغني".
ثم ألف كتاب "الكافي"، فجعله واسطة بين "المغني" و"المقنع"، إذ عرض فيه المذهب عرضًا وسطًا بين الإطالة والإختصار.
وعلى وجه العموم، فإن الموفق كان موفقًا في تأليفاته، لا يقلد غيره، بل يتبع أسلوبًا خاصًا به، مما يدل على تمكنه واستقلاليته، وبلوغه درجة الإجتهاد.
قال الحافظ ابن رجب: وانتفع بتصانيفه المسلمون عمومًا، وأهل المذهب خصوصًا، وانتشرت واشتهرت بحسن قصده، وإخلاصه في تصنيفه، ولا سيما كتاب "المغني" فإنه عظم النفع به، وأكثر الثناء عليه 592. وقال ابن بدران: راعى موفق الدين في مؤلفاته أربع طبقات، فصنف "العمدة" للمبتدئين، ثم ألف "المقنع" لمن ارتقى عن درجتهم، ولم يصل إلى درجة المتوسطين، فلذلك جعله عريا عن الدليل والتعليل، غير أنه يذكر الروايات عن الإمام، ليجعل لقارئه مجالًا إلى كدّ ذهنه، ليتمرن على التصحيح، ثم صنف للمتوسطين "الكافي"، وذكر فيه كثيرًا من الأدلة، لتسمو نفس قارئه إلى درجة الإجتهاد في المذهب، حينما يرى الأدلة، وترتفع نفسه إلى مناقشتها، ولم يجعلها قضية مسلَّمة، ثم ألّف "المغني" لمن ارتقى درجة عن المتوسطين، وهناك يطلع قارئه على الروايات، وعلى خلاف

الجزء: 1 - الصفحة: 267

الأئمة، وعلى كثير من أدلتهم، وعلى ما لهم وما عليهم من الأخذ والرد، فمن كان فقيه النفس حينئذ، مرَّن نفسه على السمو إلى الإجتهاد المطلق، إن كان أهلًا لذلك، وتوفرت فيه شروطه، وإلا بقي على أخذه بالتقليد، فهذه هي مقاصد ذلك الإمام في مؤلفاته الأربعة 593. ولم يقتصر الشيخ في تصنيفاته على الفقه، بل له تصانيف متنوعة 594 حسنة على كثرتها، تخدم المذهب الحنبلي في الفروع والأصول، باللإضافة إلى الحديث واللغة والزهد والرقائق، وفي العقيدة وأصول الدين، وهذه الأخيرة وصفت بأنها: "في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار بالأسانيد، كما هي طريقة اللإمام أحمد وأئمة الحديث.
ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم، وهذه طريقة أحمد والمتقدمين، وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره" 595. وتصنيفاته المتنوعة تدل على تمكنه من كثير من الفنون، واختصاصه وتبريزه في عدة علوم، حتى إن أبا الفتح ابن المنّي -وهو شيخه في الفقه- اقترح عليه أن يبقى في بغداد لحاجة البلد إليه، وذكر الضياء المقدسي في الكتاب الذي خصصه لسيرة الموفق ومناقبه، أنه إمام في تسعة فنون: القرآن وتفسيره، والحديث ومشكلاته، والفقه، والخلاف (الفقه المقارن)، والفرائض، والأصول، والنحو، والحساب، والنجوم السيارة ومنازلها 596 (علم الفلك).
باللإضافة إلى تصنيف الكتب، فقد كان الشيخ دائبًا في جمع الطلاب وتعليم التلاميذ، وإن أبرز من تخرج على يديه ابن أخيه شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر قاضي القضاة فى زمانه.

الجزء: 1 - الصفحة: 268

- شمس الدين ابن مفلح (712 - 763 هـ)

: تعتبر أسرة آل مفلح من الأسر العلمية الحنبلية الشهيرة التي وفدت إلى دمشق واستقرت بالصالحية، وحملت راية العلم هناك، فتقلد علماؤها مناصب القضاء، والفتوى، والتدريس، والإمامة، والخطابة، والوعظ، والحسبة، وغير ذلك من المناصب.
وأصل هذه الأسرة من رامين، قرية من القرى التابعة لنابلس الفلسطينية، ولا يعرف متى كان انتقال هذه الأسرة إلى دمشق، ولعل ذلك راجع إلى أنه ليس لها هجرة كبيرة جماعية، كهجرة المقادسة من آل قدامة المقدسيين.
ويعتبر شمس الدين محمد بن مفلح أكبر رجال هذه الأسرة والجد الأعلى لها في بلاد الشام 597. ولد برامين، وقدم إلى دمشق فأخذ العلم عن مشاهير علمائها آنذاك، وعلى رأسهم شيخ الإسلام المجاهد تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحرّاني -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وكان يقول له: ما أنت ابن مفلح، أنت مفلح 598. وكان ابن القيم قرينه في الطلب، ولم يمنعه ذلك من الإستفادة منه والشهود له بالفضل والعلم، فقد كان يراجعه في مسائل ابن تيمية واخياراته، وقال لقاضي القضاة موفق الدين الحجّاوي سنة 731 هـ: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب أحمد من ابن مفلح 599. وإذا كان ابن مفلح شيخ الحنابلة في وقته، فلا ريب أن يكون الشيوخ قد اعتمدوا عليه في النقل والتصحيح وسائر الأعمال التي عرفت في تلك الفترة.
نجد ذلك واضحًا من خلال تأليفاته القيمة، وما قيل فيها، ولا سيما كتابه الشهير في الفقه، والذي يعرف به، وهو كتاب "الفروع"، فكثيرًا ما نقرأ أو نسمع: ابن مفلح صاحب "الفروع"، وما ذلك إلا لشهرة الكتاب وكثرة الإعتماد عليه والرجوع إليه.
قال علاء الدين المرداوي في مقدمة "تصحيح الفروع": "أما بعد، فإن كتاب الفروع -تأليف الشيخ الإمام العالم العلّامة أبي عبد الله محمد ابن مفلح- أجزل الله له الثواب وضاعف له الأجر يوم الحساب -من أعظم ما صنف في

الجزء: 1 - الصفحة: 269

فقه الإمام الرباني؛ أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، نفعًا، وأكثرها جمعًا، وأتمها تحريرًا، وأحسنها تحبيرًا، وأكملها تحقيقًا، وأقربها إلى الصواب طريقًا، وأعدلها تصحيحًا، وأقومها ترجيحًا، وأغزرها علمًا، وأوسطها حجمًا، قد اجتهد في تحريره، وتصحيحه، وشفر عن ساعد جده في تهذيبه وتنقيحه، فحرر نقوله، وهذب أصوله، وصحح فيه المذهب".
إلى أن قال: "ومرجع الأصحاب في هذه الأيام إليه وتعويلهم في التصحيح والتحرير عليه، لأنه اطلع على كتب كثيرة، ومسائل غزيرة، مع تحرير وتحقيق، وإمعان نظر وتدقيق، فجزاه الله أحسن الجزاء، وأثابه جزيل النعماء" 600. وقال في مقدمة "الإنصاف": "واعلم أن من أعظم هذه الكتب نفعًا، وأكثرها علمًا وتحريرًا، وتحقيقًا، وتصحيحًا للمذهب، كتاب "الفروع"، فإنه قصد بتصنيفه تصحيح المذهب وتحريره وجمعه" 601. والعلاء المرداوي قد توفي سنة 885 هـ، وهو لا يكيل المدح جزافًا، فإنه عني بتصحيح "الفروع" بل بتصحيح المذهب كله، كما يعلم من كتابه "الإنصاف"، وبالتالي نستطيع أن نستخلص من كلمته الآنفة مسألتين مهمتين: الأولى: أن كتاب "الفروع" أغنى عن الكتب التي سبقته، إلى حد كبير، وأنه لم يصنف كتاب يساميه أو يقاريه حتى نهاية القرن التاسع.
وهكذا بقي عمدة الحنابلة في الدراسة والتدريس والإفتاء، إلى أن جاء العلامة تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي المصري الشهير بابن النجار، فوضع كتاب "منتهى الإرادات" و"شرحه" فانتقل الناس إليه، وعولوا عليه 602، ومع ذلك فغالب استمداده من "الفروع" 603. الثانية: أن ابن مفلح يعد مصحح المذهب ومحرره وجامعه، لكن ليس ذلك الجمع الذي قام به الحسن بن حامد أو الخلال من قبله، بل هو جمع ملخص من الكتب التي

الجزء: 1 - الصفحة: 270

اجتمعت لديه في ذلك العصر من مطولات ومختصرات، ومتون وشروح، ومجردات ومقرونات بأدلتها، ومذهبيات وخلافيات.
ومن هنا يظهر لنا قيمة هذا العالم ومنزلته في الفقه الحنبلي، بل في الفقه الإسلامي المقارن، حتى قيل فيه: إنه لا يعلم أحد في زمنه في المذاهب الأربعة له محفوظات أكثر منه (1)، وإن القارئ لكتابه "الفروع" ليجد مصداق هذا الكلام واضحًا جليًا.

- علاء الدين المرداوي (817 - 885 هـ)

: يعتبر علاء الدين علي بن سليمان المرداوي، فاتحة المتأخرين من الحنابلة 605، ورأسهم ورئيسهم، خرج من بلاده مَرْدَا الفلسطينية في سن الشباب، فسكن الخليل بقصد تعلم القرآن، ثم توجه إلى دمشق التي كانت آنذاك - وصالحيتها على وجه أخص- قد حلت محل بغداد في احتضان العلم والعلماء، وكادت تنقطع الرحلة إلا إليها.
تفقه العلاء على الشيخ تقي الدين ابن قندس البعلي، شيخ الحنابلة في وقته، فبرع وفضل في فنون من العلوم، وتدرج حتى انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي.
وصار قوله حجة في المذهب، يعمل به، ويعول عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإسلام 606. عمل المرداوي في نيابة القضاء مدة طويلة، فكان ذلك تجربة ميدانية لما تعلم من علم، ثم فُتح عليه في التأليف، فألف كتبًا كثيرة 607 , وعلى رأس تلك التأليفات ثلاثة كتب تكون حجر الزاوية، وهي في جملتها وضعت خصيصًا لتصحيح الخلاف، وهي:

  • الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.
  • التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع.
  • الدر المنتقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع.604

الجزء: 1 - الصفحة: 271

وسلك المؤلف منهجًا دقيقًا في تأليف هذه الكتب الثلاثة، وفي ربط العلاقة بينها ربطًا متينًا: فأما "الإنصاف" فقد وضعه على "المقنع" للموفق ابن قدامة، و"شرحه" لإبن أخيه شمس الدين، نظرًا لأهمية هذين الكتابين، فكان صنيع المرداوي إذن مع "المقنع" إكمالًا وتتميمًا للشرح الكبير، حيث اهتم بمواضع الخلاف في المذهب، واستطاع عن طريق مكتبته الحافلة 608 أن يبين رأي كل مؤلف أو إمام، والمنقول عن الإمام أحمد، والمنصوص عليه، وماذا يرجح كل مصنف أو مؤلف مع ذكر كتابه، وكان عمله هذا توثيقًا للمذهب، وجمعًا لأقوال علمائه، وبذلك استغنى مقتنيه عن الرجوع إلى مصادر كثيرة 609. وأما "التنقيح" فهو اختصار للإنصاف، ليقرأه المتوسط والمستعجل.
وأما "الدر المنتقى" أو"تصحيح الفروع" فهو كتاب عمل فيه ما عمل في "الإنصاف" تقريبًا، وكانت مادته الأساسية في عمله في هذا الكتاب، هي "الإنصاف"، فقد قال في مقدمة "تصحيح الفروع": " ... ولكن أعاننا على ذلك توفيق الله تعالى لنا على إكمال كتابنا المسمى بـ "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، وتصحيحه، فإن غالب المسائل التي في المذهب مما أطلق الأصحاب فيها الخلاف، أو بعضهم تتبعتها فيه، وصححت ما يسر الله تعالى علينا تصحيحه، فجاء بحمد الله تعالى وافيًا بالمراد في معناه، فبذلك هان علينا ما قصدنا فعله في هذا الكتاب وما أردناه" 610.

الجزء: 1 - الصفحة: 272

حالة المذهب الحنبلي بعد المقادسة

لقد تألق نجم النشاط العلمي والعملي الذي عرفته الشام على أيدي المقادسة نحو أربعة قرون متتالية، ثم إن المذهب الحنبلي أخذ في التناقص والتراجع في تلك البلاد، وبدأ مساره في الإنحدار في مطلع القرن العاشر، واستمر يتناقص إلى يومنا هذا، حيث لم يبق من البيوتات الحنبلية التي تعنى بهذا المذهب الجليل في دمشق وضواحيها -فيما نعلم- إلا بيت الشيخ أحمد الشامي الدوماني المتوفى سنة 1413 هـ. وقد وصف الشيخ عبد القادر ابن بدران تلك الحالة التي آل إليها المذهب الحنبلي في الشام في زمانه بعبارة رقيقة تثير الأشجان، وتقشعر منها الأبدان، فقال: "تعلم أيها الفاضل الألمعي أن الخوض في هذا البحر 611 الزاخر صعب المسلك، بعيدُ المرمى، خصوصًا في هذا الزمان المعاند للعلم وأهله، حتى رماهم في سوق الكساد، ونادى عليهم بالحرمان، فأنى لمثلي أن يجول في هذا الميدان، ويناضل أولئك الفرسان؟ مع أنه تمضي علي الشهور، بل الأعوام، ولا أرى أحدًا يسألني عن مسألة في مذهب الإمام أحمد، لإنقراض أهله في بلادنا، وتقلص ظله منها، فلذلك أصبح اشتغالي بغير الفقه من العلوم، وإن اشتغلت به، فاشتغالي إما على طريقة الإستنباط، وإما بمراجعة كتب الأئمة على اختلاف مذاهبهم" 612. ويصف لنا حالة المدرسة الشيخية العمرية الشهيرة، وماآلت إليه من الخراب، بعد أن كانت عامرة بنفائس المخطوطات ونوادر الكتب، فضلًا عن المشهورات، فيقول في كتابه "منادمة الأطلال": "هي موجودة بالصالحية مشهورة معمورة بالجدران، لا ظل فيها للعلم ولا أثر، = وقُدّمت رسالة جامعية، في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عن الحانظ ابن رجب بعنوان: ابن رجب وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف، قدمها عبد الله بن سليمان الغفيلي، وقدمت رسالة أخرى في الأزهر عنه أيضًا، بعنوان: ابن رجب فقيهًا، قدمها محمد بن حمود الوائلي.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد كتب عنه من لا يحصي كثرة، ويعد كتاب "ابن تيمية" للشيخ أبو زهرة من أجمع وأوسع الدراسات في هذا الموضوع.

الجزء: 1 - الصفحة: 273

يسكنها قوم من ذوي المتربة، ويمر بها نهر يزيد، وداخلها مدرسة لطيفة، ويها ما يقرب من تسعين خلوة، وقد كان بها خزانة كتب لا نظير لها، فلعبت بها أيدي المختلسين .... وكذلك لعبت أيدي المختلسين في أوقافها فابتلعوها، هذه حالتها اليوم" 613. وهذه سنة الله في خلقه، فإن دوام الأحوال من المحال، ولا يكمل شيء في هذه الدنيا الفانية، إلا وفي كماله إيذان ببداية النقص، وكما يقول أبو البَقَاء الرَّنْدي في رثاء الأندلس بعد سقوطها في أيدي الصليبيين 614: لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ ... فلا يُغرَّ بطيب العيش إنسانُ هي الأمورُ كما شاهدتُها دولٌ ... من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانُ وعلى الرغم من ذلك كله، فإن القيام بالتدريس والتأليف والفتوى في هذا المذهب قد تسلسل في الأسر الحنبلية؛ كبني مفلح الرامينيين، وآل الحجاوي، وآل المرداوي وغيرهم، إلى عهود متأخرة.
كما أننا نجد تألقًا لعدد من كبار الحنابلة عرفتهم الشام خلال الأربعة قرون المتأخرة من أمثال: الجمال يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الصالحي (841 هـ - 909 هـ) الشهير "بابن المِبْرَد"؛ الذي كان جبلًا في العلم، وفردًا من أفراد العالم، عديم النظير في التحرير والتقوير 615. والذي اشتهر كعصريَّه سميِّه الجلال السيوطي (911 هـ) بكثرة التصنيف والتأليف، فقد فاقت مؤلفاته الخمس مئة ما بين رسالة صغيرة وكتاب كبير، في فنون كثيرة: الحديث، والفقه، والأصول، والتراجم، وغير ذلك 616. ومن أشهر مؤلفاته في الفقه الحنبلي:

  • مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة الأحكام.
  • الدر النقي في حلّ ألفاظ الخرقي.

الجزء: 1 - الصفحة: 274

ومنهم: شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي 617 (895 هـ - 960 هـ) الذي تفرد في عصره بتحقيق مذهب الإمام أحمد وصار إليه المرجع، ورحل إليه الطلاب من مختلف الأصقاع، وممن رحل إليه وتتلمذ على يديه من علماء نجد: الشيخ أحمد بن محمد بن مشرّف 618 (1012 هـ)، والشيخ زامل بن سلطان (توفي في أواخر القرن العاشر) الذي كان قاضي الرياض آنذاك 619، والشيخ محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان المشهور "بأبي جَدّه" (توفي في أواخر القرن العاشر" 620. كما أن مؤلفاته: "الإقناع لطالب الإنتفاع" و"زاد المستقنع في اختصار المقنع" و"حاشية التنقيح" شاعت وانتشرت بين الحنابلة منذ ذلك الوقت، لكثرة ما فيها من الفوائد وحسن السبك، وكان عليها المعول أكثر من غيرها في البلاد النجدية.
وفي القرن الحادي عشر للهجرة تألق عدة مشاهير توالوا على التفقيه في المذهب الحنبلي، منهم: شمس الدين محمد البلباني 621 (1006 - 1083 هـ) الذي تتلمذ على يد أحمد بن أبي الوفاء المفلحي الصالحي (1038 هـ) الذي كانت سيرته في الشام تذكِّر بسيرة الحسن البصري في زمانه بالبصرة، وهو تلميذ الحجاوي، ومن بيت مفلح المشهور بالعلم الكثير، المعروف بالتصنيف والتأليف بين الكبير والصغير.
ومنهم: المؤرخ عبد الحي ابن العماد 622 (1032 - 1089 هـ) الدمشقي الصالحي الذي كان معروفًا بكثرة التفتيش والبحث في الخزائن والمكتبات، شارح "غاية المنتهى" للشيخ مرعي ومؤلف "شذرات الذهب في أخبار من ذهب".

الجزء: 1 - الصفحة: 275

وفي القرن الثاني عشر برزمن علماء الحنابلة في الشام الشيخ محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (1) (1188 هـ) الذي جاء من بلده سفارين -وهي إحدى القرى النابلسية- إلى دمشق فدرس وتعلم بها ثم عاد إلى بلده فقيهًا جليلًا، ترك ثروة غزيرة من المؤلفات والتصانيف التي كانت في عامتها مبنية على إجابة عن أسئلة وفتاوى في موضوعات مختلفة.
وآخر من تألق نجمه في الشام من الحنابلة هو: الشيخ عبد القادر ابن بدران الدمشقي الدومي، وهو خليق بأن ننوه به ويالتعريف بآثاره.

الشيخ عبد القادر ابن بدران (1280 - 1346 هـ)

1 - اسمه، نسبه، مولده، نشأته: هو العلّامة المحقق المحدث الأصولي المتبحر المتفنن الشيخ عبد القادر بن أحمد ابن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد المشهور كأسلافه بابن بدران، السعديُّ الدومي، الدمشقي 624. ولد في بلدته دوما سنة (1280 هـ)، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد الشيخ عدنان بن محمد عدس، وذلك في الكتاب الذي كان يوجد آنذاك في جامع المسْيَد في دوما، ونشأ في بلدته إلى أن أُخرج منها في حدود سنة (1338 هـ) 625. 2 - طلبه للعلم ومشايخه ورحلاته: تلقى ابن بدران العلم عن جده الشيخ مصطفى 626، كما أخذ عن شيخه العلامة محمد بن عثمان الحنبلي المشهور بخطيب دوما، وقد تأثر به واستفاد منه طريقة623

الجزء: 1 - الصفحة: 276

حميدة 627، ثم رحل في طلب العلم بعد أخذه عن مشايخ بلدته، فأخذ عن شيخ دمشق ورئيس علمائها سليم بن ياسين العطار الشافعي 628، والعلامة محمد بن مصطفى الطنطاوي الأزهري، والشيخ علاء الدين عابدين الحنفي، ومفتي الحنابلة الشيخ أحمد بن حسن الشطي، وكذلك الشيخ محمد بن ياسين العطار، والشيخ بدر الدين الحسني 629. وسافر إلى أورويا، فزار إيطاليا وفرنسا ثم زار بعض دول المغرب كالجزائر وتونس 630. ويعد أن استكمل مرحلة التتلمذ واستوى على سوقه في مدة ست سنوات تقريبًا عكف على المطالعة بنفسه حتى برع في الكتاب والسنة والأصلين 631، والمذهب، ومعرفة الخلاف، وسائر العلوم العقلية والأدبية والرياضية 632. 3 - انتقاله إلى المذهب الحنبلي وما كان عليه السلف في الإعتقاد: كان الشيخ ابن بدران في أول طريقه العلمي شافعي المذهب، ثم مال إلى مذهب الإمام أحمد (1)، وقد أشار إلى ذلك في كتابه "المدخل" فقال: وهذا ما وقع اختيارنا عليه من القول في هنا الموضوع، ليعلم المتبع لمذهب ما لأي معنى اتبعه، ولأي برهان اختاره دون غيره، فلا يكون متبعًا للهوى والمقليد الأعمى الضار، والتعصب الذميم 633. وكانت مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أقامت في نفسه القناعة بأفضلية المذهب الحنبلي 634، وفي ذلك يقول: "ثم منَّ الله علي فحبب إلي الإطلاع على

الجزء: 1 - الصفحة: 277

كتب التفسير والحديث وشروحها وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم، وعلى كتب الحنابلة، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب، فرأيت أن مذهب الحنابلة أشد تمسكًا بمنطوق الكتاب العزيز والسنة المطهرة ومفهومهما، فكنت حنبليًا من ذلك الوقت" 635. وانتقل إلى العقيدة السلفية المستمدة من معين كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وماوإن عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وخرج بذلك من ريقة الكتب التي كانت تُعلّم الفلسفة بدلًا من العقيدة الصافية كـ "الشفا" و"النجاة" و"الإشارات" و"المواقف" و"المقاصد" وغيرها، وقد أفصح عن ذلك كله في مقدمته لكتاب "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" 636. 4 - معرفته بالمذهب الحنبلي: وعلى الرغم من أن الشيخ ابن بدران لم ينشأ في بيت من البيوتات التي توارثت فقه الإمام أحمد، فإنه بعد انتقاله من المذهب الشافعي إلى المذهب الحنبلي أخذ يتضلع من أصول هذا الذهب وفروعه، ويتعرف على طبقات علمائه ومؤلفاتهم حتى أحكم المعرفة به، وصنف كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" الذي أبان فيه عن اطلاع واسع علي كتب الحنابلة وآرائهم في مختلف الفنون، فإذا تحدث عن عالم أو عن كتاب تحدث حديث من قرأه وخبره وتتبع آراءه وعرف مزاياه، فهو لا يعتمد على ما ينقل في = وإن حصلت ميزات لبعضهم على بعض فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو أمر لا يستدعي إقامة سوق التعصب والانتصار لإمام على آخر، وترتيبهم في المفاضلة ليس دينًا يجب على الأمة صرفته والإلتزام به، بل يجب على الأمة معرفة ما كانوا عليه من فضل وعلم، والأدلة التي استندوا إليها في آثارهم، والقول الحق الذي هو حكم الله وشرعه في حق الناس للعمل به وتطبيقه.
وما يثار من بعض متبعة المذاهب ومقلدتهم من تعصب ونزاع ومفاضلة لينهم وتقليد أعمى قد يؤدي إلى ترك الحق الموافق لما جاء عن الله سبحانه وعن رسوله، لمجرد أن إمامه لم يقله، إن هذا يعتبر أمرًا يجب الحذر منه، والإبتعاد عنه، فلم يكن في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سلف الأمة الصالح وأثمتها المعتبرين، فيجب التنبه لذلك، والإقتداء بالسلف الصالح الذين اقتدوا برسولنا - صلى الله عليه وسلم -.

الجزء: 1 - الصفحة: 278

الكتب عن مذهب أحمد وعلمائه وكتبهم، بل جمعها ودرسها، فحديثه حديث صاحب الخبرة.
وييدو أنه تيسر له من كتب الحنابلة ومخطوطاتهم ما لم يتيسر لغيره، ومن هنا كان خاتمة الحنابلة بالشام، بل يكاد يكون أعلم الناس في عصره بكتب الحنابلة ومزاياهم في مختلف العلوم، من الأصول والفقه والحديث والتفسير، وغير ذلك.
وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لم يشغله عن التعرف على المذاهب الأخرى والتفقه فيها، وإن كلامه على الأصول التي دونها أصحاب الإمام أحمد في كتابه "المدخل" ليكشف عن دراية واسعة بما هو مقرر عند المذاهب الأخرى من الآراء والمذاهب الأصولية.
والحق أن الرجل كان موسوعي الإطلاع، مشاركًا في الفنون، ذا نزعة استقلالية في الرأي المعتمد على الدليل، يرغب في معرفة الأدلة والإستنباط منها والإعتماد عليها وينحى على التقليد والمقلدين باللائمة والنقد.
5 - صفاته وثناء العلماء عليه: كان الشيخ ابن بدران ذا صفات علمية وخلقية حمدت بين العلماء، أثنى عليها كثير من الفضلاء، فمن ذلك: • قال عنه خير الدين الزركلي -وهو من تلاميذه-: فقيه أصولي حنبلي، عارف بالآداب، والتاريخ ..... كان حسن المحاضرة كارهًا للمظاهر، قانعًا بالكفاف، لا يعنى بملبس ولا مأكل، يصبغ لحيته بالحناء، وريما ظهر أثر الصبغ على أطراف عمامته.
ضعف بصره قبل الكهولة، وفُلجَ في أعوامه الأخيرة.
ولي إفتاء الحنابلة 637. • وقال عنه محمد تقي الدين الحصني: وهو متضلع من العلوم العصرية والفنون الكثيرة، اشتهر في الشعر والتاريخ .. كان سلفي العقيدة، يحب التقشف ويميل طبعه إلى الإنفراد عن الناس والبعد عن الأمراء ... وله اختصاص في علم الآثار والكتب القديمة، ومعرفة أسماء الرجال ومؤلفاتهم من صدر الإسلام إلى اليوم 638.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

وقال الأستاذ محب الدين الخطيب حين ذكر وفاته في مجلة "الفتح": وهو -أي ابن بدران- من أفاضل العلماء .... وتلقى العلم عن المشايخ مدة خمس سنوات، ثم انصرف إلى تعليم نفسه بنفسه، فكان من أهل الصبر على التوسع في اكتساب العارف من العلوم الشرعية والأدبية والعقلية والرياضية، وهو حنبلي المذهب 639. 6 - أعماله وآثاره: عمل الشيخ ابن بدران عضوًا في شعبة المعارف في دوما، وعُين مصححًا ومحررًا بمطبعة الولاية وجريدتها، كما أنه اشترك في عهد الأتراك بتحرير جريدة المقتبس، وكتب في صحف دمشق، كالمشكاة والشام والكائنات والرأي العام 640. ثم اشتغل بالتدريس والتعليم، فكان يدرس في الجامع الأموي المفسير والحديث والففه 641. وولي إفتاء الحنابلة، وانصرف مدة إلى البحث عما بقي من الآثار في مباني دمشق القديمة، فكان أحيانًا يستعير سلّمًا خشبيًا وينقله بيديه ليقرأ كتابة على جدار أو اسمًا فوق باب، ومنها جمع مادة علمية وافرة لكتابه "منادمة الأطلال".
وترك الشيخ ابن بدران آثارًا عديدة تمثلت بعدد من التلاميذ؛ النين صاروا فيما بعد أدباء وعلماء، ورواد أدب وفكر، منهم: المؤرخ الشيخ محمد أحمد الدهمان، والمؤرخ خير الدين الزركلي، وعبد الحليم بن علي بن سماية المغربي، والشيخ عبد الحكيم الأفغافي، والشيخ محمد صالح العقاد، والأديب الشاعر محمد سليم الجندي.
كما تمثلت آثاره بعدد من الكتب المتعددة الفنون، تجاوزت الأربعين مصنفًا 642، نذكر أهمها: 1 - تهذيب تاريخ دمشق لإبن عساكر.
2 - حاشية على أخصر المختصرات للبَلْبَاني.
3 - حاشية على شرح منتهى الإرادات.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

4 - حاشية على الروض المربع شرح زاد المستقنع.
5 - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
6 - منادمة الأطلال ومسامرة الخيال (تاريخ مدارس دمشق).
7 - نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر وجنة المناظر.
توفي الشيخ عبد القادر ابن بدران بمدينة دمشق سنة (1346 هـ) بعد معاناة طويلة قاساها من جراء داء الفالج الذي أقعده، -رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأجزل له المثوبة.

الجزء: 1 - الصفحة: 281

المبحث الرابع

المذهب في مصر

تعتبر الشام همزة الوصل بين المدرسة العراقية والمدرسة المصرية، فانتقال المذهب الحنبلي إلى البلاد المصرية إنما كان عن طريق التواصل الثقافي والسياسي بين مصر والشام، خصوصًا في تلك الأحقاب التي كان فيها الإقليمان محكومين بسلطة واحدة، ودولة واحدة.
دخل فقهاء الحنابلة وعلماؤهم إلى مصر عن طريق الإيفاد القضائي تارة، وعن طريق الرحلات العلمية تارة ثانية، وعن طريق اللجوء بسبب النزاع مع الأشاعرة تارة ثالثة.
وكان لهم الأثر الكبير في تدعيم المذهب الحنبلي وتمكينه هناك عن طريق الوزارة والقضاء والتدريس والإفتاء، وغير ذلك.
ويعتبر الإيفاد العلمي والقضائي من بلاد الشام إلى بلاد مصر ميزة لامعة من مميزات الوجود الحنبلي في مصر، فكثير من علماء الشام إنما وفدوا، أو أوفدوا على مصر في أوقات محدودة، ثم رجعوا إلى بلادهم، ولكن بقي أثرهم اللائح سابغًا على المصريين، كان المطالع لكتب الطبقات ليجد ذلك جليًا في الفترة ما بين القرنين: التاسع والعاشر على وجه الخصوص.
بل إننا لنجد في "حسن المحاضرة" أن أول عالم من الحنابلة بالديار المصرية كان وافدًا عليها من الشام، هو الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب "العمدة" في أحاديث الأحكام 643. ويعتبر محمد بن إبراهيم الجمّاعيلي المقدسي، من آل بني سرور، المتوفى سنة 676 هـ، أول من تسلم التدريس بالمدرسة الصالحية للحنابلة بمصر، وأول من استلم

الجزء: 1 - الصفحة: 283

تضاء القضاة منهم بالقاهرة، فصار شيخ المذهب هناك علمًا وصلاحًا، وديانة ورياسة 644. ويذكر لنا السيوطي قائمة بأسماء ستة عشر فقيهًا حنبليًا تولوا القضاء المصري 645، وواحدًا وعشرين إمامًا 646، وهذا اللإحصاء ينتهي عند أوائل القرن العاشر، لأن السيوطي توفي سنة (911 هـ)، وهذا يدل على أن العدد أكثر من ذلك، لأن الوجود الحنبلي بعد السيوطي قد استمر هناك، بل وقوي نسبيًا، على أن السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ- لم يذكر لنا أسماء أولئك الموفدين إلى مصر، والذين لم يستوطنوها، كالطوفي والعلاء المرداوي، وغيرهم.
وكان الحنابلة شَديدي التمسك بالفضائل الخلقية والورع والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرص على الإلتزام بالسنة الشريفة في الإعتقاد والعمل.
وكان هذا التمسك يسبب لهم حرمانًا من بعض الوظائف في الدولة حينًا، كما سبب لهم محنًا وكائنات مع المخالفين والخصوم حينًا آخر.
وقد سجل لنا التاريخ من ذلك الكثير في بغداد، وفي الشام، لكن لم يسجل لنا من ذلك شيئًا في مصر 647. ولعل السبب في ذلك راجع إلى قلة عددهم وضعف شوكتهم، بالإضافة إلى أن المتأخرين منهم مالوا في أكثرهم إلى التصوف والزهد والخمول.
ومع ذلك بقي غالب الحنابلة محافظين على مزاياهم في الورع والإستقامة على منهج السلف.
ويذكر لنا السيوطي نموذجًا من ذلك متمثلًا بشيخه أحمد بن إبراهيم الكناني (876 هـ)، فقد قال فيه: "شيخنا قاضي القضاة، عز الدين أبو البركات ابن قاضي القضاة برهان الدين ابن قاضي القضاة ناصر الدين الحنبلي، قاضٍ مشى على طريقة السلف، وسعى إلى أن بلغ

الجزء: 1 - الصفحة: 284

العلا لما كلَّ غيره ووقف، من أهل بيت في العلوم والقضاء عريق، ويالرياسة والنفاسة حقيق، خدم فنون العدم إلى أن بلغ منها المُنى، وتفرد بمذهب اللإمام أحمد، فما كان في عصره من يشير إلى نفسه بأنا، وولي القضاء فأحيا سنة التواضع والتقشف، وترك الناموس، وطرح التكلف، .. وبكى على فراقه مذهب ابن حنبل ... ودرس للحنابلة بغالب مدارس البلد، وله تعاليق، وتصانيف، ومسودات كثيرة، في الفقه وأصوله، والحديث والعربية والتاريخ وغير ذلك" 648. ويرى الشيخ أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن سبب قلة الوجود الحنبلي في مصر، إنما مرده إلى المسلك الذي كانت تسلكه الدولة الأيوبية تجاه المذاهب، فقد كان ملوكها شديدي التعصب للمذهب الشافعي، فحاربوا غيره من المذاهب، فلم يسمحوا لغيره من المذاهب إلا ما كان له تأييد من العامة، كالمذهب المالكي، ولم يكن للمذهب الحنبلي ذلك النفوذ من قبل 649. وهذا الرأي يحتاج إلى بينة من واقع التاريخ، فإن الدولة الأيوبية وإن كانت تقدم الشافعية على غيرهم، فإنها لم تغلق الأبواب في وجوه المذاهب الأخرى، والذي يدل على ذلك أن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل بنى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وذلك سنة 639 هـ، أي في عز الدولة الأيولية.
قال المقريزي: ورتب فيها دروسًا أربعة للفقهاء المنتمين إلى المذاهب الأربعة في سنة 641 هـ، وهو أول من عمل بمصر دروسًا أربعة في مكان 650. ونزيد ذلك تأكيدًا بما ورد في ترجمة الفقيه الواعظ المفسر علي بن إبراهيم الدمشقي، المعروف بـ "ابن نجية"، فإنه أوفد إلى بغداد من قبل السلطان نور الدين الشهيد، ثم أوفد إلى مصر من قبل السلطان صلاح الدين الأيوبي، فبقي هناك إلى أن مات.
وكان ذا رَأي صائب، حتى كان صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص، ويعمل برأيه، ويكاتبه، ويحضر مجلسه هو وأولاده 651.

الجزء: 1 - الصفحة: 285

أبرز الحنابلة المصريين لم يبلغ المذهب الحنبلي في الديار المصرية من الشأو والتألق ما بلغه في الشام وفي بغداد من قبل، ومع ذلك فقد كان له شأن لا يستخف به في تلك الديار، فقد تقلد عدد من فقهائه مناصب القضاء، ورئاسة الفتوى في المذهب الحنبلي، وتشيخوا في المدارس، وكانت لهم مشاركة إلى جانب المذاهب الثلاثة الأخرى في جامع الأزهر.
وأنجبت مصر هي الأخرى ثلة من أعلام الحنابلة ورجالاتهم الذين قدموا خدمة جليلة للمذهب بما تركوا من مصنفات، وما خلفوا من آثار.
وكانت الرحلة العلمية لطلاب نجد في القرن العاشر والحادي عشر تتجه عادة نحو الشام ثم مصر.
ومن أبرز الحنابلة المصريين:

1 -

ابن النجار الفُتُوحي (898 هـ - 972 هـ):

هو العلامة الشيخ محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رُشيد، الفُتُوحي، تقي الدين، أبو بكر، الشهير بـ "ابن النجار"، قاضي القضاة ابن قاضي القضاة 652. ولد بالقاهرة سنة (898 هـ) وبها نشأ.
وأسرة ابن النجار من الأسر التي تشرفت بالعلم، وتولى أبناؤها مناصب القضاء والتدريس والفتوى بمصر.
فوالد ابن النجار، وهو العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد (861 - 949 هـ)، كان فقيه الحنابلة، ومدرسهم ومفتيهم في عصره، زاد مشايخه على (130) شيخًا، وانتهت إليه الرئاسة في تحقيق نقول المذهب الحنبلي، وفي علوّ السند في الحديث، فضلًا عن علم الطب والمعقولات.
تولى منصب قضاء القضاة في آخر دولة المماليك 653. وولده موفق الدين كان عالمًا فقيهًا في حياة أبيه، حتى إنه تنازل له عن مشيخته على المدارس التي كان يُدرِّس فيها، وأجازه بالتدريس والفتيا، فاستمر على ذلك بعد وفاته 654.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

وأما حفيده عثمان بن أحمد (1064 هـ)، فقد كان أحد أجلّاء علماء الحنابلة بمصر، قاضيًا بالمحكمة الكبرى بالقاهرة، وضع حاشية جليلة على كتاب جده "منتهى الإرادات" 655. أخذ ابن النجار علم الفقه عن والده، وحفظ كتاب "المقنع" للموفَّق، وغيرَه من المتون، ولازم والده مع الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد البُهُوتي الحنبلي، والشيخ العلامة شهاب الدين أحمد المقدسي.
ثم رحل إلى الشام التي كانت إلى ذلك العهد-أي مطلع القرن العاشر- لا تزال تمد غيرها بمدارسها وشيوخها ومكتباتها الزاخرة العامرة، فأقام بها مدة من الزمان، فحصل فيها علمًا غزيرًا، فلم يرجع من تلك السفرة الموفقة إلا ومعه كتابه الشهير "منتهى الإرادات" الذي صنفه هناك 656. انتهت رئاسة الفقه الحنبلي إلى ابن النجار بعدما توفي والده (949 هـ) فانفرد بالإفتاء والتدريس بالأقطار المصرية، ثم بعد وفاة الشيخ الشهاب الشويكي (939 هـ) بالمدينة المنورة، وتلميذه العلامة الشيخ موسى الحجاوي (968 هـ) بالشام، انفرد في سائر أقطار الأرض بالتَّصدُّر في الفقه الحنبلي، وقصد بالأسئلة من البلاد الشاسعة كاليمن وغيره 657. وأثنى على ابن النجار، علمًا وعملًا، علماء عصره الذين عرفوه عن كسب، منهم تلميذه وصديقه العلامة الباحث عبد القادر الجزيري، قال عنه في كتابه "الدرر الفرائد": "كانت أيامه جميعا اشتغالًا بالفتيا أو بالتدريس، أو بالتصنيف .. على غاية من التقشف والتقلل من زينة الدنيا، وبالجملة، فلم يكن من يضاهيه في مذهبه، ولا من يماثله في منصبه، وكان قلمه أحسن من لفظه، وله في تحرير الفتاوى اليد الطولى، والكتابة المقبولة، على الوجه الصحيح الأولى، وكان ربْع فوائده بفضائله وفواضله مأهولًا" 658.

الجزء: 1 - الصفحة: 287

ومن أشهر مصنفات الشيخ ابن النجار الفتوحي (1): 1 - كتاب "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات".
2 - شرح "منتهى الإرادات" المسمى "معونة أولي النُّهى على المنتهى".
3 - مختصر كتاب "التحرير" المسمي "الكوكب المنير".
و"التحرير" هو متن في أصول الفقه للقاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (885 هـ)، صاحب "الإنصاف"، واسمه الكامل: "تحرير المنقول وتهذيب الأصول".
4 - شرح الكوكب المنير المسمى "المختبر المبتكر شرح المختصر".
فهذه الكتب الأربعة: اثنان في الفقه، واثنان في الأصول، هي زبدة ما استفاده ابن النجار، ثم أفاد به من تلخيص للفقه الحنبلي وأصوله في القرن العاشر الهجري.
وهي على قلتها في العدد كثيرة النفع والفائدة، أقبل عليها الناس واعتمدوها، قال ابن بدران عن كتاب "المنتهي": هو كتاب مشهور، عمدة المتأخرين في المذهب وعليه الفتوى فيما بينهم (2).

2 -

منصور بن يونس البُهُوتي (1000 - 1051 هـ):

هو العلامة الشيخ منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس، أبو السعادات، البُهُوتي؛ نسبة إلى بُهُوت وهي محلّة بالجهة الغربية بمصر.
ولد بها سنة (1000 هـ) 661. أخذ الشيخ منصور العلم عن كثير من المتأخرين من الحنابلة المصريين، منهم الشيخ المعمَّر المسند عبد الرحمن البهوتى، والشيخ محمد الشامي المرداوي، وأكثر أخذه عنه، والشيخ يحيي بن الشرف موسى الحجاوي الدمشقي، والشيخ عبد الله الدنشوي الشافعي، والنور علي الحلبي، والشهاب أحمد الوارثي الصديقي 662. وبلغ الشيخ منصور من التحصيل العلمي والمعرفة بالمذهب الحنبلي درجة عالية؛659660

الجزء: 1 - الصفحة: 288

ظهرت في مؤلفاته التي أورثها لنا، وفي رحلة طلاب العلم من الحنابلة إليه من الشام ويعلبك وفلسطين ونجد، وفي ثناء العلماء عليه وتلقيبه بألقاب تفيد أنه كان مرجعًا للحنابلة في وقته.
قال المحبي عنه: "شيخ الحنابلة بمصر، وخاتمة علمائهم بها، الذائع الصيت، البالغ الشهرة، وكان عالمًا عاملًا، متبحرًا في العلوم الدينية، صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، ورحل الناس إليه من الآفاق، لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه -، فإنه انفرد في عصره بالفقه .. وكان ممن انتهى إليه الإفتاء والتدريس 663. وقال الشمس محمد السفاريني: "هو أحد أعلام المذهب المتأخرين كان كثير العبادة، غزير الإفادة والإستفادة، رحل إليه الحنابلة من الديار الشامية، والنواحي النجدية، والأراضي القدسية، والضواحي البعلية" 664. وقال عنه ابن حميد: "وبالجملة فهو مؤيد المذهب ومحرره، وموطد قواعده، ومقرره، والمعوّل عليه فيه، والمتكفل بإيضاح خافيه، جزاه الله أحسن الجزاء 665 ". وتكاد تكون مؤلفات الشيخ منصور محصورة في خدمة الفقه الحنبلي، وإليك جريدة بأسماء تلك المؤلفات 666: 1 - شرح الإقناع المسمى "كشاف القناع عن متن الإقناع" طبع في مصر في ستة مجلدات.
قال السفاريني: هو أحسن شروحه.
2 - شرح منتهى الإرادات المسمي "دقائق أولي النُّهى في شرح المنتهى" طُبع قديمًا في مصر في ثلاثة مجلدات، وطبع حديثًا محققًا في مؤسسة الرسالة في ستة مجلدات.
3 - حاشية على الإقناع.
4 - حاشية على المنتهى سماها "إرشاد أولي النُهى لدقائق المنتهى" في مجلد، منها نسخة بدار الكتب المصرية (فقه حنبلي - 59)، وأخرى بالمكتبة البلدية بالإسكندرية برقم (3940).

الجزء: 1 - الصفحة: 289

5 - شرح زاد المستقنع المسمى "الروض المربع" طبع مرارًا، إحداها بتحقيق العلامة أحمد شاكر وغيره.
6 - شرح المفردات المسمى "المنَح الشافيات في شرح المفردات، شرح فيه منظومة محمد بن علي المقدسي (820 هـ). وقد طبع بمصر قديما، وبقطر حديثًا بتحقيق د. عبد الله المطلق.
7 - عمدة الطالب، وهو متن لطيف طُبع مع شرحه المسمي "هداية الراغب" للشيخ عثمان ابن قائد النجدي 667. طبعه معالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام السابق لرابطة العالم الإسلامي، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
8 - إعلام الأعلام بقتال من انتهك حرمة البيت الحرام.
طبع بتحقيق الشيخ جاسم ابن سليمان الفُهيد.
9 - منسك مختصر.
ويقول الشيخ محمد جميل الشطي في وصف مؤلفاته: وقد عم الإنتفاع بمؤلفات صاحب الترجمة -يعني البهوتي- فلم تزل تتداولها الأيدي، ويقرأها أهل المذهب وغيرهم إلى يومنا هذا 668. ويقول الدكتور عبد الرحمن العثيمين: مؤلفاته كلها موجودة لم يفقد منها شيء، وهي من أصول مراجع الفقه في مذهب أحمد، وعليها المعتمد والمعوّل لدى علمائه، وهي من أوائل الكتب التي عرفت طريقها إلى النشر وأفاد منها الطلبة جيلًا بعد جيل.
ولا زال كتابه "الروض المربع" بيد جميع طلبة العلم في كلية الشريعة بمكة الآن، عمدة الفقهاء، ومنهج الدارسين، ومرجع الشيوخ 669.

الجزء: 1 - الصفحة: 290

المبحث الخامس

المذهب في الجزيرة العربية

لا يخفى ما للجزيرة العربية من أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي، حيث كانت مهبط الوحي، ومبعث الرسالة الخاتمة، التي بلغها محمد بن عبد الله للعربي الهاشمي القرشي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، وحملها صحابته وأتباعه إلى العالمين، رحمةً بهم.
ولا يخفى ما لمدينة البعثة والدعوة الإسلامية الأولى، مكة المباركة، وما لمدينة النصرة والهجرة، الملينة النبوية، من مكانة في قلوب المسلمين، وما فرض الله عليهم من حج إلى بيت الله الحرام، وتوجه إلى الكعبة المشرفة في لواتهم، وما في الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مضاعفة للأجر والثواب، مما جعل قلوب المسلمين تهفو إلى تلك البقاع، ويحرص كل منهم على نيل مزية زيارتها والإقامة فيها.
وسنعرض للمذهب الحنبلي في الحرمين الشريفين أولًا، ثم في البلاد النجدية، لما لها من أهمية كبيرة في احتضان المذهب الحنبلي ثانيًا، ثم انطلاق الدعوة الإصلاحية التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونصيره الإمام محمد بن سعود، -رَحِمَهُمَا اللهُ-، وما تبع ذلك من توحيد معظم الجزيرة العربية في دولة إسلامية واحدة، هي الدولة السعودية الأولى، والثانية، ثم المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزنى بن عبد الرحمن آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ-، وما تلاه من أبنائه البَرَرَة، إلى العهد الزاهر، عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- ونصر به دينه.
لم تكن بلاد الحرمين كغيرها من أمصار الإسلام، تعرف بالإنتساب إلى مذهب بعينه من المذاهب الفقهية المتبعة، وذلك أنها كانت مجتمع العلماء، من مختلف المذاهب بسبب المناسك والرحلة العلمية، بالإضافة إلى أن ظاهرة التقليد والإنتساب الصريح إلى المذاهب لم تكن قد فشت قبل القرن الرابع.

الجزء: 1 - الصفحة: 291

وقد تميزت المدينة النبوية بعد ذلك بالإنتساب إلى المذهب المالكي على وجه العموم إلى حدود القرن السادس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن أهلها كانوا متمسكين بمذهبهم القديم منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المئة السادسة، أو قبل ذلك، أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد مذهب كثير منهم" 670. وأشار ابن فرحون عند الكلام على توضّع المذاهب في البلاد الإسلامية إلى أن المذهب المالكي قد انتشر في الجزيرة العريية 671، وهو إنما يعني بذلك المدينة النبوية دون مكة المكرمة، بدليل أننا نجد في "شجرة النور الزكية" في طبقات المالكية، والتي رتبها مؤلفها على الأمصار، أنه يذكر من علماء الجزيرة العربية المدنيين بصفة غالبة.
وبالتالي نستطيع القول: إن مكة حرسها الله لم تكن منتسبة لمذهب بعينه على مختلف العصور والدهور.
ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنها مجمع الفقهاء المتتسبين إلى بلدان شتى ومذاهب مختلفة، وإن غلب عليها المذهب الشافعي في الفتوى والتدريس في العصور المتأخرة.
وكان من جراء ذلك التجمع المتعدد للعلماء ومقلدتهم حول المسجد الحرام، أن أُنشئ أربعة مقامات (محاريب) في المسجد، كل مقام يختص لإمام مذهب من المذاهب المتبعة، فكانت الصلاة الواحدة تتكرر أربع مرات، ولا جرم أن ذلك يعدُّ لونًا من التفرق، ومظهرًا من مظاهر التمكين للتعصب المقيت الذي عرفته عصور الضعف، ومع ذلك فقد وقف بعض الفقهاء لى وجه ذلك التشرذم المنظم، فأفتوا بعدم جواز تكرار الصلوات من أجل حقوق المذاهب 672. وكان من حسنات الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ- حينما دخل مكة، ونشر العدل والأمن فيها أن منع ذلك، ووحد المسلمين لإمام واحد، وأزال مظاهر التعصب المقيت لأي مذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 292

وكانت المناطق المجاورة للحرمين من بلاد الجزيرة العربية، وخاصة نجدًا، تحتضن مختلف المذاهب، وربما كان ذلك امتدادًا للمدارس القديمة التي عرفت في البصرة والكوفة، ثم بغداد.
والذي يدل على ذلك، هو أن المطالع لمجموع الشيخ أحمد المنقور النجدي -رَحِمَهُ اللهُ- المسمى "الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) يجد استمدادًا واضحًا من مختلف المذاهب بواسطة كتب فقهية كثيرة وقعت له، فهو ينقل منها بالنص والحرف.
وإذا كانت المذاهب الأربعة قد عاشت متجاورة في البلاد النجدية قرونا عديدة، فما هو السبب في غلبة المذهب الحنبلي في الأخير، وتفوته وازدهاره هناك؟ يبدو للدارس أن السبب في ذلك الإنتشار، وتلك الغلبة يعود إلى أن طلبة العلم النجديين كانوا يسافرون إلى المراكز العلمية المعروفة آنذاك، من مثل: الأحساء، والعراق، والشام، ومصر، والحجاز (مكة والمدينة)، ويتلقون علومهم العالية هناك، وكانوا يتبعون شيوخهم الذين يأخذون العلم عنهم.
فمن درس في الأحساء عاد مالكيًا أو حنفيًا، ومن درس في العراق عاد حنفيًا، ومن درس في مكة رجع شافعيًا، ومن درس في الشام تحنبل.
وبما أن نجدًا كانت في ذلك الوقت (القرن العاشر) وثيقة الصلة في الجانب الإقتصادي مع بلاد الشام، فإن الرحلات التجارية كانت رفدًا للرحلات العلمية وحافزًا لها ولا ريب، فكان الطالب يرحل بسهولة إلى الشام، فيتصل بدمشق ونابلس على وجه الخصوص، وهي معاقل الحنابلة آنذاك، فيتعلم، ثم يعود إلى بلاده فقيهًا حنبليًا.
فعلى سبيل المثال، نجد الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة (948 هـ) قد رحل إلى دمشق، بعد تلقي العلوم الإبتدائية في مسقط رأسه "العُيينة"، وسكن في المدرسة العمرية الشهيرة بالصالحية، وكانت حافلة بالعلماء والكتب النادرة آنذاك، فتضلع من أولئك العلماء، ونهل من تلك الكتب، وكان من أشهر شيوخه: جمال الدين يوسف بن عبد الهادي (909 هـ) مؤلف "جمع الجوامع"، وعلاء الدين المرداوي (885 هـ) مصحح المذهب، ومؤلف كتاب "الإنصاف"، وكان من أشهر زملانه في الطلب العلامة موسى الحجاوي المصري صاحب "الإقناع" 673.

الجزء: 1 - الصفحة: 293

ومنهم الشيخ زامل بن سلطان، الذي رحل إلى الحجاوي في الشام، وإلى ابن النجار الفتوحي في مصر، وكذلك الشيخ أبو نُمي التميمي الذي رحل إلى الشيخ مرعي بن يوسف مؤلف "الغاية" و"دليل الطالب".
فأمثال هؤلاء العلماء النجديين الكبار بلغوا في العلم مبلغاً كبيرًا، وانتهت إليهم الرئاسة العلمية في بلدان نجد، فهم قد حملوا راية المذهب الحنبلي عن بصيرة وتحقيق، فأثروا في أهل بلادهم، فصار جمهور النجديين حنابلة منذ نهاية القرن العاشر تقريباً.
فالخلاصة: أن الشام كانت صاحبة الفضل بعلمائها وكتبها النفيسة في تصدير المذهب الحنبلي في هذه الفترة إلى الجزيرة العربية وبعثه حيا، فتيا، كما كانت بغداد من قبل صاحبة الفضل على الشاميين في نشر المذهب في بلادهم.
• كيف استقر المذهب الحنبلي في البلاد النجدية؟ تشغل نجد الجزء الأكبر من وسط الجزيرة العربية.
وهي عبارة عن هضبة واسعة، يتراوح ارتفاعها بين (750) و (1000) م، وتبرز فيها سلسلة جبال طويق، ويقطعها عدد من الوديان، من أهمها وادي الرمة، ووادي حنيفة ووادي الدواسر 674 وأهم القبائل العربية التي تسكنها: عنزة، وعتيبة، وحرب، ومطير، وتميم، وشمر، والدواسر.
ونَجْد هي مهد الدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله- وفيها بيت آل سعود، ذلك البيت العربي الأصيل، الذي كتب الله على أيدي زعمائه إنقاذ الجزيرة العربية من التفرق، وجمع كلمتها على كتاب الله وسنة رسوله.
ولنا أن نتساءل عن كيفية استقرار المذهب الحنبلي في الديار النجدية بعدما أخذنا لمحة عن سبب انتشار هذا المنهب السَّني في تلك الربوع.
الواقع أن نجداً كانت تزخر بعدة مراكز علمية تتوزعها، منها: العُيينة، وأُشيقر، ومقرن، وعنيزة، وغيرها من المدن المنتشرة في نجد.

الجزء: 1 - الصفحة: 294

فالعُيينة، وهي مسقط رأس شيخ الإسلام ومصباح الظلام أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب (1115 - 1206 هـ)، -رَحِمَهُ اللهُ-، وأكرم مثواه، لقاء جهاده في نصرة كتاب الله وسنة رسوله، كانت معقلاً من معاقل العلم، وكذلك أشيقر، حتى إنّه كان في الأولى في فترة من الفترات أكثر من ثمانين عالماً يدرسون العلم في جوامعها، متعاصرين في زمن واحد، وكان في الثانية أريعون عالماً في وَقت واحد، كلهم يصلح لتولي القضاء، في ذلك الوقت الذي لم يكن يصل فيه الى هذا المنصب إلا كبار العلماء وفحولهم.
ولكن ضعفت الحركة العلمية فيهما بعدَ ذلك، وخلفتهما الدرعية والرياض 675. وكذلك كانت مقرن وعنيزة، وغيرهما مقراً لطلبة علم، لهم قدم راسخة في المعارف، ومقراً لمدارس خرجت العديد من العلماء.
لقد نفذ المذهب الحنبلي عبر أقنية تلك المدارس، وحفظ في تلك المعاقل، وأخذ يتقوى ويسود بالتدريس، والإفتاء، والأقضية، وتجميع الكتب المصنفة فيه، إلى أن شمل المنطقة بسحابه الوادق الميمون.
وقد ازدهر المذهب هناك خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر على وجه الخصوص.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين فترة ما قبل الدعوة الإصلاحية التجديدية وفترة ما بعدها، فقد كان قبل ظهور الدعوة الإصلاحية فتور واضح سابغ على المنطقة برمتها، وكان جل اهتمام الناس بالفقه والمسائل الفرعية، فهم مقتصرون على بحث تلك المسائل، وتحريرها، وتحقيقها، وحفظ المتون واستيعاب الشروح وتدبيج الحواشي.
أما العلوم الشرعية الأخرى فنصيبها قليل، وحظها زهيد، فالتوحيد مهمل، والتفسير منسي، والحديث مهجور، بل وعلوم اللغة واللسان لا تكاد تتجاوز "الآجرومية" وشروحها!! وكان من نتيجة ذلك فشو البدع، وانتشار مظاهر الشرك، والغلو في الإعتقاد في الصالحين، وهكذا تكدر صفو الإسلام في تلك الأيام.

الجزء: 1 - الصفحة: 295

ويموازنة سريعة بين مجموع الشيخ أحمد المنقور الذي يعتبر ديواناً لفتاوي ما قبل الحركة التجديدية، ويين "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" لجامع فتاوي نجد وفتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (1) (1392 هـ) -رَحِمَهُ اللهُ- وأجزل مثوبته- بموازنة سريعة بين ما في المجموعين يتبين لنا بصورة واضحة الفرق بين العصرين، وكيف تطورت الثقافة الإسلامية، بل تجددت على أيدي علماء نجد الذين أنجبتهم هذه الدعوة المباركة.
وقبل التعريف بالدعوة الإصلاحية وباعثها وآثارها في الجزيرة العربية وغيرها، يجدر بنا أن نقف عند عالمين كان لهما فضل كبير في نشر العلم وتخريج الطلاب في نجد قبل ظهور الدعوة الإصلاحية، وهذان العالمان هما:

الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة (948 هـ)

: هو الشيخ الفقيه العلامة أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد، شهاب الدين، التميمي.
ولد ونشأ في مدينة العُيينة، وقرأ على فقهائها.
وبهانت هذه المدينة أشهر مدن نجد وأجرها، وأكثرها علماء في ذلك الوقت.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الشام، فنزل في الصالحية، وسكن في المدرسة الشيخية العمرية الشهيرة، ويذلك أصبح الشيخ أحمد ابن عطوة قريباً من مناهل العلم، ويناييعه، بما أُتيح له من الشيوخ الذين أدركهم فأخذ عليهم، والطلاب الذين زاملهم وتنافس معهم، والكتب الكثيرة النافعة التي أصبحت في متناوله.
ومن الشيوخ الذين تلمذ عليهم ابن عطوة:

  • الشيخ جمال الدين يوسف ابن عبد الهادي الشهير بـ "ابن المِبْرَد" المقدسي الصالحي (909 هـ) صاحب المؤلفات الكثيرة التي منها "جمع الجوامع" 677.676

الجزء: 1 - الصفحة: 296

  • الشيخ علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (885 هـ)، شيخ المذهب ومحرره، وصاحب المؤلفات التي منها "الإنصاف".
  • الشيخ الفقيه أحمد بن عبد الله العُسكُري (910 هـ)، صاحب المؤلفات، التي منها كتابه: "الجامع بين القنع والتنقيح" الذي اخترمته النية قبل إتمامه، فأتمه تلميذه أحمد بن محمد الشويكي، وسماه "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" 678. وقد أكثر ابن عطوة من الأخذ عن الشهاب العسكري واختص به ولازمه أكثر من غيره.
    فهؤلاء الشيوخ الثلاثة عُرفوا بالتحقيق والتأليف وعلوّ الشأن في معرفة المذهب الحنبلي، عليهم تمرَّن ابن عطوة، ويهم تفقه وتخرج وتمكن، وحصل من كل واحد منهم على إجازة.
    أضف إلى ذلك الزمالة الصالحة والرفقة المعينة على الطلب التي حُبي بها ابن عطوة، فقد عاصر الشيخ موسى الحجاوي صاحب "الإقناع" وغيره، وتزاملا في الدراسة، وقرأ عليه الحجاوي واستفاد منه 679. كما تزامل مع الشيخ أحمد الشويكي النابلسي.
    ومن جهة ثالثة، فقد توفرت بين يدي الشيخ كتب كثيرة جداً ومتنوعة في علومها وفنونها؛ مما كان موقوفاً على المدرسة العمرية، فطالع وراجع، وقرأ وحقق ودقق، وجد واجتهد حتى مهر في الفقه مهارة تامة، وتضلع من العلوم إلى النهاية.
    ويذكر عن قوة حافظته أنه كان يفعل كما يفعل يحيى بن يمان حين يَحضُر درس سفيان، حيث كان يحضر خيطاً، وكلما حدّث سفيان بحديث عقد عقدة، فإذا رجع إلى بيته كان يكتب حديثاً ويحلّ عقدة.
    وكذلك فعل ابن عطوة المترجم -مع قوة حفظه- مع شيخه أحمد بن عبد لله العسكري، فكان يعقد المسائل مسألة مسألة.
    ويحلها بعد الدرس ويكتبها 680. وحصل الشيخ في أثناء دراسته في الشام كتباً كثيرة جدّاً، فلما رجع إلى نجد أوقف الكثير من تلك الكتب على مدرسة أبي عمر 681، أسوة بشيخه ابن عبد الهادي 682.

الجزء: 1 - الصفحة: 297

فلما آنس الشيخ من نفسه أنه قد أدرك وبلغ المبلغ الكبير من العلم، عاد إلى نجد، وسكن بلدة "الجبيلة" المجاورة لمدينة العُيينة، فأخذ ينشر العلم هناك حتى اشتهر، وعُرف بكثرة الإفادة للطلاب، لكثرة ما كان يتمتع به من سعة العلم ودقة الفهم، إلى جانب ما كان عليه من الصلاح والتقى والوقار والسمت.
قال ابن حميد في الثناء عليه: "فرجع إلى بلده موفور النصيب من العلم والدين والورع، فصار المرجوعَ إليه في قُطر نَجْد، والمشار إليه في مذهب الإمام أحمد، وانتفع به خلق كثير من أهل نجد وتفقهوا عليه" 683. وقال الشيخ عبد الله البسام: "الشيخ ابن عطوة ليس أول عالم نجدي، ولكنه أول عالم كتب عنه المؤرخون، وابتدأ كثير منهم تاريخه بوفاته" 684. مؤلفاته 685:

  • التحفة البديعة.
  • الروضة الأنيقة.
    اكثر من النقل عنها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي.
  • درر الفوائد وعقيان القلائد.
    وهذه الثلاثة كلها في الفقه.
  • منسك في الحج.
  • فتاوى وتحريرات، نقل كثيراً منها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي المسمى بـ "الفواكه العديدة"، وهي تدل على غزارة علم وسعة اطلاع.

الجزء: 1 - الصفحة: 298

الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (1099 هـ)

: وهو الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان، النجديّ، المِقْرِنيّ، من كبار علماء نجد قبل دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وشيخ قضاتها ومفتيها.
ولد في مدينة العيينة، ونشا فيها، وتلقى العلم في المراحل الأولى عن مشايخها؛ ومن أشهرهم: الشيخ محمد بن إسماعيل الأشيقري النجدي، وأحمد بن ناصر بن محمد بن ناصر المشرفي 686. ولما أنهى دراسته الأولية، ويلغ مبلغ الرحلة، سافر إلى الشام، فاخذ عمن هناك من أعيان حنابلة القرن الحادي عشر، وتتلمذ بصفة خاصة على الشيخ شمس الدين محمد ابن بدر الدين البَلْبَاني البعلي ثم الدمشقي الصالحي؛ الذي انتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية آنذاك.
وجدَّ الشيخ ابن ذهلان في تحصيل العلم حتى بلغ المبلغ الأوفى، ثم رجع إلى بلاده، فتولى قضاء الرياض، فذاع صيته وعلا قدره، واستفاد منه خلق كثير 687. وعلى الرغم من أن ابن ذهلان لم يشتغل بالتأليف، ولا ترك من التصانيف شيئاً يؤثر، فإنه يعتبر شيخاً لكثير من علماء نجد في القرن الحادي عشر، منهم:

  • العلامة المحقق الشيخ عثمان بن قائد النجدي، ثم الدمشقي، ثم المصري، صاحب المؤلفات البديعة التي منها: "هداية الراكب شرح عمدة الطالب" وهو شرح مفيد مسبوك سبكاً حسناً، حرره تحرراً نفيساً، فصار من أنفس كتب المذهب 688. ومنها: حاشيته على "منتهى الإرادات" التي حقق فيها ودقق، وفصل فيها، وقسم في مواضع كثيرة، وحل فيها كثيراً من غوامض متن المنتهى، فجاءت نفيسة جدا 689.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

  • العلامة الفقيه أحمد بن محمد المنقور، فقد رحل إليه من الحوطة إلى الرياض خمس مرات ذكرها في "تاريخه" 690، وقرأ عليه عدة كتب، منها: "الإقناع" للحجاوي، قراءة تحقيق ويحث، وأكثر من الإسناد إليه والعزو له في "مجموعه" الفقهي، وإذا قال في كتابه المذكور: "شيخنا"، فمراده بذلك الشيخ عبد الله بن ذهلان.
    وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب: "ويعد: فهذه مسائل مفيدة، وقواعد عديدة ... لخصتها من كلام العلماء ... غالبها بعد الإشارة من شيخنا وقدوتنا الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان - بلّل الله بالرحمة ثراه- ومسائل قررها في مجلس الدرس وغيره، فأحببت أن أضبط كلامه بعضه بالحرف وبعضه بالمعنى" 691. ويهذا يظهر أن للشيخ ابن ذهلان جهوداً كبيرة في مجموع المنقور الشهير.
    وكذلك له جهود كبيرة في "حاشية ابن فيروز" على الروض المربع 692. ويالجملة يعتبر المنقور من خيرة تلاميذ ابن ذهلان، فقد اشتهر بالثقة في نجد، والمشايخ النجديون يعولون على نقله ويعتمدون عليه 693. نجد قبل الدعوة الإصلاحية: يلاحظ المتأمل في تراجم علماء نجد الذين سبقوا ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رَحِمَهُ اللهُ- أن كثيراً من أولئك العلماء قد ولدوا في بلدة أشيقر وتعلَّموا فيها، وأن بعضاً ممن لم يولد فيها قد وفد إليها لتلقي العلم عن مشايخها، ويلاحظ أيضاً أن كثيراً من العلماء النجديين في تلك الفترة ينتمون إلى آل وهبة من تميم، وإلى فرع واحد من آل وهبة.
    وهو آل مشرف أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب 694.

الجزء: 1 - الصفحة: 300

ويلاحظ -كما تقدمت الإشارة إليه- أن الدراسة تركزت في تلك الأحقاب على مادة الفقه، وانصرف جل الإهتمام بالمسائل الفرعية بحثاً وتحريراً وتحقيقاً، وحفظاً للمتون، واستيعاباً للشروح والحواشي، أما العلوم الشرعية الأخرى فالإهتمام بها قليل فيما بيدو لناظر، فلم تكن هناك عناية بالتوحيد والعقيدة، ولا بالتفسير وعلوم القرآن، ولا بالحديث وشروحه، بل حتى العلوم العربية لم يكن الإهتمام بها بالمحلّ الذي يتجاوز المقررات الأولية.
حالة المسلمين بعامة قبل ظهور الدعوة الإصلاحية: بدأ المسلمون في الضعف والتراجع منذ سقوط الأندلس في أيدي الصليبيين أواخر القرن التاسع، وظل هذا الضعف والتمزق يتنامى في الأوضاع السياسية والدينية والإجتماعية، إلى أن بلغ النهاية في القرن الثاني عشر، وهو القرن الذي شهدت فيه الدولة العثمانية مرحلة الشيخوخة والهرم، ودبت فيها عوامل الضعف والتدهور في مختلف مجالات الحياة العامة، الأمر الذي أغرى كثيراً من دول الغرب وزعمائه فيما يعد بالسعي إلى تجهيز حملة صليبية جديدة يكون الهدف منها القضاء على الدولة، ثم اقتسام بلاد المسلمين فيما بينهم، ظانين أن تلك هي الفرصة الثمينة، والكرّة النهائية التي لا تقوم للإسلام بعدها قائمة.
وقد صور المؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد تلك الحالة المتضعضعة، فقال: "في القرن الثامن عشر (يعني الثاني عشر الهجري) كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والإنحطاط أعمق دركة، فاربدَّ جوّه، وطبّقت الظلمة كل صقع من أصقاعه، ورَجا من أرجائه، وانتشر فيها فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقياً من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية فى اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد، وفوض واغتيال، فليس يُرى في العالم الإسلامي في ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين، كسلطان تركية وأواخر ملوك المغول في الهند، يحكمون حكماً واهناً فاشي القوة متلاشي الصبغة، وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة التي خرجوا عليها، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في

الجزء: 1 - الصفحة: 301

حكمهم من الزعماء هنا وهناك، فكثر السلب والنهب، وفُقد الأمن، وصارت السماء تمطر ظلماً وجوراً، وجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون، يزيدون الرعايا إرهاقاً فوق إرهاق 695، فغُلت الأيدي، وقُعد عن طلب الرزق، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين، ويارت التجارة بواراً شديداً، وأهملت الزراعة أيما إهمال.
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية 696 التي علمها صاحب الرسالة الناسَ، سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرياب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء 697، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتك ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء.
ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي 698 على من استطاعه ضرباً من المستهزآت، وبالجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطاً بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهى الإسلام؛ لغضب وأطلق اللعنة 699 على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان" 700.

الجزء: 1 - الصفحة: 302

هكذا كان وضع العالم الإسلامي بصفة عامة، وأما وضع الجزيرة العربية، فقد كان صورة مصغرة، ونموذجاً لذلك الوضع العام الذي ساد العالم الإسلامي في تلك الحقبة الزمنية العصيبة.
ويصف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -رَحِمَهُ اللهُ- تلك الحالة القاتمة بأبلغ وصف، فيقول: "كان أهل عصره ومصره -يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد، والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريق الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة، ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجذوا واجتهدوا في الإستعانة والتعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ويبحر الأجاج ساريون به، قد أغشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات عن الارتفاع إلى قلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات" 701. وهكذا يتبين أن نجداً كانت في تلك الأيام بحاجة إلى دعوة إصلاح دينية توضح للجهال من الناس ما خفي عليهم من أمور الدين وأحكامه، وتقضي على كل ما من شأنه أن يخل بعقائد المسلمين، وتلزم من لم يكونوا يؤدون أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج، بأدائها.
ومن جهة أخرى، كانت في حاجة إلى حركة سياسية إصلاحية تجمع شتات إماراتها وقبائلها تحت راية واحدة ليسود الأمن والإستقرار فيها.

الجزء: 1 - الصفحة: 303

الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته

يعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله المجللة، باعثاً لدعوة إصلاحية ودعوة تجديدية إسلامية شاملة، تركت أثرها البالغ في داخل الجزيرة العربية، ووصل صداها إلى مختلف الأنحاء من الأقطار الإسلامية في خارجها.
ينتسب الشيخ إلى أسرة تسمى في نجد بآل مشرف، من بني تميم، إحدى القبائل العربية الشهيرة.
ويعتبر بيت آل مشرف بيت علمِ قد توارثوه أباً عن جد، فجد الشيخ هو سليمان ابن علي كان من أبرز علماء نجد في وقته، صنف، ودرس، وأفتى، وتولى قضاء العُيينة.
وكذلك كان والده عبد الوهاب عالماً فقيهاً قاضياً في العُيينة ثم حُرِيملاء، أريعة عشر عاماً في هذه وأربعة عشر عاماً في هذه 702. ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العُيينة سنة 1115 هـ، ونشأ فيها نشأته الأولى، متعلماً على والده، حتى أدرك قسطاً طيباً من العلم.
وكانت نجد على ما تقدم آنفاً من الركود والجمود والبدع والجهل.
فاعتزم الشيخ السفر إلى مكة، فأخذ عن علمائها هناك، ثم توجه إلى المدينة.
فوجد فيها عالمين سلفيين: الشيخ المحدث محمد حياة السندي، والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف الشمري النجدي 703، فتضلع مما عندهما.
ثم توجه إلى البصرة، فقرأ على أهلها، ولازم الشيخ محمد المجموعي البصري، الذي ينتهي نسبه إلى طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -، وزار الأحساء، وأخذ عن علمائها، فاستكمل العلوم التي كانت تنقصه من تفسير وحديث ولغة، وغير ذلك 704.

الجزء: 1 - الصفحة: 304

وكان الشيخ يسلك طريق المباحثة مع شيوخه، فهو الطالب البصير والباحث المحقق، حتى إنه لم يلبث أن أخذ ينكر البدع والأعمال الشركية على العلماء والعامة على السواء، وهو لا يزال في البصرة، وفي هذه الفترة قيل: إنه صنف كتابه "التوحيد" هناك 705. ولا ريب أن هذه الوثبة الجريئة من الشيخ قد سببت له الأذى من أهل البصرة، حتى اضطر إلى الخروج منها والإتجاه إلى الزيير، فالأحساء، فحُرِيملاء، حيث انتقل والده إليها قبل ذلك.
عاد الشيخ من هذه الرحلة العلمية بما معه من الزاد العلمي القوي والعزيمة الماضية على الإصلاح والتغيير، إذ لا يزال يرى تلك المنكرات التي دبت في صفوف المسلمين من أهل نجد وما حولها، حتى بلغت بهم -أحياناً- حدّ الشرك الاكبر والعودة إلى الأوثان الجاهلية الأولى.
وعكف الشيخ في ذات الوقت على المطالعة لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فوجد ضالته المنشودة ويغيته المفقودة في هذين العالمين الجليلين، من خلال ما أورثاه من الكتب والمصنفات.
فالتقى ذهنه الحاد الثاقب، وفكره النير، وفهمه الصحيح الرشيد، مع تلك الكتب الداعية في عمومها إلى الكتاب والسنة، واتباع منهج السلف، ونبذ البدع والمحدثات.
وكانت نتيجة ذلك وثمرته الطيبة: أن نادى بالدعوة إلى تحديد ما قد بلي من ثوب الإسلام في بلدة حريملاء، وندد بتلك العادات والعبادات التي ليست على بصيرة، ودعا الناس إلى تصحيح العقيدة، وخلوص العبادة لله وحده، والرجوع إلى نقاوة الدين وصفاء التوحيد، فصادف معارضة قوية، ومشادة متينة، وأذية كبيرة.
ولما توفي والده سنة 1153 هـ جلس للتدريس والإفادة، وتقرير العقيدة الصحيحة، فاخذ الأنصار لهذه الدعوة يتكاثرون في حريملاء، ووفد إليه الناس من بلدان جاورة، يتعلمون منه، ويأخذون عنه.
ثم ضاقت عليه حُريملاء ببعفس السفهاء، فخرج إلى العُيينة، حيث مسقط رأسه، وأكبر بلدان نجد آنذاك.
فآواه أميرها عثمان ابن معمَّر ونصره، ولكن سرعان ما طلب منه المغادرة تحت ضغط حاكم الأحساء خالد ابن عريعر، وتهديده، فتوجه الشيخ إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 305

"الدرعية" سنة 1157 هـ، فوجدها درعاً له وحصناً حصيناً لدعوته، حيث وجد النصرة من أميرها محمد بن سعود، فسار الشيخ والإمام متعاونين على حمل هموم هذه الدعوة وتبعاتها.
ومنذ ذلك اليوم دخلت تلك الدعوة في طورها الجديد، طور التنفيذ والجهاد، فوجدت معارضة شديدة من عدد من أمراء بلدان نجد، وعلمائها وأعيانها وأتباعها من العامة، ومع ذلك فقد كتب الله لها النصر والغلبة، وكان الشيخ في ذلك كله لا يفتر يكاتب ويراسل، ويشرح المسائل التي يدعو إليها.
فجاهد الشيخ بلسانه وقلمه، وكان إلى جانب ذلك يشارك الإمام محمد بن سعود، ومن بعده ابنه الإمام عبد العزيز بن محمد، بالمشورة الصادقة والنصح الخالص مما تستدعيه أمور الدولة.
ويهذه الجهود الضخمة المتوالية تحولت الدرعية عاصمة للجزيرة العربية، ومثابة ومهاجَراً للبلدان المجاورة، بعدما كانت بالأمس بلدة صغيرة.
وتبع ذلك نهضة دينية وعلمية شاملة، إذ توافد إليها علماء أقطار الجزيرة، وطلابها، وراجت فيها سوق العلم والكتب، وعقدت في جوامعها ومساجدها حلقات الدروس.
بالإضافة إلى ذلك فقد صار فيها جيش منظم كامل القوة وافر السلاح، ودانت لها غالب الجزيرة العربية بالطاعة، فما توفي الشيخ (سنة 1206 هـ) حتى أقر الله عينيه بالنجاح الذي كللت به تلك التضحيات، والتمكين الذي جاء من وراء ذلك البلاء 706. ثم جاءت المواجهة الصعبة مع نائب الدولة العثمانية على مصر، فدارت رحا الحرب على أشدها بين الطرفين، ووإنت أيامها سجالاً، ولكنها آلت في النهاية إلى تغلب الدولة السعودية في المنطقة، وتوحيدها كاملة تحت راية الحق والعدل.

الجزء: 1 - الصفحة: 306

نتائج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

كانت نتائج الدعوة التجديدية التي قادها محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود -رَحِمَهُمَا اللهُ-، ذات أثر عميق في قلب الجزيرة العردلا بالدرجة الأولى، كما أن صداها القوي بلغ مناطق بعيدة في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، وتأثر بها كثير من العلماء والدعاة والمصلحين، وكانت حاجة السلمين في ذلك الوقت خاصة جدُّ ملحة إلى هذه الدعوة الجريئة الراشدة، إذ كان العالم الإسلامي يرزح تحت حكومات قد انقلبت إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، الأمر الذي مهد الطريق إلى الإستعمار الحديث لأكثر بلاد المسلمين، بالإضافة إلى الجهل والغفلة التي كانت طاغية على الوضع الثفافي آنذاك.
النتائج الداخلية: فأما النتائج في داخل الجزيرة، فقد تمثلت بتحقيق أهداف هذه الدعوة المباركة التي رسمت من أول يوم، وهي إزالة الدخن الذي كان قد أصاب عقائد المسلمين وعباداتهم.
فعرَّف الشيخ بحقيقة التوحيد، وأقسامه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات: فتوحيد الربوبية: هو الإعتقاد بوجود خالق واحد مدبر لهذا الكون، وهو الذي أقر به الكفار في الجاهلية.
وتوحيد الألوهية: هو إخلاص العبادة لله وحده من دون جميع الخلق، وهو الذي بُعثت من أجله الرسل، وأُنزلت من أجله الكتب.
وتوحبد الأسماء والصفات: هو أن يوصف الله سبحانه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من صفات الكمال التي تَعرَّف بها إلى عباده 707، وأن يثبت له من الأسماء والصفات ما ثبت في الكتاب والسنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 307

وإذا كان الشرك هو الإخلال ببعض شرائط التوحيد أو بعض أركانه، فلا غرو أن ينقسم هو الآخر إلى ثلاثة أقسام: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الصفات.
وقد جاء في رسالة في الصفات للإمام فيصل بن تركي -رَحِمَهُ اللهُ-: "وأما تعريف الشرك وأنواعه، فقد عرفه شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في "كتاب التوحيد"، فذكر أنواعه وأقسامه، وجليه وخفيه، وأكبره وأصغره، خصوصاً الشرك في العبادة، مما عساك لا تجده مجموعاً في غيره من الكتب المطولات، فإن الإيمان النافع لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقاً.
وأما أنواعه: 1 - فمنها: الشرك في الربويية، وهو نوعان: شرك التعطيل، كشرك فرعون، وشرك الذي حاجّ إبراهيم في ريه، ومنه شرك طائفة ابن عربي، ومنه شرك من عطل أسماء الرب سبحانه، وأوصافه من غلاة الجهمية، ومنه شرك من جعل مع اللأ إلها آخر، ولم يعطل ربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة.
2 - النوع الثاني: الشرك في أسمائه وصفاته، ومنه تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي، وهو شرك المشبهة.
3 - والنوع الثالث: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة.
فكل ما ذكرنا من توحيد الإلهية وأنواع العبادة والقصد التي لا يستحقها إلا الله، صرفها إلى غيره شرك" 708. ولقد أفاض الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- في مؤلفاته ورسائله في شرح أنواع التوحيد وأقسام الشرك المتقدمة، واعتمد في ذلك كله على كتاب الله سبحانه وتعالى، وعلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة، والمنقول من أقوال السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين، إلى أئمة الإسلام المجمع على إمامتهم، باعتبار أن القرون الثلاثة الأولى هي قرون السلامة من البدعة والإنحراف وتَمَثل السنة قولاً وعملاً واعتقاداً.
وقد كان الشيخ في ذَلك كله متشبعاً بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الموضوعات، وكذلك تلميذه ابن القيم، فهو سليل تلك المدرسة السلفية، ومترجم أفكارها والذاب عنها بلسانه وقلمه، وسيفه حين يجد الإصرار على الشرك والمعاندة من غير حجة ولا برهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 308

وكان الشيخ يفضل كتب السلف على كتب الخلف، ويدعو إلى الإعتماد عليها، لأنها قريبة من النبع الصافي، بعيدة عن الدخن والزغل والكدر.
فقد جاء في رسالته إلى ابن عبد اللطيف قوله: "فإن لم تتبع هؤلاء، فانظر كلام الأئمة قبلهم، كالحافظ البيهقي في كتاب "المدخل"، والحافظ ابن عبد البر والخطابي وأمثالهم، ومن قبلهم، كالشافعي وابن جرير وابن قُتيبة، وأبي عبيد، فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف" 709. وقد كللت جهود الشيخ بالنجاح التام، فأصبحت الجزيرة العربية موحدة براية التوحيد، صافية من كدر الشرك، خصوصاً وأن اللإمام محمد بن سعود استعمل سيف الحق في مواجهة المعاندين، وإبطال كيدهم باللسان والسنان، لأن دعوة لا تحميها قوة، ولا يؤازرها جهاد لا تصنع شيئاً على أرض الواقع: إذا لم تكن إلّا الأسنة مركباً ... فما حيلة المضطر إلّا ركوبها وكان من نتائج الدعوة أيضاً ما حققته من منجزات على الصعيد العلمي، بحيث تكونت مدرسة علمية سلفية خالصة، وضع الشيخ نواتها في حُريملاء، وتعاهد غراسها بعد انتقاله إلى العُيينة، ووسع قاعدتها، وعمق جذورها وتعاهد نموها في الدرعية، حتى استطاع أن يبعث من المبرزين منبها: الدعاة والقضاة والموجهين، إلى مختلف الأقاليم النجدية 710. وكان لهذه المدرسة صداها في التأليف والتعليم والبحث والتحقيق، فانبعثت الهمم للتنقيب عن كتب السلف والعناية بها، وازدهر الإهتمام بكتب التفسير بالمأثور، كإبن جرير وابن كثير والبغوي، ونحوها، والتفت الناس إلى الحديث وكتبه ورجاله، درساً وتحقيقاً وحفظاً، وتحول الإهتمام بالفقه من "الإقناع" و"المنتهي" إلى مطولات الكتب، التي تعنى بالخلاف والدليل والموازنة على ضوء أصول الفقه وقواعد الإستنباط، والأخذ بما يعضده الدليل من الأقوال والروايات والوجوه وغير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 309

وإن شئت أن ترى الثمرة ماثلة بين عينيك، فاقرأ الكتب الفقهية التي صنفت في ظل هذه الحركة المباركة، وسياق نتائجها، ككتاب "منار السبيل" و"السلسبيل في معرفة الدليل" وغيرها.
وكان من نتائج هذه الدعوة ومناصرتها أن قامت دولة بكامل مؤسساتها شعارها: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بعد جهود مضنية متطاولة تقيم الإسلام وتطبقه تطبيقاً عملياً، وكان للفقه الحنبلي الأثر الرئيس في استمدادات هذه الدولة للأنظمة والأقضية وغير ذلك.
النتائج الخارجية: وأما النتائج في خارج الجزيرة العربية، فقد أثرت الدعوة تأثيراً شاملاً في العالم الإسلامي، حتى في أولئك الذين كانوا يحملون ألوية المعارضة ونصب العداوة، فقد دفعتهم إلى التحقيق العلمي، والجد والبحث في بطون الأمهات، وتصحيح الأخطاء التي كان يعسر عليهم الإعتراف بها تحت ركام العوائد وتأثير الواقع المر: ففي المغرب الإسلامي ومصر ظهرت بوادر يقظة إسلامية تنادي بالإصلاح الديني والسياسي بما يتلاءم مع ييئتها المحلية، متأثرة من قريب أو بعيد، بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
كما كانت أصداء هذه الدعوة قوية في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا بمالا يتسع المجال لكشف تفاصيلها في هذه العجالة 711.

الجزء: 1 - الصفحة: 310

آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

ترك الشيخ -إلى جانب جهوده الأخرى- جملة وافرة من المكتوبات المتنوعة في موضوعاتها ومضامينها، فبعضها كتب جامعة، وبعضها رسائل مفردة، وبعضها اختصارات لكتب سابقة.
وتتسم تأليف الشيخ على وجه العموم بالجدَّة والتبصُّر، والرجوع ما أمكن إلى أمهات التراث الإسلامي التي صنفها السلف، في العقيدة، والتفسير، والحديث، وغير ذلك، بل وكثرة الإحتجاج بنصوص الشرع من كتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- وسنة نبيه المصطفى.
وتتسم من جهة أخرى بكونها خادمة لأهداف الدعوة التي قام من أجلها، وتصب في مجاريها، وتُسدِّد صوبَ مراميها.
ومن جملة آثاره التي تتصل بخدمة المذهب الحنبلي خاصة 712. 1 - آداب المشي إلى الصلاة.
2 - كتاب الطهارة.
3 - أريع قواعد تدور عليها الأحكام.
4 - إبطال وقف الجنف والإثم.
5 - مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
6 - مختصر زاد المعاد لإبن القيم.
وهذه الكتب مطبوعة ضمن مجموع "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب" الذي قامت بإعداده وإصداره جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة (1400 هـ)، وسبق لبعضها أن طُبع في طبعات مستقلة، أو ضمن مجموع كـ "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" 713.

الجزء: 1 - الصفحة: 311

وقد أثمرت دعوة الشيخ في نجد وما حولها ثلةً من أهل العلم والفضل، تألّقت نجومهم وأسهموا بجهود مبرورة على عهد الدولة السعودية الأولى والثانية، وكان من هذه الثلة كوكبة نيِّرة من آل الشيخ أبناءً وأحفاداً (1). ومن أبرز هؤلاء العلماء:

1 -

الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1165 - 1244 هـ):

وُلد في الدرعية، وتلمذ لأبيه في بواكير حياته، فحظي بحَوْطٍ من الرعاية والعناية والتربية، فنشَّأه تنشئَةً حسنة، فقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب، بالإضافة إلى مبادئ العلوم الشرعية والعربية.
فلما كبر لازم العلّامة حمد بن معمر، فأخذ عنه الأصول والفروع والحديث، ثم رحل إلى مكة المشرَّفة فتلقى عن علماء المسجد الحرام علوم اللغة والحديث، ثم انتقل إلى المدينة المنورة، فتضلع من علم الحديث خاصة عن علمائها، ثم رجع إلى بلدته ومسقط رأسه، فخاض جهاد الدعوة مع والده ويعده، حتى غزا الأتراك نجداً وخرّلوا الدرعية، فنُقل إلى القاهرة في آخرين من أسرة الشيخ سنة (1233 هـ)، فاستقر بها حتى توفي سنة (1244 هـ) في عهد الإمام تركي بن عبد الله مؤسس الدولة السعودية الثانية، -رَحِمَهُمَا اللهُ- وأجزل لهما المثوبة.
ويرز الشيخ عبد الله في الأصول والتفسير والحديث وأصولهما، وكان بصيراً بالعقائد، عارفاً بمقالات الفرق الإسلامية.
وفي عهد والده كان جلُّ اهتمامه منصرفاً إلى المزيد من التفقه، وتعليم الخاصة من تلاميذه وقاصديه.
فلما توفي والده حلّ محله في نشر الدعوة ومحمل أعبائها ومهامّها الجليلة، وكان مرجع أهل العلم في بلاد نجد قاطبة بعد والده، -رَحِمَهُمَا اللهُ- جميعاً.
وكان عضداً مساعداً لثلاثة من الأئمة في الدولة السعودية الأولى: الإمام عبد العزيز بن محمد، وابنه الإمام سعود، وحفيده الإمام عبد الله.714

الجزء: 1 - الصفحة: 312

وتتلخص جهود الشيخ عبد الله في الأنحاء التالية: أولاً: في رسالة المسجد التي أداها من خلال دروسه العلمية والوعظية وخُطبه المنبرية.
وقد تخرج على يديه عدد من الشيوخ؛ منهم أبناؤه الثلاثة: سليمان، وعبد الرحمن، وعلي، وابن أخيه عبد الرحمن بن حسن.
ثانياً: في جهاد القلم، وتمثل ذلك بكتبه ورسائله التي وجهها لنشر الدعوة والرد على المخالفين؛ بكشف الشبهات وإبطال ما ألصق بها وبرجالها من الآراء والمعتقدات الباطلة التي هم منها برآء.
وترك من الكتب والمصنفات: مختصر سيرة ابن هشام، وجواب السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية، والتوضيح عن توحيد الخلاف، والكلمات النافعة عن المكفرات الواقعة، وكتاباً في المناسك.
ثالثاً: القضاء، فقد تولى قضاء الدرعية في عهد الإمام عبد الله بن سعود آخر أئمة الدولة السعودية الأولى.
وكان الشيخ آية في الزهد والورع والإستقامة في دين الله، متحلياً بحلية السلف من الأخلاق العالية، كما كان داعية خير ورشد، عازفاً عن الدنيا مقبلاً على الآخرة، صادعاً بالحق لا يخاف في الله لومة لائم (1).

2 -

الشيخ عبد لله بن عبد الرحمن الملقب بـ "أبا بُطين" (1194 - 1282 هـ):

وأبا بُطين، أو: البابطين لقب أسلافه أيضا، وهو علم على بيت من البيوت القديمة في نجد، انتشرت فروعهم فيما بعد بين الكويت والملكة العربية السعودية.
ولد الشيخ عبد الله في روضة سدير بنجد، وفيها نشا وتعلم على قاضيها وفقيهها الشيخ محمد بن طراد الدوسري، ولازمه ملازمة تامة مع ما وهبه الله من الذكاء الوقاد والذاكرة القوية، فمهر في الفقه.
ثم ارتحل إلى شقراء، فأخذ عن قاضيها الشيخ عبد العزيز الحصين.
ثم رحل إلى الدرعية فأخذ عن علمائها التوحيد والتفسير والحديث715

الجزء: 1 - الصفحة: 313

والفقه وأصول هذه العلوم، ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر.
وفي سنة (1220 هـ) استُقضي للإمام سعود بن عبد العزيز على الطائف وملحقاته من قبائل الحجاز، وفيها أخذ علم النحو عن السيد حسين الجفري.
وفي عهد الإمام تركي بن عبد الله -مؤسس الدولة السعودية الثانية- تولى قضاء مقاطعة الوشم ثم ضُمّ إليه قضاء مقاطعة سدير عام (1231 هـ). وتولى قضاء عنيزة مرتين.
وفي ذلك كله كان ناشراً للعلم مفيداً للطلاب تدريساً وتعليماً وإفتاءً، وهكذا كانت ولايته في القضاء مصحوبة بسيرة أخرى تتمثل بنشر العلم في الطائف وشقراء وسدير وعمان والقصيم في أواخر الدولة السعودية الأولى، وطيلة فترة الدولة السعودية الثانية، حتى تخرجت على يديه جماعة كبيرة من العلماء، منهم: الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد صاحب "السحب الوابلة"، والشيخ عثمان بن بشر صاحب "عنوان المجد"، والشيخ محمد بن عبد الله بن مانع جدُّ آل المانع المعروفين في عنيزة بالعلم والفقه وتولي القضاء.
وترك الشيخ إلى جانب ذلك جملة وافرة من المؤلفات والرسائل والفتاوى والتحريرات، بعضها طُبع ضمن مجامع رسائل علماء نجد، وبعضها طبع مفرداً، وبعضها لم يطبع بعد، ومن ذلك: 1 - مختصر بدائع الفوائد لإبن قيم الجوزية.
2 - مختصر إغاثة اللهفان لإبن القيم أيضاً.
3 - حاشية على شرح منتهى الإرادات للبهوتي.
جرّدها من أصله الشيخ عبد الرحمن بن مانع.
4 - حاشية على الروض المربع للبهوتي.
5 - مختصر قواعد ابن رجب.
6 - فتاوى وتحريرات، جمع بعضَها ورتبه وطبعه إبراهيم بن محمد الحازمي، ولا تزال منها بقية مخطوطة في مدينة شقراء.

الجزء: 1 - الصفحة: 314

وكان الشيخ أبا بُطين إلى جانب الزهد والورع، ماهراً بالفقه ومذاهبه حتى إنه ليُعدُّ فقيه الديارالنجدية في القرن الثالث عشر بلا منازع، قال عنه تلميذه ابن حميد: "وأما اطلاعه على خلف الأئمة الأريعة، بل.
وغيرهم من السلف، والروايات والأقوال المذهبية، فأمر عجيب، ما أعلم أني رأيت في خصوص هذا من يضاهيه؛ بل ولا من يقاربه" (1). وقال عنه تلميذه ابن بشر: "وكان من الزهد والورع والكرم على جانب عظيم، مشتغلاً ليله ونهاره في خدمة العلم وطلبته، وهو كثير الإحسان إليهم، له المعرفة التامة في التفسير والحديث والفقه، وكان إماماً في كل العلوم" (2). توفي الشيخ البابطين في شقراء سنة (1282 هـ) بعد عمر طويل قضاه في خدمة المسلمين ونفع طلاب العلم، -رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأجزل له المثوبة (3).

3 -

الشيخ عبد الرحمن بن حسن أل آلشيخ (1193 - 1285 هـ):

وهو حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومجدد دعوته الإصلاحية.
وُلد في الدرعية، وكانت يومئذ موطن العلم الدعوة ومعهد علماء السلف.
وتلقى ترييته ونشأته الأولى على يد جده؛ إذ قُتل والده وهو صغير، فحفظ القرآن ولازم الدروس وتدرب على الفقه، ثم لازم علماء الدرعية بعد وفاة جده، ومنهم عمه عبد الله، والشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر، حتى مهر وتمكن وهو في باكورة شبابه، فأقبل عليه الطلاب وأخذوا عليه من فنون العلوم: التوحيد والتفسير والحديث والفقه وغير ذلك.
ثم استُقضي للإمام سعود بن عبد العزيز على الدرعية، فسار السيرة الحسنة، وصاحب الإمام عبد الله بن سعود مجاهداً بالسيف والقلم واللسان.
ولما غزا الأتراك نجداً وخربوا الدرعية سنة (1233 هـ) نُقل الشيخ إلى القاهرة في ثلة من أفراد أسرته.
وهناك أقبل على التوسع في العلم بين مجالسة العلماء ومنادمة الكتب، فقرأ على بعض كلبار علماء الأزهر ومصر، ولازم كثيراً منهم، كالشيخ عبد الله بن سويدان والشيخ حسن القويني، وأجازوه بإجازات طويلة مسلسلة وأثنوا عليه فيها.716717718

الجزء: 1 - الصفحة: 315

وفي سنة (1241 هـ) خرج من مصر والتحق بالإمام تركي بن عبد الله في الرياض، فآزره في القيام بالأعمال التي كان يقوم بها جدُّه من قبل، فجمع الشمل ولمّ الشعث ورأب الصدع الذي كان قد حصل بعد موت جدِّه، ونقلِ عمه الشيخ عبد الله إلى القاهرة.
وتوزعت جهوده على ثلاثة أنحاء: مؤازرة الأئمة من آل سعود -تركي وابنه وحفيده- بالرأي في شؤون الدولة، وتأليف الكتب والرسائل والنصائح، والوعظ والإرشاد والتدريس، حتى ازدهرت الرياض في عهده بالمعاهد العلمية.
واستمر على ذلك في عمرٍ طويلٍ حافلٍ بالنشاط، حتى وافاه الأجل سنة (1285 هـ) -رَحِمَهُ اللهُ- برحمته الواسعة.
ومن أبرز من تخرج على يد الشيخ عبد الرحمن: ابنه الشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد ابن عتيق، والشيخ عبد الرحمن ابن مانع، والمؤرخ إبراهيم ابن عيسى.
ومن آثاره المكتوبة: 1 - فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد لجده.
2 - قرة عيون الموحدين.
3 - مختصر العقل والنقل لإبن تيمية.
4 - مجموعة كبيرة من الفتاوى والرسائل تُقدّر بمجلد ضخم 719

الجزء: 1 - الصفحة: 316

أثر الملكة العربية السعودية في ازدهار الفقه الحنبلي

تعتبر المملكة العربية السعودية اليوم امتداداً للجهود المتواصلة التي قام بها آل سعود في توحيد الجزيرة العربية ولم شتاتها منذ أن قام الإمام محمد بن سعود -رَحِمَهُ اللهُ- يؤازر الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رَحِمَهُ اللهُ- في دعوته، ويفضل الله، تم بفضل تلك الجهود التي قام بها الشيخ والإمام تكونت الدولة السعودية الأولى التي مثلت النتائج المباشرة للدعوة الإصلاحية.
واستمرت تلك الدولة مدة تَنوفُ على السبعين عاماً قبل نشوب الحرب مع الأتراك، وتولى الإمامة فيها على التوالي الأئمة: محمد بن سعود، ثم عبد العزيز ابن الإمام محمد، ثم سعود بن عبد العزيز، ثم عبد الله بن سعود، رحمهم الله وأكرم مثواهم.
ويعتبر عهد الإمام سعود بن عبد العزيز العهد الذهبي للدولة، إذ امتدت ظلالها إلى قلب اليمن جنوباً، ومشارف العراق وسورية شمالاً 720. وفي ظل ذلك الإمتداد والتوحيد للمناطق العربية التي كانت قبل ذلك تعيش في فوضى وتشرذم دائم، انتشرت الدعوة الإسلامية بهدوء، وأمن واطمئنان، وفتحت الجزيرة عينيها على عهد جديد زاهر على كافة المستويات، وقد جندت الدولة العثمانية قواتها المصرية لكسر شوكة هذه الدولة، التي وحدت ما تحت يديها، وألفت بين أبناء المنطقة، بدعوى أن هذا العمل خروج عن الخلافة العثمانية، وشق لعصا المسلمين، والواقع أن الدولة العثمانية كانت غائبة تماما من الناحية الفعلية عن المنطقة قبل قيام الدولة السعودية الفتية، كما كانت غائبة عن الثغر الجزائري حين احتلته فرنسا بسهولة تامة.
وعن كثير من البلاد الإسلامية، علاوة على ضعفها، وعدم اهتمامها بالدعوة إلى الكتاب والسنة، والى نشر الإسلام بلغته العربيه التي نزل بها كتاب الله الكريم.

الجزء: 1 - الصفحة: 317

يقول الدكتور عبد الله بن محمد العجلان: "ولما كانت نجد -وهي قلب جزيرة العرب- أقل أقاليم الخلافة العثمانية رعاية؛ إذ أن العثمانيين لم يعيروا هذه المنطقة أي اهتمام، ولم تحظ منهم بأي رعاية، بل اكتفوا ببسط نفوذهم على الحرمين الشريفين، والساحل الغربي من شبه الجزيرة العربية، وساحل الخليج العربي، وتركوا وسط الجزيرة العربية، فلم يكن لهم فيها وجود مما جعله في عزلة شديدة عن العالم الإسلامي.
لما كانت نجد كذلك اضطرب فيها حبل الأمن، وقطعت فيها السبل، وسادت فيها الفوضى والسلب والنهب، والأخذ بالثأر، وماجت فيها الفتن، وعم الجهل، ودرست معالم الحضارة الإسلامية في مختلف جوانب الحياة" 721. وتعتبر الدولة السعودية الثانية وثبة أخرى في قلب الجزيرة في الاتجاه نحو توحيدها سياسياً، تحت سلطان واحد، وراية واحدة، يسودها نظام قائم على أساس الكتاب والسنة.
وقد واجه الإمام تركي بن عبد الله في بداية تأسيس هذه الدولة صعوبات كبيرة من الخارج ومن الداخل.
وعلى الرغم من الصعوبات الداخلية والخارجية، فقد تكلل جهد الإمام تركي بالنصر سنة (1240 هـ). ومنذ ذلك التاريخ حتى العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وهذه الدولة تسير سيراً متموجاً بسبب الكيد الخارجي بالإضافة إلى الفتن الداخلية.
ويعتبر عهد الإمام فيصل بن تركي الذي تولى الأمور من بعد أبيه على فترتين: دامت الأولى ما بين 1249 و 1254 هـ، والثانية ما بين 1256 و 1282 هـ، عهداً زاهراً بالطموحات لدولة سعودية ناهضة، مستقلة الكيان، مرهوبة الجانب، فقد أمضى حياته في الفترتين معاً في جهاد طويل متواصل سعياً في توحيد نجد وما حولها من المناطق، بالإضافة إلى إخرانج بقايا الحامية المصرية من أرض الجزيرة بصفة نهائية.
ولقد ظلت الدعوة الإصلاحية، التي قامت على أساسها الدولة السعودية الأولى، هي الركيزة التي اعتمد عليها الحكم في الدولة السعودية الثانية؛ بشكل عام، وفي عهدي الإمامين تركي بن عبد الله وابنه فيصل بشكل خاص، فقد توخى هذان الإمامان سيرة أسلافهما من آل سعود في استشارة ذوي الدين والرأي والخبرة والمعرفة فيما يتعلق بأمور الدولة العامة.

الجزء: 1 - الصفحة: 318

أما المملكة العربية السعودية اليوم، فقد قامت على الجهود المظفرة التي بذلها البطل الهمام الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ- منذ دخوله الرياض سنة (1319 هـ) إلى أن تم توحيد البلاد كلها تحت راية واحدة وتكوين المملكة العربية السعودية سنة (1351 هـ). ولا ريب أن جهد المملكة لم ينحصر في دعم الفقه الحنبلى واحتضانه فحسب، بل إن هذه المملكة ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ هي البلد الوحيد في العالم العربي والإسلامي التي تتخذ من الكتاب والسنّة دستوراً لها، وتلتزم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فأنواع المعاملات تطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وقد روعي في الأنظمة التي وضعت لتنظيم الإدارة أن تكون متلائمة مع روح الشريعة الإسلامية.
وكلمات "تشريع" و"شريعة" لا تطلق في الملكة إلا على الأحكام الواردة في الشريعة الإسلامية.
أما ما عداها من أحكام وضعية فيطلق عليها تعبير: أنظمة، أو تعليمات، أو أوامر، أو مراسيم 722. وغني عن البيان أن نقول: إن الفقه الحنبلي يشكل النسبة الكبرى في استمدادات المملكة التنظيمية والتشريعية، وبالتالي فإن هذا الفقه قد كتب له أن ينبعث غضاً ناضراً في التطبيق الميداني في مهد الرسالة وأرض الوحي.
ولئن كان المذهب المالكي قد شهد ازدهاراً تحت رعاية دول الإسلام المتعاقبة في الأندلس والمغرب، والمذهب الشافعي قد شهد مثل ذلك في أيام الأيوبيين والمماليك في بلاد الشام ومصر، وازدهر المذهب الحنفي على عهد الدولة العثمانية في البلاد التي كانت قوية مكينة فيها، فإن المذهب الحنبلي قد أصاب حظه من الإزدهار والعناية تحت رعاية الدول السعودية المتعاقبة التي تمثل المملكةُ اليوم العهدَ الجديدَ فيها.
قال الشيخ أبو زهرة: وإذا كان ذلك المذهب الجليل قد فقد الأتباع في الماضي، فإن الله سبحانه وتعالى قد عوضه في الحاضر، وذلك أن بلاد الجزيرة العربية تسير حكومتها في أقضيتها وعبادتها على مقتضى أحكامه، وكان ذلك تعويضا كريماً، وإخلافاً حسناً، لأن بلاد الجزيرة العربية تطبق الشريعة الإسلامية في كل أقضيتها، ولا تقصرها على نظام البيت (قانون الأسرة)، بل إنها تطبق أحكام الحدود والقصاص تطبيقا صحيحاً كاملاً،

الجزء: 1 - الصفحة: 319

فالحدود فيها قائمة، ومعالم الشريعة فيها معلنة، وأحكام المعاملات المالية كلها مستمدة من ذلك الذهب الجليل، فالربا حرام في شتى ضرويه بالقليل والكثير، من غير محاولة لتحليله، ومن غير تحايل على تسويغه، بل غلقت كل أبوابه ما ظهر منها وما بطن، وأخذت الصدقات الإسلامية، وجمعت زكاة المال في السائمة والزرع والنقدين وعروض التجارة، ويذلك قامت دولة الشريعة محكمة البنيان، ثابتة الأركان 723. وقيام المملكة العربيه السعودية على النحو الذي صورنا بعض جوانبه لم يكن آتياً من فراغ أو وليد طفرة وارتجال، بل هو تكامل في العمل وتواصل في البناء القائم على منهج قويم واضح المعالم، فيه الوفاء التام لأولئك الأسلاف الذين قضوا حياتهم في الدعوة والجهاد لتصحيح العقيدة وتجديد الدين، وعقد العزم على تطهر الجزيرة من كل عرف، أو تقليد، أو عادة، أو خرافة تفسد على الناس توحيدهم الخالص 724، ليأتي تطبيق الشريعة السمحة سهلاً مقبولاً على أمة قد وعت دينها وعرفت رسالتها، وليتعاون الراعي والرعية على القيام بهذا الواجب العظيم.
وقي هذا الصميم يقول الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ-: "وعليّ جعل الحكم في هذه الديار بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا يد طائلة عليكم اليوم، فكتاب الله فوق الجميع.
فالواجب عليكم هو معرفة الله تعالى، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وترك البدع، والخرافات والتأدب بآداب الشريعة السمحاء، وتوثيق عرى الألفة وأوامر النصيحة والإخلاص" 725. وإن إعلاناً كهذا ليس من السهولة أن يصدرمن ملك أو رئيس في زمن احتشدت فيه مغريات التجافي عن الإسلام ونظامه، فقد كانت سورة الحكم الإسلامي مهتزة في أذهان الخاصة والعامة على السواء إلا من عصم الله ورحم، وذلك من جراء أخطاء اقترفها المسلمون أنفسهم، ومن جراء الحملات الثقافية والفكرية والنفسية التي يشنها أعداء الإسلام على قضية الحكم الإسلامي.
وفي ذات الوقت كانت النظريات السياسية الجديدة تفتن القادة والزعماء، فضلاً عن طبقات أخرى كثيرة 726.

الجزء: 1 - الصفحة: 320

خلاصة ما تمّ في المملكة العربية السعودية من جهود في خدمة المذهب الحنبلي

إن المملكة العربية السعودية تتميز عن بقية دول العالم الإسلامي وأقطاره: بأنها دولة قامت على أساس الكتاب والسنة، وأدرك مؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ- أن أهم وظائف الدولة الإسلامية هي: تحقيق سيادة شرع الله، ونشر الدعوة الإسلامية؛ امتثالاً لقول الله تعالى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].
وقد تبين عمق هذا الإدراك جلياً في خطاب الملك عبد العزيز في الجلسة الإفتتاحية لمجلس الشورى بتاريخ 7 ربيع الأول سنة 1349 هـ إذ قال مخاطباً أعضاء المجلس والحاضرين: "وإنكم تعلمون أن أساس حكمنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سنّ كل نظام، وإقرار العمل الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد، على شرط أن لا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية؛ لأن العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيداً لأحد، والضرر كل الضرر هو السير على غير الأساس الذي جاء به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - " 727. فأقضية المملكة مستمدة من الشرع الإسلامي، والأنظمة والمراسيم الصادرة لا تخالف الشريعة الغرّاء بحالٍ من الأحوال.
ولا ريب أن الفقه الحنبلي يحظى بالدرجة الأولى في تكوين مصادر تلك الأقضية، كما هو واضح في التوجيهات الخاصة بالمحاكم والقضاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 321

كذلك تصدر الفتوى في المملكة في غالبها على ما هو الراجح، أو الصحيح المفتى به في هذا المذهب الجليل.
فهذا وذاك، كلاهما قد أعطيا دفعاً قوياً للعناية بالفقه الحنبلي من الناحية العملية، أما من الناحية العلمية فإن الدروس، والحلقات التي تُعقد في المساجد، وما هو المقرر على التلاميذ في المدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية، والمعاهد والكليات له عناية خاصة بالفقه الحنبلي وكتبه وعلمائه.
وتعتبر المراكز العلمية القائمة في المملكة خادمة بشكل أو بآخر لهذا الذهب؛ بما تحتوي عليه من كتب ومخطوطات ووثائق ومواد علمية مختلفة.
وإلى جانب تلك المراكز توجد المكتبات العامة سواءٌ منها التابعة للجامعات أو المستقلة، فهذه المكتبات تجمع ما طبع وحُقق ونُشر من التراث الحنبلي، كما أنها تجمع من المخطوطات الأصلية والصورة العدد الكثير.
ولا غير أن هذه الثروة من المخطوطات قد فتحت الطريق واسعاً أمام الطلاب والباحثين للإطلاع على الترات الحنبلي وتحقيقه تحقيقاً علمياً بما يستحق من العمق والدقة ليخرج في حُلة قشيبة مقرباً ممهداً أمام الدارسين والعلماء والمفتين والقضاة وغيرهم.
إن هذه الثروة العلمية التي تزخر بها المملكة العربيه السعودية الآن فيما يخص أصول المذهب وفروعه وأعلامه ومكتباته والدراسات التي أنجزت حوله، لتشهد بمدى الخدمة الجليلة التي قامت بها المملكة، ولا تزال تقوم تجاه هذا المذهب.
إلى جانب ذلك كله نجد العناية بالطباعة والنشر والتوزيع قد أسهمت هي الأخرى مساهمة فعّالة في إخراج جزء كبير من التراث الحنبلي من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات وتوزيعه في مختلف أنحاء العالم.
وقد بدأ الإهتمام بنشر الفقه الحنبلي الذي يعتبر ثرياً في مؤلفاته منذ تأسيس المملكة، وبعناية أُولي الأمر فيها، فقد طبع كتاب "المغني" ونشر لأول مرة مع "الشرح الكبير"، بأمر الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ-، وفي ذلك يقول الشيخ رشيد رضا:

الجزء: 1 - الصفحة: 322

"ما زلت أفكر في السعي لطبعه -أي المغني- إلى أن هداني الله تعالى إلى تبليغ أمنيتي هذه إلى السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد وملحقاتها، فبُلِّغت عنه أولاً أنه - أيد الله به العلم والدين، وأعز به الإسلام والمسلمين - عازم على طبع هذا الكتاب مع كتب أخرى لإحياء العلم وتوسيع نطاقه في بلاده، ثم خاطبني آخراً في طبعه مع "الشرح الكبير"، وطبع تفسيري ابن جرير وابن كثير، وكتب أخرى من كتب السنة والفقه، وتلا ذلك إرساله "المغني" و"الشرح الكبير للمقنع" ليُطبعا معاً مع غيرهما، مما عزم على طبعه" 728. وقد أشار الملك عبد العزيز إلى تلك المراسلة التي تمت بينه وبين الشيخ رشيد رضا في مقابلة مع رئيس تحرير "مجلة الكويت" في عددها المصادر في شهر شوال عام 1348 هـ قال فيها الملك عبد العزيز: "إن أمثال هذه الكتب الدينية من المؤلفات الجليلة، التي عرفت أهميتها، وكنت من أمد بعيد حريصاً على طبعها، لينتفع بما فيها من فوائد غزيرة، كان جُلّها محجوياً عن الأبصار، وليسهل اقتناؤها على المعدمين، ولا سيما "المغني" الذي لم يطبع قبل هذه المرة، وقد عثرنا على نسخة كاملة منه، فبعثنا بها وبتفسير ابن كثير ومؤلفات أخرى غيرها إلى السيد رشيد رضا في مصر، وبلغنا أنه تم طبعها، وكذا بعثنا إليه أيضاً بكتاب في الآداب ليطبعه" 729.

الجزء: 1 - الصفحة: 323

وبرز في ظل المملكة منذ نشأتها إلى اليوم ثلّةكبيرة من العلماء، ممن لهم إسهام سابغ في النهضة العلمية عموماً وخدمة المذهب الحنبلي خصوصاً، نذكر منهم:

1 -

الشيخ سعد بن حمد بن علي ابن عتيق (1267 - 1349 هـ):

وُلد ببلدة الحلوة: إحدى قرى الأفلاج، وتعلم في صغره على والده الذي كان قاضياً في حوطة سدير، فتعلم التوحيد والتفسير والحديث والفقه والنحو، ثم رحل إلى الهند بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره، مكث بها تسع سنين فقرأ على كبار محدثيها، كالشيخ صديق حسن خان والشيخ نذير حسين الدهلوي وغيرهما.
ثم عاد إلى مكة المكرمة فحج وأخذ عن جماعة من علمائها من بين نجديين وحجازيين وهنديين، حتى بلغ في العلم مبلغاً عظيماً، إلى جانب الغيرة الشديدة في الدين والصلابة في العقيدة.
ويعد عودته إلى الأفلاج عيّنه الإمام عبد الله بن فيصل قاضياً على الأفلاج، فاستمر على ذلك إلى أن دخل الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- الرياض سنة (1319 هـ) فنقله إليها وولّاه قضاء سكان البادية المحيطة بالرياض والقادمين إليها، وولاه أيضاً إمامة الجامع الكبير، وكان يعقد حلقتين للدروس، فأقبل عليه الطلاب وحفوا به وانتفعوا بعلمه، فتخرج على يديه عدد من أكابر العلماء من أمثال: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله العنقري، وغيرهم.
وإلى جانب هذا أورث منثورات من بين كتب ورسائل وفتاوى، من ذلك: 1 - نظم زاد المستقنع سماه "نيل المراد بنظم متن الزاد".
لم يكمله، فأكمله الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان.
2 - حجة التحريض في تحريم ذبح المريض.
توجد منها نسخة في مكتبة جامعة اللك سعود (215). 3 - فتاوى ورسائل منثورة تبلغ نحو الأريعين رسالة.
جمعت وطبعت بعنوان: "المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق".
وله شعر جيد ونظم رائق.

الجزء: 1 - الصفحة: 324

وقد اشهر الشيخ ابن عتيق بسعة العلم والتقى والصلاح، والجد والإجتهاد في نشر الدعوة السلفية.
-رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأجزل له المثوبة (1).

2 -

الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري (1290 - 1373 هـ):

وُلد بثرمداء: قرية من قرى الوشم، وكانت إمارتها متسلسلة في آبائه.
ونشأ يتيماً ضريراً بين والدته وأعمامه، فحفظ القرآن وتلقى العلوم الإبتدائية في بلدته على إمام جامعها حمد بن شعيل، فحفظ جملة من المتون 731 في التوحيد والفقه واللغة والمصطلح وغير ذلك.
فلما شب عن الطوق سافر إلى الرياض عام (1311 هـ) فتلقى عن علمائها المشهورين آنذاك، كالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخيه إبراهيم، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن، والشيخ سعد ابن عتيق، وغيرهم.
وكانت له -رَحِمَهُ اللهُ- محبة شديدة للعلم ورغبة صادقة في طلبه وتحقيقه والعمل به وجمع كتبه، حتى إنه جمع مكتبة من أنفس المكتبات؛ حافلة بنفائس المخطوطات، وكان له الفضل في جمع أشتات كتاب "المغني" لإبن قدامة لتكوين نسخة كاملة منه، حيث لم تكن منه في نجد نسخة كاملة، فجمع أجزاءه من البلدان وخزائن العلماء، حتى جمع نسخة كاملة، فنُسخت ثم أرسلها إلى الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- فطبع عليها الكتاب.
وكانت للشيخ عناية خاصة بالفقه الحنبلي؛ له اليد الطولى في التحقيق والتدقيق فيه من خلال ما عُرف في دروسه ومؤلفاته وفتاواه المحررة التي سلك فيها مسلك المحققين، بذكر الدليل والتعليل والترجيح؛ تبعاً لما رجحته الحجج من أقوال المجتهدين.730

الجزء: 1 - الصفحة: 325

تولى الشيخ قضاء بلدة المجمعة وإقليم سدير مع بلدان أخرى، عينه لهذا الشأن الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- وكانت له آثار طيبة ومواقف محمودة مشكورة في الصلح العام والوساطة بين المتحاريين في حوادث معروفة في أيامه.
واستمر في القضاء نحواً من ثلاثة عقود ونصف إلى سنة (1360 هـ) حيث استعفى فأعفي، وتفرغ للتدريس والتأليف حتى توفي، عام (1373 هـ) -رَحِمَهُ اللهُ-.
وتخرج على يديه من العلماء: الشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ محمد الخيَّال، والشيخ عبد الرحمن ابن قاسم، والشيخ حمو بن عبد الله التويجري، وغيرهم كثير، وكثرهم تقلدوا مناصب القضاء في المملكة.
وترك من المؤلفات من بين تعليقات ورسائل وفتاوى أشياء كثيرة، منها: 1 - حاشية على الروض المربع للبهوتي.
2 - تعليقات على نونية ابن القيم في العقيدة.
ويعض رسائله وفتاواه محفوظة ضمن مجاميع الرسائل النجدية (1).

3 -

الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (1307 - 1376 هـ):

ولد في بلدة عنيزة، ونشأ يتيم الأم، ثم يتيم الأب، فعنيت به زوجة أبيه، فلما كبر انتقل إلى بيت أخيه الأكبر حَمَد، فحفظ القرآن وأقبل على العلم في بلده، فانقطع له وجدّ في تحصيله حفظاً وفهماً ودراسة، حتى مهر، ونبغ وهو لا يزال في أطوار الطفولة ويواكير الشباب، وانصرف إلى العثاية بعلوم التفسير والحديث والتوحيد، وجعل من مطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم نبراساً له، فهي عنده في السمع والبصر والمورد والمصدر، فتوسعت مداركه، وتفتق ذهنه عن قريحة اجتهادية وثابة تنزع بالدليل، ولا تنقاد إلا لما ترجحه الحجج من الأقوال والروايات والوجوه في المذهب الحنبلي.
وبالرغم من أنه لم يحظ بالرحلة خارج بلده إلا أنه كان يكاتب العلماء في شتى بلاد الإسلام يسأل عن قضايا العصر، وما أفرزته المدنية الحديثة.732

الجزء: 1 - الصفحة: 326

ومن أبرز شيوخه بعنيزة: الشيخ إبراهيم بن محمد بن جاسر، في التفسير والحديث- وأصولهما، والشيخ صالح بن عثمان آل قاضي في الفقه وأصوله، والشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، في علوم اللغة، وغيرهم كثير.
واختصاصُ كل شيخ بما يتقنه من الفنون قد أكسب الشيخَ ابن سعدي معرفةً متميزة في تلك الفنون، كما تأثر بالشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رَحِمَهُ اللهُ- بطريقته في إلقاء الدرس وتقرير المسائل.
ولما بلغ الشيخ أشُدَّه واستوى في العلم تولى إمامة جامع بلدته عنيزة الكبير، ونشر علمه فيه خطيباً وفقيهاً ومفيداً للطلاب، يصرف جل أوقاته للدرس والتعليم 733، إلى جانب كنابة الوثائق وتحرر أوقاف الواقفين، ووصايا الموصين، وعقد الأنكحة، وغير ذلك.
وممن تخرج على يديه: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام مؤلف "علماء نجد خلال ثمانية قرون"، والشيخ محمد بن صالح العثيمين تغمده الله بواسع رحمته، والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان -رَحِمَهُ اللهُ- صاحب المؤلفات الكثيرة.
وغيرهم من أبناء الأسر المتفرقة في عنيزة وما حولها من ىل البسام والزغيبي والقاضي والشبل والزامل والعقيل، في آخرين يتجاوزن مئة وخمسين.
وقد أسندت إلى الكثير منهم مناصب القضاء والدعوة والإفتاء والإرشاد، والقيام بالتدريس في المدارس والمعاهد العلمية التي أنشأتها المملكة.
وترك علامة القصيم -رَحِمَهُ اللهُ- جملة وافرة من الكتب في التفسير والفقه وغير ذلك، منها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ويهجة قلوب الأبرار، والرياض الناضرة، والمختارات الجلية، والجمع بين الإنصاف ونظم ابن عبد القوي، والأصول الجامعة، وغيرها.
وله فتاوى جمعت بعد وفاته ورتبت وطبعت 734.

الجزء: 1 - الصفحة: 327

4 -

الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع (1300 - 1385 هـ):

ولُد في بلدة عنيزة، ويعد السابعة من عمره توفي والده، فنشأ يتيماً، فحفظ بعض القرآن الكريم، وحصل العلوم الإبتدائية من المختصرات التي كانت تدرس في ذلك الوقت، ككتاب التوحيد، ودليل الطالب، وبلوغ الرام، والرحبية، والآجرومية.
ولما ناهز الإحتلام رحل إلى عواصم العالم الإسلامي: بغداد، فالقاهرة، فدمشق، فبغداد ثانية، واتصل بكبار العلماء ولازمهم حتى حصل الكثير في الزمن القليل، وكان جادًّا مجدًّاً واصلاً نهاره بليله قراءة ومراجعة وحفظاً، لا يُضيع من الوقت قليلاً ولا كثيراً.
وكان سريع الحفظ، حاضر القلب، حتى نبغ واستوح ذاكرته كثيراً من المتون، وكان يقرأ على شيوخه الكتب قراءة بحث وتحقيق واستيعاب، حتى أوفى على الغاية وصار من كبار العلماء، فقيهاً بالمذهب الحنبلي، عارفاً بخلاف العلماء.
ومن جملة شيوخه الذين تلمذ لهم في أقطار العالم الإسلامي: الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، والشيخان: محمود شكري، وعلي نعمان، الآلوسيان، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ عبد الوهاب أفندي.
تقلب الشيخ في أعمال عديدة بين قطر والمملكة والبحرين، فقد ترأس النادي العلمي الذين أنشاه المحسن مقبل بن عبد الرحمن الذكير في البحرين، ثم تولى القضاء والتدريس والخطابة بقطر سنة (1334 هـ) لمدة ثلاث وعشرين سنة، ثم عينه الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- مدرساً بالمسجد الحرام والمدارس الحكومية سنة (1358 هـ)، ثم عينه رئيسًا لثلاث هيئات في المملكة: هيئة تمييز الأحكام الشرعية، وهيئة الأمر بالمعروف، وهيئة الوعظ والإرشاد.
وفي سنة (1365 هـ) عُيّن مديراً عاماً للمعارف، فرئيساً لدار التوحيد.
ثم عاد إلى قطر مرة ثانية سنة (1374 هـ) ليشرف على سير التعليم فيها لإصلاح المناهج.
وكانت إقامته الثانية في قطر، ونفوذ كلمته فيها، سبباً في عناية الحكومة القطرية بنشر الكثير من الكتب العلمية النافعة، في مختلف العلوم، ومنها الفقه الحنبلي، فقد أشرف على طباعة عدد كبير منها مع التقديم لها والتعريف بها.
= وسليمان بن عبد الله أبا الخيل.
بدراسة وافية عن الشيخ ابن سعدي في القسم الأول من كتابيهما "فقه الشيخ ابن سعدي".
وفي الجزء الثاني من "تاريخ المذهب الحنبلي" تعريف بآثاره الفقهية والأصولية.

الجزء: 1 - الصفحة: 328

وتعلم على يد الشيخ ابن مانع عدد كبير من الأعلام، منهم: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد الله ابن دهيش، والشيخ عبد الله الأنصاري القطري، وابنه أحمد مدير البعثات السعودية في القاهرة، والمعروفُ بكثرة الإطلاع على الكتب المطبوعة والمخطوطة، والمعرفة التامة بها.
ومن آثار العلامة محمد ابن مانع الكتوبة: 1 - مختصر شرح عقيدة السفاريني.
2 - حاشية على عمدة الفقه لإبن قدامة.
3 - حاشية على دليل الطالب للشيخ مرعي.
4 - إقامة البرهان على تحريم الإجارة في تلاوة القرآن.
5 - كشف الغطا عما في إعلام الورى من الخطا.
توفي ابن مانع في بيروت ونقل إلى قطر فدفن فيها.
-رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه عما قدم أحسن الجزاء (1).

5 -

الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (1311 - 1386 هـ):

وجده العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وُلد سماحة شَيخنا الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم في مدينة الرياض سنة (1311 هـ)، وتلقى العلم في بواكير حياته على والده، وابتلاه الله بفقد حبيبتيه وهو في الرابعة عشرة من عمره، وعؤضه عنهما عقلاً كبيراً وفهماً ثاقباً، فجدّ واجتهد في تحصيل متواصل حتى بلغ الغاية وصار من أبرز العلماء.
ولما توفي عمه الشيخ الداعية عبد الله بن عبد اللطيف سنة (1339 هـ) خلفه من بعده في شؤون الدعوة وأعبائها الجسام؛ من دروس وتوجيه وإرشاد ونحو ذلك، وظل يفيد أفواج الطلاب المتوافدين عليه.735

الجزء: 1 - الصفحة: 329

وللشيخ محمد بن إبراهيم -رَحِمَهُ اللهُ- جهود كبيرة قام بها في المملكة، نلخصها فيما يلي: • كان له الفضل في الإشارة على أولي الأمر بفتح المعاهد العلمية في مختلف أنحاء المملكة في العقد السابع من القرن الرابع عشر الهجري.
وكان يشرف عليها إشرافاً علمياً، وعهد إلى أخيه الشيخ عبد اللطيف بالنيابة عنه في إدارتها التنفيذية.
• لما أُنشئت دار الإفتاء سنة (1373 هـ) وصار لها مجلس تولّى رئاسته، وسُميّ مفتياً عاماً للمملكة، وقد جُمعت فتاواه المحررة فيما بعد فبلغت ثلاثة عشر مجلداً.
• في سنة (1376 هـ) وُحِّدت محاكم المملكة وأُنشئ لها مجلس قضاء أعلى، فأسندت إليه رئاسته، لما كان يتمتع به من الحكمة والبصيرة وحسن الرأي مع العلم الغزير.
• في سنة (1381 هـ) أنشئت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بمشورة الشيخ وتنفيذه ورئاسته، فأناب عنه الشيخَ العلّامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رَحِمَهُ اللهُ- في القيام بذلك.
• تولى رئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، التي قامت من أجل جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وتنشيط الدعوة الإسلامية ومراعاة أحوال الأقليات المسلمة خارج العالم الإسلامي.
بالإضافة إلى أشياء أخرى، كإشرافه على مدارس البنات، ورئاسته لمكتب الدعوة الإسلامية خارج المملكة، وتأسيسه المكتبة العامة السعودية بالرياض.
وبالجملة كان مرجع البلاد في شؤونها الدينية والإسلامية دقيقها وجليلها.
فكان الشيخ منذ سنة (1370 هـ) يقوم بهذه المهام الجسيمة بالمباشرة أو بالتعاون مع النائبين عنه واهباً وقته كفه لنفع المسلمين، على نهج سليم وهدى مستقيم وعقل راجح يحجزه عن الإندفاع والتسرع، ويهدي إلى التبصر في مقبلات الأمور، معتدلاً في المواقف والنظر، متزناً في الموقف والسير، إلى أن أدركه الأجل المحتوم، في مدينة الرياض سنة (1386 هـ)، -رَحِمَهُ اللهُ- برحمته المجللة.

الجزء: 1 - الصفحة: 330

ومن أشهر من تتلمذ على مفتي البلاد وعلَّامة الأمة -رَحِمَهُ اللهُ-: الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، والشيخ صالح بن سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم جامع فتاواه وفتاوى نجد، وغيرهم كثير.
ومن الآثار التي تركها من إملائه: 1 - الجواب المستقيم.
2 - تحكيم القوانين.
3 - مجموعة من أحاديث الأحكام.
4 - الفتاوى.
-رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأحسن له الجزاء 736.

الجزء: 1 - الصفحة: 331

الفصل الثالث

سمات الحنابلة

وفيه

تمهيد

، وستة مباحث:

  • الأول: أثر سيرة الإمام أحمد ومواقفه.
  • الثاني: الإعتناء بعلوم الحديث الشريف.
  • الثالث: الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
  • الرابع: الإتباع للسلف ومناهضة البدع.
  • الخامس: الحنابلة والسلطة السياسية.
  • السادس: الحرية الإجتهادية عند فقهاء الحنابلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 333

تَمْهِيدْ

لكل مذهب من مذاهب الفقه ميزاته وخصائصه التي يعرف بها، ويتلون بلونها، وتلك الخصائص إنما يرسمها عادة إمام المذهب ومؤسسه الأول.
ولا يخفى أن المذاهب الفقهية إنما نشأت نتيجة لاشتهار بعض علماء الشريعة الإسلامية بكثرة الفتوى وغزارة الإجتهاد في الوقائع أو التقديرات.
ثم إن تلك النشأة الأولى تكاملت، وتنامت عبر الزمن بفضل الجهود المتواصلة، حتى صارت عبارة عن مدارس لها ميزاتها، ومنهجها الواضح في استنباط الأحكام الشرعية، والصناعة الفقهية.
وعندما نتصفح السيرة الكاملة لإمام المذهب الواحد، والمسيرة الشاملة لأصحابه نجد جملة من الميزات والخصائص السلوكية والعملية قد تجمعت حولهم، وصاغت من يأتي بعدهم صياغة متقارية في التفكير والعمل والمنهج.
ومذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل هو أحد هذه المذاهب، فيكون هو الآخر قد تفرد بميزات واختص بخصائص وسمات.
• وتلك الخصائص إنما تكونت من سيرة الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- في مواقفه، وعلمه، وانبثت فيما بعد في أصحابه، وتوارثها الذين جاءوا من بعدهم، لما للإسلام من فضل على المسلمين في إعطاء التربية بالقدوة قيمة كبيرة في الإلتزام العملي بالشريعة.
واذا كان الإمام أحمد إمام المسلمين في السنة، وإمامهم في الحديث، فلا غرو أن نجد الأتباع من رجالات هذا المذهب قد صرفوا جهداً وافراً من اهتمامهم العلمي في العناية بالحديث الشريف وتطوير علومه.
كما تميز الحنابلة بإعطاء فريضة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر أهميةكبيرة في التطبيق والتنفيذ.
وتميزوا أيضاً بالإتباع للسلف، ومناهضة البدع، والوقوف في وجه كل دعوة أو سلوك من شأنه أن يفتح ثغرة في هذا الدين، للخدش فيه وتكدير صفوه.
على أننا لا ننكر أن يكون في كثير من عامة المسلمين فضلاً عن علمائهم من عض على هذه الخصلة بالنواجذ، لكن الذي يعنينا هنا هو الإتجاه العام والخط الرئيس الذي كان يسير فيه هذا المذهب بكوكبة علمائه.

الجزء: 1 - الصفحة: 335

وقد عاش الحنابلة في عهدهم الأول في عاصمة الخلافة الإسلامية العباسية، وكانت لهم مع الخلفاء مواقف تستحق أن نشير إلى شيء منها.
ويعتبر الزهد عند الحنابلة وصفاً أساسياً، يندر أن نجد منهم من تقلل منه، حتى إنهم زهاد الأمة، ومتمثلو هذا الجانب من الإسلام في حياة المسلمين ومرآة واقعهم.
وفي الأخير يكاد يكون شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وما تركه من آثار علمية وعملية من خيرة ما أنعم الله به على الأمة، وساق إليها من الخير مما أنجبته الأسرة الحنبلية، ولا مرية في أن اجتهاداته التي تفرد بها، واختياراته التي ذهب إليها تكون سمة جديدة في المذهب، تعكس مدى الحرية الإجتهادية التي عُرف بها فقهاء الحنابلة، فهذه الإختيارات خليقة بأن نتوقف عندها ونسلط الضوء على جوانبها.
هذه من أهم سمات الحنابلة في نظرنا، والتي سنأتي عليها بالبيان والإيضاح واحدة تلو الأخرى بالقدر الذي تحتاجه من البحث.

الجزء: 1 - الصفحة: 336

المبحث الأول

أثر سيرة الإمام أحمد على الحنابلة

لقد أتينا على سيرة الإمام المبجل بالقدر الذي يستدعيه البحث في السابق، ونتصور أننا قد وضعنا أمام القارئ مرآة جلية تنعكس عليها الصورة الكاملة لهذا الإمام العظيم، ويمكنه بسهولة أن يطالع تلك السيرة الحافلة بالأمجاد والمواقف التي صارت فيما بَعدُ معالم للعالم الرباني والإمامِ القدوةِ لغيره.
والآن نحاول أن نمهد للقارئ شيئاً جديدًا مما هو من نتائج تلك السيرة الجليلة، فيما يخص الأثر الذي تركته في نفوس أصحابه، ومقلدة مذهبه إلى عهود وقرون متطاولة.
لقد كان إمام السنة مدرسة لأصحابه يتعلمون فيها الزهد والورع، والإقتداء بالسلف، والإخلاص في العلم، وغير ذلك من الفضائل والمناقب التي دون حصرها خرط القتاد.
فلا تعجب إذا وجدت في تاريخنا الثقافي أو في مكتبتنا الإسلامية ذلك العدد الكبير من الأئمة والحفاظ والمؤرخين، يفردون سيرة هذا الإمام بالدراسة، ويدبجون الصحف في جمع مناقبه وتسجيل فضائله، ناهيك عفا كُتب عنه ضمن المجاميع والدواوين المخصصة لتواريخ البلدان وطبقات المحدثين والفقهاء أو غير ذلك.
فقد كانت أخلاق الإمام أحمد جذابة للطلاب ليلتفوا حوله، ويأخذوا من مشكاته المضيئة، فقد وصفا المرّوذي -وهو من ألصق أصحابه به- تلك الأخلاق الجذابة، فقال: كان أبو عبد الله لا يجهل، كان جُهل عليه حَلُم واحتمل، ويقول: يكفي الله.
ولم يكن بالحقود ولا العجول، كئير التواضع، حسن الخلق، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظ، وكان يحب في الله، ويبغض في الله، وإذا كان في أمر من الدين، اشتد له غضبه.
وكان يحتمل الأذى من الجيران 737.

الجزء: 1 - الصفحة: 337

فانظر وتأمل في هذا الوصف، وقارنه مع ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أليس حقاً إذا قلنا: إنه مجدد سنة الأخلاق النبوية الشريفة؟ وأظن أنك وقفت على ذلك القلب الكبير الذي أعفى المعتصم ومن معه ممن شاركوا في تلك المحنة، وحلَّلهم من تبعاتها إلا مبتدعاً مضلاً، وأعقب ذلك بقوله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك 738. هذه الجاذبية أفاءت على أصحابه وملازميه قدوة في السلوك، ومثالاً يحتذى في الأخلاق التي يجب على العالم أن يلتزم بها، ولا ريب أن الإنسان يتأثر بالشعاع المسلط عليه، والخلة والصحبة تنقل السجايا والأخلاق والصفات، كما قالوا: عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي وإن المتقلب بين صفحات تراجم أئمة المذاهب الفقهية، مطالعةً ودراسةً، ليجد تميزاً واضحاً لدى الحنابلة، يتمثل بتأثير سيرة الإمام على المنهج العلمي والعملي على سواء.
فاهتمام الحنابلة الكبير بالسنة والآداب، والإقتداء بالسلف لم يكن إلا صورة منعكسة لما كان عليه أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في هذا الجانب، فقد ألزم نفسه أن لا يكتب حديثاً إلا وقد عمل به، حتى مر به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فأعطى الحجام ديناراً حين احتجم 739. قال الذهبي: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علماً وعملاً، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأساً في الزهد والورع والعبادة والصدق 740. وهكذا كان الإمام أحمد يفضل لنفسه أن يعيش حياة سلفية خالصة، مع أنه كان في عاصمة الحضارة الإسلامية التي قد تجمعت فيها كل أسباب النعيم والرفاهية، وقد تجرد من جميع ملابسات العصر، ومناحراته، وما يجري من منازلات فكرية وسياسية أو اجتماعية أو حريية، واختار أن يحلق في جو الصحابة والصفوة من التابعين، ومن جاء بعدهم، ممن نهج نهجهم، واختار سبيلهم.
ولأجل ذلك كان علمه وفقهه هو السنة بعينها، لا يخوض في أمر إلا إذا علم أن الصحابة خاضوا فيه، فإن علم بذلك اتبع رأيهم، ونفى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه، واستعصم متوقفاً حذراً، فلا يقفو ما ليس له به علم،

الجزء: 1 - الصفحة: 338

لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهاج السلف، وإلحاد في دين الله سبحانه وتعالى، لا يتكلف التعمق في مسائل عقلية قد تكون متاهات للعقل البشري، وإن خرج من وعثائها سالمًا، فقد جهد نفسه في غير طائل، وشغل فكره في غير جدوى.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح، لأنه يؤول أمرهم إلى حيرة، عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض في الجدال والمراء، أدركنا الناس، وما يعرفون هذا الكلام، عاقبة الكلام لا تكون إلى خير 741. والخلاصة: أن الإمام أحمد تميز عن غيره: بأن كانت له شخصية جد مؤثرة، قد لاح أثرها في مرآة طبقات علماء المذهب بجلاء لمن تصفحها تصفح المتأمل البصير.
وفي هذا السياق يقول الأستاذ سعدي أبو جيب: لقد وقفت على سيرة علماء الحنابلة من أصحاب الإمام أحمد، ومن جاء بعدهم، حتى منتصف القرن الثامن الهجري، فوجدت أحمد في كل واحد منهم فكراً، ومنهجاً، ونظرة للحياة ... بل إني وجدت جانباً أو أكثر، من جوانب شخصية الإمام أحمد، حيا يتجول بين الأسطر .. تلك ظاهرة لم أجدها عند علماء مذهب من المذاهب ... أسجلها للتاريخ ... ليس إلا .. وعن عمد لم أجعل ميدان دراستي أصحاب الإمام أحمد، وتلاميذهم، من الذين ترجم لهم القاضي أبو يعلى 742، حتى لا تذهب بك الظنون إلى أن هؤلاء لقربهم من الإمام ربما كانوا أشد تأثراً به من سواهم .. وأنت محق في ذلك بلا شك، لأن طبيعة الأمور، وواقع الحياة يؤكد ما ذكرت .. ولهذا اخترت العلماء الذين ترجم لهم ابن رجب، وهم الذين أدركهم الأجل خلال انفترة الممتدة من 460 هـ إلى 751 هـ 743. ثم مضى في تسجيل النتائج التي ألّفت ما بين الإمام وأتباعه بتأليف محكم على الرغم من بعد الزمن وتطاول القرون.


الجزء: 1 - الصفحة: 339

المبحث الثاني

الإعتناء بعلوم الحديث الشريف

إذا كانت السمة الأولى للحنابلة متمثلة بالإستمداد من سيرة الإمام - رضي الله عنه -، ومواقفه وعلمه، تدوة في السلوك الفردي، ومنهجاً في الإصلاح الإجتماعي، وأصولاً في البحث العلمي، فإن الميزة الثانية التي تميز بها الحنابلة قد تمثلت بالعناية الواضحة بعلوم الحديث، والعمل على نشرها وخدمتها بإتقان.
لقد أسهم الحنابلة بجهد جهيد في خدمة السنة في شتى فنونها، فإذا فتشنا في أحاديث الأحكام وجدناهم من المشاركين في تجريدها، وإذا فتشنا في الأحاديث المتعلقة بالعقيدة وجدناهم حازوا فيه القدح المعلّى في جمعها وترتيبها، وكذلك في الشروح الحديثية، وعلم الرجال، وغير ذلك.
فهذا عبد الرحمن بن أبي حاتم (327 هـ) الرازي 744 الحافظ، نموذجاً حيا من تلك العناية بالحديث والسنة، وكتابه "الجرح والتعديل" لا يخفى على طالب حديث، كما أن كتابه في "التفسير" يعد مادة علم التفسير بالمأثور لمن جاء بعده، فقد جمع فيه الأحاديث المتعلقة بتأويل الكتاب العزيز، بالإضافة إلى موقوفات الصحابة، وأسباب النزول.
وصنف كتباً أخرى متنوعة، بالإضافة إلى ذلك قال الحافظ يحيى بن مندة: صنف ابن أبي حاتم "المسند" في ألف جزء، وكناب "الزهد" وكتاب "الكنى" وكتاب "الفوائد الكبير" و"فوائد أهل الري" وكتاب "تقدمة الجرح والتعديل".
زاد الذهبي: قلت: وله كتاب "العلل" مجلد كبير.
وهو مطبوع بالقاهرة في مجلدين، وعامة ما فيه أجوبة أبيه -أبي حاتم- وأبي زرعة عن علل الأحاديث المتعلقة بالأحكام.

الجزء: 1 - الصفحة: 341

وفي الجملة يعد هذا الرجل -كما قال أبو يعلى الخليلي- مستوعباً لعلم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال.
صنف في الفقه، وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار 745. فمن أين جاءت هذه العناية الشديدة؟ إنها القدوة التي كان يترسمها من شيخ شيخه؛ الإمام أحمد، يدل على ذلك شيئان اثنان: الأول: متابعته للإمام أحمد في أسماءْ المصنفات التي صنفها ومحتوياتها، "كالزهد"، و"الرد على الجهمية"، و"المسند"، و"العلل"، و"الكنى"، فهذه كلها عناوين لمؤلفات هذا وهذا.
الثاني: ذلك الثناء العطر الذي جمعه في "تقدمة الجرح والتعديل" عن الإمام أحمد وفضائله وعلمه وإمامته في الدين، مما يدل على إعجاب ابن أبي حاتم وتأثره البالغ بإمام السنة علماً وعملاً.
وإذا كان ابن أبي حاتم نموذجاً من المتقدمين، فأمامنا نموذج من المتأخرين متمثل ببيت كامل تسلسل فيه الإختصاص بالحديث وعلومه أباً عن جد، إنه بيت ابن منده العبدي الأصبهاني.
ففي ترجمة الحافظ يحيى ابن مندة (511 هـ)، قال ابن رجب 746: الحافظ "المحدث ابن المحدث، ابن المحدث ابن المحدث ابن المحدث ابن المحدث"!! فلاحظ كيف تشرف هذا البيت على الأقل بتوارث الحديث على مدى ستة أعقاب، فهو كما قال أبو بكر اللَّفْتَواني: بيت ابن مندة بُدئ بيحيى، وخُتم بيحيى.
قال ابن السمعاني: يريد في معرفة الحديث والفضل والعلم 747. ويعتبر الحافظ عبد الوهاب الأنماطي (538 هـ) محدث بغداد، بل حافظ عصره فيها، كما قال أبو موسى المديني في "معجمه".
وكان مختصاً بجمع الأجزاء الحديثية التي كانت قد بلغت ذروتها في ذلك الزمان، وكان جمَّاعتها من قبله أبو الحسن ابن الطُيُوري، فقرأ الأنماطي ما عنده من تلك الأجزاء، حتى قال ابن السمعاني فيه: جمع الفوائد وخرج التخاريج، لعله ما بقي جزء مروي إلا وقد قرأه وحصل نسخته 748!!

الجزء: 1 - الصفحة: 342

وكان مع ذلك شيخًا لحفاظ زمانه من أمثال: ابن ناصر، والسَّلَفي، وابن عساكر، وأبي موسى المديني، وابن السمعاني، وابن الجوزي.
وكذلك كان في المقادسة حفاظ وجهابذة، منهم حافظ الإسلام عبد الغني المقدسي (541 هـ - 600 هـ) صاحب "العمدة" و"الكمال في أسماء الرجال" وغيرهما، الذي كان رفيقاً للموفق في رحلته إلى بغداد، وطلب العلم بها، والحافظ ضياء الدين المقدسي (569 هـ - 643 هـ) مؤرخ الأسرة المقدسية، صاحب كتاب "الأحاديث المختارة" وغيرها.
• بعض مشاهير محدثي الحنابلة: وفيما يلي نجرد أسماء بعض الحنابلة الذين غلب عليهم في سيرتهم العلمية الإشتغال بالصناعة الحديثية وفنونها، مرتبين على تواريخ الوفيات:

  • أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال (311 هـ) مؤلف كتاب "السنة" و"العلل" وغيرهما.
  • أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (316 هـ) صاحب كتاب "الطهور" و، المصاحف" وغيرهما.
  • أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد (348 هـ) صاحب كتاب "السنن".
  • أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (360 هـ) صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها.
  • أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ) صاحب "الكنى" و"معرفة الصحابة" وغيرهما.
  • أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس (412 هـ) صاحب "الفوائد" وغيرها.
  • أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده (470 هـ) صاحب "المستخرج" و"المسند" وغيرهما.
  • أبو الحسين علي بن الحسن بن أحمد الحنبلي (471 هـ) المقرئ الفقيه صاحب التصانيف التي بلغت مئة وخمسين كتاباً.
  • أبو زكريا يحيى بن عمرو بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده

الجزء: 1 - الصفحة: 343

(511 هـ) الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ ابن المحدث وهو خاتمة المحدثين في بيت ابن منده.

  • أبو موسى محمد بن عمر المديني (581 هـ) الأصبهاني الحافظ.
  • أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي (600 هـ) صاحب التصانيف.
  • أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي (612 هـ) صاحب "الأربعين المتباينة".
  • أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (643 هـ) صاحب "المختارة".
  • أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (728 هـ) شيخ الإسلام.
  • شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (744 هـ) صاحب "المحرر في أحاديث الأحكام".
  • أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب (795 هـ) البغدادي، صاحب "شرح علل الترمذي" و"شرح جامع الترمذي"، وغيرهما.
    وإذا كان البيت الحنبلي هو بيت الحديث، فلا جرم أننا نجد ذلك منعكساً على الفقه الحنبلي، فإنه فقه الحديث والسنة.
    وما السبب فى تلك العناية الفائقة بالحديث عند الحنابلة يا ترى؟ إن السبب يعود في جوهره إلى التأثر بأمام المذهب ومؤسسه، إذ لا يخفاك أن الإمام أحمد قد اشتهر بشدة تمسكه بالحديث والأثر، ونزعته السلفية في ذلك.
    حيث وقف جزءاً كبيراً من حياته على تتبع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما أُثر عن صحابته، حتى أصبح حجة في علم الحديث، وعلم الرجال.
    وطغى ذلك على بقية العلوم لديه، مما جعل بعض العلماء يعده من المحدثين دون الفقهاء.
    وإجلال السنة والوقوف عندها، وطلب تفسير القرآن منها أمر واضح في منهج أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، وفيمن تأثر به من أتباعه وأصحابه.
    ولذلك كان الفقه الحنبلي فقه السنة

الجزء: 1 - الصفحة: 344

والأثر، أو بالأخص ما روي عن الإمام أحمد من مسائل وفتاوى.
فكان يكره أن يتكلم في شيء لم يكن له فيه سلف، وكان قد اجتمعت لديه مجموعة ضخمة من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفتاوي صحابته الكرام، حتى كان من شدة تمسكه ومتابعته للأثر إذا نقل عن الصحابة في المسألة قولان، روي عنه فيها روايتان 749. وللسنة مقام كبير في فقه الإمام أحمد، ومن تبعه من أصحابه، ويحق للدارس في ذلك أن يعتبر ذلك الفقه هو فقه السنة لوقوفه عندها، وحرصه على الإستشهاد بها، وتقصيه لا ورد منها، حتى لقد كان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- يتوقف في الإفتاء، وفي المسائل حتى يجد لها سنداً من السنة، وأقوال الصحابة، وقول الصحابي يرتفع لديه إلى درجة قوية في الإستدلال 750.


الجزء: 1 - الصفحة: 345

المبحث الثالث

الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

روى مسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وخرّج مسلم أيضاً من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
هذه الأحاديث، وغيرها كثير، تعلن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقرر مسؤولية حراسة الرأي العام داخل المجتمع المسلم على العام والخاص.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة محكمة ماضية في الأمة إلى يوم القيامة، وهي من أهم ميزات هذه الأمة المحمدية التي قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- في شأنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. ولايخفى ما تتطلبه هذه الفريضة من صبر وشجاعة واحتساب، وعلم بالمأمور به والمنهي عنه، بالإضافة إلى الآداب المطلوبة في القيام بالأمر والنهي.
هذه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما مدى تقيد الحنابلة بها؟ إن التاريخ الإسلامي ليصدع بما حفظ من وقائع للحنابلة في شأن هذه الفريضة، وتطبيقها، فقد كانت أصداء الحنابلة في بغداد على وجه الخصوص، وفي الشام، وغير ذلك، قوية لائحة في الآفاق، وإنك لتجد في طبقات ابن أبي يعلى هذه العبارة متكررة في تراجم كثير من أعلام الحنابلة: "الأمّار بالمعروف النّهّاء عن المنكر".

الجزء: 1 - الصفحة: 347

ففي ترجمة الحسن بن علي البربهاري (329 هـ) نجده موصوفاً بأنه: "شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان" 751. وقد مر معنا 752 أن الخرقي (334 هـ) توفي بالشام متأثراً بآثار الضرب الذي ناله في سبيل إنكار منكر رآه هناك.
وفي ترجمة علي بن الحسين العُكبَري: "الأمَّار بالمعروف النَّهاء عن المنكر" 753. وفي ترجمة طاهر بن الحسين: "كان زاهداً أمَّاراً بالمعروف نهَّاء عن المنكر" 754. ومن صور تلك الوقائع التي سجلها التاريخ في مدينة السلام بشأن القيام الجماعي بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما حصل مع الشريف أبي جعفر (470 هـ) الذي انتهت إليه الرحلة في وقته لطلب مذهب الإمام أحمد.
قال المؤرخون عن تلك الواقعة الشهيرة: "وفي سنة 464 هـ اجتمع الشريف أبو جعفر ومعه الحنابلة في جامع القصر، وأدخلوا معهم أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه.
وطلبوا من الدولة قلع المواخير 755 وتتبع المفسدين والمفسدات، ومن يبيع النبيذ، وضرب دراهم تقع بها المعاملة عوض القراضة.
فتقدم الخليفة بذلك، فهرب المفسدات، وكُبست الدور، وأريقت الأنبذة، ووعدوا بقلع المواخير، ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب الدراهم التي يتعامل بها، فلم يقنع الشريف ولا أبو إسحاق بهذا الوعد، وبقي الشريف مدة طويلة متعتباً مهاجراً لهم" 756. ويقيت سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفوف الحنابلة محفوظة إلى يومنا هذا، ولأجل ذلك كان من أوائل الهيئات الحكومية تكويناً في المملكة العربية السعودية "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ليحتسب على الناس في شؤون العبادات والمعاملات الظاهرة العامة.
وإذا كان الحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- قد أبلوا في إعطاء الأمر بالمعروف أهميته التنفيذية، وإقامة جانبه العملي، فقد قاموا برسم معالمه الفقهية وأحكامه الشرعية، حتى لا يكون

الجزء: 1 - الصفحة: 348

الآمر والناهي ماشياً في عماية، ولا متعاطياً لمضلات الفتن في غير هداية.
فقد ألف الحنابلة في ذلك التآليف المفردة، منها: • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي بكر الخلال (311 هـ). • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي بكر بن أبي الدنيا (281 هـ) • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للقاضي أبي يعلى (458 هـ). • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للحافظ عبد الغني القدسي (600 هـ). • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للحافظ ابن تيمية (728 هـ (. بالإضافة إلى ذلك، فقد أودعوا في ضمن المجاميع بحوثاً مطولة في تناول هذا الموضوع، كما نجد أبا عبد الله ابن مفلح (763 هـ) صاحب "الفروع" قد خصص لبحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجزء الأول من كتابه "الآداب الشرعية" زهاء مئة وعشرين صفحة، وهو مليء بالفوائد، مشحون بالعلم، ينبغي الإطلاع عليه.
كما ألفوا تآليف موجهة إلى الحكام والأمراء في بيان ما عليهم من الفرائض الشرعية في هذا الجانب، وذلك مثل: "الأحكام السلطانية" للقاضي أبي يعلى، و"السياسية الشرعية" لإبن تيمية، و"الطرق الحكمية" لإبن القيم.
ومن شدة الإهتمام بهذه الفريضة أدخل بعض الحنابلة تقريرات عنها في مصنفات العقيدة ورسائل التوحيد والسنة، ففي كتاب "شرح السنة" للبربهاري (329 هـ) نجد العبارة التالية: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خِفْتَ سَيْفَه وعصاه .. " ثم قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باليد واللسان والقلب بلا سيف" 757. وهكذا "بلا سيف" حتى يتمايز أهل السنة عن أهل البدعة في أنهم لا يتجاوزون حدود الطاعة لسلطان المسلمين، ولا يخرجون عليه بالسيف، بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أهل البدع يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم، أو ما ظنوه هم ظلماً، ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 758.


الجزء: 1 - الصفحة: 349

المبحث الرابع

الإتباع للسلف ومناهضة البدع

لا يخفى ما بين الإتباع للسلف والمناهضة للبدع من التلازم والتوافق، فإن الرجل لا يستطيع أن يكون مستمسكاً بمنهاج السلف - رضي الله عنهم -، دون أن يذب البدع عن دين الله -عَزَّ وَجَلَّ- بأقواله وأفعاله.
فالمنهج الصحيح القويم الذي يستقيم عليه دين العالم المسلم الصادق، إنما ينهض على ركنين: ركن القيام بشأن السنة علماً وتعليماً ودعوة وعملاً.
وركن المناهضة للبدع في الإعتقاد والعمل وإنكارها، والتشديد على أهلها.
والبدع: هي ما أحدثه الناس واخترعوه في أمر الدين.
وهي نوع من المحرمات أخطر من المعاصي العادية، فإن فاعلها يتقرب بها إلى الله تعالى، ويعتقد ببدعته أنه يطيع الله ويتعبد له، وهذا هو خطرها.
والبدعة تكون: إما باعتقاد خلاف الحق، الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه.
وهذه هي البدعة الاعتقادية، أو القولية، ومنشؤها من القول على الله بلا علم.
وهذا من أعظم المحرمات، بل هو -كما يقول ابن القيم- أعظمها.
كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وإما أن تكون بالتعبد الله تعَالى بما لم يشرعه من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
وفي الحديث: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية.

الجزء: 1 - الصفحة: 351

والبدعتان -كما قال العلامة ابن القيم- متلازمتان، قلّ أن تنفك إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنى يعيثون في بلاد الإسلام، تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة، فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة 759. وإذا كان هذا هو شأن البدع في الميزان الشرعي، فما هو موقف الحنابلة القولي والفعلي من ذلك؟ لا مرية في أن الحنابلة كانوا تبعاً لإمامهم في هذا الشأن، فقد كان الإمام أحمد زينة بغداد ومنارتها اللامعة في الإستمساك بالسنة ومواجهة البدع التي كانت مدينة السلام مرتعا لها، ومسرحاً لترويجها، حيث إن عاصمة الخلافة أقوى من غيرها في اجتذاب الطلاب والزائرين وأصحاب الشؤون المختلفة من أقاصي البلدان وأدانيها.
فكلام الإمام أحمد في المحافظة على السنة والإقتداء بالسلف، وذم البدع والتنفير من أهلها كثير جداً.
قال ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة، لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير 760. ومن أجل ذلك ألّف الإمام أحمد كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية"، وبث في رسائله إلى أصحابه نصوصاً واضحة بشأن هذا الموضوع الخطير، فقد قال في رسالته إلى عبدوس بن مالك العطار: "أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين" 761. وقال في رسالته إلى مسدد بن مسرهد:

الجزء: 1 - الصفحة: 352

"أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، ولزوم السنة، فقد علمتم ما حلّ بمن خالفها، وما جاء فيمن اتبعها، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها".
إلى أن قال: ولا تشاور أحداً من أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك" 762. ولئن كان الإمام أحمد في أول أمره يحض أصحابه وينصح طلابه بعدم الخوض مع أهل البدع، وينهاهم أن يجادلوهم، باعتبار أن ذلك من الجدال المذموم في دين الله -عَزَّ وَجَلَّ-، والمراء الممقوت في القرآن الكريم.
فإنه قد عدل عن ذلك في آخر أمره، ورأى أن فريضة الذب عن الشريعة في أصولها وفروعها قد وجبت بعد ما استفحل أمر الزنادقة والجهمية والمرجئة، وصارت فتنهم تنفذ إلى قلوب الخواص والعوام في بغداد.
قال ابن مفلح -رَحِمَهُ اللهُ-: "وقد صنف الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- ورضي عنه، كتاباً في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره، واحتج بدلائل العقول.
وهذا الكتاب رواه ابنه عبد الله، وذكره الخلّال في كتابه 763، وما تمسك به الأولون من قول أحمد فهو منسوخ.
قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نُأمر بالسكوت، فلما دُعينا إلى أمرٍ ما كان بدٌّ لنا أن ندفع ذلك، ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه.
ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] 764. ومن صور ذلك الجدال العلمي الذي حُفظ لنا عن إمام أهل السنة قوله: "من قال، القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر، لأن القرآن من علم الله، وفيه أسماء الله ... [و] إذا قال الرجل: العلم مخلوق فهو كافر، لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه" 765. وبهذا فتح الإمام أحمد أمام أصحابه باباً للدفاع عن السنة ومحاججة المبتدعة باللسان والقلم، فتتابعوا يناظرون، ويؤلفون، حتى ملأت مآثرهم في ذلك سمع التاريخ وبصره.

الجزء: 1 - الصفحة: 353

قال ابن مفلح نقلاً عن حفيد القاضي أبي يعلى: "والصحيح في المذهب أن علم الكلام مشروع مأمور به، وتجوز المناظرة فيه.
والمحاجة لأهل البدع، ووضع الكتب في الرد عليهم، وإلى ذلك ذهب أئمة التحقيق: القاضي، والتميمي، في جماعة المحققين، وتمسكوا في ذلك - مع استغنائه عن قول يسند إليه - بقول الإمام أحمد في رواية المرّوذي: إذا اشتغل بالصوم والصلاة، واعتزل وسكت عن الكلام في أهل البدع، فالصوم والصلاة لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل" 766. هذا هو موقفهم من الناحية العلمية.
وأما من الناحية العملية، فقد كان عِلمُهم عَمَلهم، يعملون بالسنة ويقتدون بالسلف، لا يبالون بما يصيبهم في سبيل ذلك من النبز بالألقاب، فيوصفون تارة بالتشديد، وتارة بالتجسيم، وتارة بالحشوية، وتارة بالمشبّهة الذين يشبّهون الله بخلقه، وهم في كل ذلك صابرون محتسبون.
بالإضافة إلى التقيد العملي بالسنة وما أثر عن السلف، فقد أخذوا على أنفسهم أن يقاطعوا أهل البدع، ويجانفوهم، لما في ذلك من الإيحاش لقلوبهم والزجر لهم عما هم فيه، وكان قدوتهم في ذلك الإمام أحمد، فإنه لم يكلم أولئك الذين أجابوا في المحنة بخلق القرآن حتى مات.
قال ابن مفلح: وقد اشتهرت الرواية عنه في هَجْرِهِ من أجاب في المحنة إلى أن مات 767. وكذلك كان الصف الحنبلي نقياً -في جملته- على مدى الدهور.
بقي علينا في ختام هذا المبحث أن نميط اللثام عن صلة رجلين من أكابر الحنابلة بأهل البدع، والتحقيق في مدى صحة تلك الصلة وأثرها.
وهذان الرجلان هما: أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي (513 هـ)، ونجم الدين الطوفي الصرصري، ثم البغدادي (716 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 354

فأما ابن عقيل: فعلى الرغم من المكانة السامية التي بلغها، والمنزلة الرفيعة التي تبوَّأها، فإن بعض أصحابه من الحنابلة قد تكلَّم فيه، لتردُّده على بعض المشايخ من المعتزلة، وتلقيه عنهم علم الكلام.
يقول ابن عقيل عن ذلك: "وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء -يعني شيوخه من المعتزلة- وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً" 768. وقد علَّق الحافظ الذهبي -الذي نقل هذا الكلام- عليه بقوله: "قلت: كانوا ينهونه عن مُجالسة المعتزلة، ويأبى، حتى وقع في حبائلهم، وتجسَّر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة" 769. وقد اشتدت نقمةُ الحنابلة عليه نتيجة تجاسُرِه على تأويل نُصوص الصفات، ودفاعه عن الحلّاج، واعتذاره له، حتى طلبوا دمه، وأهدروه، إلى أن أعلن توبته عن آرائه الإعتزالية، ورجوعه عن ترحُّمِه على الحلّاج، فانطفأت بذلك نار الفتنة.
ولم يكتف -رَحِمَهُ اللهُ- بإعلان التوبة، بل أخذ يُصنِّفُ في الردِّ على المعتزلة، هاتكاً أستارهم، وكاشَفاً عن عوارِهم عن علم ودراية.
يقول الحافظُ ابن حجر: "نعم، كان مُعتزلياً، ثم أشهد على نفسه أنه تاب على ذلك، وصحَّتْ توبتُهُ، ثم صَنَّفَ في الردِّ عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره ومن بعدهم، وأطْراهُ ابنُ الجوزي، وعَوَّلَ على كلامه في أكثر تصانيفه" (2) ونَقل الحافظ ابن رجب قصة توبة ابن عقيل، ورجوعه عمّا كان عليه، فقال: "فمضى ابن عقيل إلى بيتِ الشريف، وصالحهُ، وكتب خطَّهُ: يقولُ عليُّ بن عقيل بن محمد: إني أبرأُ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعةِ الإعتزال، وغيره، ومن صُحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والتَّرحُّمِ على أسلافهم، والتكثُّر بأخلاقهم، ومما كنتُ عَلَّقْتُه ووُجِد بخطِّي من مذاهبهم وضلالتهم، فأنا تائبٌ إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحلُّ كتابتُه، ولا قراءتُه، ولا اعتقاده، وإنني علَّقتُ مسألة الليل في جملة ذلك، وإنَّ قوماً قالوا: هو أجسادٌ سود.
وقلتُ: الصحيحُ: ما سمعتُه من الشيخ

الجزء: 1 - الصفحة: 355

أبي علي، وأنه قال: هو عدمٌ، ولا يُسمى جسماً، ولا شيئاً أصلاً، واعتقدتُ أنا ذلك، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منهم.
واعتقدتُ في الحلّاج: أنه من أهل الدين والزُّهد والكرامات، ونصرتُ ذلك في جزء عملتُه، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه، وأنه قُتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة والمبتدعة وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم، فإن ذلك كله حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلمٍ فعله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عَظَّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام".
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ والأتباع ساداتي وإخواني - حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار عليَّ، لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقَّقُ أني كنتُ مخطئاً غير مصيبٍ.
ومتى حُفِظ عليَّ ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، واشهدتُ الله وملائكته وأولي العلم على ذلك سواءٌ.
قال تعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: 95].
وكتب يوم الأربعاء، عاشِر مُحرّم سنة خمس وستين وأربع مئة" 770. هكذا تاب ابن عقيل -رَحِمَهُ اللهُ- ورجع عمّا كان عليه، والله سبحانه يقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها، ومن أتبع السيئة بحسنةٍ محتها.
وهذا ما فعله ابنُ عقيل، فقد عاد بعد توبته الى نصِّ السنَّة، وردَّ على من مشى بُرهة في ركابهم من المبتدعة.
يقول ابن قُدامة المقدسي عنه: "ثُم عاد بعد توبته إلى نصِّ السُّنة والردِّ على من قال بمقالته الأولى بأحسن الكلام، وأبلغ نظام، وأجاب على الشُّبه التي ذُكِرت بأحسن جوابٍ، وكلامه في ذلك كثيرٌ في كتبٍ كبارٍ وصغارٍ، أجزاءٍ مفردةٍ، وعندنا من ذلك كثير، فلعلَّ إحسانهُ يمحو إساءته، وتوبته تمحو بدعته، فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات" 771.

الجزء: 1 - الصفحة: 356

وأما الطوفي: فقد اتُّهم بالتشيّع، بل بالرفض، وأُظْهر من شِعره ما يدلُّ على ذلك.
وقد وصفه الذهبيّ بـ"ـالشيعي"، وقال فى "ذيل العبر".
"وكان على بدعته كثيرَ العلم، عاقلاً متديناً"، وعن الذهبيّ نقل اليافعي في "مرآة الجنان".
وقال الصفدي: "كان فقيهاً ... شيعياً، يُظاهر بذلك، وُجِدَ بخطه هجْوٌ في الشيخين، ففُوِّض أمرُه الى بعض القضاة، وشُهِدَ عليه بالرفض، فضُرب ونُفِيَ إلى قُوص، فلم يُرَ منه بعد ذلك ما يَشِين، ولازم الإشتغال وقراءة الحديث".
نقل ذلك عنه السيوطي، في "بغية الوعاة"، والخوانساري، في "روضات الجنات".
وهذا الذي أجمله الصفدي، فصَّله ابن رجب، في نَقْله عن ابن مكْتُوم قوله: "واشتهر عنه الرفض، والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة، - رضي الله عنهما -، وفي غيرهما من جملة الصحابة، - رضي الله عنهم -، وظهر له في هذا المعنى أشعارٌ بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه، ويُظْهِر موافقةً له، منها قوله: كَمْ بَينْ مَن شُكَّ في خلافتِه ... وبَيْن مَن قِيل إنه الله فرُفع أمرُ ذلك الى قاضي الحنابلة سعد الدين الحارثي، وقامت عليه بذلك البّيِّنةُ، فتقدَّم الى بعض نوابه بضربه وتعزيره وإشهاره، وطِيف به، ونُوِديَ عليه بذلك، وصُرف عن جميع ما كان من من المدارس، وحُبِس أيَّاماً ثم أُطْلِق، فخرج من حينه مسافراً، فبلغ قوص من صعيد مصر ... ". وقد شغلت هذه القضية ابنَ رجب، فزادها بياناً، حيث قال: "وكان مع ذلك كله شيعياً، منحرفاً في الإعتقاد عن السنة، حتى إنه قال عن نفسه: حنبليٌّ رافضِيٌّ ظاهِري ... أشْعريٌّ إنها إحْدَى الكُبَرْ 772 ووُجِد له في الرفض قصائد، وهو يَلوحُ في كثير من تصانيفه، حتى إنه صنَّف كتاباً سماه "العذاب الواصب على أرواح النواصب".

الجزء: 1 - الصفحة: 357

وعندما ذكر البغدادي كتابه هذا قال: "يُقال: إنه حُبِس وطِيف به لأجل ذلك" 773. ثم زاد ابنُ رجب: "ومن دسائسه الخبيثة أنه قال في شرح الأربعين للنووي: اعلم أنَّ من أسباب الخلاف الواقع بينَ العلماء تعارضَ الروايات والنصوص، وبعضُ الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعهم من ذلك، وقال: لا أكتب مع القرآن غيرَه.
مع عِلْمِه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع".
وقال: "قيِّدوا العلم بالكتابة".
قالوا: فلو ترك الصحابة يُدَوِّنُ كلُّ واحد منهم ما روى عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لانضبطت السنة، ولم يبقَ بين آخر الأمة وبينَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في كل حديث إلا الصحابي الذي دَوَّن روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما".
قال ابن رجب: "فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه هو الذي أضل الأمة، قصداً منه وتعمداً، ولقد كذب في ذلك وفجر.
ثم إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها وتواترها، وقد صحَّت بحمد الله تعالى، وحصل العلمُ بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها -أو أكثرها- لأهل الحديث العارفين من طرق كثيرة، دونَ من أعمى الله بصيرتَه، لإشتغاله عنها بشُبَهِ أهل البدع والضلال.
والإختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها، وهذا أمر موجود، سواء دونت وتواترت أم لا، وفي كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، وهذا جهل عظيم" 774. ونقل ابن حجر، عن الكمال جعفر -قرأه بخطه-: "كان القاضي الحارثي يكرمه ويبجله ونزَّله في دروس، ثم وقع بينهما كلام في الدرس، فقام عليه ابن القاضي، وفوضوا أمره إلى بعض النواب، فشهدوا عليه بالرفض، فضُرب، ثم قدم قوص، فصنف تصنيفاً أنْكَرتُ عليه فيه ألفاظاً فغيَّرها، ثم لم نَرَ منه بعدُ ولا سمعنا شيئاً يَشِينُ، ولم يزل ملازماً للإشتغال، وقراءة الحديث والمطالعة، والتصنيف، وحضور الدروس معنا إلى حين سفره إلى الحجاز" 775.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

جواب هذه الدعوى: هذه هي النقول التي وردت في اتهام الطوفي بالتشيع والرفض في مصادر ترجمته، وبنظرة فاحصة إليها يتضح أن نجم الدين الطوفي كان قد احتل منزلة سامية بين علماء القاهرة، جعلت أستاذه سَعد الدين الحارثي يكرمه، وينزله في دروس، ويبدو أن الطوفي في هذه الفترة كان كثيرَ الهموم العلمية، تشغلُه مسائل لم يصل في دراستها إلى مرحلة النضج، ويُلهِبُ الشك فكرَه في بعض الأمور، وكان يرى وقوف العلماء على أنماط ثابتة، ورسوم موروثة، فلا يُعجبه هذا.
وهو ما يفسر ما وقع بينه ويينَ أستاذه الحارثي من كلام في الدرس، اقتضى أن يقومَ عليه ابن أستاذه، واستطاع خصومُه أن يجمعوا من البيِّنات، مِن فَلَتات لسانه، ويعضِ شعره، وربمَا زادوا فيه إلى الحد الذي أدى إلى تعزيره وحبسه، والتشهير به، ثم نفيه، وقد ذكر ابن رجب 776 عن المطري، حافظ المدينة ومؤرخها، أن الطوفي بعد سجنه نُفِيَ إلى الشام، فلم يمكنه الدخولُ إليها، لأنه كان قد هجا أهلَها وسبَّهم، فخشي منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجَّه إلى الصعيد، إلا أن الدلائل كُلَّها تشير بعد ذلك إلى استقامة فكره، ونضوج علمه، فلم يَرَ منه الناسُ ولم يسمعوا ما يَشِين، كما تقدَّم نقلُه.
وأمَّا ما ذكر ابنُ رجب أنه من دسائسه الخبيثة، فليس فيه ما يقومُ دليلاً على اتهامه، وهو يحكي عن قوم رأيهم في نتائج تأخُّر تدوين السنة، ولو كان رافضياً، لما تحدث عن رواية الصحابة لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالشيعةُ لا يُقرون من الحديث إلا.
ما جاء عن أئمتهم.
وأما قولُه عن اتهامه بالرفض: إنه يلوح في كثير من تصانيفه.
فكلام بغير بينة، وقد عقد الدكتور مصطفى زيد فصلاً نفى فيه عن الطوفي تهمة التشيع، ودرس كتبه الموجودة، ونقل منها نصوصاً كثيرة تنفي عنه التشيع والرفض، بل تقول في الرافضة أعْنَفَ مما يقول أعداؤهم 777. وعلى الرغم مما تقدم من أن الطوفي استقام أمرُه حين وصل إلى قوص، ولم ير منه الناس أو يسمعوا ما يَشيِن، إلا أن ابنَ رجب يرفض ذلك كلَّه، ويقول: "وقد ذكر بعضُ

الجزء: 1 - الصفحة: 359

شيوخنا، عمن حدثه عن آخر، أنه أظهر التوبة وهو محبوس.
وهذا من تَقيَّته ونفاقه، فإنه في آخر عمره، لما جاور بالمدينة، كان يجتمع هو والسكاكيني شيخ الرافضة، ويصحبه، ونظم في ذلك ما يتضمن السب لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -".
وهكذا لا يصدق ابن رجب توبته، ويحملها على التَّقيَّة، ويتهمه في صحبته للسكاكيني.
والسكاكيني هذا: هو محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمذاني ثم الدمشقي، المتوفى سنة 721 هـ، وقد قال في حقه الذهبيّ -وهو من هو بُغْضاً للرافضة-: "ومات شيخ الشيعة بدمشق وفاضلهم محمد ... في صفر عن ست وثَمانين سنة، وكان لا يغلو ولا يسب معيناً، ولديه فضائل.
روى عن ابن مسلمة، والعراقي، ومكي بن عَلَّان.
وتلا بالسبع، وله نظم كثير.
وأخذ عن أبي صالح الحلبيّ الرافضي.
وأخذه معه منصور صاحب المدينة، فأقام بها سنوات، وكان يتشَيَّعُ به سُنَّةٌ، وَيتسَنَّنُ به رافضَةٌ.
وفيه اعتزال" 778. والخوانساري الشيعي، حين ترجمه في "روضات الجنات" قال: "ولم نجد في تراجم الشيعة، ومعاجم الإمامية، ما يدل على كَوْنِ الرجل منهم، فضلاً عن كونه من جملة فقهائهم ومجتهديهمَ، ولو كان ما ذكره الصفدي في حقه صحيحاً لما خَفِيَ ذكرُه عن أهل الحق، ولَما ناسب وصف الحافظ السيوطي إيَّاه بالحنبلية، مع أنها أبعدُ مذاهب العامة 779 عن طريقة هذه الطائفة الخاصة، كما أشير إلى ذلك في ترجمة أحمد بن حنبل، فليتأمل".
ومن جهة أخرى، يعتبر كتابه "شرح مختصر الروضة" في أصول الفقه ميزاناً لمعرفة مذهبه، ومرآة للكشف عن مكمن معتقده، فهو في هذا الكتاب على العكس مما نُسب إليه، نجده يترضى عن الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم -، وبخاصة الشيخين، ويصرح في أماكن مختلفة باعتقاده بما يعتقده أهل السنة والجماعة، ويرد على الشيعة، ويبيّن أن الحق بخلافها.
ويستعمل في بعض العبارات ما يستعمله الذين عندهم ميول صوفية، مما يُبعد كونه شيعياً، فالشيعة لا ينحون ذلك المنحى.
إلا في مواضع ثلاثة من كتابه المتقدم، قد يفهم منها ميوله للتشيع، ولكن الأمر غيرُ صريح، وهي:

الجزء: 1 - الصفحة: 360

1 - كلامه على المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - في الجزء الثاني ص 130، واستنتاجه أن أبا بكر - رضي الله عنه - توقف في خبره، وأنه تفرس فيه نوع ضعف أو تهمة.
كما أنه يلاحظ أن الطوفي لا يترضى عن المغيرة - رضي الله عنه - عند ذكره، وقد أفاض فيمَا قيل عنه، ونقله من مصدر غير موثوق، وذلك في الجزء الثاني من ص 169 إلى ص 173. 2 - كلامه على إجماع أهل البيت والإعتداد به في الجزء الثاني من ص 107 إلى ص 117، وقد توسع في ذكر أدلة الشيعة ومناقشتها، وإجاباتهم على الأسئلة الموجهة إليهم، وقواها في بعض الأماكن، ولكنه لم يظهر منه بشكل واضح ترجيحه للإعتداد بإجماع أهل البيت.
3 - كلامه على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - في الجزء الثالث ص 262، وأنها تمت من باب القياس على الإمامة في الصلاة، لا بالنص عليها، وتجويزه - الطوفي - أنه كشف للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بوحي أو إلهام أن الخليفة بعده أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بحكم المقدور السابق، وأنه لم يوص بالتغيير عليهما لذلك، ولا يلزم من ذلك رضاه ... إلخ.
وهذا كلام غير صحيح، ولا يستقيم مع القول الحق في ذلك 780.


الجزء: 1 - الصفحة: 361

المبحث الخامس

الحنابلة والسلطة السياسية

الموقف الذي نسجله للحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- إزاء السلطة السياسية ينقسم بطبيعة الحال إلى موقف نظري مبني على فقه المسألة السياسية، وتقويمها من الوجهة الشرعية، وإلى موقف عملي يتمثل بممارسة الحنابلة الميدانية لما يفقهون في هذا الموضوع، وإعطائه الجانب العملي في خصوص الصلة بينهم وبين الخلفاء.
ثم إن كلا القسمين النظري والعملي يتوزعان في البحث على الإمام أحمد باعتباره إمام المذهب وراسم معالم طريقه، ثم على فقهاء المذهب على مختلف العصور.
وسننتقي منهم جماعة كان لهم الأثر الواضح في بلورة الموقف العام من السلطة السياسية والتعامل معها.
• آراء الإمام أحمد في السياسة: يذهب الإمام أحمد إلى ما اقتضته السنة المأثورة عنده في مناصحة الأئمة والإلتفاف حولهم، وعدم نزع يدٍ من طاعتهم، والصبر على ما كان منهم، وعدم جواز الخروج عليهم بالسيف ... إلى غير ذلك من الأحكلام التي آثر علماء السنة أن يلحقوها بمباحث التوحيد ومصنفات العقيدة.
ويحسن بنا أن نترجم رأي الإمام المبجل من لسانه وقلمه في هذا الموضوع، فقد وصل إلينا مبثوثاً في كثير من أجويته وكلامه المسموع، بالإضافة إلى كلامه المكتوب، ومن جملة ذلك المكتوب، ما أودعه في بعض الرسائل التي كتب بها إلى أصحابه، فقد جاء في رسالته إلى عبدوس بن مالك العطار حظٌّ وافر من الآراء السياسية، وإليك نصها: " ... والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين: البر والفاجر، ممن ولي الخلافة، واجتمع الناس عليه، ورضوا به، ومن خرج عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمي

الجزء: 1 - الصفحة: 363

أمير المؤمنين.
والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، لا يترك.
وقسمة الفيء، وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة؛ ومن دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً.
وصلاة الجمعة خلفه، وخلف من وَلَّى جائزة تامة ركعتان، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل جمعته شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم.
فالسنة أن يصلي معهم ركعتين، ويدين بأنها تامة، لا يكنْ في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين -وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان بالرضا والغلبة- فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.
ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" 781. ونلاحظ كيف يبني أحمد الإمام رأيه في الموضوعات السياسية، على الآثار والاتباع للسنة والسلف، وذلك واضح في قوله: " ... فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة ... " وقوله: " ... فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ". ويقول الشيخ أبو زهرة في هذا الصدد: ولقد كان مسلك أحمد في دراسته لبعض النواحي المتصلة بالسياسة رجلاً يتبع الأثر، ولا يتجانف عن مسلكه، وكان بالنسبة لآرائه في الصحابة، يتبع المنقول، وما كان عليه الكثرة من الصحاية والتابعين، - رضي الله عنهم - أجمعين، فهو في هذا أثري، كشأنه في كل ما كان يتجه إليه من دراسات.
وفي شأن الخلافة والخليفة، وممن يختار، وكيف يختار، كان رجلاً واقعياً يتجنب الفتن، ويجتهد في أن يكون شمل المسلمين ملتئماً، ويؤثر الطاعة لإمام متغلب، ولو كان ظالماً، على الخروج على الجماعة 782.

الجزء: 1 - الصفحة: 364

ومن هنا يتضح لنا أن الإمام أحمد لا يتوقف في كون علي عليه رضوان الله رابع الخلفاء الراشدين المهديين، عملاً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 783. فإنه يتناول فترة خلافة علي - رضي الله عنه -، فلا حجة لمن توقف في ذلك معللاً بافتراق الناس عليه 784. وكذلك يعتبر الخلافة الأموية صحيحة شرعاً، وكذلك الخلافة العباسية.
فقد ثبتت بطريق الغلبة والقهر في بدايتها، ثم توالى الخلفاء عليها بطريق ولاية العهد من السابق للاحق.
وانعقاد الإمامة بطريق الغلبة والقهر، مقرر بالإجماع.
فهذه آراء الإمام أحمد السياسية في الجملة، أو بالأحرى فقه السلطة السياسية، فما هو موقفه الواقعي من السلطة التي كان تحت إمرتها؟ • موقف الإمام أحمد من الخلفاء العباسيين: عاش الإمام أحمد في خلافة سبعة خلفاء من البيت العباسي، وهم على الترتيب: الهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل.
لكنه في فترة الثلاثة الأُول كان صغيراً، ثم شغل بطلب العلم والرحلة فيه، فلم يعش حياته السياسية وتجربته مع الخلفاء إلا مع الأربعة الأخر، فما موقفه منهم؟ كان الإمام أحمد متمسكاً بمبدئه العلمي تجاه العباسيين، في السمع والطاعة، والتزام الجماعة، يؤدي الذي عليه، ويسأل الله الذي له، كما هو اعتقاد سائر علماء أهل السنة والجماعة.
وعلى الرغم من أنه ابتلي بتلك المحنة العظيمة -محنة القول بخلق القرآن- على يدي المأمون، فالمعتصم، فالواثق، إلا أنه لم يخرج عليهم بالسيف، ولا أذن لأحد بذلك.
فكان بلا ريب ملتزماً بتلك النصائح التي كتب بها إلى عبدوس بن مالك العطار، والتي تترجم فقه المسألة تماماً.
ومما يدل على صدق ما نقوله ما رواه المؤرخون في موقفه من الواثق لما أمعن في القول بخلق القرآن والدعوة إليه، واجتمع إلى أحمد فقهاء بغداد ليروا رأيه فيما يجب أن يفعل:

الجزء: 1 - الصفحة: 365

قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم، وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمرته، ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم، ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر.
وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار 785. فأنت ترى كيف يرجح الإمام أحمد مصلحة الطاعة والجماعة، وحقن دماء المسلمين على مصلحة المواجهة والخروج والثورة على الخليفة.
وأن هذا الموقف إنما هو الإلتزام بالوصية النبوية الغالية، والوقوف عند حدود ما دلت عليه الآثار، وما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمناصحة للخلفاء ولغيرهم، على الوجه المشروع، وما يدخل في ذلك من تبليغ رسالة الله إليهم، وأنه لا يترك ذلك جبناً، ولا بخلاً، ولا خشية لهم، ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله، ولا يفعل ذلك أيضاً للرئاسة عليهم، ولا على العامة، ولا للحسد، ولا للكبر، ولا للرياء لهم، ولا للعامة.
ولا يُزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يخرج عليهم بالسلاح، وتظهر الفتن، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، وكما دلت عليه النصوص النبوية، لما في ذلك من الفساد الذي يربي على فساد ما يكون من ظلمهم، بل يطاع الله فيهم، وفي غيرهم، ويفعل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه 786. وإذا كان هذا موقف أحمد من الواثق الذي كان أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً 787، فكيف يكون من المأمون والمعتصم اللذَّيْن كانا أهون، لولا أنهما فتحا باب الفتنة، وبدأا بالمحنة؟ قال القاضي أبو يعلى: وقد روي عنه -أي الإمام أحمد- في كتاب "المحنة" أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، في غير موضع، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه 788.

الجزء: 1 - الصفحة: 366

• مواقف فقهاء الحنابلة من السلطة السياسية: سجل فقهاء الحنابلة مواقفهم من السلطة السياسية علمياً وعمليّاً من بعد الإمام أحمد، ولا ريب أنهم كانوا يقتبسون من مشكاته.
فأما الناحية العلمية، فهي التي نطالعها في مرآة الفقه الحنبلي تحت مباحث "الأحكام السلطانية" و"السياسة الشرعية" و"الخلافة والملك" و"أحكام الإمامة"، وغير ذلك من العناوين التي تدل على هذا الموضوع.
وأما الناحية العملية، فإننا نقرؤها في السير الذاتية لعلماء الحنابلة، وما سُجل لهم من الصلة بالخلفاء، وتولي بعض المناصب في الدولة، كالوزارة والسفارة، والقضاء، وغير ذلك.
• الموقف العلمي: لا يكاد يفترق موقف الحنابلة عن موقف الإمام أحمد تجاه الإمامة، في كيفية انعقادها، ومن يتولاها، ووجوب الطاعة في غير معصية، والمناصحة في غير فتنة، وتحريم الخروج بالسيف، وهذا موقف أهل السنة والجماعة الذين يعتبر الحنابلة في مقدمتهم وعلى رأسهم.
وقد أدّى القاضي أبو يعلى -رَحِمَهُ اللهُ-، فرض الكفاية بجمع شتات أحكام الإمامة في كتابه "الأحكام السلطانية".
قال في مقدمته 789: أما بعد، فإني كنت صنفت كتاب "الإمامة"، وذكرته في أثناء كتاب "المعتمد"، وشرحت فيه مذاهب المتكلمين وحجاجهم، وأدلتنا، والأجوبة عما ذكروه.
وقد رأيت أن أفرد كتابا في الإمامة، أحذف فيه ما ذكرت هناك من الخلاف والدلائل، وأزيد فيه فصولاً أُخر، تتعلق بما يجوز للإمام فعله من الولايات وغيرها، وأسال الله الكريم العون على ذلك، والنفع به إن شاء الله.
اهـ. ومن خلال كتاب الفرّاء يمكننا أن نطلع على جملة صالحة من كتاب "الإمامة" للخلال، الذي يعتبر مصدراً رئيساً من مصادر "الأحكام السلطانية".

الجزء: 1 - الصفحة: 367

كما أن شيخ الإسلام ابن تيمية جلى السياسة الشرعية، والأحكام السلطانية في مباحث رائعة بثها في مصنفاته ورسائله وفتاويه، وقد جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، من فتاوي شيخ الإسلام قسماً كبيراً رسمه بعنوان "الخلافة والملك وقتال أهل البغي" 790. ويقسم ابن تيمية الحكام إلى قسمين: خلفاء النبوة، وملوك.
ويستدل بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكاً عضوضاً".
والأولون، وهم خلفاء النبوة هم الذين استوفوا شروط الخلافة، وأن ذلك لم يتحقق إلا في الخلفاء الراشدين، ثم تحولت الخلافة من بعدهم إلى ملك، على أن ذلك لا يقدح في شرعيتهم، وجواز تسميتهم "خلفاء" وإن كانوا ملوكاً، ولم يكونوا خلفاء الأنبياء.
واستدل على ذلك بحديث الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر".
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
فقوله: "تكثر" دليل على من سوى الراشدين، فإنهم لم يكونوا كثيراً 791. ويقرر -رَحِمَهُ اللهُ- أيضاً: أن الميزان المحكم في تقويم أعمال الناس -ومنهم الملوك- إنما هو الموازنة بين مجموع حسناتهم ومجموع سيئاتهم، فمن ترجحت حسناته على سيئاته كان مقبولاً مرضياً.
ولما كانت مصالح الملك وحسنات الإمامة والخلافة لا تتحقق في الغالب إلا ببعض المفاسد والسيئات، كان لابد من عدم الإلتفات إلى تلك المفاسد والسيئات المرجوحة في جانب المصالح والحسنات 792، فهناك من الخلفاء من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال، إلا بحظوظ منهي عنها، من الإستئثار ببعض المال، والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم، وغير ذلك من الشهوات ... فهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر

الجزء: 1 - الصفحة: 368

سيئاً، وحكم الشريعة: أنهم لايؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات، ولا يؤمرون به، ولا يجعل حظ أنفسهم عذراً لهم في فعلهم، إذا لم تكن الشريعة عذرتهم، لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات، ويحضون على ذلك، ويرغبون فيه، وإن علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة، كما يؤمر الأمراء بالجهاد، وإن علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم، الذي تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد 793. • الموقف العملي: والموقف العملي من السلطة السياسية القائمة يوضحه جماعة من كبار علماء الحنابلة الذين كانت لهم أصداء وأيام مشهورة في الحياة الإجتماعية والسياسية الواسعة، فضلاً عن جهودهم ومآثرهم الجليلة في إثراء الفقه، وبلورة أصوله وسائر العلوم الشرعية الأخرى.
ومن أولئك الكبار: القاضي أبو يعلى: فقد كان -رَحِمَهُ اللهُ- ورعاً نزيها عفيفاً زاهداً، لا ترنو عينه إلى ما عند الخلفاء والأمراء من أعراض الدنيا الزائلة، بل لا يشغل نفسه أصلاً بذلك، ولا يفكر فيه.
وهذا يظهر جليا في شروطه على الخليفة القائم بأمر الله، عندما عرض عليه القضاء، فقد نفّذ ما اشترطه فعلاً، وكان يكره الأمراء الظَّلَمة ويقاطعهم، ويأمر تلامذته بمقاطعتهم (1). وعلى الرغم من أنه كان قد استُقضي لدى الخليفة القائم بأمر الله في الدماء والفروج والأموال بحريم دار الخلافة، إلا أن ذلك لم يؤثر عليه في علمه ورأيه ومواقفه، فلم يكن بالذي يقف في صف العباسيين في النقمة على الأمويين الذين كانت لا تزال لهم بقية في الأندلس في ذلك الوقت، خصوصاً وأن الدولة العباسية في ذلك الوقت كانت في يد الأمراء البويهيين الذين كانوا يميلون إلى الشيعة والرافضة.
ومما يؤيد هذا في القاضي أبي يعلى، أنه قد صنف كتابا سماه "تبرئة معاوية" دافع فيه عن معاوية - رضي الله عنه -، ورد الشبهات والإفتراءات التي وجهها خصومه إليه، ويعضهم

الجزء: 1 - الصفحة: 369

كان من بني العباس.
فدل ذلك على أنه كان جريئاً إذ صنف هذا الكتاب في قلب العاصمة العباسية، وإن تصنيفه هذا لدليل على أنه عاش مستقلاً في تفكيره، عزيزاً في نفسه، رافعاً هامته، لا يخاف في الله لومة لائم.
ومنهم: أبو الوفاء ابن عقيل: فقد سجل مواقف سياسية رائعة، وهو تلميذ القاضي أبي يعلى.
فقد كان ابن عقيل عظيم المكانة عند الخلفاء والملوك، وكان جريئاً في الإنكار بلسانه وقلمه لما يراه من المنكرات التي يقع فيها الأمراء فضلا عن العامة.
فقد كتب رسالة بعث بها إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير، وكانت شديدة اللهجة، لما ظهرت المنكرات في بناء سور بغداد على يديه 794. وكتب رسالة أخرى إلى السلطان جلال الدولة "ملكشاه" ينقذه من براثن الباطنية، الذين أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع، وجاء في مقدمة تلك الرسالة: أيها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس، فإذا فقدوه جحدوه، وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة، وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها، لقيام دلالة العقل على إثباتها 795. ومع هذا لم ينزع يداً من طاعة، ولا خرج عن الجماعة، وكانت له قيمة كبيرة عند الخلفاء، فقد تولى غسل الخليفة المستظهر بالله، ولما تولى المسترشد بالله بايعه ابن عقيل على شرطه الخاص، وقد قال في ذلك: ولما تولى المسترشد تلقاني ثلاثة من المستخدمين، يقول كل واحد منهم: قد طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فلما صرتُ بالحضرة، وقال لي قاضي القضاة -وهو قائم بين يديه- طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ثم مددت يدي، فبسط لي يده الشريفة،

الجزء: 1 - الصفحة: 370

فصافحته بعد السلام، وبايعت، فقلت: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله، وسنة الخلفاء الراشدين، ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة مني 796. ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد عاش حالة سياسية جد حرجة، عاشتها أمتنا الإسلامية في تلك الأيام، فقد انقسم المسلمون إلى دويلات وحوزات ملوك ينظر بعضهم إلى بعض نظر العدو المفترس، ثم جاءت هجمة التتار الساحقة فكسرت الشوكة واستباحت البيضة وعاثت فساداً في بغداد، ثم الشام، وإن خير وصف لتلك الحال القاتمة ما ذكره ابن الأثير في أول غارات التتار، إذ قال: لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر، فمنهم من أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها خروج الفرنج -لعنهم الله- من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وامتلاكهم ثغرها، أي دمياط، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوا لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم، ومنها أن السيف بينهم مسلول والفتنة قائمة 797. هذا كلام ابن الأثير، الذي كان يؤرخ لتلك الأيام العصيبة عن مشاهدة ومعاينة ومعاصرة، فالإسلام قد هوجم من ثلاث جهات: من شرقه بالتتار، ومن غربه بالصليبين، ومن داخله بالعداوة المستحكمة بين الأمراء والفرق، وموالاة أهل الذمة للأعداء أياً كان لونهم 798. وقد ذكرنا فيما مضى أن أسرة الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- قد انتقلت من حرَّان مهاجرة إلى دمشق بسبب غارة التتار على بلادهم.
وإننا لنجد لشيخ الإسلام مواقف جليلة مع أمراء عصره وبلده، ومع التتار المحتلين

الجزء: 1 - الصفحة: 371

الغاشمين على السواء.
وكانت تلك المواقف قد أثمرتها شجاعته النادرة، وجرأته في الحق التي امتحن بسببها عدة مرات في الشام ومصر، وفَوقَّت إليه سهام النقد من أعدائه وخصومه، كما قال الشاعر 799: حَسَدوا الفتى إذ لم ينالوا سَعْيَه ... فالقومُ أعداءٌ له وخصومُ كضرائرِ الحسناءِ قُلْنَ لوجهِهَا ... حسداً وبَغْياً إنه لدَميمُ فمن مواقفه مع بعض حكام عصره: أنه بلغه في سنة 693 هـ أن نصرانياً سب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وآوى إلى أحد العلويين، فحماه من غضب العامة، فثارت حمية الشيخ وغيرته على سيد الخلق، فاصطحب معه شيخ دار الحديث، وذهب إلى نائب السلطنة بدمشق 800، فكلماه في ذلك، فأرسل إلى النصراني، فحضر ومعه بدوي، فأغلظ القول للعامة المتجمعين، فحصبوهما بالحجارة، فأوذي الشيخ وصاحبه من قبل النائب بدعوى التحريض على ذلك.
وانتهت القصة بإسلام ذلك النصراني، واعتذر نائب السلطنة من الشيخين، وبهذه المناسبة ألف الشيخ كتابه المشهور "الصارم المسلول على ساب الرسول" 801. فهذه القصة تدل على أن الشيخ لم يكن قابعاً في زوايا التدريس والتعليم، غافلاً عن شؤون المجتمع، بل كان حارساً للرأي العام الإسلامي، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ملتزماً في ذلك ضوابط الشرع وحدوده من تبليغ أولي الأمر ما يحدث في سلطتهم مما هو من مسؤولياتهم، ولا يخشى في ذلك لومة لائم.
ولما غزا التتار الشام سنة 699 وهزموا عساكر الناصر بن قلاوون، وشتتوهم شذَر مذَر، بعد أن أبلى الجميع بلاء حسناً، فولى جند مصر والشام الأدبار، واجتازوا دمشق إلى مصر لائذين بالفرار، ومعهم أعيان العلماء والقضاة والوجهاء، حتى صار البلد شاغراً من الحكام والكبار 802.

الجزء: 1 - الصفحة: 372

لما استولت تلك الحالة المأساوية الذاعرة على الشام جمع ابن تيمية جماعة من الأعيان، واتفق معهم على ضبط الأمور، وأن يذهب على رأس وفد منهم يخاطبون قائد التتار (قازان) في الإمتناع عن دخول دمشق.
قال ابن كثير: وكلمه الشيخ تقي الدين كلاماً قوياً شديداً، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، ولله الحمد 803. ويروي لنا بعض أصحابه صورة من ذلك اللقاء، فيقول: كنت حاضراً مع الشيخ، فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل، ويرفع صوته، ويقرب منه ... والسلطان مع ذلك مقبل عليه، مصغ لا يقول، شاخص إليه، لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من الهيبة والمحبة سأل: من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله، ولا أَثبَتَ قلباً منه، ولا أَوْقَع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه، فأُخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل 804. وكان لذلك اللقاء أثره في دمشق إلى حين، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، إلا أن الأمور تغيرت بعد ذلك بسبب همجية التتار وإيغالهم في الفساد والتخريب، ففعلوا في دمشق الأفاعيل المنكرة الشهيرة 805، مما أثار غيرة ابن تيمية على الإسلام وأهله، فصار يحث على القتال قولاً وفعلاً، وأصدر بذلك عدة فتاوى مطولة في شأن التتار، والحكم فيهم، بعد أن علم من حالهم الداخلية أنهم ينتسبون إلى الإسلام بالإسم فقط 806. وقد استمرت جهود ابن تيمية في تلك الأيام قوية، لأن العامة رأوا فيه ناصرهم، وولاة الأمور رأوا فيه قوة لهم، وقد استمر على درسه يلقيه، ولم يكن طالب منصب يبتغيه 807، بل استمر مبتعداً عن المناصب، ولكن كان يؤخذ رأيه في تولية المناصب العلمية آنذاك، فإنه لما توفي ابن دقيق العيد سنة 702 هـ، وكان شيخاً لدار الحديث، أشار ابن تيمية بتعيين الشيخ كمال الدين الشريشي في محله، كما أشار بتعيين من اختارهم للخطابة ولرياسة المدارس المختلفة 808.

الجزء: 1 - الصفحة: 373

فكان في الجملة -كما وصفه ابن رجب - قد أعلى اللهُ منارَهُ، وجَبَل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالباً، وعلى طاعته، وأحيا به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتار والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأبّ النفاق، وأبدى صفحته 809.


الجزء: 1 - الصفحة: 374

المبحث السادس

أضواء على الإجتهاد عند فقهاء الحنابلة

يتميز مذهب الإمام أحمد عن بقية المذاهب الأخرى بأنه دُوِّنَ، وحُرِّرَ، ونُقّحَ، في فترة زمنية شملت عدة طبقات من أصحابه، لذلك نجد هذا المذهب غنيًا بالمجتهدين الذين عاشوا في القرون: السادس والسابع والثامن، فضلاً عن المتقدمين، وذلك من أمثال: أبي الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وموفق الدين ابن قدامة المقدسي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم 810. فهؤلاء أثروا المذهب بالتأليف والترجيح للروايات، والإستدلال عليها، والتفريع والتخريج.
والسبب في تمدد عمل التدوين والتحرير والتنقيح على مدى تلك الفترة الطويلة التي كان لها فضلٌ كبير في توفر عدد كبير من المجتهدين في هذا المذهب الجليل، السبب في ذلك يعود إلى نشأة المذهب في ذاته، وكيفية تكوّنه في أيامه الأولى.
وفحوى ذلك: أن الإمام أحمد كان لا يرضى لنفسه ولا لأحدٍ من تلامذته أن يُدوّن كلامه، بل كان يفضّل أن لا تُدون آراء الرجال، وأن الإكتفاء بتدوين السنة بما فيها من المرفوع والآثار الموقوفة على الصحابة، بالإضافة إلى اجتهادات التابعين، كان يرى أن ذلك يُغني عن آراء الرجال الذين جاءوا من بعدهم.
فكان من شأن موقف الإمام أحمد هذا أن اختلفت الرواية في نقل فتاويه واجتهاداته وسائر آرائه اختلافاً أدى إلى تميز هذا المذهب بتعدد الأقوال المنصوصة، ونما المذهب فيما بعد في طي هذا التعدد، بالإضافة إلى الوجوه المخرجة للأصحاب، الأمر الذي أتاح لمجتهدي الترجيح والإختيار مجالاً رحباً في توظيف آلة الإجتهاد وإعمال النظر والتحقيق.
وتلك كانت سمة من سمات المذهب الحنبلي وفّرت مساحة اجتهادية أمام فقهاء المذهب في مختلف طبقاتهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 375

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأقوال القديمة للإمام أحمد، وهي الأقوال المرجوع عنها، لم يكن الأصحاب ليتصرفوا بشأنها بالطرح والنسيان، ولم يعاملوها معاملة المنسوخ، بل وضعوها على بساط البحث والنظر، لتشكل آراء أخرى منسوبة إلى مَن قال بها من أصحاب الوجوه، وفي ذلك يقول الطوفي: قيل: قد كان القياس أن لا تُدون تلك الأقوال -يعني الأقوال القديمة المرجوع عنها- وهو أقرب إلى ضبط الشرع، إذ ما لا عمل عليه لا حاجة إليه، فتدوينه تعب محض، لكنها دُونت لفائدة أخرى، وهي التنبيه على مدارك الأحكام واختلاف القرائح والآراء، وأن تلك الأقوال قد أدى إليها اجتهاد المجتهدين في وقت من الأوقات، وذلك مؤثر في تقريب الترقي إلى رتبة الإجتهاد المطلق أو المقيد، فإن المتأخر إذا نظر إلى مآخذ المتقدمين نظر فيها، وقابل بينها، فاستخرج منها فوائد، وربما ظهر له من مجموعها ترجيح بعضها، وذلك من المطالب المهمة، فهذه فائدة تدوين الأقوال القديمة عن الأئمة، وهي عامة.
وَثَمَّ فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله، وذلك أن بعض الأئمة، كالشافعي ونحوه نصُّوا على الصحيح من مذهبهم، إذ العمل من مذهب الشافعي على القول الجديد، وهو الذي قاله بمصر، وصنف فيه كتاب الأم ونحوه.
ويقال: إنه لم يبقَ من مذهبه شيء لم ينص على الصحيح منه إلا سبع عشرة مسألة، تعارضت فيها الأدلة، واختُرم قبل أن يحقق النظر فيها، بخلاف الإمام أحمد ونحوه، فإنه كان لا يرى تدوين الرأي، بل همه الحديث وجمعه، وما يتعلق به، وإنما نَقَلَ المنصوصَ عنه أصحابُه تلقياً من فيه، من أجوبته في سؤالاته وفتاويه، فكل من روى منهم عنه شيئاً دونه، وعُرِف به، كمسائل أبي داود، وحرب الكرماني، ومسائل حنبل، وابنيه صالح، وعبد الله، وإسحاق بن منصور، والَمرُّوذِي، وغيرهم ممن ذكرهم أبو بكر في أول "زاد المسافر" وهم كثير، وروى عنه أكثر منهم، ثم انتدب لجمع ذلك أبو بكر الخلَّال في "جامعه الكبير"، ثم تلميذه أبو بكر في "زاد المسافر"، فحوى الكتابان علماً جمّاً من علم الإمام أحمد - رضي الله عنه -، من غير أن يُعلم منه في آخر حياته الإخبار بصحيح مذهبه في تلك الفروع، غير أن الخلَّال يقول في بعض المسائل: هذا قولٌ قديمٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 376

لأحمد رجع عنه، لكن ذلك يسير بالنسبة إلى ما لم يُعلم حاله منها، ونحن لا يصح لنا أن نَجْزم بمذهب إمام حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موت، ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد، والتصحيح الذي فيه، إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده، كإبن حامد، والقاضي وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي -رحمة الله عليهم أجمعين-، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا، لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لذهب أحمد، كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعاً، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم، جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم، ويُصحح منها ما أدى اجتهاده إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل بذلك وأفتى.
وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحرّاني حرسه الله تعالى، فإنه لا يتوقف في الفُتيا على ما صححه الأصحاب في المذهب، بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده، فتكون هذه فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله لتدوين النصوص ونقلها، والله تعالى أعلم بالصواب 811. اهـ. فهذه السعة الإجتهادية انعكست صورتها على آراء المجتهد شيخ الإسلام أحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (728 هـ) فيما عُرف بـ "اختيارات ابن تيمية".

الجزء: 1 - الصفحة: 377

اختيارات ابن تيمية

تعريف "الإختيارات"

: كلمة اختيار كلمة تتردد في كتب الفقه والأصول تردداً اصطلاحياً خاصّاً، وجمعها "اختيارات"، فهي من لغة الفقهاء واصطلاحاتهم، ومدلولها اللغوي واضح لا يحتاج إلى تفسير.
وجاءت هذه الكلمة متكررة في تراجم كثير من مجتهدي المذهب المترجَمين في "طبقات ابن أبي يعلى" (526 هـ)، فإنه كثيراً ما يصف المترجَم بقوله: له الإختيارات في المسائل المشكلات، أو: له الإختيارات في المذهب، أو ما يشبه ذلك.
فالاختيار يعني: الإنتقاء من الخلاف المذهبي، بناء على اجتهاد في الترجيح للقول أو الرواية أو الوجه الذي يختاره الفقيه المنتسب.
وقد يخرج الإختيار بصاحبه عن المذهب كلية لا يقتضيه الدليل.
والإختيار قد يكون مطلقاً بحيث لا يتقيد بأحد المجتهدين في المذهب، بل يتخير الفقيه من أقوالهم وتخريجاتهم، أو من الروايات المختلفة المروية عن الإمام ما يؤيده الدليل وتساعده الأصول، ويفتي به.
وقد يكون الإختيار مقيداً بالخلاف مع أحد المجتهدين، كاختيارات غلام الخلَّال التي خالف فيها شيخه الخلال، واختياراته التي خالف فيها شيخه الخرقي، فاختياراته هذه ليست مطلقة، بل هي مقيدة بما قرره الخلَّال أو الخرقي مذهباً للإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-.
فإذا تبين هذا، فالاختيارات المعروفة في الفقه الحنبلي ترجع في مجموعها إلى هذين القسمين: إما اختيارات مطلقة، كما هي اختيارات شيخ الإسلام التي نتحدث عنها.
وإما اختيارات مقيدة شاعت كثيراً في الأدوار التي كان المذهب يتكامل فيها، ويتنسق، ويُحرر.

التأليف في الإختيارات

: ألف علماء الحنابلة عدة كتب في فن الإختيارات الفقهية تأليف تدل على السعة الإجتهادية التي تميز بها فقهاء هذا المذهب، ومارسوها في الصناعة الفقهية.
فمن ذلك:

الجزء: 1 - الصفحة: 378

1 - الإختيارات، لبهاء الدين المقدسي.
(624 هـ) 2 - اختيارات ابن تيمية، جمع برهان الدين ابن القيم (767 هـ). 3 - اختيارات ابن تيمية، جمع محمد بن أبي بكر العلائي.
(1051 هـ) 4 - اختيارات ابن تيمية، جمع علاء الدين ابن اللحام (803 هـ). 5 - الإختيار في بيع العقار، ليوسف بن عبد الهادي (909 هـ). 6 - المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للشيخ عبد الرحمن السعدي (1376 هـ) صاحب "الفتاوي السعدية".
7 - اختيارات ابن قدامة صاحب المغني، لعبد العزيز الغامدي.
8 - اختيارات ابن القيم الفقهية في العبادات، لعبد العزيز الغامدي.
9 - اختيارات ابن القيم الفقهية في المعاملات، لعبد العزيز الغامدي.
ونجد جملة وافرة من الإختيارات والتفردات في طي كتب التراجم، خصوصاً طبقات ابن أبي يعلى، وابن رجب الحنبلي، مما يمكن أن يُجمع منه كتاب حافل.

اختيارات ابن تيمية ومميزاتها

: أولاً: نماذج منها 812: يرى -رَحِمَهُ اللهُ-: أ - ارتفاع الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، وبالمتغير بطاهر، وبماءٍ خلت به امرأة لطهارة، وبالمستعمل في رفع الحدث 813. ب - جواز المسح على النعلين والقدمين -أي معهما- وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين 814. جـ - المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه 815. د - جواز المسح على اللفائف ونحوها (4).

الجزء: 1 - الصفحة: 379

هـ - جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور .. وكذا خائف فوات الجمعة والعيدين وهو محدث 816. و- المرأة إذا لم يمكنها الإغتسال في البيت أو شق عليها النزول إلى الحمام، وتكرره أنها تتيمم وتصلي (1). ز - لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا لسن الإياس من الحيض.
وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها 817. حـ - تارك الصلاة عمداً لا يجب عليه القضاء ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل 818. ط - يجوز القصر في قصير السفر وطويله 819. وأن سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة 820. ثانياً: مميزاتها: تتميز اختيارات ابن تيمية بكونها لا تتقيد بالمذهب الحنبلي على ما هو الغالب في الإختيارات، ولكنها آراء مختارة من الفقه الإسلامي الواسع الرحيب من غير تقيد بمذهب من بينها، يتخير منها ولا يتقيد، إلا أنه يميل إلى المذهب الحنبلي في الغالب 821. فاختيارات شيخ الإسلام تدل على مدى قدرته الواسعة في الإجتهاد، مع مراعاة الموافقة لفقهاء الصحابة أو التابعين أو الأئمة المجتهدين الذين جاءوا من بعدهم، ولو كان ذلك خارج نطاق المذاهب الأربعة ما دام الدليل هو السائق إليه، وما دامت المسألة خلافية يصح فيها الإجتهاد، ولم تنحسم بإجماع يعتد به وتحرم مخالفته.
وهذه نماذج من تلك الإختيارات الخارجة عن نطاق المذاهب الأربعة: ففي الطهارة يقول: وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان 822.

الجزء: 1 - الصفحة: 380

فأنت تلاحظ أنه في هذه المسألة خالف أئمة المذاهب الأربعة، لكن وافق أربعة من غيرهم.
ويقول في باب المسح على الخفين: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري 823. فقد وافق الحسن البصري من فقهاء التابعين، واستعمل في ذلك القياس على عدم وجوب الإعادة لمسح الرأس بعد الحلق، وهو قول الجمهور، والصحيح من مذهب الإمام أحمد.
ويقول في كتاب البيع: وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، فلو باع جارية، وشرط على المشتري: إن باعها فهو أحق بها بالثمن، صح البيع والشرط، ونقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - 824. هذه نماذج من اختياراته التي لم يتقيد فيها بالمذاهب الأربعة.
وإذا كان كذلك، فكونه يختار ما يتوافق مع بعض المذاهب الأربعة من باب أولى.
وهذه بعض الأمثلة: ففي الطهارة يقول: والأحداث اللازمة، كدم الإستحاضة، وسلس البول، لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد.
وهو مذهب مالك 825. ويقول في باب الحيض: ويجوز للحائض قراءة القرآن، بخلاف الجنب، وهو مذهب مالك.
وحُكي رواية عن أحمد 826. وفي البيع يقول: وإن اصطرفا ديناً في ذمتهما جاز، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة، ومالك، خلافاً لما نص عليه أحمد 827.

الجزء: 1 - الصفحة: 381

الأسس التي ترتكز عليها اختيارات شيخ الإسلام

: بعدما تبين أن اختيارات ابن تيمية هي اختيارات من الخلاف داخل المذهب الحنبلي في الكثير منها، والقليل الباقي هو اختيار من الخلاف العالي -أي الخلاف خارج المذهب الواحد- في نطاق المذاهب الأربعة، أو خارج نطاقها، بعد معرفة ذلك نحاول أن نكشف عن الأسس والمنطلقات التي بنى عليها ابن تيمية اختياراته.
ولا شك أن تلك الأسس والمنطلقات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنزلة ابن تيمية في مراتب المجتهدين، ثم في منهجه في الفتوى وأصوله في التصرف بشأنها.

مرتبة ابن تيمية في طبقات المجتهدين

: درج المتأخرون من علماء الأصول على ترتيب المجتهدين في عدة مراتب، وقسموهم إلى طبقات متعددة، بعضها فوق بعض.
قال ابن بدران في "المدخل": جعل بعض المتأخرين أقسام المجتهدين على خمس مراتب، وممن علمناه جنح إلى هذا التقسيم أبو عمرو ابن الصلاح، وابن حمدان من أصحابنا في كتابه "أدب المفتي" وتلاهما شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، فإنه نقل في "مسودة الأصول" كلام ابن الصلاح ولم يتعقبه، وتبعهم العلامة الفتوحي في آخر كتابه "شرح المنتهى" الفقهي 828. وخلاصة هذه المراتب حسبما في آخر "الإنصاف" للمرداوي: أن المجتهدين ينقسمون إلى قسمين:

  • القسم الأول: المجتهد المطلق، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الإجتهاد التي ذكرها ابن قدامة في "المقنع" في شروط القاضي، لدى قوله: "والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام والحقيقة والمجاز ... " 829 الخ.
    إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة، وأحكام الحوادث منها، ولا يتقيد بمذهب أحد.

الجزء: 1 - الصفحة: 382

  • القسم الثاني: المجتهد المقيد، وهو المجتهد في مذهب إمامه، أو إمام غيره، وأحواله أربعة: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكنه سلك طريقه في الإجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيراً منه على أهله، فوجده صواباً، وأولى من غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
    الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عالماً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والإستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه.
    وهذه مرتبة أصحاب الوجوه والطرق في المذاهب.
    الحالة الثالثة: أن لا يبلغ به رتبة أئمة المذهب من أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره، ونصرته، يصور، ويحرر، ويمهد ويقوي، ويزيف، ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك.
    وهذه صفة المتأخرين الذي رتبوا المذاهب، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف.
    الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله وفهمه، فهو حجة في نقل المذهب وفتواه به، على أنه مخبر ناقل، لا مجتهد مستنبط، ولا يجتهد إلا في المسائل التي تتشابه مع المنصوصات بغير كبير تأمل ولا فكر.
    وكذلك المسائل التي يعلم أنها تندرج تحت ضابط من الضوابط الفقهية 830. إذا تبين هذا، فأين يرتب شيخ الإسلام؟ لا شك أن فتاويه التي أفتى بها على خلاف مذهب الإمام أحمد تدل على أنه إما مجتهد مطلق، وإما مجتهد مقيد من الدرجة الأولى.
    وقد عده المرداوي في "الإنصاف" 831 مجتهداً مطلقاً، فقال: قد ألحق طائفة من أصحابنا المتأخرين بأصحاب هذا القسم -يعني القسم الأول- الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمة الله عليه- وتصرفاته في فتاويه، وتصانيفه تدل على ذلك.
    ا. هـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 383

ومعنى ذلك: أن شيخ الإسلام يستقل بأصول في الإجتهاد والفتوى عن الأئمة الأربعة، ومنهم الإمام أحمد، ولكن تلك الأصول التي استقل بها تتشابه إلى حد بعيد مع أصول الإمام أحمد.
ويذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى القول بأن شيخ الإسلام معدود في المجتهدين المنتسبين، أي: إنه عنده مجتهد ضمن المذهب الحنبلي.
فقال: ولقد غالى فيه بعضهم فادعى أنه من أصحاب الإجتهاد المطلق الذي لم ينتسب إلى مذهب من المذاهب، وعلى ذلك يكون القول المعتدل الذي لا مغالاة فيه ولا شطط، ولا بخس ولا وكس: إنه مجتهد منتسب 832. وكلام الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- غير مسلم لعدة أسباب، منها: أولاً: أنه اعتبر من وصفه بالإجتهاد المطلق مغالين فيه، وأنهم يقعون على الطرف النقيض من أولئك الذين ينزلون به عن درجات الإجتهاد كلية لسبب العداوة والخصومة، ونحن لا نستطيع أن نتعرف على عالم من علماء المسلمين الذين غبروا إلا من خلال تلك الكتب التي عرّفت به أو الآثار التي تركها ووصلت إلينا، ولا يجوز لنا أن نعتبر كلامهم مغالاة أو اشتطاطاً إلا إذا تبين ذلك بوضوح.
وقد تقدم أن المرداوي يعتبره من المجتهدين على الإطلاق، وهو من علماء المذهب المحققين، الذين لا يطلقون الكلام جزافاً ولا مبالغة.
ووصفه ابن رجب في "الطبقات" 833 بأنه: الإمام الفقيه المجتهد المحدث ... إلخ.
وعادته -رَحِمَهُ اللهُ- أن لا يصف كبار الحنابلة بوصف "المجتهد" فضلاً عن صغارهم، فدل ذلك أنه يعتبره مجتهداً مطلقا.
وقال الذهبي فيه: وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة ... إلى أن قال: وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده 834.

الجزء: 1 - الصفحة: 384

وقال في موضع آخر: وإن عُد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق 835، وقال البرزالي-وهو تلميذه-: وبلغ رتبة الإجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين 836، ولا ريب أنه يعني بذلك المجتهد المطلق، لأن شروط المجتهدين التي نص عليها الأصوليون والفقهاء هي الشروط التي تؤهل الفقيه إلى رتبة الإجتهاد المطلق.
فهذه الشهادات، وغيرها مما تركناه، تدل على أنه كان مجتهداً مطلقاً في نظر أولئك الذين يعرفونه عن قرب، ويشهدون على المعاينة، أو النقل القريب.
وبالتالي لا يعتبر التوسط بين هؤلاء وبين أولئك الذين ظلموه ويخسوه حقه عدالة في القول وصواباً في الحكم وتجانفاً عن الغلو.
ثانياً: أن كثيراً ممن ترجم له وصفه بأنه كامل المعرفة بالقرآن وعلومه، والحديث وفنونه، واللغة ومباحثها، والأصلين، وغير ذلك مما يعده الأصوليون في الشروط المطلوبة في المجتهد.
وإذا كان الذي يحفظ أحاديث الأحكام بالإضافة إلى الدراية بعلوم السنة محصلاً لشرط الإجتهاد المطلق في ذلك، فكيف برجل قيل فيه: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث 837؟!! بل قد صرح الكمال ابن الزملكاني باستكمال شروط الإجتهاد لدى ابن تيمية، فقال: اجتمعت فيه شروط الإجتهاد على وجهها 838. ثالثاً: إن الشيخ أبا زهرة نفسه يقرر استقلال شيخ الإسلام بأصول يتميز بها عن غيره في الإجتهاد، فيقول مثلاً: إنه بلا شك من حيث أدوات الإجتهاد، والمدارك الفقهية، ومن حيث علمه بالسنة واللغة ومناهج التفسير، وفهمه للقرآن، وأصول السنة وإحاطته بالحديث دراية ورواية، يوضع في الدرجة الأولى من الإجتهاد المطلق 839. لكنه مع ذلك لم يجعله مجتهداً مستقلاً، لكونه يدور في فلك المذهب الحنبلي في نتائج الإجتهاد، حيث يتفق غالباً مع مذهب أحمد، ولو في بعض الروايات التي نُقلت عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 385

وهذا لا حجة فيه، لَما عَلمنا من أن الروايات عديدة في مذهب الإمام أحمد، حتى إننا لو اعتبرنا تلك الروايات مذهباً له على إطلاقها دون إعمال قواعد الترجيح والإعتماد والتمييز، إذاً لإستغرق مذهبه الخلافَ الموجودَ بين الصحابة والتابعين، ولم يبق من تفردات الإمام أحمد المطلقة عن بقية المذاهب إلا النادر الذي لا يلتفت إليه عادة.
ولا شك في أن شيخ الإسلام وليد المدرسة الحنبلية، وأنه من أتقن الناس معرفة بمذهب إمام السنة أصولاً وفروعاً، فهذا لا يجادل فيه أحد، ولا مجادلة في أن تفردات ابن تيمية عن المذهب الحنبلي قليلة.
وكذلك عن المذاهب الأربعة هي أقل، ولكن ذلك لا يمنع من صحة ما ترجح، لأن الإنسان مهما اجتهد في الأزمنة المتأخرة، فإنه لابد أن ينتهي إلى ما يوافق أحد المذاهب الأربعة، ولو في قول مرجوح، أو في وجه من الوجوه، أو في إحدى الروايات التي لم يعتمدها المتأخرون.
وذلك لا يعد مانعاً من أن يبلغ العالم من المتأخرين ما بلغه المتقدمون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

منهج ابن تيمية في الفتوى والإجتهاد

: ويسلك شيخ الإسلام في منهاجه العام في الإجتهاد والفتوى مسلك الإمام أحمد، وأصوله العامة، لأنها أصح الأصول في نظره، كما أنه يضيف إلى ذلك أصول أهل المدينة وعلى رأسهم إمام دار الهجرة مالك بن أنس -رَحِمَهُ اللهُ-، وهو يعتبر أصولهم راجحة على أصول غيرهم، وأنها تتشابه في الجملة مع أصول الإمام أحمد.
هذا ما يلحظ من خلال تفحص فتاويه ومباحثه المتعلقة بالمذاهب، فقد قال بصدد ترجيح أصول الإمام أحمد ما نصه: "ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع، وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً، كقوله بجواز فسخ الإفراد والقِران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة ... وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها

الجزء: 1 - الصفحة: 386

عن أبي حنيفة والشافعي، مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه .... فهذه غالبها يكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الآخر، وما يترجح فيها القول الآخر يكون مما اختلف فيه قول أحمد، وهذا: كإبطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة، ونحو ذلك الحيل المبيحة للربا والفواحش ونحو ذلك، وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود، والرجوع في الأيمان إلى سبب اليمين، وما هيجها مع نية الحالف، وكإقامة الحدود على أهل الجنايات، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون يقيمونها، كما كانوا يقيمون الحد على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك، وكاعتبار العرف في الشروط، وجعل الشرط العرفي كالشرط اللفظي، والإكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس، وإن ما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وما عدوه وقفاً فهو وقف، لا يعتبر في ذلك لفظ معين، ومثل هذا كثير" 840. فأنت تلمس من خلال هذا، أن شيخ الإسلام يفضل المذهبين ويقارب بينهما، لأنهما يعتمدان جميعاً في الأصول الإجتهادية ما يلي:

  • الإعتداد بسد الذرائع وإبطال الحيل التي تؤدي إلى هدم مقاصد الشارع.
  • الإعتبار للمعاني والمقاصد في العقود وعدم التركيز على الألفاظ المعبرة عنها.
  • إعمال السياسة الشرعية في تنفيذ الحدود والزجر عن الجرائم.
  • الإعتبار للعرف في الشروط وألفاظ العقود وغير ذلك مما لا يتناقض مع نصوص الشرع.
    وقد حُفظ في فتاويه -رَحِمَهُ اللهُ- كلام مطول نحو مائة صفحة تحت عنوان: "صحة أصول أهل المدينة" 841. وهذه بعض المقتطفات المهمة منه: "مذهب أهل المدينة النيوية -دار السنة ودار الهجرة ودار النصرة ... - مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقا وغرباً، في الأصول والفروع ... وفي القرون التي أثنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان مذهب

الجزء: 1 - الصفحة: 387

أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن، فإنهم كانوا يتأسون بأثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها ... ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة ... فأما الأعصار الثلاثة المفضلة، فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين، كما خرج من سائر الأمصار ... وهذا باب يطول تتبعه، ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم لطال الكلام.
إذا تبين ذلك، فلا ريب عند أحد من أن مالكا - رضي الله عنه - أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه ... وأما الحديث فأكثره نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما تركه طائفة من أصحابه، كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع، موافقاً للحديث الصحيح الذي رواه ... إذ قلَّ من سنة إلا وله قول يوافقها، بخلاف كثير من مذهب أهل الكوفة، فإنهم كثيراً ما يخالفون السنة، وإن لم يتعمدوا ذلك.
ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما".
اهـ. ثم ساق شيخ الإسلام في آخر البحث أمثلة كثيرة مما ذهب إليه أهل المدينة في العبادات والمعاملات والجنايات، وانتصر إليه بالحجة والدليل والنظر إلى مقاصد الشريعة وحكمة التكليف، وهو في ذلك كله ينظر بالمنظور الحنبلي، ويزن بميزانه، مما يدل في النهاية أن ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- جمع بين أصول الحنابلة وأصول أهل المدينة، وجعلها منهاجاً يسير عليه في الفتوى والإجتهاد والترجيح بين أقوال العلماء في الكليات والجزئيات.

الجزء: 1 - الصفحة: 388

الفصل الرابع

أبرز مؤلفات المذهب الحنبلي

وفيه

تمهيد

، وثلاثة مباحث: المبحث الأول: في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف.
المبحث الثاني: في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
المبحث الثالث: في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 389

تَمْهِيدْ

تعتبر مكتبة المذهب الحنبلي ثروة هائلة في الفقه الإسلامي، في أصوله وفروعه، وقد تكونت هذه المكتبة عبر الأدوار التي مر بها هذا المذهب في تاريخه وتطوره.
وكما سبق تركز المذهب الحنبلي في بغداد، ثم في الشام (دمشق - بعلبك - نابلس) ثم في مصر، ثم في المملكة العريية السعودية، فقد كانت المكتبة الحنبلية هي الأخرى تتبع ذلك التركز والتوضع في تطورها، وتكاملها.
ولا يخفى أن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على الرأي في أول أمره، كما مرَّ في سيرته، وذلك يستلزم بالحتم والتأكيد كراهة التأليف في الفقه وأصوله، لأن الفقه فيما عدا منصوصات الكتاب والسنة، إنما هو الرأي والقياس والإجتهاد.
ومن هنا، فإن فقه الإمام المبجل حُفظ ودون بواسطة جهود أولئك التلاميذ الذين كانوا يحيطون به، ويسمعون منه الأجوبة عن الأسئلة التي كانوا يسألونه إياها، أو يُسأل عنها بحضرتهم، فمنهم من دونها مباشرة، ومنهم من حفظها واستودعها ذاكرته، حتى إذا جاء وقت الحاجة دونها، وأملاها على تلامذته من الطبقة الثانية.
ثم جاء الخلَّال فجمع تلك المسائل بقدر ما أمكنه، فأدى واجب الكفاية في لَمِّ شمل هذا المذهب الجليل، وتدوينه تدويناً منهجياً يسهل على من جاء بعده معرفة المذهب الأحمدي وفاقاً وخلافاً وتوقفاً.
ثم جاءت أدوار التنقيح، والتهذيب، والتخريج، والإستدلال بالمنقول والمعقول، ووضع الأصول، والقواعد والضوابط، وغير ذلك من الأعمال الفنية والعلمية التي أخرجت الفقه الحنبلي إخراجاً كلاملاً، لا ينقصه شيء، على غرار المذاهب الأخرى التي مرت بنفس المراحل في التنقيح، والتهذيب، والتخريج، والإستدلال، والتأصيل.
ولا ريب أن اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة كان من المشكلات التي واجهت مقرري المذهب، ومحرريه، ومصححيه، إلا أنهم استطاعوا بفضل الله

الجزء: 1 - الصفحة: 391

وتوفيقه أن يصلوا إلى ييان الصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح، والمحفوظ من الشاذ في تلك الروايات، كما أوضح المرداوي ذلك في "تصحيح الفروع" وابن بدران في "المدخل" 842. ويهذه الجهود الضخمة خلف علماء الحنابلة تراثاً فقهياً ضخماً يتمثل في مصنفاتهم الكثيرة والمتنوعة، كثرة وتنوعاً تستعصي على الاستقصاء، وتعزب عن الحصر والإحاطة، وكيف لا، وهذا "مختصر الخرقي" عليه المئات من الشروح، حتى قال يوسف بن عبد الهادي (909 هـ) في آخر شرحه لغريب هذا "المختصر": قال شيخنا عز الدين المصري، إنه ضبط له ثلاثمائة شرح، وقد اطلعنا له على قريب العشرين شرحاً 843. وسنحاول أن نعرف بأهم المؤلفات في المذهب الحنبلي، التي اعتمد عليها العلماء والطلاب والباحثون، وعم نفعها، وبنى عليها الفقهاء في الفتوى والتأليف،- ولن نستقصي هنا في سرر المصنفات لأن ذلك سيكون بإذن الله في قسم مستقلٍّ خاصٍّ بذكر مؤلفات الحنابلة.
وذلك في ثلاثة مباحث رئيسة: المبحث الأول: في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف.
المبحث الثاني: في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
المبحث الثالث: في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 392

المبحث الأول

في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف

كانت مراحل تدوين الفقه الإسلامي شبيهة بمراحل تدوين السنة وعلومها، فقد كان الفقه في نشأته المبكرة مدوناً في جوامع لمسائله الروية عن أئمته بالسند المتصل، ثم أفرغت تلك الجوامع في مصنفات مبوبة ومرتبة ترتيباً أكثر منهجية، وأوضح تبويباً، وأدق ترتيباً، وهكذا شيئاً فشيئاً، حتى تشعب إلى شعب وفنون مختلفة سواء من الناحية الشكلية أو من الناحية الموضوعية.
ويمكن أن نضبط تلك الفنون والشعب التي توزعتها التصنيفات، وتناولتها البحوث والتأليفات، بعشرة أنواع: 1 - التأليف في الفقه العام الشامل للموضوعات.
2 - التأليف في موضوعات فقهية مفردة.
3 - التأليف في فقه الخلاف أو الفقه المقارن.
4 - التأليف في القواعد والفروق والضوابط والكليات.
5 - التأليف في أصول الفقه وأدب الفتوى.
6 - التأليف في لغة الفقهاء أو المعاجم الفقهية أو فقه المصطلحات.
7 - التأليف في المفردات والغرائب والنوادر.
8 - التأليف في الإختيارات الفقهية.
9 - التأليف في الفتاوي.
10 - التأليف في الألغاز.
التأليف في الفقه الشامل للموضوعات: نقصد بالفقه العام، أو الفقه الشامل للموضوعات، مجموع الأحكام التكليفية والوضعية، وما يتصل بها ويتبعها، والتي تنتظم الحياة الإنسانية في حالتيها الفردية والجماعية.

الجزء: 1 - الصفحة: 393

وقد درج الفقهاء على تقسيم موضوعات الفقه الإسلامي إلى عبادات ومعاملات، وذلك أن الإنسان لا يخلو في نشاطه الدنيوي المسؤول من أن يكون مخاطباً أو مشغولاً بعبادة ربه سبحانه وتعالى، أو مخاطباً أو مشغولاً بعاملة من المعاملات التي لها علاقة بنفسه أو بغيره.
وفي ذلك كله فِقْهٌ يحدد الأركان والواجبات، والسنن والآداب والمستحبات، والشروط والموانع والمفسدات، كما يحدد الحقوق والواجبات، والحلال والحرام، والمكروه والمباح.
فإذا تبين هذا، فإننا عندما نرجع إلى جدول الترتيب الموضوعي للفقه في كتب الحنابلة، نجدهم درجوا على هذا التسلسل: أولاً: قسم العبادات: وفيه كتاب الطهارة.
كتاب الصلاة.
كتاب الجنائز.
كتاب الزكاة.
كتاب الصيام.
كتاب المناسك (الحج والعمرة).
ثانياً: قسم المعاملات المالية: وفيه: كتاب البيوع، وتوابعه من: القرض، والسلم، والحوالة، والكفالة، والصلح، والوكالة، والمضاربة، والشركة، والإجارة، والعارية، والغصب، والوديعة، والشفعة، وإحياء الموات، والوقف، واللقطة، والهبة.
ثالثاً: قسم الأحوال الشخصية: وفيه كتاب الوصايا.
كتاب الفرائض.
كتاب العتق.
كتاب النكاح.
كتاب الصداق.
كتاب الطلاق.
كتاب الرجعة.
كتاب الإيلاء.
كتاب الظهار.
كتاب القذف واللعان.
كتاب العِدَد.
كتاب الرضاع.
كتاب النفقات.
رابعاً: قسم العقوبات: وفيه كتاب الجراح وما يتبعها من قصاص وديات.
كتاب الحدود.
كتاب الجهاد.
خامساً: قسم الحظر والإباحة: وفيه: كتاب الأطعمة وما يتبعها من الذكاة والصيد.
كتاب الأيمان والنذور.
سادساً: قسم الأحكام: وفيه: كتاب الأقضية.
كتاب الشهادات.
كتاب الإقرار.
وقد صنف الحنابلة عدداً كبيراً من الكتب الجامعة التي استوعبت الموضوعات السابقة، من مطولات ومختصرات، مما سنعرِّف ببعضه فيما بعد إن شاء الله.
وقد روعي الترتيب السابق في جل التصنيفات الجامعة، وهو المنهج الذي استقر عليه المتأخرون من بعد المجد ابن تيمية في "محرره " وابن قدامة في "المقنع" و"الكافي" و"العمدة".

الجزء: 1 - الصفحة: 394

أما في "المغني" فقد اتبع ترتيب الأصل، وهو"مختصر الخرقي"، وهو يختلف شيئًا قليلاً في الترتيب وفي تسمية بعض العناوين، فنجده يدرج كتاب الإقرار في ضمن المعاملات المالية، كما يؤخر الوديعة عن المعاملات المالية، ويدرجها فيما بين الميراث والنكاح، ويجعل العتق آخر الكتب، ويجعل كتاب السبق والرمي بين الصيد والأيمان، وهو من المعاملات المالية.
كما أننا نجد فيه كتاب قسم الغنيمة والفيء والصدقة، وهو كتاب وزعه المتأخرون على الجهاد والزكاة.
وكتاب الأضاحي، وهو يندرج عند المتأخرين ضمن كتاب الحج لمناسبته للهدي، كالعقيقة.
وكتاب الكفارات وهو يتوزع عند المتأخرين على عدة كتب، كالصيام، والقتل، والأيمان، والظهار.
وفي الجملة نجد المتقدمين يختلفون بعض الإختلاف مع المتأخرين في الترتيب، وفي العناوين، كما نلاحظ ذلك في "مسائل عبد الله" وفي كتاب "الروايتين والوجهين" لأبي يعلى، "والإرشاد" للشريف أبي علي بن أبي موسى.
التأليف في موضوعات فقهية مفردة: وذلك، كأن يجرد المؤلف كتاباً من الكتب الفقهية التي سبقت الإشارة إليها، ويصنف فيه تصنيفاً مستقلاً، أو يصنف في باب من أبواب ذلك الكتاب، أو في فصل، أو في مسألة.
وقد يكون عنوان الموضوع المفرد في التأليف غير معروف في فهارس الموضوعات للكتب الفقهية الجامعة، وذلك مثل: أحكام النساء، وأحكام الخواتيم، والأقسام التي أقسم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ... إلخ والتأليف في الموضوعات المفردة عند الحنابلة سُنَّة سنها الإمام أحمد نفسه في التصنيف الفقهي وغيره.
فقد سبق التعريف بكتبه التي ألفها، وإذا لاحظنا عناوينها الدالة على محتوياتها نجد أكثرها مفردات في علوم مختلفة، وذلك كـ: "فضائل الصحابة" و"الناسخ والمنسوخ" و"الفرائض" و"الإمامة" و"نفي التشبيه" و"المناسك" الكبير والصغير، و"الأشربة" و"الوقوف والوصايا" و"أحكام النساء" و"الترجل" و"الإرجاء".
وغير ذلك.
وقد طَبَعت هذه المصنفات في نفوس أصحاب الإمام أحمد فكرة التصنيف في الموضوعات المفردة المستقلة، وعلى وجه أخص فإننا نجد في طبقات المتقدمين منهم اهتمامًا كبيرًا بهذا اللون من التأليف، لشدة تأثرهم بسيرة الإمام المبجل في العلم والعمل، حتى إنهم ألفوا كتباً كثيرة تحت نفس العناوين التي سبقت الإشارة إليها.

الجزء: 1 - الصفحة: 395

فنجد "الناسخ والمنسوخ" لأبي داود، ولأبي جعفر ابن النحاس، ولمحمد الموصلي.
ونجد "الفرائض" لعبد الله العكبري.
ونجد "نفي التشبيه" لإبن عقيل، ونجد "المناسك" لعبد الله العكبري، وإبراهيم الحربي، ولأبي الخطاب الكلوذاني، ولجعفر السراج، ولعلي الزاغوني، ولابن قدامة المقدسي، ولعبد الوهاب النابلسي.
ونجد "أحكام النساء" للآجري، والعكبري، وابن رجب، والخلال، وابن الجوزي.
ولا يخفى ما في التآليف المفردة من فوائد، فإنها تدل على الإهتمام بالموضوع المؤلف فيه، والإستقصاء في جمع شتاته ولَمِّ شعثاته، وقد يجد المؤلف بالنَّاس حاجةً ماسةً يراها من فريضة العصر وواجب الوقت، ليبين لهم ما أنزل الله لهم من الحق، وما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته في ذلك من الكتاب والحكمة.
قال أبو حاتم الرازي: أتيت أحمد بن حنبل في أول ما التقيت معه سنة 213 هـ، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاةكتاب "الأشربة" وكتاب "الإيمان"، فصلَّى، ولم يسأله أحد، فرده إلى بيته.
وأتيته يوماً آخر، فإذا قد أخرج الكتابين فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر من السكر 844. فنلاحظ كيف تنبه الإمام أبو حاتم إلى أهمية الكتابين، وضرورتهما للناس، ونزيد على ذلك، فنقول: إنه ما من شك يمكن أن يحوم بالأذهان أن بغداد في زمن الإمام أحمد كانت مرتعاً لنشر البدع والفقه الشاذ، فقد كانت بدع المعتزلة والقدرية والمرجئة تفعل فعلها في الناس كبارًا وصغاراً، فكان الإمام أحمد يرى تأليف مثل كتاب "الإيمان" فريضة الوقت في الرد على تلك البدع المضلة بأبلغ جواب، وذلك ببيان ما في كتاب الله وسنة رسوله من الحق الذي لا يمتري فيه مسلم.
والى جانب ذلك، فقد درج بعض الخلفاء العباسيين على استحلال النبيذ وتناوله، مصيراً منهم إلى تقليد بعض فقهاء الكوفة الذين أباحوا الأنبذة المتخذة من غير العنب، ولو كانت مسكرة، ما دام القدر المشروب منها لم يصل بالشارب إلى حد الثمول.
وتلك بلية تستحق تأليف كتاب مثل "الأشربة" لبيان ما ثبت في السنة مما يخالف ذلك الإجتهاد مخالفة صريحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 396

ولا ينبغي أن نمتري في أن التأليف في الموضوعات المفردة في العقائد والفقه وعلوم القرآن والسنة، كانت ميزة القرن الثاني والثالث والرابع، لدى أئمة المذاهب وأصحابهم، إلا أن الحنابلة فاقوا غيرهم، وحازوا قصب السبق في ذلك، فلله دَرُّهم، كما قال ابن بدران في "العقد الثامن" من كتابه: أعلم أن أصحابنا تفننوا في علومهم الفقهية فنوناً، وجعلوا لشجرتها المثمرة بأنواع الثمرات غصوناً، وشعبوا من نهرها جداول تروي الصادي، ويحمد سيرها الساري في سبيل الهدى، وطريق الاقتدا، ففرعوا الفقه إلى المسائل الفرعية، وألفوا فيها كتباً قد اطلعت على بعض منها 845. التأليف في فقه الخلاف، أو الفقه المقارن: وذلك بتجريد المسائل الفقهية الشهيرة التي اختلف فيها الأئمة، وانقسموا على مذهبين فأكثر، وهي المسماة في كتب المتقدمين بـ "مسائل الخلاف" أو"رؤوس المسائل" أو"عيون المسائل" أو غير ذلك من التسميات المقارية.
فقد جرد الفقهاء الذين اعتنوا بالإجماع والخلاف، كإبن المنذر والطبري وابن عبد البر، وغيرهم، جردوا تلك المسائل، ونصوا على الخلاف فيها بين العلماء، ثم جاء فقهاء النظر من المنتسبين إلى المذاهب، فتناولوا تلك المسائل بالإحتجاج، كلُّ فريق يحتج لمذهبه، ويرد على خصمه بحجج من النقل والعقل.
وفي ذلك يقول ابن خلدون: وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطالعين له على الإستدلال فيما يرومون الإستدلال عليه.
وتآليف الحنفية فيه والشافعية أكثر من تآليف المالكية، لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم، كما عرفت، فهم لذلك أهل النظر والبحث.
أما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم، وليسوا بأهل نظر.
وأيضًا فأكثرهم أهل المغرب، وهم بادية غُفَّل من الصنائع إلا في الأقل، وللغزالي فيه "المآخذ" ولأبي بكر ابن العربي من المالكية كتاب "التلخيص" جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي كتاب "التعليقة" ولابن القصار من شيوخ المالكية "عيون الأدلة"، وقد جمع ابن الساعاتي

الجزء: 1 - الصفحة: 397

في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبغي عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً كل مسألة منه ما ينبغي عليها من الخلافيات 846. ويلاحظ من كلام ابن خلدون السابق أنه أهمل الحنابلة، وأقصاهم من الحلبة، كما أنه حط على المالكية حطا لا يتفق مع ما هو عليه الواقع التاريخي والمعرفي لهذا المذهب الجليل.
وإذا استعرضنا كشَّاف المؤلفات الحنبلية في الخلاف أو الفقه المقارن، فإننا نجدهم من السابقين الأولى في هذا الفن، أو أنهم أتقنوا الصنعة فيه، وأحكموا مسالكه وموارده ومصادره، خصوصاً في القرن الخامس والسادس، ومما ساعدهم على ذلك أنهم كانوا مستوطنين لبغداد التي كانت عاصمة العلم، يرحل الناس إليها من أقصى المشرق وأقصى المغرب، فلا جرم أنها كانت جامعة لأكبر الفقهاء من كافة المذاهب، وكان يعقد فيها من مجالس المناظرة مالا يعقد في غيرها على الإطلاق.
ومن ثَم فقد برع الحنابلة في فقه الخلاف أو الفقه المقارن، براعة لا تزال تشهد بها كتبهم إلى اليوم.
ومن جملة ما ألف الحنابلة في الخلاف: • "اختلاف الصحابة والتابعين في الفقه" لإبن أبي حاتم الرازي (327 هـ). • "كتاب في الفقه والإختلاف" لأبي بكر النجاد (348 هـ). • "الخلاف مع الشافعي" لغلام الخلال (363 هـ). • " الخلاف" لعبد العزيز بن الحارث التميمي (371 هـ). • "رؤوس المسائل" له أيضًا.
"التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة" 847 للقاضي أبي يعلى (458 هـ) شيخ المذهب.
وله عدة تسميات أخرى، لكن المسمى واحد، والسبب في ذلك أن أصحاب التراجم لا يوردون أسماء الكتب بالعناوين التي وضعها مؤلفوها، فيلتبس الأمر على من لا يعرف الحقيقة، فيظن الكتاب الواحد كتباً عديدة.
"رؤوس المسائل" للشريف أبي جعفر (470 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 398

"نزهة الطالب في تجريد المذاهب" للبناء (471 هـ). • "الإنتصار في المسائل الكبار" لأبي الخطاب (510 هـ). • "رؤوس المسائل" له أيضًا.
وهو مختصر من السابق.
وغير ذلك كثير، ولسنا بسبيل استقصاء المؤلفات، ولكن ذكرنا هذه الجملة ليتنبه الغافل، ويتعلم الجاهل أن الحنابلة أخذوا من هذا الفن بالحظ الوافر.
وتعتبر كتب الخلاف عند الحنابلة مادة غزيرة في جمع روايات المذهب في الخلاف داخل المذهب، وبيان الراجح من المرجوح منها.
وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- في الجواب عن سؤال يتعلق بكيفية التعرف على الأصح والأرجح مما هو غير منصوص في المتون المعتمدة كـ "الكافي" و"المحرر" و"المقنع"، يقول في ذلك: "فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الإنتصار" لأبي الخطاب، و"عمد الأدلة" لإبن عقيل، وتعليق القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن بن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح.
وقد اختصرت رؤوس مسائل هذه الكتب في كتب مختصرة مثل "رؤوس المسائل" للقاضي أبي الحسين، وقد نقل عن الشيخ أبي البركات صاحب "المحرر" أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد: إنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس مسائله" 848. التأليف في القواعد والفروق والضوابط والكليات: والقواعد: هي الكليات التي تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه على مآخذ الفقه، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد.
ويمكن تعريف القاعدة بالتعبير الإصطلاحي بأنها: حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها 849. ومثال ذلك: القاعدة (158) من قواعد ابن رجب، ونصها: إذا تعارض معنا أصلان عُمل بالأرجح منهما، لإعتضاده بما يرجحه، فإن تساويا خُرج في المسألة وجهان غالبًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 399

ونظرًا لما تتسم به القواعد من المعاني الكلية الضابطة للفقه وأصوله، فإنها تعد من دون مرية ذخيرة الفقيه وميزانه الذي يزن به، كما توفر عليه كثيرًا من المعارف الجزئية التي يقضي العمر ولا يدرك مرامها، وفي ذلك يقول القرافي: "وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه وَيعرف 850، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف.
فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع، واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها، واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر، ولم تقض نفسه من طلب منَاها.
ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات" 851. وأمَّا الفروق فهي البيانات التي تكشف عن الإختلاف في الأحكام بين المسائل المتشابهة في الصورة والظاهر، وما يتبع ذلك من تبيين مآخذ أحكامها وأدلتها وعللها، ليتضح للفقيه طرق الأحكام، ويكون قياسه للفروع على الأصول متسق النظام، ولا يلتبس عليه طرق القياس، فيبني حكمه على غير أساس 852. ومن أمثلة الفروق: إذا أحرم مبهمًا، نظرنا، فإن كان في أشهر الحج، فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، أو قران، والأفضل صرفه إلى التمتع، وإن كان في غير أشهر الحج، انعقد إحرامه بعمرة.
والفرق بينهما: أن الإحرام بالحج في غير أشهره مكروه، فلهذا لم يقع موقعاً موقوفًا، وانصرف إلى غير المكروه.
ويفارق إذا كان ذلك في أشهر الحج، لأنه وقت للإحرام بالحج، فلهذا وقع موقوفًا 853.

الجزء: 1 - الصفحة: 400

وأمَّا الضوابط والكليات، فهي تنظيمات ثانوية للفقه الإسلامي، بحيث يكون عمومها لا يتعدى الباب الواحد 854. وقد ألف الحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ- في القواعد والفروق تأليفات متقنة محررة، وإن كانت متأخرة في الجمع، وقد شهد القرن الثامن في ذلك نشاطاً خاصًا على أيدي ثلة من الأعلام، كالطوفي، وابن تيمية، وابن رجب.
فمن ذلك: • "القواعد الكبرى" للطوفي، سليمان بن عبد القوي الصرصري (716 هـ). وهذا يعني أن له "القواعد الصغرى" وهو كذلك، كما في ترجمته من "ذيل الطبقات"، وله أيضًا: "الرياض النواضر في الأشباه والنظائر".
"القواعد الفقهية" لإبن قاضي الجبل (771 هـ). • "القواعد الفقهية" لإبن رجب (795 هـ). واسمه الكامل: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد".
ويعدُّ كتاب المذهب في هذا الشأن، فإنَّه يدل على معرفة تامة بالمذهب، حتى قال حاجي خليفة في "كشف الظنون": هو كتاب نافع، من عجائب الدهر، حتى إنه استُكْثرَ عليه، وزعم بعضهم أن ابن رجب وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان -رَحِمَهُ اللهُ- فوق ذلك 855. • "القواعد والفوائد الأصولية" لإبن اللحام (803 هـ). وهي قواعد أصولية لا فقهية، كما يدل عليها العنوان، لكن فرع عليها أمثلة وفروعاً فقهية.
فكان الكتاب معدوداً في جملة المصنفات التي صُنفت في تخريج الفروع على الأصول، بمعنى تطبيق القواعد والمسائل الأصولية على فروع الفقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

وقد ألف في ذلك الإسنوي والزنجاني الشافعيان، وأبو عبد الله محمد الشريف التلمساني المالكي 856. هذا، وتكاد مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، سواء منها الرسائل، أو الفتاوي، أو المصنفات المفردة، تكاد تكون مصوغة صياغة القواعد الكلية العامة في الشريعة، أو ما يسمى بـ "النظريات الفقهية" فإننا كثيراً ما نجده يصدر فتاويه ورسائله بعنوان "قاعدة في كذا".
التأليف في أصول الفقه وأدب الفتوى: تُعرَّف أصول الفقه بأنها: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعية من أدلتها التفصيلية 857. وهذا يفيد أنها قواعد متعلقة بالفقه، لكن تعلقًا يختلف عن "القواعد الفقهية"، وذلك أن القواعد الفقهية تكونت بعد الفقه ونشأت من داخله، وهي تنظيم الفقه في صيغ كلية، فهي إذن عملية داخلية مستفادة من الإستقراء العام للجزئيات.
أما أصول الفقه فهي قواعد نشأت خارج الفقه، لأنها هي الطريق الممهد للوصول إلى استنباط الفقه؛ واستخراج الفروع، فباتت بهذا أساساً للبناء الفقهي، والأساس يختلف عن البنيان الناشيء فوقه.
قال القاضي أبو يعلى: وأما أصول الفقه فهو: عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به، لأن أصل الشيء ما تعلق به وعرف منه، إما باستخراج أوتنبيه.
فسميت هذه الأصول بهذا الإسم، لأن بها يتوصل إلى العلم بغيرها، فتكون أصلًا له 858. وهذا العلم مستمد من عدة علوم أخرى، كالقرآن الكريم وعلومه، والسنة الشريفة وعلومها، واجتهادات الصحابة وأقضيتهم وتصرفاتهم بشأن الفتوى، وعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وغريب، وغير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 402

وأما أدب الفتوى، فهو جملة من الشروط والصفات الضرورية والكمالية التي تطلب من المفتي والمستفتي، هذا في القيام بالفتوى، وذاك في تلقي الفتوى والعمل بها.
وفي جملة شروط المفتي وما يلزمه، قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه: "ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف، لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها" 859. وقال في رواية ابنه عبد الله: "إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير، فيقضي به، ويعمل به، حتى يسأل أهل العلم: ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح (1). وروى الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" 860 عن الشافعي أنه قال: "لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ويمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذاك بصيراً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر، ويما يحتاج إليه للعلم والقرآن 861، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا، فله أن يتكلم، ويفتي في الحلال والحرام، لماذا لم يكن هكذا، فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي".
وقد ألف العلماء من مختلف المذاهب في كل من "أصول الفقه" و"أدب الفتوى" فأما تآليفهم في أصول الفقه فإنها تستعصي على العد، فمنها البسيط ومنها الوسيط ومنها الوجيز، وسلكوا في ذلك أحد مسلكين:

الجزء: 1 - الصفحة: 403

إما طريقة المتكلمين، أو طريقة الشَّافعية التي رسمها الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" الذي يعد أول كتاب صنف في أصول الفقه.
وأما طريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية التي رسمها الكرخي والجصاص وأبو زيد الدبوسي وأمثالهم.
وظل الوضع على هاتين الطريقتين حتى القرن السابع، فظهرت طريقة جديدة ألَّفت بين الطريقتين ومزجت بين المنهجين، ويعتبر ابن الساعاتي الحنفي (694 هـ) صاحب الفضل والسبق في ذلك في كتابه "بديع النظام" الذي جمع فيه بين "الإحكام" للآمدي الشافعي و"أصول البزدوي" الحنفي 862. وأما الحنابلة فقد نهجوا نهج الشافعية في غالب تصنيفاتهم، وأثْروا المكتبة الأصولية إثراء ملحوظاً.
ومع الأسف فإن كثيراً من الناس كان -ولا يزال- يعتقد أنه ليس للحنابلة كتب أصول مستقلة الوجهة واضحة النزعة، والحقيقة غير ذلك، فإني لما أتممت جمع المصادر لكتاب "أصول مذهب الإمام أحمد" من مكتبات المملكة العربية السعودية، ومكتبات مصر، والشام، وتركيا، والعراق، وغير ذلك؛ لما تم مسح الفهارس والإطلاع على ما للحنابلة من مصنفات في هذا الشأن، وَضُح أن مخطوطاتهم في أصول الفقه تعدّ بالمئات 863. ومن أشهر الكتب المؤلفة في الأصول الفقهية الحنبلية: • "العُدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (458 هـ). وقد اختصره في مختصر لطيف.
"التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني (510 هـ). • "الواضح في أصول الفقه" لأبي الوفاء ابن عقيل (513 هـ). وكلا الرجلين تلميذٌ للقاضي أبي يعلى، إلا أن أبا الخطاب تتبع أبا يعلى في إيراد الأقوال، والإستدلال والمناقشة، بخلاف ابن عقيل، فإنه سلك مسلكاً بديعاً وطريقة متميزة مستقلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 404

"روضة الناظر وجنة المناظر" لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (620 هـ) صاحب "المغني" وغيره.
وقد اختصره الطوفي في "البلبل" ثم شرحه.
"المسودة" لآل تيمية، وهم المجد عبد السلام (652 هـ) وابنه عبد العليم (682 هـ) وحفيده أحمد، شيخ الإسلام (728 هـ). بيضها ورتبها شهاب الدين أحمد بن محمد الحراني الدمشقي (745 هـ). وهو عبارة عن مجموعة نقول عن القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل، وغيرهم، ممن سبق آل تيمية، مع بعض الإختيارات والتعقبات.
"شرح مختصر الروضة" للطوفي (716 هـ). • "التحرير" للمرداوي (885 هـ) وقد اختصره الفُتوحي الشهور بابن النجار (972 هـ) في كتاب سماه "الكوكب المنير باختصار التحرير" ثم شرحه في كتاب بعنوان "شرح الكوكب المنير".
ويعتبر ابن تيمية من المشاركين بغزارة في أصول الحنابلة، ومؤلفاته في هذا الفن توجد إما في رسائل مستقلة، وإما في "الفتاوي الكبرى"، وإما في "مجموع الفتاوي"، وابن تيمية معروف بين أئمة الحنابلة بقوته العلمية، واختياراته الجيدة 864. وأما كتب أدب الفتوى: فمن أشهرها: • "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" لإبن حمدان (695 هـ)"إعلام الموقعين عن رب العالمين" لإبن قيم الجوزية (751 هـ). وتوجد آداب المفتي والمستفتي ضمن المجاميع، ومن ذلك كتاب "الآداب الشرعية" لإبن مفلح، فقد ضمن الجزء الثاني كلاماً مطولاً على آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي.
كما توسع الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي المسمى "بالفواكه العديدة في المسائل المفيدة" في مباحث الفتوى والإجتهاد والتقليد في كتاب القضاء.
التأليف في لغة الفقهاء، أو المعاجم الفقهية، أو فقه المصطلحات: لغة الفقهاء تعني: تلك المصطلحات الفقهية الداخلية التي تداولها الفقهاء على ألسنتهم وفي كتبهم، بحيث تختلف دلالتها عندهم عن دلالتها اللغوية المجردة، وقد لا

الجزء: 1 - الصفحة: 405

تختلف إلا أن الفقيه استعملها استعمالاً خاصًا، وذلك مثل كلمة: "المسيس" التي تعني مس الشيء ولمسه باليد وغيرها، ولكنها في لغة الفقهاء تعني الجماع غالباً.
فنجد في "المطلع على أبواب المقنع" 865 قوله: "قبل المسيس".
المسيس: اللمس، قاله الجوهري.
وأصل اللمس باليد، ثم استعير للجماع، لأنه مستلزم للمسلى غالبًا، وكذا استعير للأخذ والضرب والجنون.
ونظراً لكثرة المصطلحات الفقهية وتزايدها في الكتب والمصنفات عبر الزمن عمد بعض العلماء إلى وضع معاجم فقهية أو كتب تعنى بفقه المصطلحات، وهي شبيهة بكتب غريب الحديث الموضوعة في شرح الألفاظ النبوية وما يتعلق بها.
ومن أشهر المؤلفات في هذا الفن: عند الحنفية: • طَلِبة الطَّلَبة في الاصطلاحات الفقهية، للشيخ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي (537 هـ). • التعريفات للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني.
• المغرب في ترتيب المعرب، لأبي الفتح ناصر بن السيد بن عدي المطرزي الخوارزمي.
وعند الشافعية: • تهذيب الأسماء واللغات، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي.
• المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي.
وعند المالكية: • الحدود، لمحمد بن عَرْفة الوَرْغَمِي التونسي، وهو عبارة عن تعاريف للموضوعات الفقهية، كالييع والإجارة.
وقد شرحه الرصاع التلمساني شرحاً جيداً.
وهناك "كشاف مصطلحات الفنون" للتهانوي، و"التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي، و"القاموس الفقهي" للأستاذ سعدي أبو حبيب.
و"دليل الألفاظ والمصطلحات الفقهية" الذي وضعته كلية الشريعة بجامعة دمشق.
وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل واليد البيضاء في هذا الفن، فمن ذلك:

الجزء: 1 - الصفحة: 406

"مختصر في الحدود، للشيرازي الدمشقي: عبد الواحد بن محمد (486 هـ). • "لغة الفقهاء" لإبن الجوزي (597 هـ). • "شرح لغة الفقهاء" لأبي البقاء العكبري (616 هـ). • "المطلع على أبواب المقنع" للإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي (709 هـ) وهو يختص يحل ألفاظ "المقنع" لإبن قدامة المقدسي.
التأليف في المفردات والغرائب والنوادر: المفردات جمع مفردة، والمقصود بهذه الكلمة: المسألة الفقهية، التي تفرد بها أحد الفقهاء عن الجمهور، فذهب إلى خلاف ما ذهبوا إليه، فكان بذلك منفردًا عن أقرانه وطبقته وأهل فنه في الرأي والإختيار، وفي معنى ذلك الغرائب والنوادر.
وكثيراً ما نجد، في ذيول التراجم من كتب الطبقات عند الحنابلة، قولهم: له تفردات في المذهب، أو نحو هذه العبارة.
ففي ترجمة أبي الخطاب يقول ابن رجب: كان أبو الخطاب - رضي الله عنه - فقيهاً عظيمًا، كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن في مسائل الفقه وأصوله شيء كثير جداً.
وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب 866. ويقول في ترجمة ابن عقيل: وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب.
وقد يخالفه في بعض تصانيفه، ويوافقه في بعضها، فإن نظره كثيرًا يختلف، واجتهاده يتنوع 867. وفي الخلاف الكبير أو الخلاف العالي، وهو الخلاف بين أئمة المذاهب نجد الإمام أحمد قد تفرد بعدة مسائل عن بقية الأئمة.
وفي هذا النوع من التفردات صنف الأصحاب:

  • المفردات المطلقة، وهي التي لا تتقيد بالإنفراد عن إمام معين.
  • المفرادات المقيدة، وهي في غالبها المسائل التي خالف فيها الإمامُ أحمد الإمامَ الشافعي.

الجزء: 1 - الصفحة: 407

وقد صنف الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (456 هـ) كتابًا في تفردات الأئمة الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي 868. قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" تعليقاً على الكتاب المذكور: ولا ريب أن الأئمة الكبار تقع لهم مسائل ينفرد المجتهد بها، ولا يعلم أحد سبقه إلى القول بتلك المسألة، قد تمسك فيها بعموم، أو بقياس، أو بحديث صحيح عنده.
والله أعلم.
ومما ألف الحنابلة في هذا الفن: • الخلاف بين أحمد ومالك، لعمر بن إبراهيم العكبري، المعروف بابن المسلم (387 هـ). وفيه بيان مفردات أحمد عن الإمام مالك.
• الخلاف مع الشافعي، لأبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال (363 هـ). وفيه بيان مفردات الإمام أحمد عن الإمام الشافعي.
"المفردات" لأبي الخطاب (510 هـ)، ومثله لإبن عقيل (513 هـ)، ومثله لإبن الزاغوني (527 هـ)، ومثله لعبد الوهاب الشيرازي (536 هـ)، وللوزير ابن هبيرة (560 هـ)، ولأبي يعلى الصغير، محمد بن أبي خازم ابن أبي يعلى المتوفى سنة (560 هـ). وقد توهم بعض المصنفين ومنهم الشيخ ابن بدران فجعل القاضي أبا الحسين ابن أبي يعلى الشهيد هو نفس أبا يعلى الصغير.
والصّواب أنه محمد بن أبي خازم الحفيد.
"الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني".
للشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (1192 هـ). وهو خاص بتفردات أحمد عن الشافعي على خلاف ظاهر عنوان الكتاب، ويتبين ذلك من مقدمة المصنف نفسه.
وفي الأخير لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل الحنابلة دون غيرهم يؤلفون في مفردات إمامهم؟

الجزء: 1 - الصفحة: 408

والجواب فيما نظن -والله أعلم- يكمن في رد دعوى كون المذهب الحنبلي داخلاً في المذهب الشافعي وتابع له، وقد بحثنا هذه الدعوى عند الكلام على العلاقة بين أحمد والشافعي في الفصل الأول.
ويبدو أن أبا الحسين علي بن محمد الطبري المعروف بـ "إِلْكيا الهرّاسي"، الشافعي (504 هـ) كان من النقاد لمفردات الإمام أحمد، يُقَلِّل من عددها وقيمتها؛ ليسلم به عَدُّ أحمد من أصحاب الشافعي ورواة مذهبه، فانبرت طائفة من معاصريه ومن جاء بعدهم من فقهاء الحنابلة فردوا عليه، منهم: ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، وابن قاضي الجبل.
وكان علي بن عقيل البغدادي معاصراً لإلكيا الهرّاسي، وكان كثير المناظرة له، فكان الكيا ينشده ويقول 869: ارفق بعبدك إن فيه فهاهة ... جبلية ولك العراق وماؤها التأليف في الإختيارات الفقهية: وقد سبق الكلام عليها في "خصائص الحنبلية والحنابلة" 870 فلتراجع من هناك.
التأليف في الفتاوي: الفتاوي -بكسر الواو أفصح مع صحة فتحها في اللغة 871 - جمع فتوى، وهي: الكشف عن الحكم الشرعي لا على سبيل الإلزام.
ومعنى ذلك أن الحكم الشرعي يكشفه الفقيه تارة على سبيل الإلزام لمن كشف له، وتنفيذه عليه جبرًا، وهذا ما يسمى بـ "القضاء" أو"الحكم" وتارة يكشفه لصاحب الحاجة دون أن يلزمه به ويجبره على تنفيذه، مع أن العامي المقلد يجب عليه شرعاً وديانة أن يعمل بفتوى العالم حيث لا سبيل له إلى تعديها، وذلك حين لا يجد من يفتيه غيره، وتكون حاجته إلى العمل بالفتوى عاجلة ومتعينة.
فالقضاء والفتوى صنوان في كون كل منهما ممارسة للاجتهاد في الميدان الواقعي، وذلك في الإجابة على الأسئلة والفصل في الخصومات بطريق الحكم بين المتخاصمين إذا ترافعا إلى القاضي.

الجزء: 1 - الصفحة: 409

فالمجتهد إذا كان حاكماً فهو يفتي باجتهاده، ويحكم باجتهاده، فالإخباران صادران عن اجتهاد، إلا أن الفرق بين الحالتين، هو أنه في الفتيا يخبر عن مقتضى الدليل الراجح عنده، فهو كالمترجم عن الله تعالى فيما وجده في الأدلة، كترجمان الحاكم يخبر الناس بما يجده في كلام الحاكم أو خطه، وهو في الحكم يُنشئ إلزاماً أو إطلاقاً للمحكوم عليه بحسب ما يظهر له من الدليل الراجح والسبب الواقع في تلك القضية الواقعة 872. ويعتبر منصب الفتوى منصباً كبيراً في الإسلام، باعتبار أنه منصب التوقيع عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- في بيان أحكامه للناس، فمن لم يكن أهلاً لذلك وإن غاشًا للناس في الدين، مفترياً على الله ورسوله، فيكون مَنْ هذه حاله واقفاً على شفير جهنم.
ففي سنن أبي داود 873 من حديث مسلم بن يسار، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه".
وقال الخطيب البغدادي: "ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها، أو وعده بالعقولة إن لم ينته عنها، وقد كان الخلفاء من بني أميَّة ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قومًا يُعَيِّنونهم، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم" 874. ولهذا لم يزل العلماء يؤلفون الكتب والرسائل والأبحاث في بيان عظم شأن الفتوى، وما هي الشروط المطلوية فيمن تصدى للفتوى، وماهي الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها.
وقد بُلي عصرنا الحاضر برؤوس جهال، وأئمة مضلين يفتون بغير علم، ويتسارعون في الفتوى، على عكس ما كان عليه سلفنا الأبرار، إذ أنهم كانوا يتدافعون الفتوى حتى تعود إلى اللأول.

الجزء: 1 - الصفحة: 410

ومن البلاوي أن هؤلاء الجهال ينتقون من رخص الفقهاء ما يحلُو لهم، ويتفق مع أهوائهم، مما تنبو عنه الشريعة الغراء، وتتجافى عنه الحنيفية السمحاء، التي جاءت من أجل إخراج الناس من دواعي الأهواء والشهوات إلى داعية الحق والعبودية لله.
وبعد: فإن فقهاءنا -رَحِمَهُمُ اللهُ- نشروا هذا العلم تارة عن طريق التأليف المتتابع والتصنيف المتناسق، وتارة عن طريق الأجوبة عن الأسئلة المتنوعة المتناثرة في الواقعات أو الحوادث أو النوازل 875. ومن هنا تكوَّن "فقه الواقع" الذي يعتبر مادة المفتين وعمدتهم ومرشدهم.
وهناك من دون فتاويه بنفسه، وهناك من دون فتاويه غيره من تلامذته وأصحابه من العلماء، كما أننا نجد من علمائنا من اهتم بجمع الفتاوي لعدة فقهاء في كتاب واحد، كما فعل الونشريسي المالكي في "المعيار المعرب" الذي جمع فيه فتاوي تونس والأندلس والمغرب، فكان بذلك مدونة الفتوى وموسوعتها عند المالكية.
وممن ألف أو جمع أو دون الفتاوي من الحنابلة: • "جوابات المسائل" للقاضي أبي يعلى (458 هـ) بعضها ورد من الحرم، وبعضها ورد من تِنيِس (قرية مصرية) وبعضها من مَيافارقين (مدينة بديار بكر)، وبعضها من أصفهان.
"فتاوى ابن عقيل" (513 هـ). اعتمد عليها ابن القيم في بعض كتبه.
"فتاوى ابن الزاغوني" (527 هـ). أفاد منها المنقور في "الفواكه العديدة" في موضعين.
"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (728 هـ). قام بجمعها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (1392 هـ). وفي ذلك يقول صاحب "علماء نجد": "عمد إلى رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه ومختصرات كتبه في العقائد والتوحيد والتفسير والحديث والفقه وعلم السير والسلوك وأصول التفسير وأصول

الجزء: 1 - الصفحة: 411

الحديث وأصول الفقه، عمد إلى هذا التراث الكبير الكثير المطبوع منه والمخطوط، فحققه وبوبه ورتبه، وفهرسه فهارس مقربة موضحة، حتى صار منه موسوعة إسلامية كبرى، تقع في (37) مجلداً ثم أمر بطبعها وتوزيعها على العلماء في داخل البلاد وخارجها جلالة الملك سعود بن عبد العزيز، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-" 876. • "الأجوبة النُّجدية عن الأسئلة النَّجدية".
للسفاريني (1188 هـ). • "الفواكة العديدة في المسائل المفيدة" المسماة أيضاً بـ "المجموع الفقهي"، لأحمد بن محمد المنقور التميمي (1125 هـ). وهو عبارة عن فتاوٍ وفوائد وأبحاث فقهيات وأصوليات متنوعة مما قيده من مجالس شيخيه عبد الله بن محمد بن ذهلان، والشيخ شهاب الدين ابن عطوة، ووثقها بنصوص من كتب مختلفة الفنون والمذاهب.
"الدرر السنية في الأجوبة النجدية" وهي عبارة عن ديوان فتاوى علماء نجد ورسائلهم ونصائحهم التي كانت مبعثرة مفرقة، جمعها الشيخ عبد الرحمن ابن قاسم المتقدم ذكره، ثم حققها ورتبها حسب التأليف المعروفة، حتى صارت عدة أجزاء في التوحيد والردود والنصائح والفتاوي.
عمل في ذلك كما عمل في جمع فتاوى ابن تيمية.
التأليف في الألغاز: والألغاز جمع لُغُز، ومعناه في اللغة: تعمية المراد، يقال ألغز في كلامه، إذا عمّى مراده 877. والمقصود هنا: الألغاز الفقهية التي تسمى مسائل الامتحان أو المعاياة 878، وهي ما يتطارحه الفقهاء في المجالس والمناقشات من المسائل بشكل يخفى فيه الجواب على البديهة، ويتوقف على الذكاء والنباهة الفقهية، نظير ما يجري من المسامرات والمنادمات والنوادر بين الشعراء والأدباء.

الجزء: 1 - الصفحة: 412

والألغاز الفقهية، وإن كانت من الترف الفقهي، والملح التي قد لا تستحسن عند البعض، إلا أن لها أثراً في تنمية الملكة الفقهية، وتدريب القريحة، والتسلية العلمية الهادفة، خاصة وأنها كثيراً ما تصاغ في أبيات شعرية لطيفة.
وقد ألف الحنابلة في ذلك عدة تآليف، منها: • "مسائل الامتحان" لعبد الواحد الشيرازي الدمشقي (486 هـ). • "حلية الطراز في حل مسائل الألغاز" للجُراعي (883 هـ). • "الألغاز الفقهية" لعبد الله بن فايز أبا الخيل.
(1251 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 413

المبحث الثاني

في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية

يعتبر هذا المبحث من أصعب المباحث، فإن الخوض في غماره أشبهُ بالغَوصِ في بحار لجية سحيقة الأعماق، بعيدة الأغوار، إذ إن ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية عمل يتطلب الإشراف على جميع ماكتبه الحنابلة في الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده، وغيره من الفنون العشرة التي تقدم الكلام عليها.
ثم القيام بترتيب ذلك العدد الهائل من المصنفات ترتيباً نوعياً وفق منهج محدد، بحيث يتضح موقع كل كتاب من ذلك الترتيب الغني المتسلسل.
وهذا شيء صعب، فإن كثيراً من الكتب التي صنفت لا يعرف عنها شيء، فهذا ابن أبي يعلى (526 هـ) لما جرد مصنفات أبيه، قال: فأما عدد مصنفاته فكثيرة، فنشير إلى ذكر ما تيسر منها 879. ومعنى ذلك أنه ما جرد منها إلا ما تيسر مع أنه ابن المصنف، فكيف بغيره؟! ثم إنه جرد (56) عنواناً، يوجد منها في عالم المخطوطات (9) عناوين، و (48) عنواناً مفقوداً 880!. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في "الأجوبة المصرية" عن كتب ابن الجوزي: كان الشيخ أبو الفرج كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها، فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت له بعد ذلك ما لم أره له 881!!.
وعلي هذا، فإن الكتب التي نعرفها الآن قليل من قليل، ولو أن بعضها لم يصل إلينا منه إلا العنوان.

الجزء: 1 - الصفحة: 415

ويمكن أن نصنف تلك الكتب التي نعرفها إلى الأقسام التالية:

  • المطبوع الكامل غير المنقوص في أصوله، وهذا الكم الموجود بين أيدينا فيه الكفاية والغناء والحمد لله، حتى إنه ليغني عن تلك الكتب التي فقدت منذ زمن بعيد، فلم تصل إلينا.
    وإن من أسباب وصول الكتب الكاملة إلينا كثرة نفعها وتوالي علماء الأعصار على الإشتغال بها: تدريساً ومدارسة.
    وغير ذلك.
  • المطبوع الناقص، لعدم توفر مخطوطاته الكاملة في مكتبات العالم.
  • المخطوط، الذي لم تصل إليه أيدي الإخراج والتحقيق بعد.
  • ومنها المفقود الذي لا نعرف منه إلا العنوان، وربما حفظت لنا نصوص منثورة منه في طي الكتب التي وصلت إلينا، مما يؤكد وجوده في الأصل، ويثبت نسبته إلى مؤلفه.
    بالإضافة إلى بعض المعارف الأخرى التي تحصل في أثناء مطالعة النصوص المنقولة من ذلك الكتاب المفقود.
    وبناء على ما تقدم يجدر أن نقسم هذا المبحث إلى:
  • كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية.
  • كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.

الجزء: 1 - الصفحة: 416

كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية

إذا أردنا أن نتعرف على كتاب في مكتبة الفقه الحنبلي، وتوصلنا إلى معرفة اسم المؤلف وعنوان الكتاب، فعلينا أن نسير وفق الخطوات التالية: أولاً: نبحث عنه في فهارس الكتب المطبوعة، فهذه الفهارس ترشدنا إلى المعلومات الأولية عن الكتاب مما ييسر الوصول إليه والإطلاع على محتوياته الكاملة.
وقد خصصت بعض الأبحاث والتأليفات في جرد الكتب المطبوعة وإحصائها وفهرستها، سواء منها العربية أو المعربة، ويعتبر "المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع" الذي أعده الدكتور محمد عيسى صالحية لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة 882، عملاً نموذجياً موفقاً في هذا الميدان، بالإضافة إلى "معجم المطبوعات العربية والمعربة" ليوسف إليان سركيس الدمشقي ثم المصري الذي أعانه على جمعه أحمد تيمور باشا.
و"معجم المخطوطات المطبوعة" للدكتور صلاح الدين المنجد، وقد أصدره في عدة أجزاء، كل جزء يتناول ما نشر خلال خمس سنوات تقريباً بداية من سنة 1954 م. ثانياً: إذا لم نجد الكتاب في الفهارس الخاصة بالكتب المطبوعة، رجعنا إلى فهارس المخطوطات العامة والخاصة.
والفهارس العامة للمخطوطات، هي تلك الكتب الجرائدية التي اعتنت بذكر النسخ الخطية للكتاب الواحد في المكتبات التي يوجد فيها في مختلف أنحاء العالم.
ويعتبر الأستاذ فؤاد سزكين صاحب سبق في السعي وراء هذا المرام في محاولته لحصر المخطوطات العربية في العالم، وذلك في كتابه الكبير المؤلف بالألمانية "تاريخ التراث العربي".
وقد نشرت جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية هذا العمل عام (1403) هـ بعنوان: "تاريخ التراث العربي مجموعات المخطوطات العربية في مكتبات العالم"، بعد أن نقله إلى العربية الدكتور محمود فهمي حجازي.
كما يعتبر جهد الأستاذ كوركيس عواد في كتابه "فهارس المخطوطات العربية في العالم" جهداً طيباً في هذا المسعى.

الجزء: 1 - الصفحة: 417

هذا عن الفهارس العامة، وأما الفهارس الخاصة للمخطوطات، فنعني بها الفهارس الموضوعة للمكتبات المختلفة المبثوثة هنا وهناك في العالم، والتي تحتوي على ذخائر المواريث من المخطوطات، فمنها المكتبات الخاصة بالمساجد أو الجوامع أو الديارات أو الكنائس، ومنها دور الكتب العامة الوطنية، كالمكتبة الظاهرية بدمشق، ودار الكتب المصرية، وخزانة الكتب الملكية بالرباط، والمكتبة الوطنية التونسية، ومكتبات المملكة العربية السعودية، ومنها مكتبات الجامعات والمتاحف والمجامع والمعاهد والجمعيات العلمية.
بالإضافة إلى الخزائن الخاصة التي يحرزها العلماء والباحثون، كمكتبة أحمد تيمور باشا المصري، والمكتبات الخاصة بعلماء من مختلف البلاد الإسلامية.
وتوجد كتب الفقه الحنبلي على وجه الخصوص في المكتبات التي تقع في الأماكن التي انتشر فيها هذا المذهب الجليل عبر القرون، وذلك كبغداد، ودمشق وما حولها، وفلسطين، ومصر، والمملكة العربية السعودية.
وغني عن البيان أنه ينبغي للباحث أن يعرف كيف يستعمل فهارس المخطوطات في البحث عن كتب الفقه الحنبلي وأصوله.
مع ملاحظة أن بعض الكتب تصنفٌ في غير مواضعها بالغلط، وهذا كثيراً ما يحصل في وضع فهارس المكتبات الخاصة بالكتب المطبوعة، أما فهارس الكتب المخطوطة فقد وضع أكثرها علماء مختصون، فيقل الخطأ فيها، ولكنه لا يخلو من الوجود، كيف لا وهذا ابنُ حُميد قد وقعت له أوهام في جرد كتب المذهب الحنبلي حتى عد ابن حزم وكتابه "المحلَّى" في جملة الحنابلة 883! ونشير إلى أن مكتبات المملكة العربية السعودية وجامعاتها ومراكز البحث فيها قد بذلت جهداً مبروراً في تقريب فهارس المؤلفات في الفقه الحنبلي المخطوطة، بحيث يمكن أن توصل الباحث إلى الكتاب بسهولة.
ثالثًا: إذا لم نجد الكتاب في فهارس المخطوطات، فعلينا أن نتعرف عليه من خلال مصادر أخرى، وذلك بالبحث في الكتب المختصة بالتأليف في هذا الشأن أصالة أو تبعاً.
فأما الكتب المختصة بالتأليف والمؤلفين أصالة، فهي كثيرة، نذكر منها: • أخبار المؤلِّفين والمؤلِّفات، لأحمد بن طيفور البغدادي (280 هـ) صاحب كتاب "بلاغات النساء".

الجزء: 1 - الصفحة: 418

• فهرس العلوم، المعروف بـ "الفهرست"، لمحمد بن إسحاق الوراق، أبي الفرج، الشهير بابن النديم (385 هـ). ألفه سنة (377 هـ). • مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لعصام الدين أبي الخير أحمد بن مصطفى بن خليل، الشهير بطاش كبرى زاده الحنفي البرساوي (968 هـ). • موضوعات العلوم، لكمال الدين محمد أفندي ابن طاش كبرى زاده المذكور، توفي سنة (1026 هـ) بالقسطنطينية.
• أبجد العلوم والوشي المرقوم والسحاب المركوم، لصديق حسن خان الحسيني القنوجي (1307 هـ) ملك بهوبال الهندية.
• كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي الشهير بالملا كاتب جلبي (1067 هـ)، أو: حاجي خليفة، وهي شهرته عند العرب.
أورد فيه ما يقرب من (20) ألف اسم، ما بين كتاب ورسالة يستفيد منه أهل الفضل ورواد العلم على اختلاف طبقاتهم.
وقد ذيل عليه إسماعيل باشا البغدادي بكتابين هما: • إيضاح المكنون.
• هدية العارفين.
• معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة (1407 هـ). • الأعلام، لخير الدين الزركلي (1396 هـ). بإضافة إلى: المعاجم والفهارس والأثبات والإجازات، وكتب التراجم والسير، وهي كثيرة جدًا، ومن أشهرها "فهرس ابن خير الإشبيلي" و"المجمع المؤسس في المعجم المفهرس" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و"فهرس الفهارس" لعبد الحي الكتاني المراكشي.
وهناك كتب عنيت عناية خاصة بجرد أسماء كتب الحنابلة في الفقه وأنواعه، وكيفية الإستفادة منها.
من ذلك: • الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد، للشيخ عبد الله بن علي بن حميد

الجزء: 1 - الصفحة: 419

المكي (1346 هـ). وهي محاولة وصل فيها المؤلف إلى جرد (205) كتاب لـ (105) عالم.
وقد حققه وعلق عليه وذيله الشيخ جاسم بن سليمان الفُهيد الدوسري، فاستدرك عليه (177) كتابًا وذيله بـ (259) كتابًا لـ (147) عالم، فصار المجموع الحاصل من أصل الكتاب ولواحقه: (641) كتابًا لـ (253) عالم.
• المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، وصل في إحصاء الكتب إلى (1250) كتاباً لـ (486) عالماً.
• اللآلى البهية في كيفية الإستفادة من الكتب الحنبلية، لمحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل الإحسائي (1135 هـ). وأما الكتب التي عنيت بالتأليف في الفقه الحنبلي تبعًا، فهي كتب الطبقات على وجه الخصوص، وأشهرها: • طبقات الحنابلة، لإبن أبي يعلى.
• ذيل طبقات الحنابلة، لإبن رجب.
• المقصد الأرشد، لإبراهيم بن مفلح.
• المنهج الأحمد، للعُليمي، وله أيضاً: الدر المنضد.
• الجوهر المنضد، ليوسف بن عبد الهادي.
• السحب الوابلة، لإبن حميد المكيِّ.
• علماء نجد خلال ثمانية قرون، للشيخ عبد الله البسام.
ومن المصادر التي تعرِّف بكتب الفقه الحنبلي تبعاً: • مقدمات تحقيق الكتب المطبوعة وفهارسها.
• الدراسات المستقلة عن علماء الحنابلة ومؤلفاتهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 420

كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية

بعد التعريف الذي قدمناه عن كيفية الوصول إلى كتاب من الكتب الفقهية الحنبلية، وهو نفس المنهج، بطبيعة الحال، الذي نسلكه في التعرف على أي كتاب في أي فرع من فروع المعرفة.
بعد هذا العرض السريع تتجلى ملامح المكتبة الفقهية، وتبدو لنا موزعة على ثلاثة أقسام رئيسة:

  • قسم مطبوع.
  • قسم مخطوط.
  • قسم مفقود، لا نعرف عنه إلا العناوين والأسماء.
    ثم إن الكتب المطبوعة والمخطوطة توجد مبعثرة وموزعة في خزائن شتى من مكتبات العالم.
    ونود الآن أن نتقدم خطوة أخرى إلى الإمام في سبيل الكشف عن المناهج أو الطرق التي اعتمدت في ترتيب الكتب والمعايير التي تم على أساسها تقديم هذا الكتاب وتأخير ذاك.
    هناك عدة طرق: الأولى: الترتيب على أسماء المؤلفين: وذلك بأن يوضع للمؤلفين ترتيب متسلسل داخل الكتاب: إما على الحروف أو الوفيات أو غير ذلك.
    وتسرد مؤلفات كل واحد بإزاء ترجمته من غير أن تكون هناك قاعدة لترتيب كتبه ومؤلفاته.
    وهذا المسلك نجده معتمداً لدى "معجم المؤلفين" لعمر كحالة، و"الدر المنضد" لإبن حميد، الأول على الحروف، والثاني على الوفيات، وبالتالي فمعرفة الإسم الكامل والحقيقي للمؤلف وتاريخ وفاته ضرورية للباحث وفق هذه الطريقة.
    الثانية: الترتيب للكتب على حروف المعجم:

الجزء: 1 - الصفحة: 421

وهذا هو الترتيب المعتمد في معاجم اللغة المختصة بالألفاظ، فعناوين الكتب تعتبر بمثابة الكلمات في داخل "الدليل" أو"المعجم" أو"الفهرس الفقهي".
والكشف عن الكتاب وفق هذا الترتيب يتطلب المعرفة الصحيحة بعنوان الكتاب، وقد يكون الكتاب مسمى باسم في كتب التراجم ومعاجم المؤلفين، ويكون مطبوعاً باسم مخالف أو بعدة أسماء، ككتاب "الجواب الكافي لمن يسأل عن الدواء الشافي" لإبن القيم، فقد طبع بهذا العنوان، وبعنوان "الداء والدواء".
وهذا الترتيب هو المعتمد في المكتبات العامة، وفي أدلة مَعَارض الكتب، وفي فهارس المصادر والمراجع الملحقة بالبحوث والتأليفات الحديثة.
الثالثة: الترتيب على الأعصار والبلدان: وذلك بأن تترتب الكتب وفق ترتيب المؤلفين في طبقات التراجم، المرتبة هي الأخرى بدورها على الأعصار والبلدان، وهذا الترتيب هو الموجود في كتب "طبقات الحنابلة" التي رتب بعضها على الحروف داخل الطبقة الواحدة، كما فعل ابن أبي يعلى، أو على الوفيات فقط، كما فعل ابن رجب، أو على الحروف والوفيات بنفس الوقت، كما فعل العليمي، أو على مجرد الحروف، كما فعل ابن مفلح وابن حميد.
والترتيب على الأعصار والبلدان يفيد الباحث عدة فوائد، منها:

  • أنه يعطي صورة عن طبيعة التصنيف الغالب في حقبة ما من حقب تاريخ الفقه الحنبلي.
  • أنه يعطي بعض المعلومات بخصوص ابتناء الكتب بعضها على بعض، وكيفية استفادة اللاحق من عمل السابق في بلورة الفقه وتطوير التأليف فيه.
  • يمكننا من التعرف على ما كتبه علماء بلدة معينة وطريقتهم في التأليف، وغير ذلك.
    الرابعة: الترتيب على الموضوعات: وذلك بأن توزع الكتب على الفنون المختلفة التي تشعب إليها الفقه، كفقه عام، وأحكام سلطانية، وفرائض، وأصول فقه، ومصطلحات فقهية، وغير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 422

وهذا النوع من الترتيب قليل الوجود لا نكاد نلتقي به إلا في مقدمات بعض الكتب المحققة، أو المؤلفة تأليفا مستقلاً، فعلى سبيل المثال نجد في كتاب "القواعد الفقهية" للندوي، مبحثا خاصًا بعنوان: "مصادر القواعد الفقهية في المذهب الحنبلي" عرف فيه بالكتب الأساسية التي ألفها الحنابلة في هذا الفن.
وفي مقدمة تحقيق "الفروق" للسامرّي، نجد المحقق ذكر ما ألفه الحنابلة في الفروق الفقهية، ضمن المذاهب الأربعة، فذكر أربعة كتب لأربعة علماء حنابلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 423

المبحث الثالث

في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب

  • عَلَم: سيكون التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب على النحو التالي:
  • الكتاب: مع ذكر الإختلاف حول العنوان إن وجد، وتسجيل الملاحظات الأخرى المتعلقة، بالتسمية، وما يقع من الأوهام فيها.
  • المؤلف: ونقتصر على بطاقة التعريف، كالإسم والكنية واللقب
  • الكتاب: وهذا يختص بالكتب غير المشهورة، وذلك رغبة في وضع القارئ أمام نماذج من الكتاب ليتعرف بنفسه على الأسلوب والطريقة.

الجامع للخلال

: عنوان الكتاب: تُرجم هذا الكتاب بعناوين مختلفة متقاربة في المصادر التي ذكرته، فسمي "الجامع" على الإختصار، وسمي "الجامع الكبير" و"جامع الروايات" و"الجامع لعلوم شيخ مشايخه" و"الجامع لعلوم الإمام أحمد" و"المسند في مسائل أحمد بن حنبل" و"الجامع المسند لمسائل أحمد بن حنبل".

الجزء: 1 - الصفحة: 425

  • عَلَم: ويبدو أن هذه الأسماء أكثرها وصفية، فتكون من إطلاق بعض العلماء المتقدمين، ويبقى العنوان الذي نرجح أنه من وضع المصنف هو "الجامع لعلوم شيخ مشايخه".
  • المؤلف:
  • الكتاب:

الجزء: 1 - الصفحة: 426

صاحبها -رَحِمَهُ اللهُ- إلى مدرسة دار الحديث بمكة المكرمة.
وعدد أوراقه (212) ورقة، نسخ في شهر المحرم سنة 583 هـ، بخط نسخ نفيس.
ومنه نسخة مصورة في دار الكتب بالقاهرة، تحت رقم (21888 ب) في (212) لوحة.
كل لوحة صفحتان.
وتوجد منه نسخة مصورة في مكتبة المخطوطات بجامعة الملك سعود بالرياض، محفوظة تحت رقم (822 ص).
الثانية: مجموع يشتمل على الكتب الأربعة المذكورة، محفوظ في دار الكتب بالقاهرة، تحت رقم (21945 ب) بقلم محمود عبد اللطيف النساخ، نقله عن نسخة دار الكتب السابق ذكرها، رقم (21888 ب).
وفرغ من كتابتها يوم الخميس 29 صفر سنة 1360 هـ. الثالثة: مجموع يشتمل على الكتب الأربعة المذكورة، محفوظ في المكتبة السعودية بالرياض، رقم (578/ 86)، بقلم الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري، نقله عن نسخة كتبت في المحرم سنة (583 هـ) عدد الأوراق (176) ورقة، بخط نسخ جيد، كتبت سنة (1360 هـ). وقد طُبع الموجود من أجزائه؛ كلُّ جزء في طبعة مستقلة.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: بالنظر إلى الكتب التي وصلت من "الجامع لعلوم شيخ مشايخه" يظهر أن الخلال يقسم الكتاب إلى عدة أبواب، ثم يجمع تحت الباب المترجم كل ما روي عن الإمام أحمد مما يراه صالحًا أن يترتب في ذلك الباب، ولا يقسم الباب إلى فصول، ولا يرتب المرويات داخل الباب الواحد، بل يسردها تباعاً على طريقة كتب الحديث الجامعة المصنفة على الموضوعات الفقهية وغيرها.
وعلي سبيل المثال في "كتاب الترجل" يروي كل ما جاء عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- في الطيب والكحل وترجيل الشعر، وما إلى ذلك، ومن أهم مباحثه:

  • باب صفة شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه، واتخاذ الشعر.
  • باب ما يستحب من فرق الشعر.
  • باب حلق الرأس.

الجزء: 1 - الصفحة: 427

  • باب أخذ الحاجبين.
  • باب حف الوجه ونتفه وحلق القفا.
  • باب السنة في أخذ الشارب.
  • باب كراهة نتف الشيب.
  • باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعفوا اللحى".
  • باب الخضاب.
  • باب كراهة الخضاب بالسواد.
  • باب نتف الإبط.
  • باب نتف العانة.
  • باب في الختان.
  • باب القزع للصبيان.
  • باب ما يكره للنساء من حلق الشعر.
  • باب المرأة تحلق رأسها.
  • باب كسب الماشطة.
    والخلّال، بنقله مسائل الإمام أحمد، يجردها من جميع الأقوال الأخرى ما عدا قول أحمد، فلا يدخل مع قول الإمام ما لم يجزم أنه من كلامه، ومن هنا يتضح لنا مدى عناية الخلّال بأقوال أحمد وفتاويه، فهو حين يفعل ذلك إنما يفعله احتراماً وتقديراً لتلك النقول، وهو في نفس الوقت يرغب في إيصالها إلى المستفيد منها سليمة من أي دخيل عليها من أقوال أخرى، وهذا يدل على رغبته الصادقة المجردة لخدمة تلك الأقوال.
    • مقتطفات من الكتاب: • من "كتاب الوقوف": باب الرجل يوقف على نفسه ثم على ولده من بعده.
  • أخبرني منصور بن الوليد، حدثنا علي بن سعيد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس أن يوقف الرجل على ولده في حياته.

الجزء: 1 - الصفحة: 428

  • أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله قيل له: وإن وقف على نفسه ثم على ولده من بعده؟ قال: نعم.
  • أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن زياد حدثهم، قال: سمعت أبا عبد الله قال له أبو جعفر: وإن أوقف على نفسه ثم على ولده من بعده؟ قال: نعم.
  • أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله: فإن أوقف على نفسه شيئاً، ثم على ولده من بعده، فهو جائز؟ قال: نعم، جائز (1). ومن "كتاب أحكام أهل الملل": باب المسلم يؤاجر نفسه من أهل الذمة.
  • أخبرنا محمد بن علي، قال: حدثنا الأثرم.
    وأخبرني الحسن بن محمد قال: كتبت من كتاب أبي علي الدينوري من "مسائل ابن مزاحم".
    وأخبرنا محمد بن أحمد بن حازم، قال: حدثنا إسحاق بن منصور -والمعنى واحد-: أن أبا عبد الله قيل له: فيؤاجر الرجل نفسه من اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، نعم.
  • أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا مُهنَّا قال: قلت لأحمد: هل تكرَه للمسلم أن يؤاجر نفسه للمجوسي؟ قال: لا.
    وسألت أحمد، قلت: يكري الرجل نفسه لمجوسي يخدمه؛ يذهب به في حوائجه؟ قال: لا بأس.
    قلت لأحمد: فيقول: لبيك إذا دعاه؟ فقال: لا.
  • أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا بكر بن محمد عن أبيه عن أبي عبد الله، وسأله عن الرجل يحفر لأهل الذمة قبراً بِكَرْيٍ؟ قال: لا بأس به (2).

مختصر الخرقي

: عنوان الكتاب: لم يضع له مؤلفه عنواناً، ولم يسمه باسم خاص، فاشتهر بإضافته إلى مؤلفه،884885

الجزء: 1 - الصفحة: 429

واشتهر بـ "مختصر الخرقي" وتارة يسمى -كما في بعض الكتب القديمة- بـ"الخرقي" على حذف كلمة "المختصر".
المؤلف: هو العلامة الفقيه عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم، الشهير بالخرقي، البغدادي، ثم الدمشقي.
المولود ببغداد، والمتوفى بدمشق سنة 334 هـ. وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: لم نتعرض للبحث في مَنْ ذكر الكتاب من المصنفين، ولا في ذكر أماكن وجود نسخه الخطية، لعدم الحاجة إلى ذلك، باعتبار أن الكتاب مشهور ومعروف ومتداول متناً وشرحاً.
وهو عبارة عن مختصر صغير، لا يتجاوز عدد مسائله (2300) مسألة.
وقد نهج فيه صاحبه نهج أغلب المؤلفين في السنن والأحكام المرتبة على الأبواب، حيث بدأ بقسم العبادات، ثم المعاملات المالية، ثم الأحوال الأسرية، ثم الجنايات والعقوبات والجهاد، ثم القضاء والدعاوى والبينات، ثم العتق.
وقد سجلنا بعض الملاحظات لدى الموازنة بين الترتيب للموضوعات عند الخرقي، وعند غيره من المتأخرين؛ كالمجد ابن تيمية والموفق ابن قدامة المقدسي.
وكان الخرقي في ترتيبه للأبواب سالكاً طريقة أصحاب الشافعي، كما في "الأم" و"مختصر المزني"، لشهرة تلك الكتب في ذلك الوقت.
ولا يعرف لدى الحنابلة متن في الفقه حظي بالشهرة والقبول والعناية، حفظاً وشرحاً ونظماً، وغير ذلك، ما حظي هذا المختصر 886. ولا تزال شروحه التي وصلت إلينا تصدر إلى عالم المطبوعات حيناً بعد حين.
وأبرز تلك الشروح وأكثرها علماً وتحقيقاً وتوسعاً كتاب "المغني" للموفق ابن قدامة المقدسي.
ويعتبر مختصر الخرقي خاليًا من اختلاف الرواية عن الإمام أحمد، مما يدل على أنه بناه على رواية واحدة 887، وهي الرواية الراجحة في نظره، ومن هنا يعتبر الخرقي من طبقة

الجزء: 1 - الصفحة: 430

أهل الترجيح والإختيار في المذهب.
ونجده يشير إلى الرواية المرجوحة أحياناً، كما في "باب أجل العنين والخصي غير المجبوب" من كتاب النكاح فقد قال في الأخير: وقد روي عن أبي عبد الله -رَحِمَهُ اللهُ- قول آخر: إن القول قوله مع يمينه 888. وبما أن الخرقي -رَحِمَهُ اللهُ- تصرَّف بالترجيح والإختيار في مذهب الإمام أحمد، ولم يعن باختلاف الرواية، فإنه من المحتمل جدّاً أن يكون خرّج كثيراً من المسائل على أصول الإمام، واجتهد فيها بالنقل والإستنباط.
فهل هذا واقع؟ إنَّ الجواب عن هذا السؤال مطويٌّ في مناقشة مسألة مهمة، وهي: هل القول المقيس على كلام الإمام أحمد مذهب له أو لا؟ وبعبارة أوضح: إذا لم نجد للإمام نصًا في مسألة، ولكن وجدنا أصحابه قاسوها على مسألة مشابهة لها في المعنى، وهو ما يسمى بالتخريج للمسائل على نصوص الإمام، وقد يسمى: نقلًا، ويسمى القول المخرَّج وجهاً أو رواية مخرجة.
فهل هذا الإجتهاد يصح أن ينسب للإمام؛ من حيث إنه مذهب له أم لا يصح؟ قال ابن مفلح في "الفروع" 889: والمقيس على كلامه مذهبه في الأشهر.
وقال المرداوي في التعليق عليه: واعلم أن الصحيح من المذهب أن ما قيس على كلامه مذهب له، قال المصنف هنا: "والمقيس على كلامه مذهبه في الأشهر".
انتهى.
وهو مذهب الأثرم، والخرقي، وغيرهما من المتقدمين، وقاله ابن حامد وغيره في "الرعايتين" و"آداب المفتي" و"الحاوي" وغيرهم، وقيل: ليس بمذهب له، قال ابن حامد: عامة مشايخنا، مثل الخلال وأبي بكر عبد العزيز، وأبي علي، وإبراهيم، وسائر من شاهدناهم، لا يجوزون نسبته إليه، وأنكرو على الخرقي ما رسمه في كتابه من حيث إنه قاس على قول.
اهـ. وهذا يكشف عن أن الخرقي -رَحِمَهُ اللهُ- قاس كثيراً من مسائل المختصر على كلام الإمام أحمد، ولا يوجد عن أحمد نص صريح بشأنها، وإنما حملها على المنقول عنه.
وبهذا يكون هذا "المختصر" نموذجاً من التأليفات المبكرة للحنابلة في الترجيح والتخريج على السواء.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 431

الإرشاد إلى سبيل الرشاد

  • عَلَم: :
  • الكتاب:
  • المؤلف:

الجزء: 1 - الصفحة: 432

وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يعتبر كتاب "الإرشاد" من الكتب المهمة التي ألفت في الفقه الحنبلي على طريقة المتقدمين، ويعتبر صاحبه ممن يذكر في الخلاف المذهبي.
وقد تميز هذا الكتاب عن غيره بصغر حجمه وسهولة عبارته ووضوحها، واعتنى مصنفه بذكر الأقوال والروايات عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- ولم يكتف بذلك، بل كان يرجح فيما بينها، ويختار بعضها أحياناً بقوله: "وهو اختياري"، وأحيانا يقول: "والذي عليه العمل عندي" أو: "والأول أحب إلي" أو: "بهذا أقول" إلى غير ذلك من العبارات المبثوثة في معظم أبواب الكتاب.
ووشّى كتابه -رَحِمَهُ اللهُ- بذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وبذكر التعليل لبعض الأحكام.
كما تميز هذا الكتاب بأن مصنفه -رَحِمَهُ اللهُ- ذكر في أوله باباً في الإعتقاد على غير عادة مصنفي الكتب الفقهية، سماه "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات"، ضمنه مسائل في الإعتقاد، تبع في ذلك طريقة أبي محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني المالكي (386 هـ) في كتابه "الرسالة" الذي صدره بنفس الباب، كما أن الباب الجامع منه يتشابه مع جامع "الرسالة" المذكورة.
ثم ثنى بباب في فضل العلم والتفقه في الدين، وذكر العام والخاص، وما ظاهره العموم والمراد به الخصوص، وما ظاهره الخصوص والمراد به العموم، وذكر الأصول التي عليها مدار الفقه، وما في معنى ذلك.
وفي الأخير عقد المؤلف باباً جامعاً ذكر فيه جملاً من الفرائض والسنن المؤكدات، والرغائب، والآداب، جعله باباً مختصراً طوى فيه نشر ما بسطه في أبواب الكتاب، ليقدم لطالب العلم من خلاله خلاصة مقتضبة ينتفع بها.
• مقتطفات من الكتاب: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات: حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الإعتقاد بالقلب، والنطق باللسان: أن الله واحد أحد، فرد صمد، لا يغيره الأبد، ليس له والد ولا ولد، وأنه سميع بصير، بديع قدير، حكيم خبير، علي كبير، ولي نصير، قوي مجير 892 ....

الجزء: 1 - الصفحة: 433

وأن الإيمان غير مخلوق، وهو قول باللسان، وإخلاص بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالأوزار .... وأن محمدًا خاتم النبيين، وأفضل القرن الذين صحبوه أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان (1). باب الغصب: الغاصب ظالم متعد ضامن لما غصب.
فإن رد ذلك بعينه، فلا شيء عليه غيره، إلا أن يكون لمثله أجرة فيلزمه أجرة مثله لمدة كونه في يده، انتفع به أو لم ينتفع.
فإن استعمله فأخلقه -أي أبلاه- لزمه مع أجرته ما نقص من قيمته، فإن كانت له قيمة يوم غصبه، فنقصت في يده، ثم رده، فعليه رد ما نقص من قيمته، وقيل عنه: إن لم يتغير في عينه، وإنما نقصت قيمته لنقصان السعر رده كما غصبه، ولم يلزمه رد نقصان القيمة معه (2).

الخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى

  • عَلَم: :
  • الكتاب:
  • المؤلف:

الجزء: 1 - الصفحة: 434

الأحمد"، وابن بدران في "المدخل"، وصاحب "العقود الدرية" وحاجي خليفة في "كشف الظنون" 895. مكان وجود الكتاب: يوجد من هذا الكتاب المجلد الرابع في دار الكتب المصرية تحت رقم 140 فقه حنبلي.
ونسخة مصورة عنها في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية ذات رقم 18 اختلاف الفقهاء 896. وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يتكون كتاب "التعليق الكبير" من أحد عشر مجلداً، كما وصفه لنا شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية، إذ جاء في رسالة له أرسلها إلى أهله في الشام وهو في مصر: وترسلون أيضاً من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع، وهو أحد عشر مجلداً، وإلا فمن أوله مجلداً، أو مجلدين، أو ثلاثة 897. اهـ. ومن حرص ابن تيمية على اقتناء الكتاب واستصحابه في الغربة والسفر، تظهر أهميته وقيمته في المكتبة الحنبلية.
ويعتبر هذا الكتاب ذخيرة للحنابلة في مسائل الخلاف، أو الفقه المقارن، من حيث إنه أبان عن حجج الحنابلة، وأدلتهم، والرد على مخالفيهم فيما ذهبوا إليه من مسائل الخلاف.
قال الشيخ عبد القادر بدران: وأجمع ما رأيته لأصحابنا في هذا النوع "الخلاف الكبير" للقاضي أبي يعلى، وهو في مجلدات لم أطلع منه إلا على المجلد الثالث، وهو ضخم، أوله كتاب الحج، وآخره باب السلم، وقد سلك فيه مسلكاً واسعًا، وتفنن في هدم كلام الخصم تفنناً لم أره في غيره 898. وطريقة المؤلف في هذا الكتاب أن يصدر الكلام بذكر رأي الحنابلة في المسألة، فيورد الروايات عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، وأقوال أصحابه، ثم يردف رأي الحنابلة برأي

الجزء: 1 - الصفحة: 435

من وافقهم من غيرهم من أصحاب المذاهب، ثم بعد ذلك يتعرض لأقوال المخالفين، ثم يعود ليذكر أدلة الحنابلة بالتفصيل والإسهاب الكثير، ثم يذكر بعض أدلة المخالفين، ويناقشها ويورد بعض اعتراضات الخصوم أو المخالفين، ويرد عليها 899. مقتطفات من الكتاب: جاء في المجلد الرابع قوله في المسألة الأولى من كتاب الحج: مسألة: من شروط وجوب الحج: وجود الزاد والراحلة.
نص عليها في رواية حنبل.
فقال: السبيل: الزاد والراحلة.
وليس عليه أن يحج راجلًا إلا أن يتطوع بنفسه، وكذلك نقل صالح قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وداود: الراحلة غير معتبرة، فمن قدر على المشي لزمه ذلك.
ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة، وأما الزاد فلا يعتبر ملكه، وإنما يعتبر القدرة عليه، فإن كان ذا صنعة يمكنه الإكتساب بها لزمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
فلها دليلان: أحدهما: من جهة الإستنباط، والثاني: من جهة التفسير.
وأما الإستنباط: فهو أن كل عبادة أمر بفعلها اقتضى ذلك القدرة على الفعل؛ كالصوم والصلاة وغيرها.
فلما اشترط في الحج استطاعة السبيل اقتضى ذلك زيادة على القدرة التي اعتبرها مالك، وليس ذلك الإستطاعة التي نعتبرها.
وأما التفسير: فروى أبو بكر 900 بإسناده عن الحسن قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: "من وجد زاداً وراحلة" 901. رواه الدارقطني عن ابن مسعود، وابن عمر، وعمرو بن شعيب، وعلي، وأنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قيل له: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة " 902.

الجزء: 1 - الصفحة: 436

فإن قيل: يحتمل أن يكون الرجل الذي سأله ممن لا يجب عليه الحج إلا بوجود زاد وراحلة، فبين له السبيل المشروطة في حقه.
قيل له: النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر السبيل بالألف واللام، وإنما يكون المراد بذلك جنس السبيل، أو المعهودة المذكورة في الآية، فلا يمكن حمل الخبر على غير هذين.

فصول الكتاب · 50 فصل
فصول المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته
المقدمةمقدمة الموسوعة
مُقَدِّمَةتَمْهِيدْأولًا - كلمة "مذهب":المذهب لغة:المذهب عرفًا:المذهب اصطلاحًا:ثانيًا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:ثالثًا - أهمية المذاهب الفقهية في خدمة الشريعة الإسلامية:الفصل الأولالمبحث الأولالمبحث الثانيالمبحث الثالثالمبحث الرابعالطور الأول: النشأة والطفولة.الطور الأولالطور الثانىالطور الثالثالطور الرابعأسباب المحنةأسباب المحنةمراحل المحنةالمرحلة الأولىالمرحلة الثانيةالمرحلة الثالثةنتائج المحنةمجمل مناقب الإمام أحمد وصفاتهعلم الإمام أحمدأولاً: شهادة الناس له بالعلم:ثانياً. في الرواية عنه:ثالثاً: في مؤلفاته:ما نسب إلى الإمام أحمد من كتبرسائل الإمام أحمدالمسندتاريخ تأليف المسندوصف المسندرواية المسندمنزلة المسند بين كتب الحديثالأعمال التي تمت على المسندغريب الحديث، لغلام ثعلب (261 هـ - 345 هـ):ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج لهم أحمد بن حنبل في "المسند" لإبن عساكر (499 هـ - 571 هـ):خصائص المسند، للحافظ أبي موسى المديني (501 هـ -581 هـ):تجريد ثلاثيات المسند (1)، للمقدسي (ت 613 هـ):التذكرة في رجال العشرة، لإبن حمزة الحسيني (715 هـ - 765 هـ):الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في تهذيب الكمال:الهدي والسّنن في أحاديث المسانيد والسنن، المعروف بـ"جامع المسانيد والسنن" (4)، للحافظ ابن كثير (701 هـ - 774 هـ):ترتيب المسند، لأبي بكر بن المحب (712 هـ - 789 هـ):ترتيب المسند، لإبن زريق (ت 803 هـ):إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لإبن الملقن (723 هـ -804 هـ):مختصر المسندغاية المقصد في زوائد المسند، للهيثمي (735 هـ - 807 هـ):مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:جزء للحافظ الهيثمي:ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، للمقدسي (ت 820 هـ):ذيل الكاشف، لإبن العراقي (762 هـ - 826 هـ):المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن الجزري (751 هـ - 833 هـ):المقصد الأحمد في رجال أحمد.المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمدترتيب المسند المسمى "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري"، لإبن زكنون (758 هـ - 837 هـ):زوائد المسانيد المسمى بـ: "إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة" للبوصيري (762 هـ - 840 هـ):القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن حجر العسقلاني (773 هـ - 852 هـ):إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي:تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة:التعريف الأجود بأوهام من جمع رجال السند:الذيل الممهد على القول المسدد، للسيوطي (ت 911 هـ):عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد:الدر المنضد من مسند أحمد (4)، للشماع (ت 936 هـ):شرح المسند، للشيخ أبي الحسن السندي (ت 1139 هـ):نفثات الصدر المُكْمَد وقرّة عين السعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني (1114 هـ - 1189 هـ):ذيل القول المسدد، لمحمد صبغة الله المدراسي:الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (ت 1378 هـ):بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني:تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر للمسند:"الموسوعة الحديثية الكبرى".دعوى كون الإمام أحمد محدثًا غير فقيهٍ والرَّد عليها:الفصل الثانيالدور الأول: النشأة والتأسيسالدور الأولتمهيدتَمْهِيدْالمبحث الأولالمبحث الثانيتصنيف رواة المسائل عن الإمام أحمدالتعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمدإبراهيم الحَرْبي (198 هـ - 285 هـ):إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (218 هـ - 285 هـ):أحمد بن حُميد (أبو طالب) (؟ - 244 هـ):أحمد المرّوذي (؟ - 275 هـ):أحمد الأثرم (؟ - 273 هـ):إسحاق الكَوْسَج (170 هـ - 251 هـ):حرب الكرماني (؟ - 280 هـ):حنبل بن إسحاق (؟ - 273 هـ):سليمان بن الاشعث أبو داود (202 هـ - 275 هـ):صالح بن الإمام أحمد (203 هـ - 266 هـ):عبد الله بن الإمام أحمد (213 هـ - 290 هـ):عبد لله بن محمد (فوران) (- 256 هـ):عبد الملك الميموني (- 274 هـ):مُهَنّا بن يحيى الشامي:الدور الثانيتمهيدتَمْهِيدْالمبحث الأولالخلال (311 هـ):ابن المنادي (256 هـ - 336 هـ):أبو بكر النجاد (253 هـ - 348 هـ):الخِرَقي (334 هـ):الآجُرّي (360 هـ):غلام الخلَّال (285 هـ - 3763 هـ):ابن بَطة العُكْبَري (304 هـ - 387 هـ):ابن المُسْلِم (387 هـ):الحسن بن حامد (403 هـ):أبرز أعمال علماء هذا الدورأولاً - الجمع للمسائلثانياً - الإختصار الفقهيثالثا - شروح المختصراترابعاً - التآليف الجزئية المفردةخامساً - الكتابة في أصول الفقه الحنبليالدور الثالثتمهيدتَمْهِيدْالمبحث الأولالقاضي أبو يَعْلى (380 - 458 هـ):أبو الخَطّاب (432 - 510 هـ):ابن المَنِّي (501 - 583 هـ):ابن الجَوزي (2) (509 - 597 هـ):المبحث الثانيآل تيمية وجهودهم في خدمة المذهب الحنبليالمبحث الثالثالمقادسة وجهودهمنتائج جهود المقادسةأشهر الفقهاء الشاميين الذين خدموا المذهب- موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (541 - 620 هـ)- شمس الدين ابن مفلح (712 - 763 هـ)- علاء الدين المرداوي (817 - 885 هـ)حالة المذهب الحنبلي بعد المقادسةالشيخ عبد القادر ابن بدران (1280 - 1346 هـ)المبحث الرابعابن النجار الفُتُوحي (898 هـ - 972 هـ):منصور بن يونس البُهُوتي (1000 - 1051 هـ):المبحث الخامسالشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة (948 هـ)الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (1099 هـ)الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوتهنتائج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهابالشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1165 - 1244 هـ):الشيخ عبد لله بن عبد الرحمن الملقب بـ "أبا بُطين" (1194 - 1282 هـ):الشيخ عبد الرحمن بن حسن أل آلشيخ (1193 - 1285 هـ):أثر الملكة العربية السعودية في ازدهار الفقه الحنبليخلاصة ما تمّ في المملكة العربية السعودية من جهود في خدمة المذهب الحنبليالشيخ سعد بن حمد بن علي ابن عتيق (1267 - 1349 هـ):الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري (1290 - 1373 هـ):الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (1307 - 1376 هـ):الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع (1300 - 1385 هـ):الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (1311 - 1386 هـ):الفصل الثالثتمهيدتَمْهِيدْالمبحث الأولالمبحث الثانيالمبحث الثالثالمبحث الرابعالمبحث الخامسالمبحث السادستعريف "الإختيارات"التأليف في الإختياراتاختيارات ابن تيمية ومميزاتهاالأسس التي ترتكز عليها اختيارات شيخ الإسلاممرتبة ابن تيمية في طبقات المجتهدينمنهج ابن تيمية في الفتوى والإجتهادالفصل الرابعتمهيدتَمْهِيدْالمبحث الأولالمبحث الثانيكيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهيةكيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبليةالمبحث الثالثالجامع للخلالمختصر الخرقيالإرشاد إلى سبيل الرشادالخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى
كتاب الروايتين والوجهينكتاب الوقوف:كتاب أحكام أهل المِلَل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائضكتاب اللباسكتاب العقيقةكتاب المجانبةكتاب المناسككتاب في الفقه والإختلافكتاب مختصر الفقهكتاب القولينكتاب حكم الوالدين في مال ولدهماكتاب الروايتين والوجهينكتاب اللباسكتاب صيام يوم الشككتاب اللباسكتاب النظام بخصال الأقسام.كتاب الروايتين والوجهينكتاب المقتدى في الفقهكتاب كبير في استقبال القبلة ومعرفة أوقات الصلاةكتاب في الأصولكتاب العمدةمقدمة في الفرائضكتاب في المناسككتاب في الفرائضكتاب في المناسك.كتاب الأحكام.كتاب في عقوبات الجرائممقدمة في أصول الفقه.كتاب العُدةكتاب في الأحكامكتاب الصلاة وحكم تاركهاكتاب نكاح المُحْرِمكتاب حكم إغمام هلال رمضانكتاب في أصول الفقهكتاب المناقلة في الأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف.كتاب المناقلة في الأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلافكتاب في أصول الفقهكتاب في الفقهكتاب في المناسك.كتاب في المناسكمقدمة الخائض في علم الفرائضكتاب في المناسك =كتاب في المناسككتاب في الفرائضكتاب في المناسك.كتاب في المناسككتاب الطهارةكتاب في المناسك
جارٍ التحميل