المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينصفحات 196-235
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 196-235
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ومن ذهب إلى رواية إسحاق فوجهه ما روي أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ لاعن بين هلال بن أمية وبين امرأته وفرق بينهما وكانت حاملاً والحق الولد بالأم وأمر بأن لا يدعي لأب ولأن كل حالة لو أقربه فيها لزمه فإنه إذا نفاه جاز أن ينفيه باللعان، دليله بعد الوضع والقائل الأول لا يسلم هذا الوصف لأنه لو أقر بالحمل لم يلزمه النسب نص عليه في رواية ابن القاسم فقال: إذا أقر بحمل ثم رجع بعد الولادة أو قبل لاعن بعد أن تضع، فأما إن ولدته فأقر به لم أقبل رجوعه أبداً.

ثبوت الفرقة بين المتلاعنين بمجرد اللعان

: 139 - مسألة: فرقة اللعان هل يفتقر إلى حكم الحاكم أم تحصل بلعان من الزوج؟

نقل إسماعيل بن سعيد: لا يحتاج إلى فرقة الحاكم في اللعان، فظاهر هذا أنها تقع بلعانهما معاً ولا يفتقر إلى حكم الحاكم فإن حكم الحاكم تنفيذ لا إيقاع.
ونقل ابن القاسم: ينبغي للحاكم أن يقول: قد فرقت بينكما، فظاهر هذا أنه يتعلق بلعانهما وحكم الحاكم بعد ذلك فأما قبل الحكم فهما على الزوجية، ولكن الحاكم يحكم بالفرقة من غير مطالبة ويكون حكمه إيقاعاً لا تنفيذاً، وهو

اختيار الخرقي وأبي بكر ولا يختلف الرواية أن الفرقة لا تقع بلعان الزوج وحده.
ووجه الأولى: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: المتلاعنان لا يجتمعان أبدا فقد منع من اجتماعهما باللعان وهما بعد الفراغ من اللعان متلاعنان فمن قال: هما مجتمعان ما لم يحكم الحاكم فقد ترك الخبر، ولأنه لما لم يصح البقاء على النكاح بعد التلاعن دل على أن الفرقة قد وقعت بينهما، ألا ترى أنه لما لم يصح البقاء عليه بعد الرضاع ووطء المرأة دل على وقوع الفرقة بينهما؟ ووجه الثانية: ما روي أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ لاعن بين العجلاني وامرأته قال: إن أمسكتها فقد كذبت عليها فطلقها ثلاثاً فأقره ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ على هذا ولم ينكر عليه، فلو كانت الفرقة وقعت كان الطلاق محالاً فلما أقره على الطلاق ثبت أن الزوجية كانت باقية، ولأن سبب هذه الفرقة تفتقر إلى الحاكم، فالفرقة المتعلقة به لا تقع إلا بحكم الحاكم كفرقة العتيق، ولأنه سبب يفتقر إلى لفظ الشهادة فوجب أن لا يكون له حكم ينضم إليه حكم الحاكم.
دليله الشهادة على سائر الحقوق.

ذكر الولد المنفي بالقذف في اللعان

: 140 - مسألة: إذا قذفها ونفي الولد فهل عليه أن يذكر في اللعان؟ قال الخرقي: يذكره.
وقال أبو بكر ـ في كتاب الخلاف ـ ليس عليه ذلك.

ووجه ما قاله الخرقي ـ وهو الصحيح ـ: أن كل من سقط حقه باللعان كان ذكره شرطاً فيه كالزوجة.

ووجه قول أبي بكر: أن نفي الولد إنما يكون تبعاً لزوال الفراش والفراش يزول بلعانهما جميعاً ونفى النسب تبعاً له فلم يكن عليه ذكره.

عدد الشهود الذين يثبت بهم الإقرار بالزنا

: 141 - مسألة: في الإقرار بالزنا بماذا يثبت؟ قال أبو بكر في كتاب الخلاف: على قولين: أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة لأنه إقرار بفعل فلا يثبت إلا بما يثبت به ذلك الفعل، كالقتل.
والثاني: يثبت بشاهدين، لأنه يثبت بإقرار فوجب أن يثبت بشاهدين كسائر الإقرارات، ويفارق القتل لأنه فعل وفعل الشيء أقوى من الإقرار به، ألا ترى أنه لو قذفه كان عليه الحد، ولو أقر أنه زنا لم يكن قاذفاً؟

إباحة الملاعنة للملاعن إذا كذب نفسه

: 142 - مسألة: إذا كذب الزوج نفسه بعد لعانه لزمه ما عليه من وجوب الحد ولحوق النسب لأنه إذا لحق وجبت النفقة، وهل يثبت ماله وهو رجوع الفراش بماله وزوال تحريم العقد؟ على روايتين: نقل حنبل، والميموني: أنه تحريم على التأييد ولا يزول ذلك التحريم، ونقل حنبل في موضع آخر متى أكذب نفسه زال تحريم الفراش، وعادت مباحة كما كانت بالعقد الأول.
قال أبو بكر: جميع من روى عنه، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً أكذب نفسه أو لم يكذبها، وما رواه حنبل فهو قول آخر.
والعمل على ما روى الجماعة.
وجه الأولى: وهي الصحيحة ـ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبداً.
ولأنه تحريم عقد لا يرتفع بغير تكذيب

فوجب أن لا يرتفع به كتحريم المصاهرة، والرضاعة، ولا يلزم عليه الطلاق لأنه لا يرتفع كتحريم بتكذيب، وإنما يترفع بالعقد والإصابة.
ووجه الثانية: أنه تحريم يختص بالزوجية فوجب أن لا يكون مؤيداً كالطلاق ولا يدخل عليه الرضاع لأنه لا يختص بالزوجية.

اللعان لنفي الولد

: 143 - مسألة: إذا قال لها: أكرهت علي نفسك وغضبت عليها وهذا الولد منه وما زنيت أنت فهل له اللعان على نفي النسب أم لا؟ على روايتين: إحداهما: ليس له أن يلاعن أومأ إليه في رواية ابن القاسم، وأبي طالب، فقال في رواية ابن القاسم: ولا يزول الولد إلا في الموضع الذي أزالته الشبهة وهو بالتعانهما جميعاً، والفراش قائم حتى تلتعن هي أيضاً والولد للفراش ونقل أبو طالب: إذا قال: ليس هذا الحمل مني إنما هي كاذبة فإذا قذفها لعنها.
والرواية الثانية: له اللعان نص عليه في رواية ابن منصور إذا قال: لا أقذف امرأتي وليس مني فإذا كان الفراش له، وولدت في ملكه يلاعن وقال في موضع آخر إذا قال ليس مني لحق به لا ينتفي إلا باللعان.
وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي أن الرجل إذا لاعن يحتاج أن يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا.
وإذا لم يقذفها لم يمكنه اللعان فثبت أنه لا يلاعن حتى يقذف ولأنه من رمى أحد الواطئين لم يكن له أن يلاعن كما لو قذف الزوجة دو الواطىء فقال: وطئتك فلان بشبهة وكنت علمت بأنه أجنبي.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر وشيخنا أبي عبد الله وهو أصح أنه قذف بزنا لو أتت منه بولد لحقه، فكان له نفيه باللعان كما لو قذفها معاً، ولأنه إذا قال لها: هذا الولد ليس مني، ولم أصبك وما زنيت.
لا يخلو إما أن يستلحق الولد فيكون ولده أو يقذفهما وينفيه، أو يقذف الواطىء ويلاعن، ولا يجوز أن يستلحقه ولأنه لا يحل له وبطل أن يقذفهما معاً، لأنه لا يمكنه

لأن الزاني هو الواطىء دونها فلم يبق إلا أن يقذف الواطىء وحده يلاعن على نفي النسب.

قذف الأنثى بلفظ الذكر

: 144 - مسألة: إذا قال لزوجته: يا زان هل يكون قذفاً؟

قتل أبو بكر: يكون قذفاً كقوله يا زانية.
قال الشيخ أبو عبد الله: لا يكون قاذفاً.
وجه قول أبي بكر ـ وهو الصحيح ـ أن الكلام إذا فهم معناه تعلق حكمه بقائله وإن كان لحناً كما لو قال لرجل: زنيت بكسر التاء وللمرأة: زنيت بفتح التاء أو قال له على مائة درهماً بفتح الهاء ونصب الدرهم ولأن الحد إنما يجب بإدخال المعرة على المقذوف بأي عبارة كانت بدليل أنه لو قذفه بالفارسية كان قذفاً كذلك هاهنا قد أدخل فيجب أن يكون قذفاً ولأن الهاء إنما تدخل للفرق بين المذكر، والمؤنث، والإشارة إليهما بحرف التاء أبلغ من الهاء في الفرق بين المذكر والمؤنث ولأنه قد يحذف آخر الكلمة على سبيل الترخيم فيقال: لمالك: يا مال، ولحارث: يا حار كذلك هاهنا.
ووجه قول شيخنا أبي عبد الله أن الهاء تدخل في زانية للفرق بين المذكر والمؤنث، لأنه يقال للمرأة زانية وللرجل زانٍ كما يقال: صادق وصادقه فكانت الهاء علامة المؤنث فيجب إذا أضاف الزنا إليه بلفظ المؤنث أن لا تصح الإضافة كما إذا أضافت الصدق إليه باللفظ المؤنث، أن لا تصح الإضافة.

قذف الذكر بلفظ المؤنث

: 145 - مسألة: فإن قالت لزوجها: يا زانية أو قال له: أجنبي.
فقال أبو بكر هو قذف، وزيادة الحرف كنقصانه.
وقال الشيخ أبو عبد الله لا يكون قذفاً.
ووجه قول أبي بكر وهو الصحيح، تقدم في المسألة التي قبلها وهو أن الكلمة إذا فهم معناها يتعلق حكمها بقائلها وإن كانت لحناً كقوله لرجل:

زنيت بالكسر وللمرأة: زنيت بالفتح ولأن الحد يجب على القاذف بإدخال المعرة على المقذوف وهاهنا قد أدخل المعرة بهذه الإضافة والمواجهة، ولأن فعل الرجل إذا تقدم ذكره جاز أن يؤنث كقوله: رجل ضحكة، ولعنة، وهزأة.

وجه قول شيخنا بأن الهاء إنما تزاد في الكلمة للمبالغة في العلم، لتدل على التكرار منه، كما يقال: علاقة، وحسابه، ونسابه، ليدل على كثرة العلم بذلك وإذا كانت لغة في علم الشيء وجب أن لا تكون قاذفة له كما لو قالت له أنت عالم بالزنا ولأن قوله زانية اسم وضع للتي تمكن من نفسها للوطء والزنا بها، وما كان موضوعاً لها لا يتصف الرجل به فوجب أن لا تكون قاذفة له.

القذف باللفظ المحتمل للزنا وغيره

: 146 - مسألة: إذا قال لرجل زنأت في الجبل.
فقال أبو بكر: هو صريح في القذف فإن ذكر أنه لم يرد به القذف لم يقبل منه.
وقال شيخنا أبو عبد الله: إن كان من أهل اللسان بالعربية عالماً باللفظة لم يكن صريحاً في القذف وكان على ما أراد، وإن لم يكن له معرفة باللسان وكان صريحاً في القذف وهوأصح لأن العامة لا تفرق في العادة بين قوله زنأت وزنيت وتعقل من ها ما تعقله من هذا، فصارت كلغة قائمة فيما بينهم اصطلحوا عليها، فتعلق بها الحد مثل: أن يقذفه بالفارسية.
وليس كذلك إذا كان من أهل اللغة ويعرف الفرق بين زنأت وزنيت أن يصدق لأنه يفرق بينهما والعامي لا يفرق.
ووجه قول أبي بكر أنه لما كان صريحاً في القذف في حق العامي، كان صريحاً في حق من هو من أصل اللغة كقوله: زنيت.

قذف المحصن بما قبل الإحصان

: 147 - مسألة: إذا قال: زنيت وأنت نصرانية أو أمة فقالت: قد كنت نصرانية غير أني ما زنيت، فهو قاذف وهل يجب عليه الحد؟.
على روايتين: نقل الميموني في رجل قذف امرأة فقال: زنيت وأنت نصرانية أو أنت

مملوكة، هل يجلد الحد إن لم يأت بالبينة؟ فقال: ويعلم أنها كانت نصرانية هذا أهون.
قيل له: فإن لم يعلم؟ فقال: دعها ولم يجب عنها، فظاهر هذا أنه لم يوجب عليه حد القذف.

ونقل ابن منصور في رجل رمى امرأته بما فعلت في الجاهلية، فقال: عليه الحد فظاهر هذا أنه أوجب الحد ولا تختلف الرواية أنها إذا لم تصدقه أنها كانت نصرانية أو أمة أن عليه الحد.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أنه قاذف لنصرانية أو أمة، فلم يجب عليه حد القذف، دليله إذا كانت نصرانية أو أمة حال القذف.
ووجه الثانية: أنه أضاف الزنا إلى حالة الرق فلم يسقط حد القذف كما لو لم تصدقه أنها كانت نصرانية أو أمة ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنها إذا لم تصدقه فهو قذف لمسلمة لأن المغلب في دار الإسلام حكم الإسلام بدليل أنه لو وجد لقيط في دار الإسلام حكمنا بأنه مسلم واذا حكمنا بإسلامها كان الحد على قاذفها والقائل الثاني يجيب عن هذا فيقول: الدار تجمع المسلمين والمشركين والأصل براءة ذمته عن الحد فكان يجب أن لا يلزمه الحد مع إنكارها حتى يعلم ذلك ولما أوجب عليها الحد مع هذا الاحتمال كذلك هاهنا.

تكرار الحد بتكرار القذف بعد الحد للقذف الأول

: 148 - مسألة: إذا قذف أجنبياً أو أجنبية فحد ثم قذفها ثانياً بغير القذف الأول فقال: زنيت ثانياً فهل يجب عليه حد ثاني؟ نقل الأثرم وأحمد بن منصور: لا حد عليه وهو اختيار أبي بكر الخلال.
ونقل حنبل: يحد وهو اختيار أبي بكر، ولا تختلف الرواية أنه إذا قذفها بالقذف الأول أنه لا حد عليه لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب، وهذا قد تحقق كذبه فلا حد عليه ولكن يعزر.
وجه الأولى: أنه قد حكم بكذبه في قذفها فلا يحد لها كما لو أعاد الأول ولأن المعرة لا تلحق بهذا القذف بحصول كذبه.

ووجه الثانية: أنه إذا استأنف قذفاً احتمل الصدق والكذب، فالمعرة تلحق فلهذا كان قذفاً، ويفارق هذا إذا أعاد الأول لأنه قد تحقق كذبه به فيه فلهذا لم تحد.

ولأنه لو زنى فحد أو سرق فقطع ثم زنى وسرق ثانياً أقيم عليه الحد كذلك هاهنا، إذا قذف يحد ثم قذف ثانياً أن يحد فإن قذف زوجته بزنا ولم يحقق بالبينة فحد، ثم قذفها ثانياً فحكمه حكم قذفه لأجنبية إن كان القذف الثاني الزنا الأول فلا حد عليه.
وإن كان بزنا ثاني فعلى روايتين: فإن قذفها وهي أجنبية فقبل أن يحد تزوج بها ثم قذفها بقذف ثاني في الزوجية، فإن طالبت بالأول فحد لها، فهل لها المطالبة بالثاني؟ على روايتين: كما قلنا في قذف الأجنبية إذا حد لها ثم قذفها ثانياً، وإن طالبت بالثاني أو لأن أقام البينة عليها بالزنا فحدت لم يحد الزوج للأول ولا للثاني لأنه قد سقطت حصانتها، فإن لم تقم البينة لكن لاعنها سقط عنها الحد الأول بلعانها.
نص عليه في رواية ابن منصور لأنه معنى أسقط القذف فكان مسقطاً للقذف الأول كالبينة وإن لم يلتعن ولم تقم البينة فقد تكرر منه قذفها قبل الزوجية وبعد الزوجية فيجب حد واحد.
نص عليه في رواية ابن منصور لأنهما حدان من جنس واحد فوجب إذا ترادفا أن يتداخلا كحد الزنا.

قذف كل من الزوجين لصاحبه

: 149 - مسألة: إذا قال لزوجته: يا زانية فقالت: بل أنت زان فكل واحد منهما قاذف لصاحبه.
قال أبو بكر: على الزوج الحد إلا أن يقيم البينة أو يلتعن وعليها الحد إلا أن تقيم البينة.
ونقل حنبل عن أحمد ـ رحمه الله ـ: أنه لا لعان بينهما وعليها الحد فأسقط عن الزوج الحد واللعان، وأوجب على الزوجة حد القذف، وعندي أن هذه الرواية سهو في النقل لأن أكثر ما فيه أنه محدود في قذف والمحدود في القذف

يلاعن.
نص عليه في رواية ابن منصور، والصحيح: ما قاله أبو بكر لأنهما قاذفان لو انفرد كل واحد منهما بالقذف كان له حكم قذفه فإذا قذف كل واحد منهما وجب أن يكون له حكم قذفه كالأجنبيين إذا قذف كل واحد منهما صاحبه.

قذف الجماعة بكلمة واحدة

: 150 - مسألة: إذا قذف جماعة نسوة أو جماعة رجال قذفاً واحداً بكلمة واحدة، فهل يجب عليه حد واحد أم حدود؟ نقل أبو الحارث، والفضل، وأبو طالب، ويعقوب بن بختان، ومهنا، وعبد الله: عليه حد واحد وإن تفرقوا لأنها كلمة واحدة، وإن قذفهم متفرقين حد لكل واحد حداً فقد نص على أن عليه حداً واحداً سواء طالبوا بالحد متفرقين أو مجتمعين.
ونقل أبو الصقر عنه فيمن قال: يا ناكح أمه، يحد للرجل حداً ولأمة حداً فقد أوجب حدين بكلمة واحدة سواء طالبوا جميعاً أو متفرقين.

ونقل أبو الحارث، وحنبل، وابن منصور: إذا قذف جماعة فإن قدموه إلى الحاكم، واحداً واحداً حد لكل واحد منهم حداً وإن قدموه جميعاً مرة واحدة ضرب لهم حداً واحداً، ولا تختلف الرواية أنه إذا قذفهم بكلمات وأفراد كل واحد أن عليه لكل واحد حداً كاملاً وقد حكينا في الظهار عكس هذا وهو أنه إذا ظاهر منهن بكلمة واحدة ثم عاد من كلهن فعليه كفارة واحدة رواية واحدة، وإن ظاهر من كل واحدة بكلمة مفردة ثم عاد منهن فعلى روايتين فهاهنا إذا أفرد كل واحدة بكلمة واحدة فعليه لكل واحدة حد وإن جمعهن بكلمة واحدة فعلى الروايات، وكان الفرق بينهما أن الكفارة حق الله تعالى بدليل أنه لا مطالبة للزوجة فيها فجاز أن يبني أمره على التداخل بالكلمة والكلمات كحد الزنا، والسرقة، وليس كذلك حد القذف لأنه حق لآدمي بدليل أنه لا يستوفي إلا بمطالبة المقذوف فكان أبعد في التداخل ألا ترى أنه لو جرح ثم جرح لم يتداخل أو أتلف مالاً ثم أتلف مالاً ثانياً لم يتداخل وكان

يلزم على هذا أن لا يتداخل وإن كان بكلمة واحدة لكن وجدنا في الأصول فرقاً بين الكلمة الواحدة والكلمات.
ألا ترى أنه لو حلف يميناً واحدة على جماعة نساء أن لا يكلمهن فكلمهن فكفارة واحدة ولو أفرد كل واحدة بيمين وحنث في جميعهن لزمه لكل يمين كفارة كذلك هاهنا.
وجه الرواية الأولى: وأنه يتداخل إذا كان بكلمة واحدة وهي الرواية الصحيحة، أنها حدود ترادفت من جنس واحد فجاز أن يتداخل كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر ولا يلزم على هذا إذا أفرد كل واحدة بقذف لأن التعليل لجواز التداخل في الجملة، فلا يلزم عليه التفضيل، ولأنه قذف بكلمة واحدة، فكان فيه حد واحد كما لو قذف واحداً.

ووجه الثانية: أنه يجب لكل واحدة حد أنها حقوق مقصودة لآدميين فإذا أمكن استيفاؤها لم يتداخل كما لو جرح ثم جرح أو خرق ثوباً ثم خرق ثوباً.

ووجه الثالثة: وأنه إذا جاؤوا متفرقين فحدود وإن جاؤوا مجتمعين فحد واحد أن حد القذف جعل للتشفي لما دخل عليه من المعرة فإذا جاؤوا جميعاً يطالبون بذلك فأقيم الحد، فالظاهر أن التشفي قد حصل لجميعهم لأن الحد أقيم في مقابلة المطالبة من جهة جميعهم.
وليس كذلك إذا جاؤوا متفرقين فأقيم الحد لأحدهم ثم جاء الآخر يطالب فإن التشفي لا يحصل للثاني بالحد الأول ولأنه لم يقم له ولا عن مطالبته والتشفي لا يحصل له.
فإن كان المقذوف زوجاته وأراد اللعان أفرد كل واحدة منهن بلعان لأن لكل واحدة منهن حقاً في الرمي، واللعان يمين، واليمين الواحدة لا يسقط بها حق لاثنين كما لو ادعى عليه رجلان حقين فأنكر فإنه يحلف لكل واحد يميناً ولا يحلف لهما يميناً واحدة كذلك هاهنا.
ولأن اللعان موضوع على التغليظ، ولهذا كرر اللفظ وجيء باللعن فيه ومن التغليظ أن يفرد كل واحدة بلعان.

قذف الزوجة وأجنبية بكلمة واحدة

: 151 - مسألة: فإن قذف زوجته وأجنبية بكلمة فقال: زنيتما ولم يقم البينة، ولم يلتعن فهل يحد لهما حداً واحداً أم حدين؟

يخرج على ما مضى من الروايات وهو إذا قذف أجنبيتين بكلمة واحدة واختار أبو بكر هاهنا أن عليه حداً واحداً وعندي أن الصحيح هاهنا أن يجب لكل واحدة حل كامل وهو المنصوص على أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية مهنا: إذا رمى زوجته، وأجنبية بالزنا، فإنه يلاعن عن زوجته، ويحد للأجنبية وذلك لأن حد الزوجة يخرج منه بأحد أمرين: إما بالبينة أو باللعان، وحد الأجنبية لا يسقط إلا بالبينة فقط فلما اختلفا في المسقط لهما كانا كالمختلفين، ودخلا في جملة حدين من جنسين فلهذا كان الأظهر هذا.

ما يوجب قذف الزوجة برجل بعينه:

152 - مسألة: فإن قذف زوجته برجل بعينه فقال: زنا بك فلان، ولم يلاعن فإنه يحد لهما حداً واحداً رواية واحدة، لأنه قال: إذا لاعنها لم يحد للأجنبي إذا طالب.
وهذا يدل على أنه لم يجب إلا حد واحد لأن هذا قذف بزنا واحد، ويفارق هذا إذا قذف الجماعة بكلمة واحدة لأن هذا قذف بعدد من الزنا فلهذا تكرر الحد فيه على إحدى الروايتين.

التعريض بالقذف

: 153 - مسألة: إذا عرض بالقذف مثل أن يقول حال الغضب والخصومة: يا حلال ابن الحلال خلقت من نطقه حلال ما أنا زاني، ولا أمي زانية فهل يكون ذلك قذفاً يجب به حد القذف؟ نقل الأثرم، والمروذي، وأبو الحارث، وابن منصور: في التعريض بالزنا.
الحد ونقل حنبل: في التعريض التعزير، ولا يبلغ الحد إلا في القذف.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أن دلالة الحال تنقل حكم الكلام إلى ضد ما أوجب لفظه في حقيقة اللغة، نحو قوله: اعملوا ما شئتم ظاهره الأمر والمراد به النهاية في الزجر وكذلك قوله: {من شاء فليؤمن ومن شاء

فليكفر} وقوله: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾.
ونحو ذلك فلو ورد هذا اللفظ مبتدأ عارياً من دلالة الحال لكان ظاهره يقتضي إباحة جميع الأفعال، وهو في هذه الحال وعيد، وزجر، بخلاف ما يقتضيه اللفظ المعلق العاري من دلالة الحال ومن نظائر ذلك قول النجاشي: إذا الله عادى أهل لؤم وقلة فعاد بني العجلان رهط ابن مقبل قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

ومعلوم أن الناس يتمدحون بدفع الظلم والغدر عن أنفسهم وهو في هذا الموضع ذم وهجاء لخروج اللفظ مخرج الهجاء فكان معناه أنهم أقل من أن يوثق بهم بذمة يغدرون بها وأعجز من أن يظلموا أحداً فكانت دلالة الحال ناقلة لحكم اللفظ إلى ضد مقتضاه وموجبه لو كان ورد مطلقاً وقد اعتبر قوم في هذا المعنى مسائل في الفقه فيمن قامت امرأته لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث وكذلك لو قال لرجل تغد عندي اليوم فقال إن تغديت فعبدي حر، إن هذا على ذلك الغداء بعينه.
فإن تغدى عنده بعد ذلك لم يحنث فصارت اليمين على الفور لدلالة الحال عليها وكذلك لو خالعها بغير عوض ونوى به الطلاق كان طلاقاً ولو خالعها بعوض ونوى به الطلاق لم يكن طلاقاً.
لدلالة الحال وهو بذل العوض كذلك هاهنا يجب أن يكون قوله في حال الغضب والخصومة: يا حلال بن الحلال خلقت من نطفة حلال أن يكون قذفاً لدلالة الحال ولأن أكثر ما في التعريض أنه كناية عن القذف وقد أجمعنا على أن قذف الأخرس ولعانه يصح وإشارة الأخرس بالقذف إنما هي كناية عن القذف وقد صحت كذلك في الناطق.
ووجه الثانية: أن كلما كان كناية في حال الرضا كان كناية في حال الغضب فلو قال ما أنا بزانٍ ولا أمي زانية لم يكن اعتراضاً فوجب أن لا يكون لغيره قذفاً ولأن الله تعالى أباح التعريض بخطبة النساء في العدة فقال: {ولا جناح

عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} وحرم التصريح به فلو كان التصريح كالتعريض لما أباحه وحرم التصريح.

نسبة الزنا إلى إحدى الجوارح:

154 - مسألة: فإن قال: زنى فرجك أو قال: زنى يدك أو رجلك فقال شيخنا أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ في قوله زنى فرجك: صريح في القذف لأنه محل الفعل فيه يضاف الزنا إليه فلهذا كان قذفاً وإما قوله زنى يدك أو رجلك فليس بصريح لأنه يحتمل صريح الزنا الذي هو الفاحشة والفجور ويحتمل زنا اليد والرجل وهو النظر واللمس والسعي قال: العينان تزينان واليدان تزنيان ويكذب ذلك ويصدقه الفرج.
قال أبو بكر في قوله: زنى فرجك ويدك ورجلك واحد وفيهما قولان بناء على التعريض هل يوجب الحد أم لا؟ فيها روايتان والمذهب على ما حكاه الشيخ وليس هذا من التعريض في شيء لأن التعريض إنما كان قذفاً لدلالة الحال وهذا المعنى معدوم هاهنا.

معنى الأقراء

: 155 - مسألة: اختلفت الرواية في الإقراء هل هي الحيض أم الإطهار؟ نقل صالح عنه أنه قال من الناس من يقول: القرء هو الطهر وهو قول زيد وابن عمر وعائشة.
ومنهم من يقول: هو الحيض وهو قول عمر وعبد الله بن مسعود قيل له إلى أي شيء تذهب؟ قال: فيه اختلاف وكأنه ذهب إلى أنه الإطهار.
ونقل ابن القاسم عنه في المطلقة تطهر من الحيضة الثالثة قد كنت أقول

بقول زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر فهبته فظاهر هذا أنه رجع عن قوله بالإطهار وأن القرء هو الحيض وقد صرح في رواية عبد الله النيسابوري فقال: قد كنت أقول به إلا أني أذهب اليوم إلى أن الإقراء الحيض إلا أن أصحابنا قالوا: إن المسألة على روايتين: إحداهما: أنها الإطهار: والثانية: أنها الحيض وهي الصحيحة وإليه ذهب أصحابنا.
وجه الأولى: حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ لعمر: مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها فتلك العدة التي أمر الله عزّ وجلّ أن تطلق لها النساء.

فوجه الدلالة أنه أمره بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم بعد ذلك يطلق أو يمسك وكان قوله تلك العدة التي أمر الله عزّ وجلّ أن يطلق لها النساء راجعاً إلى الطهر فثبت أن الاعتبار به ولأنه إذا طلقها وهي طاهر فذلك الطهر عدة وجبت عقيب طلاق مباح مجرد فوجب أن تعتد بها، أصله عدة الآيسة والصغيرة التي لم تحص والحامل ولا يدخل عليه الطلاق في حال الحيض لأنه ليس بمباح بل هو محرم فلذلك لم يعتد به.
وقولنا: مجرداً احتراز من الخلع فإنه مباح في الحيض ولا يعتد به لأنه ليس بمجرد وإنما هو طلاق بعوض، ولأنه دم يحرم الجماع فوجب أن لا يعتد بزمانه أصله بقية الحيضة التي طلقها فيها.
ووجه الثانية: أن القرء يقع على الطهر والحيض جميعاً إلا أنه حقيقة من

الحيض بدليل أن التي لا تحيض لا تسمى من ذوات الإقراء وإن كان الطهر موجوداً فيها، وتسمى التي تحيض من ذوات الإقراء لوجود الحيض فيها وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها ولأنه أشبه بلغة ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ. قال: (دعي الصلاة أيام إقرائك) ومعناه أيام حيضك، وقوله عليه السلام: (دعي الصلاة من القرء إلى القرء).
وروت عائشة رضي الله عنها أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان، ولأنها عدة تتعلق بخروج يخرج من الرحم فوجب أن

يتعلق بالظهور، دليله عدة الحامل.
فإذا قلنا: الإقراء الحيض فإذا حاضت ثلاثاً ولم تغتسل فهل تحل للأزواج أم لا حتى تغتسل قال في رواية ابن القاسم: عمر وعلي وابن مسعود يقولون قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، قيل لأبي عبد الله فإن أخرت الغسل متعمدة فينبغي إن كان الغسل من إقرائها أن لا تبين وإن أخرته، قال هكذا كان يقول شريك، فظاهر هذا أنه أخذ بقول عمر وعلي وابن مسعود، أنها لا تحل للأزواج ما لم تغتسل لأن الضحاك روى عن عمر وابن مسعود أنهما قالا: زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

قال أبو بكر: وقد روي عن أبي عبد الله إذا وجبت عليها الصلاة ولم يخرج الوقت يخرج الوقت يعني بذلك أنها لا تباح ما لم تجب عليها الصلاة فإذا وجبت أبيحت.
وحكى شيخنا في المسألة روايتين: إحداهما: تباح بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة وإن لم تغتسل.
والثانية: لا تباح حتى تغتسل وعلى هذا يملك الرجعة عليها ما لم تغتسل، وهو ظاهر كلام الخرقي ـ رحمه الله ـ لأنه قال فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة أبيحت للأزواج وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: هو أحق بها ما لم تغتسل.
وجه الأولى: وأنها لا تباح حتى تغتسل ما ذكره أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري، فإن الحسن روي عنه أنه قال: هو أحق بها ما لم تغتسل ولأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فلم تبح للأزواج قياساً على زمان الحيض ولأنها ممنوعة من الأزواج لأجل الحيض فوجب أن لا يرتفع ذلك التحريم إلا بالغسل كوطء الزوج الزوجة بعد الحيض.
ووجه الثانية: وأن الغسل ليس بشرط في الإباحة عموم قوله تعالى:

﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ والقرء عبارة عن الحيض وكذلك قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان.
فمن أوجب الغسل اعتبر معناه زائداً على ذلك ولأنها أكملت ثلاثة أقراء فأشبه لو اغتسلت ولأنها إذا وجبت عليها الصلاة حصلت في حكم الطاهرات وقبل أن يجب عليها فهي في حكم الحيض، فلهذا لم يبح.

عدة من لم تحض

: 156 - مسألة: إذا أتى على الجارية زمان الحيض فلم تحض تعتد بثلاثة أشهر أم تعتد بسنة؟

نقل أبو طالب في البكر التي لم تحض: تعتد سنة، قال أبو بكر: قد خالف أبو طالب أصحابه في الرواية لأنهم قالوا عنه: البكر تعتد بثلاثة أشهر قال: وهو الذي اعتمد عليه في رواية حنبل عدة المطلقة ثلاث حيض فإن كانت ممن لا تحيض أو ارتفع حيضها أو صغيرة فعدتها ثلاثة أشهر.
وجه الأولى: وأن عدتها سنة: إذا أتى عليها زمان الحيض فلم تحض حصلت مرتابة لجواز أن يكون بها حمل منع من ظهور الحيض لأن المسألة يتصور فيها إذا كانت مدخولاً بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها وإذا كانت مرتابة من هذا الوجه وجب أن يعلم براءة رحمها بغالب مدة الحمل.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر وظاهر كلام الخرقي، لأنه قال وإن كانت من الآيسات أو ممن لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لمن يحضن كالآيسة باعتبار الثلاثة أشهر، ولأن كلما كان الاعتداد به إذا كان على العادة كان الاعتداد به، وإن خالف الأمر المعتاد كالإقراء والحمل فإن عادة التي لم تيأس من المحيض والإقراء فلو عاودها الدم بعد الإياس اعتدت به وإن كان خلاف العادة وجب أن يكون عدة هذه بالشهور وإن كانت خلاف العادة.

انقضاء العدة بوضع ما تشهد القوابل أنه مبتدأ خلق إنسان

: 157 - مسألة: إذا ألقت جنيناً ولما يتبين فيه خلق الإنسان ولا تخطيط بل شهدت القوابل أن هذا مبتدأ خلق آدمي وأنه لو بقي لصار منه آدمي حي فهل تنقضي العدة وتصير به أم ولد أم لا؟ فنقل أبو طالب: أن عدتها لا تنقضي به ولا تصير به أم ولد ونقل حنبل: تصير به أم ولد، فالمسألة على روايتين: إحداهما: تنقضي به العدة وتصير به أم ولد على ما نقله حنبل.
والثانية: لا تنقضي به العدة ولا تصير به أم ولد ولا يتعلق به شيء من الأحكام على ما نقل أبو طالب والأثرم وهي اختيار أبي بكر وهو أصح.

وجه الأولى: في أن العدة تنقضي به، أنها تنقضي بالدم الجاري فإن تنقضي بهذا الجسم المنعقد أولى، ولأن العدة بالوضع تراد لبراءة الرحم وقد علمنا براءة رحمها بوضعه فلذلك انقضت العدة.
ويدل على أنها تصير أم ولد أنه قد تحكم بالشيء من جهة الظاهر فإن كان في الباطن بخلافه، ألا ترى أن زوجة الرجل إذا أتت بولد لستة أشهر من حين العقد ألحقناه به، بحكم الظاهر وإن جاز أن يكون في الباطن بخلاف ذلك كذلك هاهنا نحكم بأنها أم ولد من جهة الظاهر وإن كان في الباطن بخلافه.
ووجه الثانية: أنها لا تصير أم ولد أن الحرية تسري من الولد إلى الأم لأنه ينعقد حراً فيصير الأم أم ولد فأما هاهنا فما انعقد الولد حراً فلا حرية هناك فلم تصر أم ولد ولأن أم الولد تضاف إلى الولد فيقال: أم ولد فإذا لم يوجد هناك ولد حقيقة لم تصح الإضافة فلم يثبت الحرية.
ويدل على أنه لا تنقضي به العدة أن العدة إنما تنقضي بوضع الحمل أو بالأقراء ولم يوجد هاهنا حمل ولا أقراء فلم تنقض العدة.

أكثر مدة يلحق الولد فيها بالزوج المطلق

: 158 - مسألة: اختلفت الرواية في أكثر مدة يلحق الولد فيها بالزوج المطلق.

فنقل صالح وحرب وقد سئل في كم يلحق الولد؟ فقال: إلى أربع سنين.
ونقل ابن مشيش وقد سئل: كم مدة الحمل؟ فقال: الذي نعرف سنتين، وأهل المدينة يقولون: أربع.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ ما روي أن عمر ضرب لامرأة المفقود أجلاً أربع سنين ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحمل وروي ذلك عن عثمان وعلي ولأن ذلك لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فوجب الرجوع فيه إلى العادة وقد وجد ذلك معتاداً لأنه كان مستفيضاً بالمدينة أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين.

وروي أنه قيل لمالك: إن عائشة قالت أكثر الحمل سنتان، فقال: من يروي هذا عن عائشة؟ هذه امرأة ابن عجلان جارتنا ولدت بطوناً بقي كل حمل في بطنها أربع سنين.
وروى الشافعي عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد القرشي أن سعيد بن المسيب أراه رجالاً، فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين ثم قدم فوضعت هذا وله ثنايا.
ووجه الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: لا يبقى الولد في بطن الأم أكثر من سنتين مقدار فركة مغزل، وهذا لا يقال إلا توقيفاً ولا مدخل للاجتهاد فيه فصار كأنه قالت سمعت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ يقول ذلك ولأن هذه المقادير لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق وقد حصل الاتفاق على سنتين وما زاد فهو مختلف فيه وليس فيه توقيف ولا اتفاق فلا نثبته.

تخيير الولد في الانتساب إلى من يشاء ممن أشكل الحاقه بواحد منهما

: 159 - مسألة: إذا نكحت في العدة وأتت بولد لستة أشهر فصاعداً من حين دخل بها الثاني ولأربع سنين فما دون من طلاق الأول فالولد يمكن أن يكون منهما فنريه القافه فإن ألحقته بالأول ألحق به وانقضت عدتها من الأول واستأنفت عدتها من الثاني وإن لم تلحقه القافه بواحد منهما بل أشكل أمره أو لم يكن قافه فقد اختلف أصحابنا.
فقال أبو بكر يضيع نسبه ولا يقف حتى يبلغ فينتسب إلى من يشاء منهما قال: لأنه متهم في ذلك وهو أنه قد ينتسب إلى أشرفهما وأيسرهما.
وقال شيخنا أبو عبد الله يترك حتى يبلغ فينتسب إلى أيهما مال طبعه إليه لأنه أعرف بنفسه فيرجع إليه كما رجع إلى المرأة في انقضاء عدتها فإذا انتسب لحق به دون الثاني ولكن بعد أن وضعته تستأنف ثلاثة أقراء لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول.

ابتداء عدة المفارقة في الغيبة:

160 - مسألة: إذا طلقها أو مات عنها وهو غائب عنها فهل تحسب عدتها من يوم الفرقة أم من حين العلم؟ فنقل صالح: عدتها من حين الفرقة.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: في عدتها روايتان: إحداهما: مثل الذي روى صالح.
والثانية: إن كان بلغها بالبينة فالعدة من حين الفرقة موتاً كان أو طلاقاً وإن كان بثبوتها بالخبر فالعدة من حين بلغها، قال أبو بكر: لا خلاف عن أبي عبد الله أن العدة تجب من حين الموت أو الطلاق إلا ما رواه إسحاق وهو إذا لم تعلم البينة، فإن قامت البينة فمن يوم يموت أو يطلق.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، وبها قال عبد الله بن الزبير وابن

مسعود وعبد الله بن محمد وعبد الله بن عباس لأنه زمان عقيب طلاق مباح مجرد فوجب أن تعتد به كما لو كان حاضراً، وقولنا: مباح احتراز من الطلاق حال الحيض، وقولنا: مجرداً احتراز من الخلع في الحيض، ولأن الفرقة إذا وقعت ومضى زمان العدة ولم تعلم به لم يفقد إلا القصد، وفقد القصد لا يؤثر في صحتها ألا ترى أنها لو كانت مجنونة أو صغيرة انقضت عدتها ولا قصد لها كذلك هاهنا لم يفقد إلا القصد فوجب أن تنقضي العدة.
ووجه الثانية: أن العدة لترك الطيب ولبس الزينة ونحوه وما فعلت هذا فوجب أن لا تنقضي عدتها.

عدة الأمة ذات الشهور في فرقة الطلاق

: 161 - مسألة: في عدة الأمة المطلقة إذا كانت حائلاً من ذوات الشهور مثل أن كانت صغيرة لم تحض أو كبيرة يئست من المحيض، روايات: نقل صالح: عدتها شهران.
ونقل الميموني: عدتها شهر ونصف.
ونقل حرب وأبو داود وابن القاسم وابن إبراهيم في استبراء الأمة أذا كانت آيسة تستبرأ بثرثة أشهر فيجب أن ينقل كلامه في الإستبراء إلى العدة لاتفاقهما في المعنى، فيخرج فيها رواية ثالثة أنها تعتد بثلاثة أشهر.

ووجه الثانية: أنه أمر بني على المفاضلة فالقياس يقتضي أن تكون الأمة فيه على النصف من الحرة كالحدود إنها إذا كانت من ذوات الإقراء أن تعتد بقرء ونصف فلم يمكن تبعيضه فكملناه قرءين فلما أمكن تبعيض الشهور وجب أن تعتد بشهر ونصف والأصول على هذا وهو أن كل أمر بني على المفاضلة فإن كان مما لا يتبعض سقط العدد فيه رأساً كالرجم، والميراث، وإن كان مما يتبعض كان على النصف من الحر كالحدود فلما كان هذا مما يتبعض وجب أن يكون على النصف.
ووجه الثالثة: أن العدة تراد لبراءة الرحم وأقل ما يعرف به براءة الرحم بالشهور ثلاثة أشهر لأن الولد يكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم يخلق بعد ذلك، ويكبر الجوف وتظهر الإشارات على الحمل، فإذا لم يظهر شيء من هذا دل على براءة الرحم فإذا لم يدل على براءة الرحم أقل من هذا ساوت فيه الحرة كالحمل سواء، فهذا حكم الأمة المطلقة إذا كانت ممن لا تحيض وهكذا الحكم في استبراء الأمة إذاً فتخرج على ثلاث روايات: إحداها: تستبرأ بشهر، نقلها الميموني، والثانية: بثلاثة أشهر نقلها الجماعة، حرب وابن القاسم وإبراهيم، ويتخرج الثالثة شهر ونصف كالمطلقة والمشهور عنه في الاستبراء ثلاثة أشهر، والمشتهر في المطلقة شهران.

بناء الرجعية على عدة الطلاق الأول إذا روجعت ثم طلقت قبل الدخول

: 162 - مسألة: إذا طلق زوجته رجعية ثم راجعها وطلقها بعد الرجعة وقبل الدخول بها فهل تستأنف العدة أم تبنى على ما مضى من العدة الأولى؟ وعلى روايتين: نقل الميموني: أنها تبنى وهو اختيار الخرقي ـ رحمه الله ـ. ونقل ابن منصور: تستأنف وهو اختيار أبي بكر.

وجه الأولى: أنه إذا طلقها لم يخل إما أن يكون العدة من الطلاق الثاني أو الأول فبطل أن يكون من الثاني لأنه لو كانت منه اقتضى أن لا عدة عليها لأنه طلاق قبل الدخول وإذا أفضى إلى هذا ثبت أن العدة عن الأول وإذا كانت عنه فليس غير البناء.
ولأنه لو خالعها ثم نكحها ثم طلقها قبل الدخول

بها بنت على العدة رواية واحدة كذلك إذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
ووجه الثانية: أنه إذا طلقها رجعية فقد شعث النكاح بثلمة أوقعها فيه بدليل أنها ما بانت به منه فإذا راجعها رم الشعث وسد الثلمة وعاد النكاح إلى ما كان عليه قبل الطلاق فكأنه نكاح واحد لم يقع فيه طلاق فإذا طلقها بعده كان عليها أن تستأنف العدة كأنه أول طلاق وقع بها بعد الدخول لأنه صار كأنه نكاح موصول بالدخول مثل هذا ما قلناه إذا ارتدت زوجته فإنها تجري إلى الفسخ فإذا رجعت إلى الإسلام زال ما حدث في النكاح وعاد بمعناه الأول فلو طلقها بعد ذلك استأنفت العدة، كذلك هاهنا.

نفقة المتوفى عنها وسكناها

: 163 - مسألة: في الحامل المتوفى عن زوجها.
هل لها السكنى والنفقة أم لا؟.
فنقل المروذي، وأبو طالب، وحنبل: نفقتها من نصيبها.
ونقل مهنا ينفق عليها من جميع المال.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، أنها معتدة من وفاة فلا نفقة لها كالحائل ولأنه لا يخلو إما أن تكون النفقة لها أو للحمل فبطل أن يكون للحمل لأن نفقة الأقارب تسقط بالوفاة وبطل أن يكون لها لأنه لو كان لها لكانت لها وإن كانت حائلاً [فإذا] لم تجب لواحد منها بطل وجوبها.
ووجه الثانية: قوله تعالى: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن.

ولأنها معتدة بالحمل عن نكاح فكان لها النفقة كالمطلقة الحامل ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن المطلقة الحامل لما وجب لها أجرة الرضاع والحضانة بعد الوضع وجبت لهاالنفقة والسكنى حال الحمل وليس كذلك في مسألتنا لأنها لما لم تجب لها أجرة الحصانة بعد الوضع كذلك النفقة حال الحمل ولأن النفقة تجب لأجل الحمل وإذا كانت مطلقة فالزوج هو المنفق وإذا كانت متوفى عنها فقد مات الزوج ونفقة الأقارب تسقط بالموت فلهذا فرق بينهما.

سكنى المبتوتة الحائل

: 164 - مسألة: في المبتوتة الحائل لا نفقة لها رواية واحدة وهل لها السكنى؟ على روايتين: نقل المروذي وأبو طالب وأبو الحارث والفضل بن زياد: لا سكنى ولا نفقة.
ونقل ابن منصور عنه: السكنى للمطلقة ثلاثاً أوكد من النفقة لقوله: أسكنوهن من حيث سكنتم.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ ما روت فاطمة ابنة قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً وأن أخاه أخرجها فقال لها ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة.
فإذا لم يكن له عليها الرجعة فلا نفقة لها ولا سكنى.
وروى أبو بكر بإسناده عن فاطمة بنت قيس عن رسول الله قال: للمطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة وقال أبو بكر في حديث مجالد: إنما السكنى والنفقة لمن

يملك الرجعة ولأن السكنى حق يجب على الزوج يوماً فبطل بالبينونة كالنفقة لأنها لما لم تستحق النفقة لم تستحق السكنى دليله الحائل المتوفى عنها.

ووجه الثانية: أن السكنى حق لله ـ عزّ وجلّ ـ يدل عليه قوله تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم والمراد بها المعتدات، والدليل عليه ما قبل الآية وبعدها ما قبلها فقال: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ثم قال: أسكنوهن من حيث سكنتم.
قال: ظاهر هذا أنها كناية عادت على مذكور تقدم، وإنما تقدم ذكر المعتدات لا غير ثبت أنه أراد المعتدات وأما بعدها فقال: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فشرط في الإنفاق الحمل وإنما أراد به البائن بالطلاق لأن الزوجة والمطلقة الرجعية لها النفقة حائلاً كانت أو حاملاً، وإذا ثبت بهذا أنها حق الله تعالى لم تسقط بالطلاق ويفارق النفقة لأنها حق للزوجة في مقابلة التمكين من المنفعة وقد عدم ذلك بالبينونة، فلهذا سقطت، ويفارق هذا الحائل المتوفى عنها زوجها أنها لا سكنى لها لأن المغلب في عدة الوفاة التعبد لا الاستبراء بدليل أنها تجب على الصغيرة وعلى غير المدخول بها وإذا كان المغلب هذا والسكنى تراد الاستبراء والمغلب غيره سقط وعدة الطلاق المغلب فيها الاستبراء لأنها لا تجب على غير المدخول بها فلهذا وجب ولأن ملكه زال بوفاته إلى وراثه فكيف تستحق السكنى على غير زوجها؟

إحداد البائن المفارقة في الحياة

: 165 - مسألة: من بانت بطلاق أو خلع أو فسخ هل عليها إحداد أم لا؟ على روايتين: نقل صالح: المتوفى عنها والمطلقة ثلاثاً والمحرمة يجتنبن الطيب، فظاهر هذا أن عليها الإحداد ـ وهو اختيار الخرقي.

والثانية: لا إحداد عليها، أومأ إليه في رواية أبي الحارث، فقال: كل ما روي في الإحداد إنما هو في المتوفى عنها ولم يرد في المطلقة شيء.

ونقل الأثرم عنه وقيل له: المتوفى عنها والمطلقة ثلاثاً تدعان الزينة والطيب؟ قال: نعم.
قيل له: هما في التوكيد سواء، قال: لا لعمري لأن الأحاديث في الوفاة فظاهر هذا أنه لا إحداد عليها وهو اختيار أبي بكر في كتاب الخلاف.
وجه الأولى: أنها معتدة عن نكاح فوجب أن يكون عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، ولأن عدة المبتوتة أضيق من عدة المتوفى عنها زوجها، بدليل أنها ممنوعة من الخروج في حوائجها والمتوفى عنها زوجها (غير ممنوعة) فكانت المبتوتة أولى.
ووجه الثانية: أنها معتدة عن طلاق فوجب أن لا يكون عليها إحداد كالرجعية.
ولأن الإحداد إظهار الحزن والأسف على فراقه والفائت بوفاته والوفاة تقتضي هذا فإنه لا صنع له بفراقها والمطلقة لا أسف لها عليه ولا حزن لأنه هو الذي طلقها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه وهي من أبغض الناس له.

تحريم المرأة على من نكحها في العدة تحريماً مؤبداً:

166 - مسألة: إذا عقد على امرأته في عدتها ودخل بها فهل تحرم عليه على التأبيد أم لا؟ نقل حرب: أنها لا تحرم وأن للثاني أن يتزوج بها بعد انقضاء العدتين وهو اختيار الخرقي، وحكى شيخنا فيها رواية أخرى: أنها تحرم عليه وقد أومأ إليه أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية أبي الحارث، وقد سأله إذا نكحها في العدة ثم أراد أن يجدد النكاح فقال: فيه اختلاف وقد صرح به في رواية حنبل فقال: إذا تزوجت المرأة في عدتها فرق بينهما وكان لها المهر بما استحل من فرجها ولا يجتمعان أبداً ومن ذهب إلى هذا احتج بأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالميراث إذا قتل الرجل مورثه فإنه لا يرث لأنه استعجل الحق قبل

وقته فحرمه في وقته ولأنه يفسد النسب فوجب أن يوقع التحريم على التأبيد كاللعان.
والوجه في أنها لا تحرم أنه وطء لو كان مباحاً لم تحرم به على التأبيد فإذا كان حراماً لم تحرم به على التأبيد كالذي لا يفسد النسب.

ولأنه وطء فلم يحرم الموطوءة على التأبيد كالموطوءة بشبهة، بل هذا أولى، لأن الوطء إنما يحرم الموطوءة على غير الواطىء، فأما عليه فلا.

تربص زوجة المفقود وعدتها

: 167 - مسألة: في المفقود وهو إذا غاب عن زوجته وكان الظاهر من حاله الهلاك مثل أن يفقد من بين أهله ليلاً ويكون في البحر فيكسر بهم البحر ويغرق قوم ويسلم قوم ولا يعرف خبره أو يكون بين الصفين في حرب فيفقد أو يكون في طريق مكة فيلحقهم شدة ويهلك قوم ويسلم قوم ولا يعرف خبره.
فنقل الجماعة منهم ابن منصور وحنبل: أن زوجته تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل وأربعة أشهر وعشراً مدة عدة الوفاء وتحل للأزواج بعد ذلك.
ونقل أبو الحارث عنه وقد سئل عن امرأة المفقودة، إذا تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشراً ثم تزوجت فجاء الزوج الأول وكيف تصنع؟ فقال: قد كنت أقول: إذا تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشراً تزوجت وقد ارتبت فيها اليوم وهبت الجواب فيها لما قد اختلف الناس فيها فكأني أحب السلامة.
ونقل مهنا عنه: اختلف الناس في امرأة المفقود فظاهر هذا التوقف عن إباحتها للأزواج وأنها تكون زوجته حتى تستبين أمره وفقده أو تمضي مدة الغالب في مثلها أن لا يعيش.
وقد قال في رواية المزني: تبقى إلى أن يمضي عليها تسعون سنة.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، إجماع الصحابة روي عن ستة من الصحابة: عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، فروى سعيد بن المسيب أن عمر وعلياً قالا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من بدا لها فإن قدم زوجها خير بين امرأته وبين الصداق، فإن اختار

امرأته عزلت عن زوجها الأخير ثم ترد إلى زوجها الأول وإن اختار الصداق كانت عند زوجها الأخير وأعطي الزوج الأول صداقه.

وبإسناده عن عمر وعثمان قضيا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً بعد ذلك ثم تتزوج فإن جاء زوجها الأول خير بين الصداق وبين امرأته، وروى جابر بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس قالا في امرأة المفقود: تنتظر أربع سنين، وروى ابن القاسم قال قضى فينا ابن الزبير في مولاة لهم غاب زوجها عنها فتزوجت فجاء الأول: أنه مخير بين المرأة إن شاء وبين صداقها، ولأن المعسر بالنفقة والمولى والعنين تملك امرأته فسخ النكاح لما عليها من الضرر بمنع النفقة وعدم الوطء فأولى أن تملك هاهنا الفسخ وقد عدمت الاستمتاع والإيواء والسكنى والنفقة أيضاً.

ووجه الثانية: ما روى المغيرة بن شعبة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها زوجها ولأنه إذا جهل موته وقع الملك في زوال الزوجية والشك إذا وقع في زوال الزوجية بنى الأمر فيها على اليقين كما شك هل طلق أم لا؟ وهل طلق ثلاثاً أم واحدة؟ فإنه يبنى على اليقين كذلك هاهنا.

فإن قلنا إنها تتربص وتتزوج فهل يجب عليها أن تصير إلى الحاكم حتى يحكم بفرقتها بوفاته ثم تعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشراً أم لا؟ نقل ابن منصور إذا فقدت تربصت أربع سنين وأربعة أشهر ثم تزوجت قيل له وإن لم تأتِ السلطان.
قال: أحب إليَّ أن تأتي السلطان، فظاهر هذا أن فرقة الحاكم ليست بشرط في ذلك.
ونقل الأثرم وقد سئل هل تتربص من يوم فقدت زوجها أم من يوم ترفع أمرها إلى السلطان؟.
فقال: أما حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن أبي ليلى قال: فارتفعت إلى عمر فقال: فقدت فقالت: من أربع سنين.
فأجلها عمر أربع سنين أخرى.
وهذا بين جداً.
وليس هو في حديث آخر غيره البتة فظاهر هذا أنه أخذ به فتكون المسألة على روايتين:

وجه الأولى: في أن ضرب الحاكم المدة ليس بشرط أن المفقود ضربنا له المدة وحملنا أمره على حكم الموت بمنزلة شاهدين شهدا بوفاته ثم ثبت أن الموت لا يفقتر في ضرب المدة فيه إلى حكم حاكم فبان لا يفتقر الفرع المبنى عليه أولى.
ووجه الثانية: أن في ذلك شرطاً وأن فقد الزوج يفتقر إلى استبحاث واجتهاد وما كان هذا طريقه لم تنفرد الزوجة به كفرقة العنة والإعسار بالنفقة.
فأما ولي الزوج فهل طلاقه معتبر بعد مدة التربص أم لا؟ نقل حنبل لفظين: أحدهما: قال: تتربص أربع سنين، وأربعة أشهر وعشرة أيام ثم يقال للولي: طلق بعد ذلك.
وجه الأولى: ما تقدم من الأخبار وليس فيها ذكر طلاق الولي ولأن حكم الحاكم بتفريقهما يكفي.
ووجه الثانية: ما روى جلاس أن علياً قال في امرأة المفقود تتربص أربع

سنين ثم يطلقها ولى زوجها ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً.
وروى جابر بن زيد قال: تذاكر ابن عمر وابن عباس امرأة المفقود فقال: تتربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ثم تعتد أربعة أشهر والأول اختيار أبي بكر وشيخنا.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد في هذه الرواية المروية في طلاق الولي هل هي صحيحة أم لا؟ فنقل ابن منصور عنه في حديث عبد الله بن عمر: تتربص أربعة أشهر وعشراً ثم يدعى ولي الزوج فيطلقها ثم تعتد عدة المطلقة ثم تزوج.
هذا أكثر ما فيه وهو حديث ضعيف.

ونقل الأثرم عنه: حديث عبيد الله بن عمير أحسنها وفيه الطلاق.
فإن عاد الزوج الأول وقد تزوجت ودخل بها الثاني فإن الأول مخير بين فسخ نكاح الثاني وإمساكها بالعقد الأول، وبين تركها على نكاح الثاني، وأخذ الصداق وإن عاد قبل الدخول بها فعلى روايتين: نقل أبو الحارث: إذا تزوجت امرأته فجاء، خير بين الصداق وبين امرأته، فظاهر هذا أنه يخير قبل الدخول وبعده.

ونقل الأثرم: إذا قدم الأول فإن كان قبل الدخول فهي امرأته ولا تخيير وإن كان بعد الدخول خير بين الزوجة والصداق.
فظاهر هذا أن النكاح الثاني يتبين أنه كان باطلاً وهي زوجة الأول.
وجه الأولى: ما روي عن عمر وعثمان أنهما قضيا بالتخيير بين أن يمسكها ويرد المهر أو يردها ويأخذ المهر ولم يفرقا بين قبل الدخول وبعده، ولأن

الرجوع الأول لا يمنع الثاني التخيير كما لو كان الثاني قد دخل بها فعلى هذه الرواية يجب أن يقال: إن نكاح الثاني مراعى.
فإن فسخه تبين أنه كان فاسداً وإن عقد الأول كان باقياً وإن أمضاه تبينا أنه كان صحيحاً.
وأن نكاح الأول قد انفسخ وليس يمتنع أن نقول: إن نكاح الثاني مراعى ويستبيح الوطء كما لو وجد كل واحد من الزوجين بصاحبه عيباً فإنه يستبيح الوطء وإن كان هذا النكاح مراعى بمعنى أنه يملك فسخه.
ووجه الثانية: وهي أصح عندي، إنا نتبين أن الفرقة كانت باطلة في الباطن وإن عقده كان باقياً لأنه صادف امرأة ذات زوج فلهذا كان للأول إمساكها بالعقد الأول دون الثاني ويفارق هذا إذا جاء وقد دخل بها، لأن الصحابة قضوا بذلك ولأن العقدين قد تساويا لأن كل واحد منهما عقده وهو ممن يجوز له عقدة في الظاهر ومع الثاني مزية الدخول الذي يتعلق به وجوب المهر والعدة ولحوق النسب فقدم لأجل هذه المزية، ولا هكذا إذا لم يكن دخول لأن المزية للأول فلهذا لم يصح نكاح الثاني.
فإذا قلنا: إن الأول مخير بعد الدخول بين إمساكها وبين تركها وأخذ الصداق فكم قدر الصداق؟ فنقل أبو الحارث: إذا جاء زوجها وقد تزوجت خير بين الصداق وبين امرأته: إما أن يأخذ الصداق الذي ساقه إليها وإلا فهي امرأته.
فظاهر هذا أنه يأخذ الصداق الأول دون الثاني.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: إذا كان الأول أمهرها ألفين فأمهرها الثاني ألفاً فإنه يؤخذ بالمهر الأخير.

وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر ـ وهو أصح ـ ما روى مكحول أن عمر قضى إن جاء زوجها خير بين امرأته وبين صداقها الذي أصدقها، وروى السائب عن عثمان بن عفان قال: إن جاء زوجها خير بين الصداق الأول وبين

زوجته.
ولأن خروج البضع من ملك الزوج إذا كان من جهة المرأة، فإن الرجوع عليها بالمسمى الذي دفعه إليها.
والدليل عليه إذا خرجت زوجة الحربي مسلمة مهاجرة وكان عقد الأمان على أن ترد نساؤهم المسلمات فإنهم لا يردون ويرد الصداق الذي وقع عليه العقد.

ووجه الثانية: أنها إذا تزوجت فقد حصل إتلاف البضع من جهتها وكان يجب أن يرجع عليها بقيمته إلا أن البضع لا يتقوم إلا على زوج أو من هو جار مجراه وليست بزوج ولا جارية مجراه يعني أن مهر المثل هو قيمة البضع وإذا لم يمكن الرجوع يمهر المثل فيجب أن يرجع عليها بالمسمى الثاني دون الأول لأن الفساد والإتلاف بالعقد الثاني حصل.
فإن تزوجت امرأته بعد أربع سنين وزمان العدة ثم أتت بولد فهو للثاني دون الأول لأنا قد حكمنا بانقضاء هذه المدة أن الولد لا يلحق به وإن تزوجت في دون أربع سنين وجاءت بولد قال أبو بكر: فيها قولان: أحدهما: هو للثاني.
قال: وهو أصح.
والثاني: يحتمل أن يكون للأول والثاني إذا كان للثاني ستة أشهر منذ عقد عليها فيدعى لهما القافة فإن الحقوه بالأول كان عليها أن تعتد للوطء وترجع إلى زوجها الأول، وإن ألحقوه بالثاني كان الوضع خروجاً من العدة وترجع إلى الأول وكان على الثاني رضاع ولده لأن حجرها لغيره إلا أن يسمح الزوج الأول وعندي أنه لا يجوز إلا هذا.
الوجه الثاني: أنها إذا تزوجت قبل أربع سنين حكمنا ببطلان النكاح لأن النكاح حصل وهي في العدة من الأول فالولد يمكن أن يكون منهما فيدعى له القافة ولا يجوز أن يحكم للثاني دون الأول.

فأما مال المفقود:

فلا يجوز قسمته قبل الأربع سنين.
وهل يجوز بعد أربع سنين وقبل زمان العدة؟

على روايتين: نقل إسماعيل بن سعيد إذا مضت أربع سنين قسم ماله.
ونقل الأثرم: إذا أمرت امرأته أن تتزوج قسم ماله بين ورثته.
وجه الأولى: إنا حكمنا بالعقد بمضي أربع سنين وإنما جعلت الشهور عدة من الوفاة وقسمة المال لا تقف على انقضاء عدة الوفاة كما لو علمنا موته يقيناً.
ووجه الثانية: أنها حالة لا يجوز للزوجة فيها التزويج فلا يجوز قسم المال فيها دليله قبل مضي مدة أربع سنين.
فإن قدم وقد قسم ماله فما كان موجوداً وجب رده عليه وما كان تالفاً بالقسمة فهل على متلفه ضمان أم لا؟ المنصوص عنه في رواية ابن منصور: لا ضمان عليه لأنه إتلاف بحق فلم يضمنه وذلك أن من حصل في يده فقد حكم له بملكه في الظاهر فلم يضمن ما أتلفه.
وقال أبو بكر: فيها روايتان: إحداهما: يضمن لأنه قد تبين أنه أتلف مال غيره وأنه لم يكن مالكاً لذلك ولأنه لو قدم وقد تزوجت امرأته وقد دخل بها يخير الأول بين تركها عليه وأخذ الصداق لأجل خروجها عن ملكه كذلك هاهنا يجب أن يضمن القيمة.

عدة الوفاة على أم الولد

: 168 - مسألة: في أم الولد إذا مات عنها سيدها ففيها روايتان: إحداهما: تعتد أربعة أشهر وعشراً نقلها محمد بن العباس وأومأ إلى ذلك في رواية أحمد بن القاسم فقال: كنت أقول: حيضة ثم دخلني منه شك.
والثانية: عدتها بعد موته بمنزلة بعد العتق حيضة ويكون ذلك استبراء لا عدة ونقل ذلك صالح والمروذي وأبو الحارث.

وجه الأولى: ما روى قبيصة بن ذويب عن عمرو بن العاص أنه قال لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا: يعني أم الولد ولأنها

عدة عن وفاة في حال حرية مستقرة قبل الوفاة فوجب أن يكون أربعة أشهر وعشراً دليله الزوجة الحرة ولا يلزم عليه إذا أعتقها لقولنا: عن وفاة لا يلزم عليه المدبرة لأن تلك لم تستقر الحرية في حال الحياة.
ووجه الثانية: وهي أصح، واختارها الخرقي فوجهه أن عدة الوفاة إنما يجب عن نكاح له حرمة بدليل أن الموطوءة بشبهة لا تجب عليها عدة الوفاة وليس بينه وبين أم ولده نكاح فوجب ألا يجب عليها عدة للوفاة بموته.

الاستبراء

: 169 - مسألة: إذا أعتق أم ولده أو مدبرته فإن استبراءهن بقرء وكذلك الأمة المشتراة والحرة المسلمة فإن لم يكن ذوات الإقراء وكن من ذوات الشهور لكبر أو صغر ففيهما روايتان/ إحداهما: تستبرأ بشهر ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف عن أحمد في رواية الميموني/ والثانية: تستبرأ بثلاثة أشهر نص عليه في رواية حرب وأبي داود وابن القاسم وابن ابراهيم.
وجه الأولى: أن القرء في مقابلة الشهر بدليل أن من كانت من ذوات الإقراء اعتدت بثلاثة أقراء فإذا كانت من ذوات الشهور اعتدت بثلاثة أشهر فإذا كان الشهر في مقابلة القرء وقد ثبت أنها لو كانت من ذوات الإقراء تستبرأ بقرء واحد وجب إذا كانت من ذوات الشهور أن تستبرأ بشهر واحد.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة، وهي اختيار الخرقي وأبي بكر: أن الاستبراء يراد لبراءة الرحم وأقل ما يعرف به براءة الرحم بالشهور ثلاثة أشهر لأن الولد يكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم أربعين علقه ثم يخلق بعد ذلك وتكبر الجوف ويظهر أمارات الحمل فإذا لم يظهر شيء من هذا دل على براءة الرحم فإذا لم يدل على براءة الرحم أقل من هذا ساوت الحرة الأمة فيه كالحمل سواء.

استبراء الأمة إذا كان لا يوطأ مثلها

: 170 - مسألة: إذا ابتاع أمة مثلها لا يوطأ هل يجب عليها الاستبراء؟

نقل الفضل بن عبد الصمد: تستبرأ وإن كانت صغيرة في المهد ونقل ابن القاسم: تستبرأ بثلاثة أشهر إن كانت في حد يوطأ مثلها قيل له: فإن كانت صغيرة قال: كيف هذا؟ تستبرأ في المهد، فظاهر هذا أنه لا استبراء عليها إذا كان مثلها لا يوطأ.
ووجهه: أن الاستبراء إنما يراد لمعرفة براءة رحمها والصغيرة قد عرفت براءة رحمها فلا معنى للاستبراء.
ووجه الأولى: أنه استباحة استمتاع جارية بملك يمين بعد أن كانت محرمة عليه فوجب أن يستبرئها، أصله من يوطأ مثلها وقولنا: بملك يمين احتراز منه إذا تزوج بها وقولنا: بعد أن كانت محرمة احتراز من التي كانت زوجته فاشتراها فلا استبراء عليها لأنها كانت مباحة ولأن اعتبار من يجامع مثله ولا يجامع يشق لأن الفصل بينهما لا يمكن فإنها قد تكون صغيرة السن قوية يمكن جماعها وقد تكون كبيرة السن جماعها لضعفها فلما تعذر الفصل بينما حسمنا الباب في الكل فأوجبنا الاستبراء على الكل ألا ترى أن الله تعالى حرم الخمر لعلة وهو أنها تصد عن الصلاة وذكر الله، ووجدنا أن النقطة لا تسكر والكثير يسكر وتعذر الفرق بينهما لأن ذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان والأبدان والشراب، فالزمان إن كان شدة حر يسارع السكر فيه وإن كان شدة برد تبطأ، والمكان إن كان من البلدان الحارة سارع، وإن كان من البلدان الباردة تباطأ والأبدان إن محروراً يسارع وإن كان مرطوباً تباطأ، والشراب إن كان قوياً كالشيرازي منه يسارع السكر، وإن كان ضعيفاً كالعكبري ونحوه تباطأ، فلما تعذر الفرق بينهما حسمنا الباب فحرمنا الكل، كذلك هاهنا.

استبراء البائع للأمة إذا رجعت إليه قبل القبض

: 171 - مسألة: إذا باع أمته ثم أقاله المشتري فيها وعادت إليه فهل على البائع استبراء؟

على روايتين: نقل ابن القاسم ويعقوب بن بختان: عليه الاستبراء قبل القبض وبعده.

ونقل ابن سافري وعبيد الله بن محمد الفقيه: إذا كانت الإقالة بعد القبض والتفرق فعليه الاستبراء فإن كانت قبل ذلك فلا استبراء ولفظ كلامه: إذا باع من رجل جارية وقبضها منه ولما يفترقا حتى تقايلا لم يجب عليه أن يستبرئها فإن غابت عنه ثم تقايلا كان عليه الاستبراء.
ووجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أنه استباحة استمتاع جارية يملك اليمين بعد أن كانت محرمة عليه فكان عليه أن يستبرئها كما لو كانت الإقامة بعد القبض والتفرق.
ووجه الثانية: أنه لا معنى للاستبراء مع العلم لم يكن المشتري واطئاً لها.

استبراء الأمة المسبية

: 172 - مسألة: في الأمة المسبية هل تباح قبلتها ووطؤها دون الفرج مدة الاستبراء أم لا؟ نقل الفضل بن زياد عنه في الحائل توجد في السبي، هل توطأ؟ قال: لم يعجبنا.
قيل له: فتقبل.
قال: لا يعجبنا ولا يأتيها دون الفرج فظاهر هذا المنع.
ونقل ابن القاسم في الرجل يشتري الجارية: لا يجامعها دون الفرج قبل أن يستبرئها، لأنه لا يأمن أن تكون أم ولد لرجل.
قيل له: فالمسبية عندك حالها هذا، قال: نعم وهذا أيسر حالاً وأمر تلك أشد.
فظاهر هذا أنه فرق بينهما وسهل أمر المسبية.
ووجه الأولى: أن من وجب استبراؤها بحق الملك لم يجز قبلتها دليله المشتراه ووجه الثانية: دون الفرج يأمن معه اختلاط مائه بماء غيره، ويأمن أن يستمتع بأم ولد غيره، لأنه لو كانت حاملاً لم يزل ملكه عنها ولم يثبت لذلك الاستيلاء حكم، ويفارق هذا الأمة المشتراة، لأنه لا يأمن أن يستمتع بأم ولد غيره، لأنه متى استبان حملها فسخ البيع، فلهذا فرقنا بينهما.

لحوق النسب بوطء الشبهة:

173 - مسألة: إذا وطىء امرأة بشبهة يظنها زوجته فبان أنها أجنبية ثم أتت بولد فهل يلحق به إذا لم يكن لها زوج؟ فقال أبو بكر فيما وجدته بخطه: قال: لا يلحق به، قال: وإنما يلحق فيما كان من نكاح صحيح أو فاسد، قال: لأن أحمد قال في رواية مهنا في مجنون وقع على امرأة فوطئها وجاءت بولد: لا يلزمه.
فقيل له: لم درأت الحد عنه لم لا يلزمه الولد.
قال: الولد للفراش وليس للمجنون فراش، قال أبو بكر: ومن أصحابنا من يلحق به الولد، قال: لأن أحمد قال في رواية ابن منصور فيمن تزوج بخامسة وهو لا يعلم: يلحق به الولد.
فكل من درأت عنه الحد ألحقت به الولد، واحتج أبو بكر بأن هذا وطء لا يستند إلى عقد صحيح ولا فاسد فلم يلحق الولد، دليله وطء الزنا قال: ولا يشبه هذا ما قاله أحمد في نكاح الخامسة، لأن الوطء في نكاح فاسد.
ووجه من قال يلحق به ـ وهو الصحيح ـ لأنه وطء يصادف فراش غيره فإذا اعتقد أنه فراش له يجب أن يلحق به النسب، دليله الوطء في النكاح الفاسد.
ولا فرق بينهما، لأن النكاح الفاسد يستند إلى شبهة الملك وهاهنا أيضاً يستند إلى ذلك المعنى، لأنه يعتقد أنه يطأ في ملك نكاح، ولا يشبه هذا ما قاله أحمد في وطء المجنون لأمة لأنه ليس له اعتقاد صحيح والنسب إنما يلحق بالاعتقاد للفراش.

قدر الرضاع المحرم

: 174 - مسألة: اختلفت الرواية في قدر الرضاع الذي يتعلق به التحريم.
فنقل أبو الحارث: لا يتعلق بأقل من خمس رضعات متفرقات، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح.
ونقل حنبل عنه: تحريم الرضاع يتعلق بالرضعة الواحدة فقال: كلما كان

قبل الحولين قليلاً أو كثيراً يحرم، واحتج بأن السوداء قالت: قد أرضعتكما ولم تحد.

ونقل محمد بن العباس: التحريم يتعلق بثلاث رضعات ولا يتعلق بأقل من ذلك، واحتج بقول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان فأرى أن الثالثة تحرم.
وجه الأولى: ما روته عمرة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس يحرمن فمات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وهو مما يتلى من القرآن فأخبرت أن التحريم نقل من العشر إلى الخمس وعلق بها فمن علق ذلك على ما دون الخمس كان نسخاً لتعلقه بالخمس، لأن الرضعة تصادف محلاً محرماً فلا يتعلق بها تحريم، وهذا كما قلنا في قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً إحداهن

بالتراب فعلق طهارته بالسبع، فإذا علق على ما دونها كان نسخاً لتعلقه بها، لأن السابعة تصادف محلاً طاهراً فلا يتعلق بها التطهير وروى الزهري عن عمرة عن عائشة أن سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة أتت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليَّ، ولنا فضل وما لنا إلا بيت واحد وقد كان ما علمت فما ترى في شأنه؟ فقال: أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن.
وكان السبب في هذا أن التبني كان مباحاً في صدر الإسلام وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة فكان يدعى: زيد بن محمد فلما أراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زوجة زيد بعدما طلقها حرم الله التبني ونسخه حتى لا يكون النبي ـ عليه السلام ـ قد تزوج زوجة ابنه فنزل قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله الآية فكان زيد بعد ذلك يدعى زيد

ابن حارثة، وكان أبو حذيفة زوج سهلة قد تبنى سالماً وكان يدخل على زوجته وعليه لأنه كان ولداً لهما فلما نسخ التبني وحرم كان يدخل عليهما فيرى الكراهية في وجه أبي حذيفة لأنه صار أجنبياً فجاءت سهلة إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فذكرت له ذلك فقال لها ما قال.

فوجه الدلالة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ علق التحريم بالخمس فلا يجوز تعليقه على ما دونها لأنه كان نسخاً لتعلقه بها.

ووجه الثانية: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ـ والولادة لا يعتبر فيها العدد كذلك الرضاع المشبه بها، ولأنه فعل يتعلق به تحريم مؤبد فلم يشترط فيه العدد كتحريم أمهات النساء وحلائل الأبناء يتعلق بالوطء والعقد من غير أن يعتبر فيه العدد ولا يلزم عليه اللعان أنه يتعلق به تحريم مؤبد ويعتبر فيه التكرار لأنه قول والرضاع فعل، ولا يلزم عليه الطلاق لأنه قول ولأنه لا يتعلق به تحريم مؤبد.
ووجه الثالثة: ما روى عبد الله بن الزبير أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصتان.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
ثبوت الفرقة بين المتلاعنين بمجرد اللعانذكر الولد المنفي بالقذف في اللعانعدد الشهود الذين يثبت بهم الإقرار بالزناإباحة الملاعنة للملاعن إذا كذب نفسهاللعان لنفي الولدقذف الأنثى بلفظ الذكرقذف الذكر بلفظ المؤنثالقذف باللفظ المحتمل للزنا وغيرهقذف المحصن بما قبل الإحصانتكرار الحد بتكرار القذف بعد الحد للقذف الأولقذف كل من الزوجين لصاحبهقذف الجماعة بكلمة واحدةقذف الزوجة وأجنبية بكلمة واحدةالتعريض بالقذفمعنى الأقراءعدة من لم تحضانقضاء العدة بوضع ما تشهد القوابل أنه مبتدأ خلق إنسانأكثر مدة يلحق الولد فيها بالزوج المطلقتخيير الولد في الانتساب إلى من يشاء ممن أشكل الحاقه بواحد منهماعدة الأمة ذات الشهور في فرقة الطلاقبناء الرجعية على عدة الطلاق الأول إذا روجعت ثم طلقت قبل الدخولنفقة المتوفى عنها وسكناهاسكنى المبتوتة الحائلإحداد البائن المفارقة في الحياةتحريم المرأة على من نكحها في العدة تحريماً مؤبداً:تربص زوجة المفقود وعدتهاعدة الوفاة على أم الولدالاستبراءاستبراء الأمة إذا كان لا يوطأ مثلهااستبراء البائع للأمة إذا رجعت إليه قبل القبضاستبراء الأمة المسبيةقدر الرضاع المحرم
كتاب الجراح
كتاب الحدود
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل