المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينكتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمان

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تقديم المرتهن في الرهن على غيره من الغرماء إذا مات الراهن مفلسا

ً: 1 - مسألة اختلفت الرواية إذا مات الراهن مفلساً وعليه دين هل يكون المرتهن أحق به أم يكون أسوة الغرماء؟ فنقل أبو طالب، وابن منصور: المرتهن أحق به.
ونقل أحمد بن سعيد: المرتهن أسوة الغرماء، ولا تختلف إذا مات مفلساً فوجد البائع عين ماله أنه يكون أسوة الغرماء أحق به، وكذلك لا تختلف إذا أفلس الراهن حياً أن المرتهن أحق بالرهن من بقية الغرماء، فإن قلنا إنه بالموت أسوة فوجهه أن المرتهن تعلق حقه بعين الرهن كتعلق حق البائع بعين المبيع، ثم ثبت أن المشتري إذا مات مفلساً كان البائع أسوة الغرماء كذلك المرتهن مثله، وإذا قلنا: هو أحق بالرهن من جميع الغرماء، وهو أصح، فوجهه أن المرتهن لم يرض بذمة من عليه الحق ليتعلق حقه بذمته وبعين ماله، فلهذا قدم على الغرماء بكل حال ويفارق البائع لأنه دخل معه على أنه يتعلق حقه بالذمة فقط فلهذا كان أسوة الغرماء.

مسائل في النفقة على الرهن

رجوع المرتهن على الراهن بما أنفقه على الرهن بغير إذنه

: 3 - مسألة: واختلفت إذا امتنع الراهن من نفقة الدابة المرهونة فأنفق المرتهن عليها محتسباً بذلك هل يملك الرجوع بقدر النفقة؟ فنقل ابن منصور فيمن ارتهن دابة فعلفها بغير إذن صاحبها: فالعلف على المرتهن من أمره أن يعلف.
وكذلك نقل مهنا: إذا مات العبد في يد المرتهن فكفنه لم يرجع بالكفن من أمره بذلك، فظاهر هذا أنه لا يرجع بذلك إذا لم يكن مأذوناً له.
ونقل ابراهيم بن الحارث وبكر بن محمد وابن القاسم: الرهن محلوب ومركوب، وعلى الذي يحلب ويركب نفقته، فقد حكم للمرتهن بالركوب بقدر علفه ولم يعتبر إذن الراهن في ذلك، فإن قلنا: لا يرجع بذلك فوجهه أن النفقة حصلت بغير إذن المالك ولا إذن الحاكم فيجب أن يكون متطوعاً بها كما لو بنى داره وأنفق على أولاده في الملاذ والشهوات، وكما لو كان الراهن باذلاً للنفقة فأنفق المرتهن عليها فإنه لا يرجع بذلك، كذلك ها هنا.
وقد نقل أبو جعفر محمد بن حرب الجرجاني عن أحمد ـ رحمه الله ـ في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء فجاء صاحب القناة فقال: لهذا الذي عمل نفقته إذا عمل ما يكون منفعته لصاحب القناة، فظاهر هذا أنه حكم له بالأجرة في عمل القناة بغير إذن وإن كان عملها، لا يجب على صاحبها، ويجب أن يكون المذهب على أنه لا أجرة له في كل فعل لا يجب على صاحبه فعله رواية واحدة.
ويحمل هذا على أن القناة كانت مشتركة بينه وبين غيره، فإذا قلنا يرجع (وهو أصح) فوجهه ما روى يزيد بن هارون عن ابن أبي زائدة عن الشعبي

عن أبي هريرة عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً.
وهذا يقتضي أن النفقة تجب للركوب ولشرب اللبن، وإنما يكون هذا في حق المرتهن فأما الراهن فالنفقة واجبة عليه وإن لم يركب ولم يحلب وإذا جعل له الركوب بنفقته دل على أنه يرجع بالنفقة وإن لم يؤذن له فيها وروى هشيم عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن أبي هريرة عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها ولأن أكثر ما فيه عدم الإذن لا يمنع الرجوع ألا ترى أن من أعار غيره عبداً ليرهنه المستعير بدين عليه فرهنه لم يلزم المعير أن يؤدي عنه دينه، ومع هذا فإذا أدى وانفك الرهن كان له الرجوع عليه، وكذلك إذا أدى أحد الورثة دين الميت ليتوصل بإسقاط حق الغريم إلى قسمة التركة فله الرجوع بما أدى في التركة، وكذلك صاحب السفل إذا بنى الحائط عند امتناع صاحب العلو، وكذلك قال أحمد في الرجوع بجعل الآبق وبالنفقة على الآبق وإن لم يكن من جملة المالكين إذن وكذلك إذا فدى أسيراً من أيدي المشركين بماله بغير إذنه رجع بذلك عليه كذلك ها هنا، وقد اختلفت الرواية إذا ضمن عن غيره بغير إذنه ووزن الحق بغير إذنه هل يرجع بذلك على من عليه الحق؟ على روايتين:

نقل ابن منصور والأثرم: يرجع بذلك، وهو اختيار الخرقي.
ونقل محمد بن عبد الله بن المنادي وإسحاق بن إبراهيم: لا يرجع بذلك، فإن قلنا: لا يرجع فالوجه فيه أنه فعله بغير إذن، وإن قلنا يرجع فالوجه فيه ما ذكرنا في الرهن.

مسائل في بيع الرهن

بيع المرتهن للرهن إذا فقد صاحبه

: 3 - مسألة: واختلفت فيمن كان في يده رهون فقد أصحابها هل يجوز له بيعها؟ على ثلاث روايات: إحداها: لا يجوز له ذلك إلا بإذن القاضي قال في رواية أبي طالب فيمن كان في يده رهن وصاحبه غائب وخاف فساده كالصوف ونحوه: فليأتِ السلطان ليأمره ببيعه ولا يبيعه بغير أمر السلطان.
والثانية: يجوز له ذلك ويتصدق بجميعه بشرط الضمان، ولا يأخذ قدر حقه من ثمنه قال: في رواية أبي طالب: في رجل عنده رهون لا يعرف صاحبها وقد أتى عليها حين يبيعها ويتصدق بثمنها فإن جاء صاحبها عرفها ولا يأخذ ما (أنفق) على الرهن ءذا باعه.
والثالثة: يجوز بيعها، ويأخذ قدر حقه من الثمن، ويتصدق ببقية الثمن.
قال في رواية أبي الحارث يبيعه ويتصدق بالفضل فإذا جاء صاحبه كان مخيراً بين الأجر وبين أخذ ما بقي من الثمن، وهكذا الخلاف في كل مال حصل في يده مصرفه إلى بيت المال، كالوديعة، والغصب، ونحو ذلك، إذا لم يعرف مالكه وهل يجوز بيعه والصدقة به؟ على روايتين، فإن قلنا: لا يجوز أن يلي بيعها بنفسه فوجهه: أن مصرف هذا المال إلى بيت مال المسلمين، والولاية في تفرقة مال بيت المال إلى الإمام دون آحاد المسلمين ولأن تفرقة مال بيت المال موقوف على اجتهاد الإمام في البداية، بالأهم فالأهم، من المصالح، وقد يكون

الأهم صرفه في غير الصدقة فهذا لم يجز، وإذا قلنا: يجوز بيعها ولا يأخذ قدر حقه فوجهه أن هذا المال حصل في يده بحق وليس له مالك معلوم بعينه فجاز أن يلي تفرقته والصدقة به كاللقطة إذا عرفها حولاً ولم يجىء مالكها جاز له أن يلي تفرقتها بشرط الضمان كذلك ها هنا، ولأن تفرقة ذلك طريقة الأمر بالمعروف والإمام وغيره في ذلك سواء بل ربما كان غيره أولى لأن الإمام نائب عنهم ووكيل لديهم ولهذا المعنى قال أحمد ـ رحمه الله ـ: الأفضل أن يلي تفرقة زكاته بنفسه وإنما لم يجز له أخذ حقه من ثمنه لأن التهمة تلحقه في ذلك لأنه يحصل بذلك مستوفياً لحقه من تحت يده، ولهذا منعنا الوكيل والوصي في إحدى الروايتين أن يبتاع مما يلي عليه، ولأن هذا يؤدي إلى أنه يستوفي حقه من تحت يده وهو ممنوع من ذلك بدليل أن من كان له على رجل حق فأنكره وكان له تحت يده وديعة فإنه لا يأخذ من تحت يده وإذا قلنا: يجوز أن يأخذ قدر حقه من قيمته فوجهه أنه لا يمتنع مثل هذا بدليل أن المرتهن إذا أعلف دابة فإنه يركب وكذلك يركب وكذلك الزوجة تأخذ من تحت يدها، وإذا أذن الراهن للمرتهن في بيع الرهن وأخذ حقه من قيمته من تحت يده جاز.

رهن المصحف

: 4 - مسألة: في رهن المصحف.
نقل حرب وجعفر بن محمد ويعقوب ابن بختان وابن مشيش بعضهم يقول: لا أرخص في رهن المصحف، وبعضهم يقول: أكرهه، فظاهر هذا أنه لا يصح رهنه وهو قياس المذهب، لأنه يمنع من بيعه، والقصد من الرهن وثيقة بالحق حتى أن امتنع من الإيفاء بيع في الدين، فإذا لم يجز بيعه لم يصح رهنه.
ونقل مهنا وعبد الله وابن ابراهيم إذا رهن عنده مصحفاً فلا يقرأ فيه إلا بإذن، فظاهر هذا جواز رهنه، ووجهه أن المنع من بيعه مختلف فيه وكثير من الفقهاء يجيزه ونحن نمنع منه ويجوز أن يرفع إلى حاكم يرى بيعه فإذا ليس يقطع

على منع البيع ومثل هذا لا يمنع الرهن كالمدير يجوز رهنه وإن جاز أن يموت السيد فيتعذر بيعه، وكذلك المعتق لصفة يجوز أن توجد الصفة قبل بيعه فيتعذر بيعه بالعتق كذلك ها هنا.

القرض بشرط

: 5 - مسألة: فيمن كان عليه دين مستقر في ذمته فقال لصاحب الحق: أقرضني ديناً ديناً آخر على أن أرهنك بالحقين عبدي هذا.
فنقل حنبل: لا يصح القرض، لأنه قرض جر منفعة، وهو أن الحق الأول كان بغير رهن، فيصير برهن.
ونقل مهنا: جواز ذلك، لأن أكثر ما فيه أنه أخذ بالدين الأول وثيقة، وهذا جائز كما لو قال: أقرضني حتى أشهد لك به.
ولأن بالناس حاجة إلى القرض ولو لم يعط رهن بالأول لم يحصل لهم القرض الثاني فجاز للحاجة إليه.
في رجوع البائع في المبيع ونمائه عند إفلاس المشتري

رجوع البائع بما بقي من المبيع بعينه في يد المفلس

: 6 - مسألة: إذا كان المبيع ثوبين أو عبدين فتلف أحدهما في يد المشتري وأفلس هل يملك البائع الرجوع بما بقي؟ على روايتين.
ونقل أبو طالب فيمن باع رجلاً ثلاثين ثوباً فأفلس المشتري فوجد البائع خمسة عشر ثوباً: لم يأخذها وهو بمنزلة الغرماء.
ونقل الحسن بن ثواب فيمن باع متاعاً كل ثوب بكذا وكذا إلى أجل فأتلف بعضه لم يأخذه قد غيره من حاله فإن كانت رزماً فباعه ثم أفلس فوجد بعض الرزم أخذها إذا كانت بعينها، فظاهر هذا جواز الرجوع في الباقي/ وجه الأولى: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من وجد عين ماله فهو أحق به.

وهذا قد وجد بعض العين، ولأن إتلاف بعض المبيع لو كان في عين واحدة منع من الرجوع فإذا كان في عينين (منع الرجوع) كذلك (لأنه) إتلاف لبعض المبيع.
ووجه الثانية: أن المبيع إذا كان عيناً واحدة فالثمن يتقسط على الأجزاء، فلو قلنا: يرجع البائع ببعضه ربما كان عليه فيه ضرر، لأنه قدّر بما نقصت قيمة الباقي عما قابله من الثمن، وليس كذلك إذا كان المبيع أعياناً، لأن الثمن يتقسط على قيمة كل عين منه فهو يأخذ العين بقيمتها في نفسها لا بقسطها من الثمن فلا ضرر عليه.

رجوع نماء المبيع المنفصل إلى البائع إذا أفلس المشتري فأخذ البائع عين ماله

: 7 - مسألة: إذا رجع البائع في عين المبيع، وقد أفلس المشتري وقد نما المبيع نماء منفصلاً فهل يكون النماء للبائع أم للمشتري؟ فنقل حنبل عن أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة: أنه للبائع، وهو اختيار أبي بكر.
وقال شيخنا أبو عبد الله: يكون النماء للمشتري.
وجه الأولى: أنها زيادة في المبيع فكانت للبائع، دليله النماء المتصل كالسمن وتعليم صنعة يبين صحة هذا أن المنفصل كالمتصل بدليل ولد الأضحية والهدى والمعتقة بصفة

والمرهونة وولد أم الولد والمدبرة والمكاتبة في أنه يبيع الأصل فيجري مجرى المتصل كذلك ها هنا.
ووجه ما ذكر شيخنا، وهو الصحيح عندي أن النماء المتميز لا يتبع الأصل في الفسوخ ألا ترى أنه لو اشترى جارية فولدت أو نخلة فأثمرت ثم أصاب بالأصل عيباً كان للمشتري دون البائع ويمكن أن يحمل كلام أحمد ـ رحمه الله ـ على أن المبيع كان جارية حاملاً أو داية حاملاً فولدت بعد البيع فإنه يرجع البائع بها وبولدها، ومن قال بالوجه الأول يقول: إن النماء المنفصل قد أجري مجرى المتصل في أن يتبع الأصل بدليل ولد الأضحية والهدي وولد المرهونة وولد أم الولد والمدبرة والمكاتبة كذلك ها هنا.

عتق المفلس بعد الحجر عليه

: 8 - مسألة: واختلفت في عتق المفلس إذا حجر الحاكم عليه هل ينفذ؟ فنقل ابن منصور: إذا فلسه الحاكم فلا يبيع ولا يشتري ولا يتصدق، وأما العتق فهو شيء مستهلك يجوز عتقه.
ونقل محمد بن موسى الدنداني إذا طلب البائع عين ماله لم يجز بيعه ولا هبته ولا عتقه.
وجه الأولى: وهي الأصح أن بالحجر يتعلق حقوق الغرماء له كتعلق حق المرتهن بالرهن ثم تصرف الراهن في الرهن بالعتق ينفذ كذلك تصرف المفلس بالعتق يجب أن ينفذ.
ووجه الثانية: أنه محجور عليه لحق غيره فلم ينفذ عتقه (دليله المريض إذا أعتق زيادة على الثلث فإنه لا ينفذ عتقه) ولا يلزم عليه عتق المحجور لسفه فإن المنصوص عنه أنه ينفذ عتقه لأن الحجر عليه لحق نفسه.

حلول الديون المؤجلة بالموت

: 9 - مسألة: واختلفت في الديون المؤجلة إذا كانت على الميت هل تحل بالموت؟

فنقل ابن منصور: أنها تحل فقال: إذا أفلس لم يحل دينه والموت أحرى أن يحل دينه.
ونقل أبو الحارث وابن ثواب وحنبل: أنها لا تحل ـ وهو اختيار الخرقي ـ وهو أصح.
ووجه الأولى: أن الأجل مضروب لمن عليه الدين ليتصرف فيه في يديه مدة الأجل فإذا مات قبل محله سقط المقصود في الأجل فحل.
ووجه الثانية: أن الأجل حق لمن عليه الدين، وقد عاوض عليه لأن الأجل يأخذ قسطاً من الثمن ألا ترى أن الأثمان والقيم تختلف على قدر بعد الأجل وقربه فلا يجوز أن يسلم الثمن للبائع ولا يسلم عوضه الذي هو الأجل للميت أو من يقوم مقامه ولأن وارثه قائم مقامه في استيفاء حقوقه وهذا من جملة الحقوق فقام مقامه.

مؤاجرة المفلس نفسه لسداد ديونه

: 10 - مسألة: واختلفت هل يؤاجر المفلس في الدين إذا لم يكن له مال وكانت له حرفة؟ فنقل ابن منصور: يؤاجر في عمل إن كان يحسنه إذا كان في كسبه فضل عن قوته.
ونقل حنبل: يعطي الغرماء ما كان له ولا يحكم لهم بغيره، فظاهر هذا أنه لا يؤاجر.
وجه الأولى: أن المنافع قد أجريت مجرى الأعيان بدليل جواز العقد عليها وإنها تضمن بالمسمى في العقد الصحيح وفي الفاسد بعوض المثل، وأجريت مجراها في منع أخذ الزكاة وفي إيجاب النفقة على الأقارب وفي وجوب الجزية على الفقير فجاز أن يجري مجراها في مسألتنا في استيفائه لحق الغرماء كما في باب الأعيان.
ووجه الثانية: أن إجازة المفلس اكتساب منه للمال، والمفلس لا يجبر على

اكتساب المال لغرمائه ألا ترى أنه لا يجبر على قبول الهدية والوصية ولا يجبر على طلاق زوجته قبل الدخول ليعود إليه نصف المهر، وقد روى أبو حفص العكبري بإسناده عن عبد الله بن أبي قتادة أن معاذ بن جبل اشترى ثماراً فنقص فيها فاستعدى عليه غرماؤه ـ بالنبي صلى الله عليه وسلم ـ وقد ذكر أن معاذاً جلس في بيته أياماً استحياء من الغرماء فأتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال: (انطلقوا فيما وجدتم من عين ماله فخذوه واقتسموه بينكم) قال: فدفع معاذ ماله إليهم ـ فاقتسموه فأصابهم نصف حقهم.
قالوا: يا رسول الله بعه لنا كما بعت سرقاً قال: (خذوا ماله ولا حق لكم في رقبته) وهذا يمنع إجازته.

منع المدين من السفر حتى يوثق لصاحب الحق

: 11 - مسألة: إذا أراد سفراً وعليه حق لا يستحق قبل مدة سفره هل لصاحب الحق منعه؟ فنقل أبو طالب: إذا كان عليه حق إلى أجل فأراد سفراً بعيداً يجوز الوقت أخذه السلطان حتى يوثق له بحقه، وإن كان سفراً قريباً أخذه أيضاً حتى يوثق له بحقه لعله لا يجيء أو يكون حدث فظاهر هذا أن له منعه وقال الخرقي: ومن أراد سفراً وعليه حق يستحق قبل مدة سفره كان لصاحب الحق منعه، فظاهر هذا أنه إذا لم يستحق قبل المدة لم يملك منعه ـ وهو أصح ـ. وجه الأولى: أنه لو أراد الخروج إلى الجهاد كان له منعه كذلك إذا أراد الخروج لغير الجهاد يجب أن يمنع.
ووجه الثانية: أنه لا يملك المطالبة في هذه الحال لأن الظاهر أن الدين يحل بعد رجوعه فلم يكن له منعه، ويفارق هذا الجهاد لأن القصد منه الاستشهاد فلا يؤمن أن يهلك الدين بهلاكه.

فك الحجر عن الجارية إذا بلغت رشيد قبل أن تتزوج

: 12 - مسألة: واختلفت في الجارية إذا بلغت رشيدة هل يدفع إليها مالها ويفك الحجر عنها قبل أن تتزوج؟ فنقل أبو طالب عنه: ليست الجارية مثل الغلام لا يعلم أنها تحفظ حتى تلد ولداً أو يأتي عليها حول في بيت زوجها إذا كانت بكراً، وإن كان ثيباً جازت عطيتها فظاهر هذا أن الحجر مستديم عليها لحق نفسها كما يحجر على الصبي حتى تلد ولداً أو يحول عليها الحول في بيت زوجها أو تزول بكارتها بجماع قال الخرقي ـ رحمه الله ـ ومن أونس منه رشداً دفع إليه ماله إذا كان قد بلغ وكذلك الجارية وإن لم تنكح، فظاهر هذا أنها كالغلام، وأنه يفك الحجر عنها بالبلوغ ووجود الرشد.
وجه الأولى: ما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: لا تعطى الجارية مالها حتى تلد ولداً.
رواه الشعبي عن شريح: قال عهد إلى عمر ألا أجيز لجارية عطية حتى تحيل في بيت زوجها حولاً أو تلد ولداً، ولأنها لا معرفة لها بوجوه الصلاح من الفساد قبل التزويج لأنه لم يحصل منها تجربة للأمور، فإذا تزوجت اختبرت الرجال وعرفت وجه الصلاح من الفساد يبين صحة هذا أن البكر البالغ لا يعتبر نطقها ولا رضاها في النكاح.
ويعتبر ذلك في حق الثيب لأنها اختبرت المقصود، ووجه ما ذكره الخرقي ـ رحمه الله ـ أنها بالغة رشيدة فوجب دفع مالها إليها كما لو تزوجت وولدت يبين صح هذا أن المرأة قبل التزويج تشح على مالها وتقتر على نفسها في النفقة وغيرها ليكثر مالها ويرغب الناس فيها، وإذا تزوجت خفت مؤنتها وحصلت على زوجها فتسمح نفسها وتوسع في نفقتها فلما جاز دفع مالها إليها بعد التزويج كان دفعه إليها قبله أولى.

تصرف المرأة في مالها من غير إذن زوجها

: 13 - مسألة: إذا فك الحجر عنها وسلم مالها إليها فهل تملك التصرف فيه من غير إذن الزوج أم لا؟ فنقل أبو طالب عن أحمد ـ رحمه الله ـ أنه سئل عن المرأة هل يجوز أن تهب مالها لرجل أجنبي فقال: ليس لها ذلك إلا بعد أن تلد ولداً أو يأتي عليها حول، فظاهر هذا جواز تصرفها بعد فك الحجر عنها.
ونقل أبو طالب في موضع آخر: لا تهب من مالها شيئاً إلا بإذنه، لأنه مالك لها، فظاهر هذا أنها لا تملك التصرف إلا بإذنه، ويجب أن يكون هذا محمولاً على الكثير فأما القليل لا يمنع ولا يعتبر إذنه فقد صرح به في رواية حنبل قال: يجوز لها أن تنحل من مالها بعد ما تلد وتقيم سنة إذا لم يكن في ذلك حيف ولا ضرر.
وجه الأولى: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ تصدقن ولو من حليكن.
ولم يعتبر إذن الزوج وكل شخص وجب دفع ماله إليه نفذ تصرفه كالغلام.
وجه الثاني: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتصرف في مالها بعد ما ملك الزوج عصمتها إلا بإذنه.

ولأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: تنكح المرأة لثلاث خصال: لمالها، وجمالها، ودينها فلولا أن للزوج حقاً في مال الزوجة لما كان ينكحها لأجله.

وضع جار المسجد خشبة على جدار المسجد

: 14 - مسألة: واختلفت هل يجوز للجار أن يضع خشبة على جدار المسجد؟ فنقل أبو طالب: ليس له ذلك، وأجاز له في حائط جاره.
ونقل حبيش بن سندي: له ذلك ذكر أبو بكر هذه الرواية في كتاب القولين.
وجه الأولى: أن القياس يمنع من وضع الخشب على جدار جاره، لأنه تصرف في حق الغير بغير إذنه إلا أنا أطرحنا القياس في ذلك للأثر، وهو قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة في جدار أخيه.
وروي

في جدار جاره فوردت الرخصة في حائط الجار فكان المسجد مبقي على موجب القياس، وهو المنع.
وجه الثانية: أنه لما جاز له ذلك في حائط الجار وهو حق الآدمي وحقوقهم مبنية على الشح فأولى أن يجوز في حائط المسجد، وهو حق الله وحقوقه مبنية على المسامحة.

إجبار الشريك في الجدار على الإنفاق في بنائه إذا انهدم

: 51 - مسألة: في الحائط إذا كان بين نفسين فانهدم وطلب أحدهما البناء هل يجبر الشريك على الإنفاق؟ فنقل ابن القيم وسندي وحرب: يجبر، وهو الصحيح.
ونقل بكر بن محمد في رجل له سفل وآخر علو فانهدم السفل والعلو: لا يؤخذ صاحب السفل بالبناء ولكن إن اختار صاحب العلو بناءه بنى عليه ولم ينتفع به صاحب السفل حتى يعطيه ما بنى في الأسفل وكان لهما جميعاً، فظاهر هذا أنه لا يجبر الشريك على الإنفاق.
وجه الأولى: أنه إنفاق على ملك يتعلق به إزالة الضرر عن شريكه فأجبر عليه أصله العبد المشترك والدابة المشتركة.
ووجه الثانية: أنه ملك لو انفرد به لم يلزمه الإنفاق عليه فإذا كان شركاً بينه وبين غيره وجب أن لا يجبر على الإنفاق عليه أصله إذا كان بينهما أو فأراد أحدهما أن يبنيها أو يغرسها غراساً، وقال أحدهما للآخر أريد أن تبني حاجزاً بين ملكي وملكك فإنه لا يجبر الآخر على ذلك.

مسائل في الضمان

رجوع الغارم بغير إذن على من غرم عنه

: 16 - مسألة: واختلفت الرواية إذا ضمن عنه بغير إذنه وقضى عنه الحق بغير إذنه هل يرجع به؟ فنقل ابن منصور: أنه يرجع، وكذلك نقل الأثرم، وهو اختيار الخرقي.
ونقل محمد بن عبيد الله بن المنادى وإسحاق بن إبراهيم: لا يرجع، وقد ذكرنا توجيه الروايتين في مسائل الرهن.
الضمان بمال الكتابة: ،17 ـ مسألة: واختلفت هل يصح الضمان بمال الكتابة؟ فنقلابن منصور لاتصح الكفالة به وهو اختيار ابي بكر ونقل حرب ويعقوب بن بختان ومهنا؛ تجوز الكفالة والضمان بمال الكتابة وجه الأولى: أن مال الكتابة غير مستقر في الحال ولا مستقر في الثاني لأن للمكاتب أن يعجز نفسه أي وقت شاء فلو قلنا: يصح ضمانة ثبت على الضامن دين صحيح، ولا يجوز أن يثبت على الكفيل خلاف ما هو ثابت على المكفول عنه.
وجه الثانية: أن مال الكتابة دين على المكاتب فجازت الكفالة به كسائر الديون ولأن ضمان مال الكتابة قد يصح على وجه، وهو إذا كاتب عبدين كتابة واحدة على أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه جاز كذلك في الحر، ومن قال بالأول انفصل عن هذا بأن ضمان أحدهما عن صاحبه لا يؤدي إلى إلزام الضامن خلاف ما هو ثابت على المكفول به، لأنه لا يعتق واحد منهما إلا بأداء جميع المال.
ولا يلزم الضامن خلاف ما هو على المكفول وفي باب ضمان الحر عنه يؤدي إلى إلزامه على خلاف ما هو على المكفول فلهذا لم يصح، فأما أخذ الرهن بمال الكتابة فيحتمل أن لا يصح، رواية واحدة لأنه ليس

يتسع أن يصح الضمان فيما لا يصح به أخذ الرهن وهو ضمان الدرك ويحتمل أن يجوز أخذ الرهن به رواية واحدة لأن في صحة ضمان الحر عنه يؤدي إلى أن يثبت على الكفيل خلاف ما هو على المكفول عنه وهذا المعنى معدوم في الرهن لأنه متى عجز كان رهنه كسائر أمواله.

المقاصة في الدين من غير تراضي

: 18 - مسألة: إذا كان لرجل على رجل مال من قرضٍ أو قيمةٍ متلف أو ثمن مبيع أو غيره، وكان للآخر عليه من جنس ذلك المال.
مثل إن كان الدينان دراهم أو دنانير فهل يقع القصاص عن رضاهما وبتراد من كل واحد منهما عن حق صاحبه بغير اختياره أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يقع أومأ إليه أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية مهنا في رجل له على رجل عشرة دراهم وللآخر عليه عشرة دراهم فلقيه فقال: العشرة التي لي عليك بالعشرة التي لك عليَّ.
فهو جائز قد قضاه حين صارت له عليه عشرة.
فقد نص على أن القصاص حصل حين صار له عليه من جنس دينه، إن لم يوجد التراضي في تلك الحال، وإنما وجد في الثاني.
والرواية الأخرى: متى رضى بذلك أحدهما برئا معاً، ولا يقع القصاص بغير رضى واحد منهما أومأ إليه في روايته أيضاً في موضع آخر في رجل استقرض من رجل دراهم فجاءه بدراهم ليقضيه فقال: قد جعلتك في حل ثم ذكر هذا المستقرض أن له على الذي أقرضه دراهم أصابها في حسابه فطالب بها.
فقال: الذي كنت أقرضتك قضاء مما ذكرت فقال أحمد: تلك قد حاله منها.
ويأخذ منه الدراهم التي أصابها في حسابه فلم يحكم بالقصاص بما خرج له في حسابه من الدراهم التي كانت له عليه قبل أن يحاله منها لعدم الرضى من أحدهما، وأوجب عليه القضاء كذلك.

وجه الأولى: (أنه) لا فائدة في بقاء الحقين، لأن أحدهما يقبض ماله على صاحبه ثم يرده إليه.
ولأنه لو كان له دين على والده فمات والده والدين في ذمته برىء الوالد منه لأن الدين يتعلق بتركته، وتركته لولده فلا معنى في بيع التركة في حقه والحق كله له.
ووجه الثانية: أن من عليه دين جاز له أن يقتضيه من أي أمواله شاء، وليس لمن له الدين أن يتغير عليه جهة القضاء فإذا رضى أحدهما أن يقضي دينه من الذي في ذمة صاحبه لم يكن له أن يعترض عليه، فلهذا وقع القضاء عنه.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الجراح
كتاب الحدود
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل