المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينصفحات 311-350
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 311-350
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وما يتعلق به من العقود

بيع من غير رؤية المبيع ولا وصفه

: 1 - مسألة واختلفت الرواية عن أحمد ـ رضي الله عنه ـ في بيع الأعيان الغائبة إذا لم يسبق من المشتري رؤية ولا صفة.
فنقل الجماعة إنه لا يصح، قال في رواية الميموني: البيع بيعان: بيع صفة، وبيع شيء حاضر، فالصفة هي السلم، وبيع حاضر، فلا يبعه حتى يراه ويعرفه، فهذا يقتضي ابطال البيع.
ونقل حنبل عنه: قال: كل ما بيع في ظروف مغيب لم يره الذي اشتراه، فالمشتري بالخيار إذا قبضه: إن شاء رد، وإن شاء أخذ.
قيل له: فيكون عيباً، قال: له الخيار لأنه بيع غرر، فظاهر هذا جواز البيع، وإثبات خيار الرؤية، ووجه هذه الرواية إن البيع عقد من العقود، فوجب أن لا يكون من شرط صحته رؤية المعقود عليه ولا صفته، دليله عقد النكاح، ووجه الأولى، وهي الصحيحة أن الرؤية أو الصفة في بيع الأعيان جهة يتوصل بها إلى معرفة البيع (لأن) لعدمها تأثيراً في العقد وهو إبطاله على هذه الرواية، إثبات الخيار على الرواية الأخرى، فوجب أن يكون وجودها شرطاً فيه كالصفة في المسلم (فيه).

مسائل في الخيار

انقطاع خيار المجلس بالتخيير

: 2 - مسألة: واختلف في خيار المجلس، هل ينقطع بالتخاير؟ على روايتين: إحداهما: ينقطع.
قال في رواية الميموني ـ رحمه الله ـ وقد سأله عن قوله: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما بيع خيار.
فقال: كذا يرويه ابن عمر، وهما معنيان، إن وقع أحدهما وجب البيع، لأنهما قد تراضيا عليه.
وكذلك نقل حرب.
والثانية: لا ينقطع إلا بالتفرق، قال في رواية ابن ابراهيم والمروذي وقد سئل: إذا خير أحدهما صاحبه فقال: هكذا في حديث ابن عمر أو يقول لصاحبه: اختر، وأنا لا أذهب إليه إنماأذهب إلى الأحاديث الباقية أن الخيار لهما ما لم يتفرقا.

ووجه هذه الرواية ما روى أبو برزة، وحكيم بن حزام، وأبو هريرة، وسمرة كل يروي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا أولى من حديث ابن عمر، لأنه تفرد بروايته في التخاير، وهذا قد رواه جماعة كل لا يذكر فيه تخاير، وإنما يشترط التفرق، ووجه الرواية الأولى وهي أصح، ما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صحبه ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر.
وفي لفظ آخر: ما لم يتفرقا أو يتخايرا يعني يتخايرا فثبت أن الخيار ينقطع بالتفرق وبالتخاير، وهذه أولى من تلك الأخبار، لأنه مقيد، وتلك مطلقة، والقيد يقضي على المطلق، ولأن فيه زيادة، وهو التخاير.

بطلان الخيار بتلف البيع

: 3 - مسألة: في المبيع إذا هلك في مدة الخيار أو كان عبداً فأعتقه المشتري

هل يبطل الخيار أم لا؟ فقال الخرقي: فإن تلفت السلعة أو كان عبداً فأعتقه المشتري أو مات بطل الخيار، فصرح ببطلان الخيار، وقد أومأ أحمد ـ رحمه الله ـ إلى هذا في رواية الميموني، وحرب إذا أعتقه المشتري ضمن الثمن، فقد حكم بلزوم الثمن ولم يجعل الأمر موقوفاً على الفسخ، فيرجع البائع بالقيمة على المشتري، والوجه في ذلك أنه خيار فسخ فبطل بتلف المبيع، دليله خيار الرد بالعيب وخيار الإقالة، وذلك أنه لو كان المبيع عبداً فمات ثم ظهر على عيب بعد موته لم يملك الفسخ، وكذلك إذا تلف المبيع لم تصح الإقالة، وعندي أن الخيار لا يبطل بل يكون باقياً، فإن اختيار الفسخ بعد هلاك المبيع في يد المشتري لزم المشتري رد قيمة المبيع على البائع، وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن القاسم وصالح إذا أتقه المشتري في مدة الخيار كان ضامناً للقيمة، إن لم يتم البيع بينهما.
فظاهر هذا أن لهما الفسخ لقوله: إن لم يتم البيع بينهما لزم المشتري القيمة، وإنما يلزمه القيمة عند فسخ البيع، ويمكن أن يحمل قوله في رواية الميموني وحرب: أن المشتري يضمن الثمن، على أنهما أمضيا البيع ولم يفسخاه، فلهذا لزم المسمى.
والدلالة على أن الخيار لا يبطل أنها مدة ملحقة بالبيع فلم يبطل بتلف المبيع كالأجل.

انقطاع الخيار بالتصرف في المبيع

: 4 - مسألة: واختلفت في الخدمة هل تكون دلالة على الرضا فتقطع الخيار أم لا؟ فنقل حرب: أن خياره يبطل بالخدمة، لأنها أحد المنفعتين فإذا تصرف فيها كان قطعاً لخياره، ودلالة على الرضا كالوطء والعتق والبيع والهبة والوقف.

ونقل أبو الصقر: أن الخدمة لا تقطع الخيار، لأن كل مالو وقع من البائع لم يكن فسخاً فإذا وقع من المشتري لم يكن رضاً وقطعاً كالإمساك بغير خدمة وعكسه الوطء والبيع والهبة والعتق لما كان وجوده من جهة البائع يكون فسخاً فوجوده من جهة المشتري يكون رضاً وقطعاً.

خيار المجلس في الصرف

: 5 - مسألة: واختلفت في عقد الصرف هل يدخله خيار المجلس؟ فنقل محمد بن يحيى الكحال: يدخله، لأنها معاوضة محضة أشبه البيع، يبين صحة هذا أن القصد من خيار المجلس أن ينظر كل واحد منهما إلى ما فيه من الحظ له، وهذا موجود في الصرف.
ونقل أحمد بن سعيد: لا يدخله، لأنه عقد لا يثبت فيه خيار الشرط فلا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح، ولأنه أحد الخيارين فلم يثبت في الصرف دليله خيار الشرط، فأما السلم فيتخرج فيه روايتان كالصرف، لأنهما يتفقان في اعتبار القبض فيهما ويحتمل أن يجوز في السلم رواية واحدة، لأنه أوسع من الصرف، لأن من شرط الصرف القبض في الطرفين قبل التفرق، وفي السلم يجوز التفرق قبل قبض المسلم فيه.

تقدم القبول على الإيجاب

: 6 - مسألة: واختلفت إذا تقدم القبول على الإيجاب في عقد البيع هل يصح؟ فنقل مهنا عنه في الرجل يقول يعني هذا الثوب بدينار فقال قد فعلت لا يكون بيعاً حتى يقول الآخر: قد قبلت، فظاهر هذا أنه لا يصح العقد، لأنه قبول تقدم الإيجاب فلم يصح، دليله عقد النكاح لا يختلف المذهب فيه أنه لا يصح.

ونقل علي بن سعيد النسوي في الرجل يقول: يعني هذا الثوب بكذا، فيقول البائع: هو لك فهو جائز وقد تم البيع، فإن قال: زوجني ابنتك أو أختك فقال قد زوجتك ففي النكاح يقول: قد قبلت النكاح ابتداء، فقد أجاز ذلك في البيع ومنعه في النكاح، والوجه فيه: أن القبول إنما كان شرطاً في صحة البيع ليدل على الرضا بالإيجاب، وهذا المعنى يوجد فيه إذا رغب إليه، وطلب منع البيع، بل الرغبة والطلب أبلغ في الرضا لأنه يستدعي منه ذلك ابتداء فيجب أن يصح ويفارق النكاح، لأن الفروج يحتاط لها.

مسائل في الربا

علة الربا

: 7 - مسألة: واختلفت في علة الربا على روايتين: إحداهما: مطعوم جنس فيدخل فيه سائر المطعومات دون غيرها، قال أبو بكر: روى ذلك جماعة منهم محمد بن يحيى الكحال قال: حدثنا أبو بكر الخلال عنه، وقد سئل عن البيض بالبيض والرمان بالرمان فقال: لا يجوز إلا مثلاً بمثل، هذا يؤكل، قيل له: وإن لم يؤكل ولم يوزن؟ قال: نعم.
قيل له: مثل أي شيء يجوز؟ قال مثل الحديد وما أشبهه.
والرواية الثانية: العلة ذات وصفين، مكيل جنس أو موزون جنس، فكل ما يدخله الكيل والوزن يجري في جنسه الربا.
ونقل ذلك الجماعة، قال في رواية الميموني: أذهب إلى حديث عمار وهو

حديث جامع: ما يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب ما لا يؤكل ولا يشرب، وقال في رواية سندي الخواتيمي: لا يجوز رطل حديد برطلين قياساً على الذهب والفضة، وقال في رواية حنبل وبكر بن محمد: لا بأس خيارة بخيارتين وبطيخة ببطيختين ورمانة برمانتين لأنه ليس أصله كيلاً ولا وزناً/ وفي رواية ثالثة: العلة ما يكال أو يوزن مما يؤكل، نص على ذلك في رواية حنبل، فقال في القوارير المكسرة بالصحاح والمكسور أكثر لا بأس يداً بيد أليس هو مما يوزن ولا يكال (وليس) مما يؤكل ويشرب؟ وجه الرواية الأولى أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ جعل الكيل علة للتخلص من الربا بقوله: كيلاً بكيل.
فلا يجوز أن يكون علة للربا لامتناع جواز كون الشيء الواحد علة للتحليل والتحريم جميعاً، لأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل، وهذا يعم سائر المطعومات، ووجه الرواية الثانية ـ وهي الصحيحة ـ وعليها شيوخ المذهب ـ هو أنا وجدنا للزيادة في الكيل تأثيراً في فساد البيع ولتساويهما تأثيراً في صحة البيع مع وجود التفاصيل في الأكل بدليل أنه لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة جاز لوجود التساوي في الكيل وإن اختلفا في الطعام، وبإزائه لو تساويا في الطعم واختلفا في الكيل لم

يصح فعلمنا أن العلة هي المساواة في الكيل، ولأن الزيادة في الأكل ليس لها تأثير في تحريم البيع فوجب أن لا يكون الأكل والجنس علة كالأقتيات، والادخار، ولأن البطيخ ونحوه غير مكيل، ولا موزن، فلم يحرم التفاضل فيه، دليله الثياب والعبيد.
وجه الرواية الثالثة: ماروى عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: الطعام بالطعام مثلاً بمثل فحص الطعام بالذكر، ولأنه ليس بمأكول ولا مشروب فلم يجز الربا فيه كسائر المعدودات التي لا تؤكل.

الربا فيما صنع من الموزونات الربوية

: 8 - مسألة: واختلفت هل يجري الربا في معمول الرصاص والنحاس ونحوه مما أصله الوزن؟ فنقل أبو طالب وأحمد وهشام وحرب: لا يباع فلس بفلسين ولا سكين بسكينين ولا إبرة بإبرتين، أصله الوزن لأن كل ما دخله الربا فإنه يجري في معموله كالذهب والفضة.
ونقل ابن منصور، وإسحاق بن إبراهيم، ويعقوب بن بختان، وحنبل في ثوب بثوبين وكساء بكساءين: لا بأس به يداً بيد فقد أجاز ذلك، وإن كان أصله الوزن، لأنه في الحال غير موزون، فالعلة غير موجودة فيه واختار أبو بكر ـ رحمه الله ـ الرواية الأولى.

ربا النسيئة فيما لا يدخله ربا الفضل

: 9 - مسألة: واختلف فيما لا يدخله الربا (هل) يحرم فيه النساء على ثلاث روايات: إحداها: أن الجنس الواحد الذي يجري فيه الربا يحرم فيه النساء كالمكيل والموزون، وما لا يدخله الربا لا يحرم النساء فيه نص عليه في رواية حنبل فقال: ما لم يكن أصله الكيل أو الوزن فلا بأس اثنين بواحد يداً بيد ونسيئة، ولا بأس ثوب بثوبين يداً بيد ونسيئة/ والثانية: أن العروض

بانفرادها يحرم النساء (فيها) إذا لم يكن في مقابلها جنس الأثمان فلا يجوز بيع بعضها ببعض نساء ولا إسلام بعضها في بعض من جنس أو جنسين، نص على ذلك في رواية جعفر بن محمد وإسحاق بن إبراهيم فقال: لا يجوز ثوب بثوبين نساء، اختلفت الأنواع كالقطن والكتان أو اتفقت.
ونقل حنبل أيضاً: لا يباع شيء من الحيوان، اثنين بواحد إلى أجل وإن اختلفت أجناسها، لأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن بيع الحيوان (بالحيوان) نساء ووجه هذه الرواية، وهي اختيار الخرقي ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: إنما الربا في النسيئة وقال: لا ربا إلا في النسيئة.
ونهى عن بيع الحيوان بالحيوان نساء.
ووجه الرواية الأولى، وهي أصح عندي، لأن الأجل أحد وجهي الربا، فلم يحرم في جميع الأموال دليله تحريم

الفضل لما كان أحد وجهي الربا لم يحرم في جميع الأموال بل في بعضها دون بعض وهو المكيل والموزون، كذلك تحريم الأجل يجب أن لا يحرم في جميع الأموال بل يختص ببعضها دون بعض.
والثالثة: يحرم النساء في الجنس الواحد فأما في الجنسين فلا، نص عليه في رواية حنبل.
فقال: لا أرى ببيع الحيوان بالحيوان نساء بأساً إذا اختلفت، وأتوقاه إذا كان من جنس واحد، لأن الجنسين لما كان لهما تأثير في جواز التفاضل يداً بيد فيما يدخله الربا جاز أن يكون لهما تأثير في جواز النساء فيما لا يدخله الربا، وليس كذلك الجنس الواحد، لأنه لما أثر في تحريم التفاضل يداً بيد فيما يدخله الربا جاز أن يحرم النساء فيما لا يدخله الربا.

ربا النسيئة بين الجنسين المختلفين في العلة

: 10 - مسألة: واختلفت في الجنسين إذا كان يدخلهما الربا بعلتين كالحنطة بالحديد، هل يجوز بيع بعضه ببعض نساء أو إسلام بعضه في بعض.
فنقل حنبل: يسلف ما يكال فيما يوزن وما يوزن فيما يكال، إذا اختلف النوعان، لأنهما جنسان يدخلهما الربا بعلتين فجاز دخول النساء فيهما، دليله بيع الحنطة بالذهب والفضة.
ونقل المروذي: لا يسلف ما يكال فيما يوزن وإن اختلفا، وكذلك نقل ابن منصور: لا يعجبنا سلف ما يكال فيما يوزن، لأنهما جنسان يدخلهما الربا وليس أحدهما ثمناً للأشياء، فلم يجز دخول النساء فيه.
دليله: ما يجمعه علة واحدة.
كالبر والشعير والحديد والرصاص.

بيع حب الجنس الواحد بدقيقة أو سويقة

: 11 - مسألة: واختلف في بيع الحنطة بالدقيق.
فنقل اسحاق بن إبراهيم ويعوب بن بختان وأبو الحارث وابن منصور، في إحدى الروايتين: أنه لا يجوز، فقال: قال في رواية ابن منصور: البر بالدقيق لا

يستقيم، وإن كان وزناً، لأن أصله الكيل، وإذا كلته زاد على الدقيق، وكذلك نقل أبو الحارث: لا يجوز بيع الدقيق بالطعام كيلاً بكيل، فقيل له: فوزناً بوزن، فقال: أكرهه، فظاهر هذا أنه لا يجوز كيلاً ولا وزناً، وهو أصح.
ونقل حنبل: لا بأس بالبر بالسويق والسويق بالدقيق مثلاً بمثل، وكذلك نقل ابن منصور: شراء الدقيق بالقمح كيلاً بكيل لا يجوزفإن كان وزناً فلا بأس، فظاهر هذا جواز بيع بعضه ببعض وزناً ولا يجوز كيلاً، وكذلك اختلفت في بيع الحنطة بالسويق.
فنقل حنبل: جواز ذلك، ونقل أبو الحارث السويق الحنطة أكرهه فإن قلنا: لا يجوز فوجهه أن المساواة معدومة، لأن أجزاءه تفرق بالطحن فإذا بيع كيلاً بكيل كانا متفاضلين في الكيل، وإن بيع وزناً بوزن خالف به أصله لأن أصله الكيل، لأنه جنس فيه الربا فقد منه ما به بقاؤه فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه بقاؤه دليله بيع اللحم بالحيوان، وإذا قلنا: يجوز، وهو أصح فوجهه أن أكثر ما فيه أن أجزأه قد تفرقت بالطحن وذلك لا يمنع المماثلة، لأن الوزن يأخذ من الدقيق كما يأخذ من الحنطة، ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا يقضي إلى التفاضل في الثاني فأشبه بيع الحنطة بالحنطة.

بيع الربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسه

12 - مسألة: واختلفت إذا باع جنساً فيه الربا بعضه ببعض ومع كل واحد منهما أو مع أحداهما من غير جنسه مثل ثوب ودرهم بدرهمين أو ثوب وقفيز حنطة بقفزتين أو سيف محلى بفضة بالفضة أو خاتم وفضة بفضة.

فنقل الجماعة: أنه لا يجوز قال في رواية حنبل في الخاتم والمنطقة والسيف وما أشبهه: لا أرى أن يباع حتى يفصل ويخرج منه والقلادة على ذلك.
ونقل عبد الله قال: قرأت على أبي عن الحكم أنه قال: ألف درهم وستون درهماً بألف درهم وخمسة دنانير لا بأس به فقال أبي هذا حديث رديء لا يعجبنا، فظاهر هذا المنع.
ونقل الميموني: وقد سأله لا يشتري السيف والمنطقة حتى يفصلها قال: لا يشتريها حتى يفصلها إلا أن هذا أهون من ذلك، لأنه قد يشتري أحد النوعين بالآخر بفضل وفيه غير النوع الذي اشترى به فإذا كان من فضل الثمن فهو بما فيه من غير ذلك إلا أنه من ذهب إلى ظاهر (حديث) القلادة قال: لا يشتريه حتى يفصله، قيل له: فما تقول أنت؟ قال: هذا موضع نظر قال: أبو بكر روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خمس عشرة نفساً كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز البيع حتى يفصل إلا الميموني.
ونقل مهنا قولاً آخر، والعمل على ما روى الجميع، وكذلك يتخرج الخلاف إذا كان من أحدهما نوع آخر مثل درهم راضي ودرهم سلامي بدرهمين راضيين أو سلاميين ودينار قاساني ودينار مغربي بدينارين أبريزين وكذلك في كل المطعومات نحو حنطة سمراء وحمراء ببيضاء، وقد أومأ إلى هذا في رواية ابن القاسم في رجل باع دراهم صحاحاً وفضة مكسورة بدراهم مكسورة وزناً بوزن سواء قال: لا يجوز، إنما أراد أن يجوز فيه شيء فقد منع من ذلك المعقود عليه مختلف القيمة وقد نقل الميموني عنه وقد سئل إذا كانت له دنانير سلامية لها وضائع على غيرها فقال: إن كانت إنما تكره من قبل سكتها فهو

أهون قيل له: يوجد مثلاً بمثل على حديث ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال: نعم، فظاهر هذا الجواز، وهو اختيار أبي بكر، لأنه قال: ولا يلتقت إلى النوع لأن الجنس يجمعها فالدراهم الفرقانية والصعيدية والطبرية والدنانير مثل الأهوازية والبصرية والمصرية وما أشبه ذلك فقد صرح أبو بكر بجواز ذلك وفرق بينه وبين أن يكون مع أحدهما من غير جنسه أنه لا يجوز في ذلك ويجوز مع اختلاف النوع، وعندي أن الحكم في المسألتين سواء وإنها على روايتين، فإن قلنا: بجواز ذلك فوجهه أنه إذا باع درهماً راضياً وردهماً سلامياً بدرهمين راضيين أو سلاميين فالمماثلة من جهة الوزن موجودة فيجب أن يصح كما لو باع درهمين جيدين راضيين أو سلامين بدرهمين وسطين أو رديين فإنه لا يجوز بلا خلاف كذلك إذا كان جيداً أو رديئاً بجيدين أو وسطين يجب أن يجوز، وإذا قلنا لا يجوز، وهو أصح فوجهه أن العقد تناول شيئين مختلفي القيمة، لأن أحد الدرهمين جيد، والآخر وسط، فينقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما كما لو اشترى ثوبين أو عبدين فإن الثمن ينقسم عليهما، وإذا انقسم الثمن على قدر قيمتهما حصل فيه ربا، لأنه إذا كان في أحد الجنسين مد عجوة قيمته درهم ودرهم بمدى عجوة قيمتها ثلاثة دراهم فإن ثلث المدين يقابل الدرهم وثلثاه يقابل المد وهو مد وثلث فيكون ذلك ربا، وكذلك إذا باع نوعين مختلفين بنوع واحد فإن الثمن يتقسط على القيمة فكأنه إذا باع مائة دينار قيمتها ألفان ومائة قيمتها ألف بمائتين قيمتها ألفان فإن ثلث المائتين الوسط يقابله المائة دينار الدون وثلثاها يقابل الجياد، وهذا ربا محض فبطل البيع، ويفارق هذا إذا باع جيدين برديئين، لأن العقد تناول شيئين متفقي القيمة فانقسم الثمن على أجزائهما لا على قيمتهما فلم يحصل فيه ربا فلهذا فرقنا بينهما.

بيع الزبد باللبن الذي زبده فيه

: 13 - مسألة: واختلفت في بيع الزبد باللبن الذي زبده فيه.
فنقل مهنا عنه وقد سأله عن بيع الزبد باللبن فكرهه فظاهر هذا المنع على الإطلاق.
ونقل ابن منصور عنه: يجوز إذا كان الزبد أكثر من الزبد الذي في اللبن فيكون بعضه في مقابلة الزبد الذي في اللبن وبعضه في مقابلة المخيض، نص على هذا اللفظ، وهذه الرواية تحتاج على ما نقله الميموني: إذا باع جنساً فيه الربا بجنسه ومع أحدهما من غير جنسه أنه يجوز فأما على رواية الجماعة فلا يجوز في ذلك الموضع، ورواية مهنا توافق رواية الجماعة، وكذلك يتخرج في بيع الزبد بالسمن على روايتين إحداهما لا يجوز.
ونقل ابن منصور جوازه بناء على ذلك الأصل.

بيع النوى بالتمر الذي فيه نوى

: 14 - مسألة: واختلف في بيع النوى بالتمر الذي فيه نوى.
فنقل ابن منصور عنه: إذا باع النوى بالتمر صاعاً بصاع وصاعاً بصاعين فلا بأس.
ونقل ابن القاسم ومهنا: إذا باع التمر بالنوى اثنين بواحد أو أربعة بواحد أكرهه، فإن قلنا: إنه لا يجوز، وهو اختيار أبي بكر فوجهه أن النوى مكيل والربا في المكيل، فإذا اشترى مكيل تمر بمكيل نوى أو بأكثر فالتفاضل فيهما حاصل فلا يصح، وإذا قلنا يجوز، وهو أصح فوجهه أن النوى الذي في التمر غير مقصود بدليل أنه يجوز بيع التمر بالتمر، وإن كان نعلم أن في كل واحد منهما نوى لأنه غير مقصود فجاز كذلك هاهنا.

بيع لحوم بهيمة الأنعام ببعضها متفاضلا

ً: 15 - مسألة: واختلفت في لحوم الأنعام هل هي جنس كالإبل والبقر

والغنم فنقل حنبل: لا بأس رطل لحم غنم برطلين لحم بقر وكذلك لحم الخيل فظاهر هذا أنها أجناس، وهو اختيار أبي بكر.
ونقل مهنا وأبو الحارث وابن مشيش وحرب ويعقوب بن بختان: لا يجوز لحم غنم بلحم بقر رطل برطلين، فظاهر هذا أنها جنس واحد وهو اختيار الخرقي قال أبو بكر: وكذلك الألبان تخرج على روايتين: إحداهما أنها جنس واحد قال: في رواية ابن منصور أكره سمن البقر بسمن الغنم اثنين بواحد، والثانية أنها أجناس كاللحوم.
ولا يختلف المذهب أن التمور صنف واحد وكذلك الأدقة والأخباز، وإنما الخلاف في اللحمان والألبان، فإن قلنا: هي أجناس فوجهه أنها فروع لأصول هي أجناس فوجب أن نكون أجناساً كالأدقة والأخباز ومعنى هذا أن أصول هذه اللحوم الحيوان، وذلك الحيوان أجناس بدليل أن بعضه لا يضم إلى بعض في الزكاة.
وإذا قلنا: هي جنس واحد، وهو أصح فوجهه أن اللحمان والألبان فروع لأصول ليست في حكم الربا أجناساً فلم تكن الفروع أحناساً كالتمور، وذلك أن أصل التمور النخيل ولا ربا في النخيل وأصل اللحوم والألبان لحيوان ولا ربا فيها، ويفارق الأدقة والأخباز لأنها فروع لأصول (هي) في حكم الربا أجناس، لأن أصول الأدقة أجناس فيها الربا فلهذا كانت الفروع أجناساً، ولا تختلف الرواية أن الأنسى والوحشي والطائر والسمك (أصناف) وهو معنى قول أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية أبي الحارث وغيره الغنم والبقر صنف فقيل له فلحم السمك: قال: هذا أبعد.
قيل له: فلحم الطير قال: هذا أبعد.

مسائل في البيع قبل القبض وما يحصل به القبض

بيع الطعام قبل قبضه

: 16 - مسألة: واختلفت هل يجوز بيع الصبرة قبل قبضها؟

فنقل الأثرم: أنه لا يجوز بيعها، وهذا اختيار الخرقي، لما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه.
ونقل ابن القاسم عنه: أنه روي عن ابن عمر أنه قال: كنا نؤمر أن ننقله عن موضعه، ولا أدري ما معنى هذا، إذا كان بينهما اشترى صبرة فهو بمنزلة القبض، فظاهر هذا جواز البيع، وهو أصح، لأنه بيع متعين فجاز بيعه قبل قبضه كالثوب والعبد.:

بيع المكيل والموزون غير المأكول قبل قبضه

: 17 - مسألة: واختلفت في المكيل والموزون إذا لم يكن مأكولاً هل يجوز بيعه قبل قبضه؟ فنقل مهنا: كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب فظاهر هذا أنه يجوز بيعه إذا لم يكن مأكولاً.
وكذلك نقل أحمد بن الحسن الترمذي وقد سأله عن بيع الفاكهة قبل القبض.
فقال: في هذا شيء إن خرج مخرج الطعام، لأن الحديث في الطعام

فظاهر هذا أنه منع من بيع ما يكال ويوزن مما يؤكل لنهي ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ عن بيع الطعام قبل قبضه وهذا يعم سائر المطعومات، ودليل الخطاب جواز بيع ما عدا المطعومات.
ونقل حرب عنه إذا اشترى ما يكال ويوزن فلا يبيعه حتى يكيله ويقبضه، وإذا كان لا يكال ولا يوزن كالدار ونحوها جاز.
فقد أطلق القول بمنع ما يكال ويوزن قبل قبضه، ولم يعتبر كونه مأكولاً، وهذا أصح، لأنه مبيع لم يتعين فلم يجز بيعه قبل قبضه دليله ما يؤكل.

قبض المنقولات

: 18 - مسألة: واختلفت في التخلية هل تكون قبضاً؟ فنقل الأثرم: إذا اشترى صبرة فلا يبيعها حتى ينقلها فظاهر هذا أن التخلية لا تكون قبضاً، وأن القبض هو النقل، لأنه لما كان القبض في العقار التخلية والتسليم اعتباراً بحكم العادة فيه وجب أن يكون القبض فيما ينقل ويحول التحويل والنقل اعتباراً بحكم العادة فيه.
ونقل الميموني لفظين يدلان على أن التخلية قبض فقال: قال لي أحمد ـ رحمه الله ـ في البيع والشراء وهو حيث كان له وملكه فقد قبضه فظاهر هذا أنه إذا لم يميز وخلى بينه وبينه فقد حصل القبض.
وقال أيضاً في الرجل يشتري صبرة الطعام فقيل له: كيف التسليم إليه؟ فقال: كيف تسلم الثمرة في رؤوس النخل إذا لم يخل بينه وبينه؟ فهو تسليم، وهذا صريح في أن التخلية قبض، وكذلك نقل محمد بن الحسن بن هارون: إذا اشترى طعاماً فلا يبيعه حتى يكتاله قبضه كيله.
ومعنى قوله: يكتاله يميزه بالكيل من مال البائع، ولم يعتبر النقل.
والوجه فيه: أن التخلية حصلت بين المبيع والمشتري فوجب أن يحصل في ضمانه.
دليله ما لا ينقل.
وقولهم: إن العادة في ذلك التخلية وهاهنا القبض بالبرّاج فافترقا قيل: فما هنا قد جرت العادة بالتعيين والتخلية كما جرت بالقبض فاستويا.

قبض المشتري للمكيل بكيل سابق للبيع إذا شاهده

: 19 - مسألة: واختلفت فيمن ابتاع قدراً من الطعام مكيلاً فسلم إليه البائع ذلك المقدار بكيل تقدم قد شاهده المشتري.
هل يكون قبضاً صحيحاً على روايتين؟ إحداهما: لا يكون قبضاً.
قال في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن اشترى من رجل كر طعام وقبضه فقال المشتري يعني ما بعتك.
فإنه يكيله أيضاً حتى يجري فيه الصاعان.
وكذلك نقل حرب عنه قال في حديث ابن عمر: إذا ابتعت فاكتل، وإذا بعت فكل.
فظاهر هذا أنه لم يجعله قبضاً، لأن القبض الأول قد يكون فيه تقصير في الاستيفاء.
والرواية الثانية: يكون قبضاً.
قال في رواية حنبل: قال الحسن في رجل كان له على رجل طعام سلفاً فلقيه رجل فقال له، يعني طعاماً فقال له: اكتل مالي عند فلان.
يعني المسلم إليه، لم يجز حتى يقبضه.
قال أحمد: لا يبيعه حتى يقبضه صاحب الدين.
فإذا قبض استوفاه بكيل جديد، أو يكون حاضراً لكيله، فيأخذه مكانه الذي اكتاله صاحبه.
فيجوز ذلك إذا كان حاضراً لكيله، فظاهر هذا أنه قبض صحيح، لأن القصد من الكيل معرفة المقدار وهما يعرفان ذلك.
قال أبو بكر ما رواه حنبل قول قديم، والأولى أصح.
ويفيد

هذا الاختلاف.
أما إذا قلنا: إنه قبض صحيح فطالب المشتري بالكيل لم يلزم البائع ذلك، وإذا قبضه على هذا الوجه.
كان للمشتري التصرف فيه، وإن ادعى النقصان لم يقبل منه، وإذا قلنا: ليس بقبض فطالب البائع بكيله لزمه ذلك، وإن قبضه قبل ذلك لم يجز له التصرف فيه، وإن ادعى النقصان كان القول قوله.

مسائل في الرد بالعيب

رد الجارية بالعيب إذا وطئها المشتري

: 20 - مسألة: واختلفت في وطء البكر والثيب هل يمنع من الرد بالعيب؟ فنقل أبو الصقر في رجل اشترى من رجل جارية بكراً فلم يجدها بكراً فوطئها هل يردها على مولاها وقد أصابها؟ قال: يرجع صاحب الجارية على المولى.
بقيمة ما بين البكر والثيب، وهي جائزة عليه ـ وقد وطئها، وظاهر هذا أن الوطء يمنع الرد في البكر والثيب ونقل حنبل فيمن اشترى أمة فوطئها ثم ظهر على عيب: ردها ورد غرتها ثيباً كانت أو بكراً فإن وطئها وقد علم بالداء لزمه ولم يرد بالعيب.
فظاهر هذا أن وطء البكر لا يمنع الرد، وأنه إذا ردها رد معها غرتها، فإن قلنا: الوطء في الجملة يمنع الرد فوجهه أنه لو ردها بالعيب لاانفسخ العقد من الأصل، وعادت الجارية إلى البائع على حكم الملك الأول كأنه لم يكن بينهما بيع ويحصل وطء المشتري في ملك الغير، والوطء في ملك الغير لا يخلو من إيجاب حد أو مهر، واتفقوا أنه لا يجب عليه الحد ولا المهر فوجب ألا يردها، وإذا قلنا: الوطء في الجملة لا يمنع الرد، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح فوجهه أنه معنى لو حصل من الزوج لم يمنع من الرد بالعيب، فإذا حصل من المشتري يجب ألا يمنع دليله: الاستخدام، ولأنه وطء وجد بعد ثبوت سب الفسخ فاستوى فيه البكر والثيب دليله إذا ابتاع أمة بشرط الخيار فوطئها فإن اختياره لا يبطل بكراً كانت أو ثيباً فيجب ألا يبطل حق الفسخ، ها هنا في البكر والثيب.
وهكذا الخلاف إذا اشترى ثوباً فقطعه ثم ظهر على عيب هل يملك الرد؟ على روايتين.

نقل صالح ويعقوب بن بختان وأبو طالب وابن منصور ومهنا وإبراهيم بن هانىء، وأبو الحارث، وبكر بن محمد: الرد، وعليه أرش القطع.
ونقل الأثرم ومحمد بن الحسن بن هارون في الرجل يشتري الثوب فيقطعه أو يصبغه ثم يجد به عوراً، فله ما بين العيب والصحة فظاهر هذا أنه لم يجعل له الرد.
وكذلك إذا اشترى عبداً فجنى عليه أو جنى جناية فقطع هل يمنع ذلك من الرد بالعيب على روايتين.
قال: في رواية حنبل قال: الحكم في الرجل يبتاع الغلام وبه داء لم يبينه سيده، فيحدث عنده عيب.
فيقطع يده يرد أقطعاً ويأخذ دراهمه.
قال أحمد اذهب إلى الحكم (بالرد) فقد نص على أنه يملك الرد بعد قطع يده، ويتخرج المنع على اختلاف الروايتين في وطء البكر وقطع الثوب.
وكذلك إذا (حدث) عنده عيب وظهر على عيب متقدم هل يمنع حدوث العيب من الرد بالعيب على روايتين: قال في رواية بكر بن محمد فيمن اشترى سلعة فوجد بها عيباً أو حدث عنده عيب آخر: فالمشتري بالخيار إن شاء يرد السلعة ويعطي أرش ما ذهب عنده من العيب، وإن شاء أخذ أرش العيب الذي دلس فقد نص على أن له الرجوع.
والرواية الأخرى: لا يملك بناء على ما تقدم من اختلاف الروايتين في وطء البكر وقطع الثوب.
فإذا قلنا: إن ذلك منع الرد فوجهه أن النقص لو حدث بالمبيع قبل القبض لم يجبر المشتري على أخذ المبيع معه، ولأن النقص حصل بالمبيع في حالة هو مضمون فيها على البائع، وكذلك إذا حدث بالمبيع النقص في يد المشتري وجب ألا يجبر البائع على أخذ المبيع مع ذلك النقص.
لأنه حدث بالمبيع وهو مضمون على المشتري.
وإذا قلنا لا يمنع الرد ـ وهو أصح ـ فوجهه أن إتلاف بعض المبيع لا يمنع الرد بدليل لبن المصراة إذا أتلفه المشتري لم يمنع الرد.
وكذلك إذا كسر البطيخ والباذنجان ونحوه فإنه لا يمنع الرد كذلك ها هنا.
ولأنا دللنا على أن وطء البكر لا يمنع الرد، وإن كان فيه إتلاف جزء من المبيع كذلك ها هنا.

التعامل بالعملة المغشوشة

: 21 - مسألة: واختلفت في جواز إنفاق المغشوشة إذا كان الغش ظاهراً.
فنقل صالح عنه في دراهم يقال له المسبّبة عامتها نحاس إلا شيئاً يسيراً فيها فضة فقال: إذا كان شيئاً قد اصطلحوا عليه فيما بينهم مثل الفلوس اصطلحوا عليها فأرجو أن لا يكون به بأس، فظاهر هذا جواز ذلك، وكذلك نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الدراهم فيها رديئة وشرقية بدينار فقال: ما ينبغي، لأنه يُغَرُّ بها المسلم ولا أقول: إنه حرام، لأنه على تأويل.
فظاهر هذا الجواز.
ونقل حنبل في درهم يخلط فيها نحاس وماس فيشتري بها ويباع فلا يجوز أن يبتاع بها أحد، وكل ما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام، قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: من غشنا فليس منا.
فظاهر هذا التحريم: وكذلك نقل أبو الحارث في ذهب مكسور محمول عليه: لا يباع بورق حتى يخلص.
فظاهر هذا المنع، فإن قلنا: لا يجوز المعاملة بها فوجهه أن في إنفاقها غشاً، وقد قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: من غشنا فليس منا.
واحتج أحمد ـ رحمه الله ـ بما روي عن ابن مسعود أنه باع نفاية بيت المال فنهاه عمر ـ رضي اللهعنه ـ فسبكها، ولأن المقصود منه غير متميز فهو

كتراب الصناعة، وإذا قلنا يجوز فوجهه ما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: من زافت عليه دراهمه فليدخل البقيع وليشتر بها ثياباً ولأن في المنع منه مشقة لا تطاق فإنه يمنع تصرف الناس جملة فلهذا أجزنا.

مسائل في ضمان المبيع

ضمان المقبوض على سوم

: 22 - مسألة: واختلفت في المقبوض على وجه السوم هل هو مضمون أم لا؟ فنقل أبو طالب فيمن ساوم رجلاً بدابة فقال: خذها بما أحببت فأخذها ولم يقطع الثمن فماتت فهي من مال البائع، لأنها ملك له فقد نص على أنها من ضمان صاحبها دون المساوم.
ونقل ابن منصور فيمن قبض سلعة على سوم ولم يسم الثمن فهلكت فهو ضامن للقيمة على اليد ما أخذت حتى تؤدى فقد نص على أنها من ضمان المساوم، فإن قلنا: إنه غير مضمون فوجهه أنه قبض بإذن مالكه لا على وجه العوض والمنفعة فلم يكن مضموناً عليه، دليله الوديعة.
وقولنا: بإذن مالكه احتراز من الغصب.
وقولنا: لا على وجه العوض احتراز من المبيع إذا قبضه المبتاع أنه مضمون عليه بالثمن وكذلك منافع الدار إذا قبضها هي مضمونة عليه لأنه على وجه العوض قبضه، وها هنا لا يقابل هذا القبض عوض، وإنما يحصل العوض في الثاني في مقابلة عقد البيع، وقولنا: لا على وجه المنفعة بها يعني لا يجوز له الانتفاع بها حال المساومة احترازاً من العارية فإنها مضمونة لأنه قبض على وجه الانتفاع بها، وإذا قلنا: إنه مضمون، وهو أصح فوجهه أنه قبضه لينفرد بمنفعته لنفسه فكان مضموناً عليه كالعارية والغصب، وقولنا: لينفرد بمنفعته نريد به أنه ينظر ويتفكر هل المنفعة في شرائه وحصول

الخط له أم لا؟ ولسنا نريد بالمنفعة أنه ينتفع بنفس العين المقبوضة، لأن ذلك لا يجوز بلا خلاف.

بطلان الصرف إذا بان عيب في أحد البدلين

: 33 - مسألة: واختلفت إذ وجد أحد المتصارفين عيباً بعد التفرق وكان العيب من جنسه فهل له البدل؟، وعلى روايتين: إحداهما: له البدل نص عليه في رواية أبي الحارث ومحمد بن يحيى الكحال.
(وهو اختيار الخرقي وأبي بكر الخلال ذكره في كتاب الخلاف) فعلى هذه الرواية إذا أبدل فالعقد صحيح في الجميع، لأن البدل قائم مقام المبدل والقبض قد حصل في المبدل والرواية الثانية: ليس له البدل نص عليه في رواية حنبل، فعلى هذا يبطل العقد في قدر المردود، نص عليه في رواية بكر بن محمد، لأن القبض لم يحصل في البدل حال التفرق فلهذا بطل العقد فيه.
ولا يجوز أن يكون القبض في عين من الأعيان قبضاً في عين أخرى فإذا بطل الصرف في قدر المردود فهل يبطل في بقيته؟ على روايتين بناء على تفريق الصفقة، وقد ذكر أبو بكر هذه المسألة وحكى فيها روايات فليست على ظاهرها، والمذهب على ما حكيته، ولا تختلف الرواية أنه إذا كان العيب من غير جنسه كالحديد والرصاص أن الصرف باطل في قدر المعيب لأن القبض لم يحصل في المبدل، وإذا كان من جنسه فقد حصل القبض في المبدل لأن الحديد والرصاص لم يقع العقد عليه ألا ترى أنها لو تراضيا بذلك بعد العقد لم يصح لأنه يحصل بيعاً ثانياً كأنه يبيعه ماله في ذمته من

الذهب الجيد بهذا الحديد، وليس كذلك إذا كان من جنسه، لأن العقد واقع عليه ألا ترى أنهما لو تراضيا بذلك بعد العقد صح؟

بطلان بيع الثمرة بشرط القطع إذا تركت حتى بدا صلاحها

: 24 - مسألة: واختلفت إذا اشترى ثمرة لم يبدِ صلاحها على (شرط) القطع فتركها حتى بدا الصلاح على أربع روايات: إحداها: العقد باطل والنماء للبائع.
نقل ذلك حنبل وأبو طالب وابن القاسم في الرجل يبتاع النخل على أن يصرمه فتركه حتى بلغ: البيع باطل والنماء للبائع، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح/ والوجه فيه: أنا لو حكمنا بصحة البيع كان ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها على الترك إلى وقت الجذاد، لأنه يشترط القطع ليسلم له العقد ويعتقد الترك ليحصل له الغرض، والذرائع معتبرة على أصولنا في مواضيع، ولهذا قلنا: الفرار من الزكاة لا يسقطها، لأنه يكون ذريعة إلى إسقاط الزكاة جملة.
وكذلك إذا باع طعاماً إلى أجل، فلما حل الأجل باع المشتري من البائع ذلك الطعام بالثمن الذي له عليه لم يصح البيع، لأنه ذريعة إلى حصول بيع طعام بطعام/ والرواية الثانية: البيع باطل، والزيادة لا يملكانها بل يتصدقان بها.
ونقل ذلك حنبل في موضع آخر فقال: إذا باعه رطبة على أن يجزها أو نخلاً على أن يصرمه، فتركه حتى زاد فالزيادة لا يستحقها واحد منهما ويتصدقان بها، والبيع فاسد، وعندي أن قوله: يتصدقان بالزيادة على طريق الاستحباب لأجل الاختلاف، لأن جماعة من الفقهاء حكموا بصحة هذا البيع، وأن الزيادة للمشتري، ومنهم من حكم ببطلانه، والزيادة تابعة للأصل للبائع،

فاستحب الصدقة بهذه الزيادة، وإلا فالفقه فيها أن تكون للبائع تبعاً للملك فإن حملنا الكلام على ظاهره وأنه يجب الصدقة بها فوجهه نهى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ عن ربح ما لم يضمن وهذه الثمرة قبل قبضها ليست من ضمان المشتري، لأنها لو تلفت كانت من مال البائع.
والرواية الثالثة: البيع صحيح، ويشتركان في الزيادة.
ونقل ذلك أحمد بن سعيد فقال: إذا ترك الرطبة حتى تطول وتكثر فالبائع شريك في النماء، إلا أن يكون شيئاً يسيراً، وكذلك النخل.
أما الحكم بصحة العقد فالوجه فيه أن المبيع بحاله وذاته، إنما انضاف إليه غيره على وجه لا يتميز عنه، وهذا لا يفيد بطلان البيع، كما لو كان المبيع عبداً صغيراً فكبر، وطال، وسمن فإن البيع لا يبطل، كذلك زيادة الثمرة ونماؤها يجب أن لا يبطل العقد.
وقوله: ويكونان شريكين في الزيادة على طريق الاستحباب لأجل أنها حدثت في ملكهما، في ملك المشتري وهو نفس الثمرة، وفي ملك البائع وهو أنها معلقة على أصول نخله وشجره، والفقه في ذلك أن يكون للمشتري كزيادة العبد بالكبر، وقوله: في رواية حنبل: يتصدقان بالزيادة، وفي رواية أحمد بن سعيد: يكونان شريكين في الزيادة، لم يرد به زيادة في عين الثمرة، لأن الزيادة ليست عيناً يشار إليها، ويصح أفرادها بالعقد فيكون شريكاً فيها، وإنما هي زيادة في ذات المبيع وعينه فيجب أن يحمل قوله يشتركان في القيمة، وهو أن ينظر كم كان قيمتها وقت العقد، فإذا قيل:

مائة قيل: فكم قيمتها بعد الزيادة؟ قالوا: مئتان ويتصدق أو يشتركان في القيمة الزائدة، فإن جهلت قيمته وقت العقد، وقف الأمر فيه حتى يصطلحا على شيء/ والرواية الرابعة: إن تعمد الترك فالعقد باطل، وإن لم يتعمد فالعقد صحيح ... نقل ذلك أبو طالب: إذا اشترى قصيلاً ثم مرض أو توانى فيه حتى صار شعيراً، فإن أراد الحيلة فسد البيع، فظاهر هذا أنه إذا لم يقصد ذلك فالعقد صحيح، ومعنى هذا عندي أنه إذا لم يقصد الحيلة فهو أسهل في بابه في معنى أنه لا يأثم بذلك ولو قصد الحيلة وهو أن يشترط القطع حال العقد، ويقصد تبقيته إلى وقت الجزار فإنه يأثم بذلك لأنه يغر البائع، وإلا فهما يتفقان في حكم البطلان، وإنما يختلفان في المأثم لأن ما يبطل البيع لا فرق بين القصد فيه وعدمه، كتلف المبيع قبل قبضه فيكون محصول المذهب على روايتين: إحداهما: بطلان العقد وجميع الثمرة للبائع والثمن للمشتري، والثانية: العقد صحيح وجميع الثمرة للمشتري والثمن للبائع.

وضع الجوائح

: 25 - مسألة: واختلفت في وضع الجوائح.
فنقل الأثرم وأبو طالب بوضع في القليل والكثر.
ونقل حنبل عنه: يوضع من الجائحة عن المشتري الثلث من الثمرة فظاهر هذا أنه لا يوضع عنه ما قلّ عن الثلث لأنا لو أثبتنا الضمان من أحدهما أضررنا به فحددنا ذلك بالثلث لأنه معتبر في الأصول من ذلك المريض جعل له التصرف في مرضه في الثلث لا غير، وجراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى الثلث لا زيادة، والجد يقاسم الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث كذلك ها هنا/ ووجه الرواية الأولى: وهي ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: إذا ابتعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئاً بم تأخذ مال

أخيك بغير حق وهذا يعم القليل والكثير، ولأنه لا يخلو ما أن تكون مقبوضة فتكون من ضمانه أو لا تكون كذلك، فإن كانت مقبوضة وجب أن لا يفرق بين الثلث وما دونه كسائر المبيعات وإن لم تكن مقبوضة وجب ألا تكون من ضمانه شيء منها كسائر المبيعات، وقد ثبت أنها في حكم ما لم يقبض بدليل أنها لو أصابها عطش كان للمشتري الخيار، فلو كانت في حكم المقبوضة لم يكن له الخيار، ولأن قبضها على ما جرت به العادة أن تستوفي شيئاً بعد شيء فهو كما لو اكترى داراً شهراً فإنه يستوفي المنافع شيئاً بعد شيء ولو هلكت المنافع قبل انقضاء المدة كان ما فات من المنافع من ضمان المكتري كذلك هاهنا، إذا لم تكن في حكم المقبوض وجب أن يكون ضمان جميعها من مال البائع.

تفريق الصفقة

: 26 - مسألة: واختلفت إذا اشترى شيئين في صفقة واحدة وأصاب بأحدهما عيباً وكانا مما لا ينقص القيمة بتفريقهما هل له أن يرد المعيب ويمسك الصحيح؟ على روايتين: نقل ابن القاسم: أنه لا يرد، ويأخذ الأرش.
ونقل صالح وأبو طالب: له الرد وهو اختيار أبي بكر قال أبو بكر: وكذلك لو ابتاع نفسان من رجل شيئاً مثل العبد والثوب فأصاب به عيباً فأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك هل له ذلك؟ على روايتين كما لو كان المشتري واحداً لعبدين فوجد بأحدهما عيباً.
وعندي أنه إذا كان المشتري اثنين فلأحدهما أن يرد قدر حصته رواية واحدة.
وإنما الروايتان فيما إذا كان

المشتري واحداً؛ لأن أحمد ـ رحمه الله ـ فرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها في رواية ابن القاسم في رجلين اشتريا ثوباً من رجل صفقة واحدة فوجدا به عيباً فرضي أحدهما ولم يرض الآخر فإن شاء رد نصفه على البائع.
قيل له: فإنا شتراهما صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيباً فقال لا يرد أحدهما دون الآخر فلا يشبه شراء واحد لثوبين اثنين فقد فرق أحمد ـ رحمه الله ـ بين المسألتين بلفظ واحد.
فإن قلنا: يملك الرد فوجهه أن أكثر ما في هذا تفريق الصفقة على البائع، وهذا لا يمنع الرد كما لو كان المشتري اثنين فأراد أحدهما أن يرد بقدر حصته فإنه يملك، وكذلك لو كان المشتري واحداً فباع بعض المبيع ثم ظهر على عيب كان له الرد بقدر حصته منها بمقداره من الثمن كذلك هاهنا، وإذا قلنا لا يملك، وهو أصح فوجهه أن السلعة خرجت من ملك البائع جملة بجهة واحدة فلو أجزنا رد بعضها تبعض الملك على البائع وأضررنا به فلم يجز لما عليه فيه من الضرر، ويفارق هذا إذا كان المشتري اثنين فأصاب أحدهما عيباً أنه يملك الرد بحصته دون شريكه لأن المشتريين ملكا ذلك الشيء بجهتين، لأن بيع الواحد من اثنين هو في حكم العقدين المنفردين يدل عليه أن الصفقة الواحدة إذا تناولت أشياء وكان جملة الثمن فيها معلوماً صح العقد، وإن كان ما يقابل بعضاً منها مجهولاً فلو كان بيع الواحد من الاثنين صفقة واحدة (صحيحاً) لوجب إذا قال رجل لرجلين بعتك يا زيد هذا العبد، وبعتك يا عمرو هذا العبد جميعاً بألف أن يصح البيع، لأن الصفقة واحدة، وجملة الثمن فيها معلوم فلما لم يصح ثبت أنه واقع على صفقتين فلما كان ما يخص كل واحد منهما من الثمن مجهولاً لم يصح العقد.

تفريق الصفقة إذا جمعت ما يجوز بيعه وما لا يجوز

: 27 - مسألة: واختلفت إذا جمعت الصفقة الواحدة بين ما يجوز فيه البيع وما لا يجوز هل يتفرق أم تبطل من أصلها؟ نقل صالح فيمن اشترى عبدين فوجد أحدهما حراً: أنه يرجع بقيمته من

الثمن فقد نص على تفريق الصفقة وإبطاله في الحر دون العبد، ونص في النكاح إذا عقد على حرة وأمة عقداً واحداً هل يبطل العقد فيهما أم في الأمة على روايتين: نقل ابن منصور: يثبت نكاح الحرة، ويفارق الأمة.
ونقل محمد بن حبيب وغيره: ينفسخ العقد فيهما ويتزوج الحرة إن شاء فقد اختلفت الرواية عنه في تفريق الصفقة في النكاح كذلك في البيع.
فإن قلنا: لا تتفرق الصفقة فوجهه أن الثمن إذا قابل شيئين مختلفي القيمة يقسط الثمن على قيمتهما، فإذا باع عبدين بألف كان ثمن كل واحد منهما منه بحصة قيمته وذلك القدر مجهول فإذا باع حراً وعبداً كان ما قابل العبد من الألف مجهولاً حال العقد فوجب أن يكون باطلاً، لأنه بيع بثمن مجهول فهو كما لو قال بعتك هذا العبد بحصة قيمته من ألف كان البيع باطلاً كذلك ها هنا، ولأن اللفظة الواحدة جمعت حلالاً وحراماً فوجب أن تبطل فيهما كما لو تزوج أختين بعقد واحد وباع درهماً بدرهمين، وإذا قلنا: يتفرق، وهو أصح، وهو اختيار الخرقي في النكاح، لأنه قال: إذا تزوج أخته وأجنبية ثبت نكاح الأجنبية ووجهه إنهما عينان لو أفرد كل واحدة منهما بالعقد خالف حكم إحداهما حكم الآخر فإذا جمع بينهما صفقة وجب أن تكون على تلك المخالفة أصله إذا باعه شقصاً وسيفاً فالشقص يؤخذ بالشفعة والسيف لا يؤخذ بها فإذا كان كل واحد منهما منفرداً بالعقد خالف حكم إحداهما الآخر، وكذلك إذا اجتمعا فكذلك ها هنا لو باع الحر بطل البيع.
وإذا باع عبداً صح فإذا جمع بينهما وجب أن يكون على تلك المخالفة، لأنه إذا باع حراً وعبداً بألف وأحدهما مما لا يصح بيعه والآخر يصح فليس حمل الباطل على الصحيح بأولى من حمل الصحيح على الباطل فتقابلا من غير مزية فأعطينا كل واحد منهما حكمه إذا انفرد.

اختلاف المتبايعين في حدوث العيب الممكن حدوثه بعد العقد

: 27 - مسألة: فإن ظهر على عيب يمكن حدوثه قبل الشراء وبعده

فاختلفا، فقال المشتري: كان موجوداً قبل العقد، وقال البائع: بل حدث عندك أيها المشتري.
فقنل حنبل وأبو حارث: القول قول البائع مع يمينه أنه باعه وهو صحيح لا خرق فيه ولا عيب، وقال الخرقي: القول قول المشتري مع يمينه: فإن قلنا: القول قول البائع ـ وهو أصح ـ فوجهه أن معه سلامة العقد، ولأن الأصل السلامة حتى يعلم حدوث العيب، وإذا قلنا: القول قول المشتري فوجهه أن الأصل عدم القبض، والبائع يدعي كمال القبض وحصوله فيجب أن يكون القول قول المشتري لأن الأصل يشهد له.

ظهور عيب العبد المبيع بعد عتقه في واجب

: 28 - مسألة: واختلفت إذا ظهر على عيب بعد العتق للعبد في كفارته.
فنقل مهنا لفظين: أحدهما: إذا اعتقه عن ظهاره ثم وجد وقد جنى جناية أخذ

الأرش، قيل له: فيأخذه لنفسه قال: نعم.
فقد نص على أن الأرش له.
ونقل في موضع آخر: يجعله في الرقاب، قال أبو بكر: وبه أقول.
فإن قلنا: يكون الأرش للمشتري فوجهه أن السلامة من العيب ليس بشرط في صحة العتق، والسلامة منه شرط في البيع، فلهذا استحق الرجوع بالأرش على البائع لينفرد بملكه، ولم يستحق ذلك عليه لأجل العتق لأن السلامة منه ليس بشرط، وإذا قلنا: يعرف ذلك في الرقاب، أو يتصدق به، إن لم يجد رقبة، يعاون فيها فوجهه: أنه أعتقه بشرط السلامة، فكما جاز أن يرجع المشتري على البائع لعدم السلامة، جاز أن يرجع المعتق بذلك لعدم السلامة.

رد المبيع بعد كسره بالعيب الذي لا يظهر إلا بالكسر

: 28 - مسألة: واختلفت إذا اشترى شيئاً مأكولة في جوفه ثم ظهر على عيب بعد كسره فنقل ابن منصور: أنه مخير بين الرد وأخذ الثمن، وبين إمساكه وأخذ الارش، وإنما يكون هذا فيما له قيمة بعد الكسر كالجوز واللوز والبطيخ والرمان ونحوه، وهو اختيار الخرقي.
ونقل بكر بن محمد: أنه لا يملك الرد، ولا أخذ الأرش، لأنه لم يكن من البائع تفريط فيه، لأنه لا يمكنه استعلام العيب فيه إلا بإفساده فإذا ظهر على عيب لم يملك عليه الرد، ويفارق سائر المبيع لأن البائع مفرط فيه، لأنه كان يمكنه استعلام العيب فيه إن كان ثوباً نشره واستشفه ـ أي تفقده ـ وإن كان عبداً قلبه والأولى أصح، لأنه مبيع ظهر به عيب قبل البيع فملك المبتاع الرد أو الأرش، دليله سائر المبيع، ولأن العقد وقع على شيء صحيح فإذا خرج معيباً فقد خرج على خلاف ما عقد عليه.

رد الحيوان إذا ظهر به عيب بعد القبض

: 29 - مسألة: فإن ابتاع حيواناً وقبضه ثم ظهر به عيب.
فنقل الجماعة: أن ذلك من ضمان المبتاع وليس له الرد، قال أبو طالب.
قلت لأحمد: مالك يقول: في العهدة ثلاثة أيام فما أصابه في الثلاث من حين يشتري حتى تنقضي الثلاث، وعهده السنة في الجنون والجذام والبرصي فإذا مضت السنة فقد برىء البائع فقال: ليس يصح في العهدة شيء، ولا يرد إلا من عيب كان به.
وكذلك نقل اسماعيل بن سعيد، وأحمد بن سعيد، وبكر بن محمد: أنه لا يثبت حديث العهدة ليس فيه حديث صحيح.
ونقل حنبل: إذا كان لا يحدث مثله في هذا الأجل، فعهدة الرقيق ثلاثة فإن حدث في هذه الأيام فهو من مال المشتري وإن كان لا يحدث فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: عهدة الرقيق ثلاث فظاهر هذا أنه أخذ بالحديث، وأن العيب إذا

كان يكمن في البدن ثم يظهر كالجنون والجذام والبرص فإنه إذا ظهر قبل الثلاث من حين الابتياع تبيناً أنه كان كامناً فثبت له الرد.
لما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: عهدة الرقيق ثلاث، ومعناه عهدته على البائع فما يحدث به في مدة الثلاث كان على البائع، والمذهب هو الأول، لأنه عيب ظهر بالمبيع بعد القبض فلم يملك المشتري الرد به كما لو ظهرت سائر العيوب بعد الثلاث، ولأن تلف المبيع آكد وأشد ضرراً من حدوث عيب به، ثم لو تلف المبيع قبل ثلاث لم يلزم البائع عهدته، فبأن لا يلزمه عهدة عيب يحدث به أولى وقد ضعف الحديث أحمد ـ رحمه الله ـ فلا يحتج به.

بقاء خيار العيب بعد العلم به ما لم يوجد دليل الرضا

: 30 - مسألة: لا تختلف الرواية أنه إذا علم بالعيب أنه على خياره ما لم يرضى به أو يفعل ما يستدل به على الرضا.
واختلفت الرواية في الاستخدام هل يستدل به على الرضا أم لا؟ فنقل ابن القاسم وسندي: إذا اشترى عبداً فوجد به عيباً فاستخدمه بعد ذلك ليس هو رضا حتى يكون منه شيء بين.
ونقل حرب: إذا اشترى دابة أو شيئاً فعرضه على البيع لزمه، فإن ركبه واستعمله لزمه حين استعماله.
وجه الأولى: أن الاستخدام لا يسقط خيار الشرط، كذلك لا يسقط خيار الرد بالعيب.
ووجه الثانية: أنه تصرف في المبيع بعد العلم بالعيب أشبه لو عرضه على البيع.

ملك العبد بالتمليك

: 31 - مسألة: واختلفت في ملك العبد هل يملك إذا ملك؟

فقال أبو بكر: في ملك العبد روايتان: إحداهما يملك فلا تجب عليه الزكاة لأن ملكه ناقص ولا على سيده لعدم ملكه، والثانية ألا يملك قال: وهو اختياري، وقد نص أحمد ـ رحمه الله ـ في مواضيع أن له أن يطأ ملك اليمين وهذا يدل على الملك، ونص عليه أنه إذا باعه وله مال مجهول فشرط أن يكون للمشتري أنه لا يصح إذا كان قصده المال، وهذا يدل على أنه لا يملك، لأنه لو ملك لصح، لأنه يكون (باقياً) على ملك العبد فلما بطل البيع علم أنه على ملك البائع قال في رواية محمد بن الحسن بن هارون عنه في رجل وهب لغلامه جارية فلا يطأها.
ونقل الأثرم إذا وهب لعبده جارية فلا يعتقها إنما هي لسيده، وهذا يدل على أنه لا يملك فمن قال يملك فوجهه ما روى إبراهيم عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من أعتق عبداً وله مال فماله للعبد إلا أن يستثنيه السيد فأضافه إليه، ولأنه آدمي فصح أن يملك كالحر، وكل من صح أن يقبل النكاح لنفسه صح أن يملك، أو يقبل البيع لنفسه كالحر، ومن قال: لا يملك، وهو أصح فوجهه أن الشراء سبب يملك به الملك فوجب أن لا يملك العبد به المال كالميراث، ولأنه يفضي إلى تناقض الأحكام فإنه إذا ملك السيد عبده مالاً اشترى العبد بذلك المال عبداً ثم ملكه مالاً فمضى عبد العبد إلى سيد سيده فاشترى سيده منه فيصير كل واحد منهما عبداً لصاحبه فتناقض الأحكام، وليس لأحدهما أن يسافر بصاحبه إلا وله أن يقول: بل أنا أسافر بك فإنك عبدي فإذا أفضى

إلى هذا بطل في نفسه كما قلنا: لا يجوز أن يتزوج المرأة عبدها لأنه يفضي إلى تناقض الأحكام كذلك هاهنا.

المبيع بشرط البراءة من العيب

: 32 - مسألة: واختلفت في البيع بشرط البراءة (من العيب).
فنقل جنبل: أنه لا يبرأ حتى يوقفه عليه فإذا لم يره لم يبرأ لأنه مجهول، فظاهره هذه الرواية (أنه) لا يبرأ سواء علم البائع بالعيب أو لم يعلم (وهو اختيار الخرقي).
ونقل الحسن بن ثواب، وأبو الحارث في الرجل يبيع السلعة ويبرأ من كل عيب لم يبرأ حتى يبينه إلا أن يكون عالماً به فيبرأ حينئذ من العيب، فظاهر هذا أنه إن كان عالماً بالعيب لم يبرأ منه، وإن لم يكن عالماً به برىء منه، وجه هذه الرواية إجماع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ روي أن عبد الله بن عمر باع عبداً من زيد بن ثابت بشرط البراءة بثمانمائة درهم فأصاب زيد به عيباً فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فارتفعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: اتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا.
فرده عليه، فظاهر هذا القول من عثمان أنه إن لم يكن عالماً بالعيب برىء منه، وإنما لم يبرئه لأنه كان عالماً به حين أبرأه، ولم يخالفه على هذا القول زيد وابن عمر، ولأنه إذا كان عالماً بذلك فشرط البراءة فقد قصد التدليس وليس كذلك إذا لم يكن عالماً، ألا ترى أنا قلنا: لا يجوز بيع طعام صبرة إذا كان البائع يعلم مبلغه لأنه يقصد التدليس، ويجوز إذا لم يعلم لأنه لا يقصد ذلك/ ووجه الرواية الأولى: وهي أصح ـ أنه أصاب عيباً لم يقف على محله فملك الرد كما لو لم يشترط ولأنه إبراء عما لم يجب فلم يصح كإبراء الشفيع قبل البيع، وكما لو أبرأ قبل العقد

فقال: أبيعك هذا لكن بشرط البراءة، وكما لو أبرأه وهو لا يعلم بذلك.

بيع الأمة قبل استبرائها

: 33 - مسألة: واختلفت إذا باع الأمة قبل أن يستبرئها هل يصح البيع؟ فالمنصوص عنه في رواية حنبل أنه قال: يعجبني أن يستبرىء البائع بحيضة.
فظاهر هذا أن ذلك على طريق الاستحباب، وقال في رواية أبي الحارث: لا يبيعها حتى يستبرئها بحيضه.
فظاهر هذا وجوب الاستبراء قال أبو بكر: في البيع قولان: يعني روايتين إحداهما: البيع باطل فجعل ذلك شرطاً واجباً/ والثانية: البيع موقوف على الحمل فإن ظهر حمل بطل البيع، وإن لم يظهر حمل تم البيع قال: وبالأولى أقول وجه من قال بوجوب الاستبراء وهو قول ابن عمر، أن أكثر ما فيه أنه استبراء قبل زوال الملك، وهذا غير ممتنع كما لو أراد السيد تزويجها من غيره وقد دخل بها فإنه يجب الاستبراء ها هنا، ولا يجوز عقد النكاح قبل ذلك، كذلك هاهنا ووجه من قال: لا يجب، وهو أصح، وهو قول عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ان الاستبراء في حق الحرة آكد منه في حق الأمة بدليل أن استبراء الحرة بثلاثة أقراء، واستبراء الأمة بقرء واحد ثم ثبت أن الحرة لا تستبرأ مرتين مترادفتين فبأن لا تستبرأ الأمة باستبراءين مترادفين أولى.

مسائل في بيع الورابحة

الخيار في بيع المرابحة إذا زاد البائع في رأس المال

: 34 - مسألة: إذا باعه مرابحة فزاد البائع في رأس المال هل يملك المشتري الخيار في فسخ البيع أم البيع لازم وله الرجوع بقدر الزيادة؟ فنقل حنبل: إذا علم المشتري أنه قد كذب في بيعه وزاد في القيمة له الخيار إن أحب أن يرد على البائع سلعته، وإن أحب كان الرجوع على البائع بالزيادة، فظاهر هذا أنه قد جعل له الخيار في ذلك، وقال الخرقي: وإذا اشترى سلعة مرابحة فعلم أنه زاد في رأس ماله رجع عليه بالزيادة وحطها من

الربح، فظاهر هذا أنه يرجع بالزيادة فلا يكون له الخيار في الفسخ، ووجه ما نقله حنبل أنه إذا بان أنه خان في هذا ودلس لم يؤمن أن يكون في الخبر الثاني خائناً فيؤدي إلى ما لا نهاية له.
ووجه ما قاله الخرقي وهو أشبه أنه ما تبين نقصاً وإنما تبين فائدة وفضيلة ونقصان ثمن فهو كما لو اشترى عبداً يعتقده أمياً فبان كاتباً يعرف العلوم كلها فإنه لا خيار له.

قبول قول البائع مرابحة بنقصان رأس المال

: 35 - مسألة: فإن أخبر البائع بنقصان من رأس ماله هل يكون القول قوله في ذلك مع يمينه أم لا؟ فنقل أبو طالب في الرجل يشتري ثوباً مرابحة فأخبر شراءه عشرين فعاد وقال غلطت شراؤه أحد وعشرون فإن كان صدوقاً رد عليه ما غلط.
قال الشافعي عن عبد الله لا غلت في الإسلام يعني لا غلط، وإن لم يكن صدوقاً جاز البيع، فظاهر هذا أنه جعل القول قول البائع وهو اختيار الخرقي، لأنه كان أخبر بنقصان من رأس ماله وكان على المشتري رده إعطاؤه ما غلط به ويحلفه أنه وقت ما باع لم يعلم أن شراءه أكثر من ذلك.
ونقل مهنا في رجل أخبر شراء ثوب بخمسة وعشرين درهماً فأربحه درهماً ثم عاد.
فقال شراؤه ثلاثون درهماً، وءنما غلطت، وقد كان المشتري باعه من رجل لا يعرفه، فقال لا أرى شيئاً إذا كان الثوب مستهلكاً، فظاهر هذا أنه لم يقبل قوله في ذلك.
ووجه الأول: وهو أصح ـ أن المرابحة نقل الملك بالثمن الأول والبائع أمين فيما يخبر من الثمن، والمشتري قد التزم بدخوله معه في المرابحة أن يكون القول قوله فإذا اتهمه في ذلك استخلفه فيما يدعيه من الغلط.
ووجه الثانية: أن يدعي عليه حقاً لنفسه فلا يقبل قوله عليه، ويفارق هذا إذا ادعى أن رأس المال أقل مما أخبر به، لأنه يقر على نفسه لغيره فلهذا قبل قوله.

بيع السلعة مرابحة لمن اشتريت منه مرابحة دون إخباره بالحال

: 36 - مسألة: واختلفت إذا ابتاع أحد الشريكين حصة شريكه مرابحة هل يجوز بيعه مرابحة إذا لم يخبره عن الحال؟ فنقل أبو الحارث في رجلين اشتريا ثوباً بعشرين درهماً فاشتراه أحدهما بإثنين وعشرين لأنه يسقط الدرهم الذي قابل حصته من الربح، فقد أجاز بيعه مرابحة، وإن لم يخبره عن الحال.
ونقل ابن منصور: إذا اشتريا متاعاً فأخذ كل واحد منهما بعضه فليس له بيعه مرابحة: إلا أن يقول: اشتريا متاعاً فأخذ كل واحد منهما بعضه فليس له بيعه مرابحة: إلا أن يقول: اشتريناه جميعاً واقتسمناه.
فظاهر هذا أنه منع من بيعه مرابحة.
إذا حصل لأحدهما.
وجه الأولى: أن التهمة منتفية هاهنا، لأن شراءه منه بربح ليس بأكثر من أن يشتري سلعة من غير شريكة بربح فإنه يجوز أن يبيعها مرابحة كذلك لها ها هنا.
ووجه الثانية: أن المشتري عساه لو علم أن المتاع كان بينهما، وأنه اشتراه أحدهما بربح لم يرغب في شرائه، فلهذا اجتاج أن يبين.

مسائل اختلاف المتبايعين

تحالف المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن والسلعة تالفة

: 37 - مسألة: إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن والسلعة تالفة يتحالفان قال في رواية الأثرم، وابن بدينا، وإبراهيم بن الحارث.
إذا اختلف المتبايعان تحالفا ولم يفرق بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة، وقال في رواية محمد بن العباسي النسائي: إن كانت السلعة قد استهلكت فالقول قول المشتري مع يمينه.
فقال أبو بكر: المسألة على روايتين: إحداهما: يتحالفان كما لو كانت باقية وهو اختيار الخرقي/ والثانية: القول قول المشتري، وهو اختيار أبي بكر/ ووجه الأولى: أنه اختلاف في ثمن المبيع فأوجب التحالف كما لو كانت السلعة قائمة.
ووجه الثانية: ما روى ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ

قال: إذا اختلف المتبايعان ولا بينه مع واحد منهما والسلعة قائمة تحالفا وترادا.
فشرط في التحالف بقاء السلعة، فإذا كانت تالفة فقد عدم الشرط فلم يتحالفا.

تحالف المتبايعين إذا اختلفا في الأجل أو في النقد والنسيئة أو في شرط رهن أو ضمين

: 38 - مسألة: فإن اختلفا في الأجل أو في النقد والنسيئة (أو في) شرط رهن أو ضمين هل يتحالفان؟ فنقل ابن منصور لفظين: أحدهما: إذا اختلفا في النقد والنسيئة يكون على البائع اليمين بما ادعى المشتري، ويكون على المشتري يمين بما ادعى البائع، فظاهر هذا وجوب التحالف في ذلك، وقال في موضع آخر: إذا قال البائع بعتك ولي الخيار يومان أو ثلاثة وأنكر المشتري فبينه البائع وإلا فالمبيع مسلم، فظاهر هذا أنه لم يوجب التحالف في ذلك ويكون القول قول من ينفيه.
وجه الأولى: عموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا، لأنه اختلاف يعود إلى الثمن فوجب أن يتحالفا قياساً على الاختلاف في قدره.
ووجه الثانية: أنهما اختلفا في صفة ملحقة بالعقد فلم يتحالفا كما لو اختلفا في البيع بشرط البراءة من العيب فإن القول قول من ينفيه، ولأن القياس

يقتضي أن لا يتحالفا في الثمن، وأنه يكون القول قول المنكر للزيادة لكن تركنا القياس هنا للأثر، ولا أثر للاختلاف هاهنا فيجب أن يبقى على موجب القياس.
فإن كان الاختلاف في قدر الثمن فهل يتحالفا؟ فقال في رواية مهنا في رجل اشترى سرجاً فقال البائع: بعته بغير ركابين وقال المشتري: بركابين فالقول قول البائع مع اليمين، وعلى المشتري البنية، لأنه مدعى، فظاهر هذا أنه لم يوجب التحالف في الاختلاف في المثمن وجعل القول قول البائع.
وكذلك نقل ابن منصور في رجل باع ثوباً وشرط وسمى الثمن فجاء بالثوب فقال: هذا ثوبك فقال صاحب الثوب ليس هذا ثوبي فالقول قول الذي جاء بالثوب فقد جعل القول قول البائع في ذلك ولم يوجب التحالف، لأن البائع في هذه الحالة ينفي الصفة التي يدعيها المشتري وتبقى الزيادة التي يدعيها المشتري فكان القول قوله، ويجب أن يقال في الاختلاف في الثمن ما قلنا في الأجل والشرط والضمين، وقد حكينا في ذلك روايتين: إحداهما: يتحالفان كذلك ها هنا، لأنه اختلاف في أحد عوضي المبيع فأوجب التحالف كالمثمن/ والثانية: لا يتحالفان ويكون القول قول من ينفي الزيادة، لأن القياس كان يمنع من التحالف في الثمن أيضاً تركناه للأثر ولا أثر ها هنا.
الشروط في البيع

الشرط الفاسد في البيع

: 39 - مسألة: فإن شرط في البيع شرطاً فاسداً هل يبطل العقد أم يبطل الشرط ويصح العقد؟ فنقل عبد الله بن محمد الفقيه فيمن اشترى جارية وشرط عليه أن لا يبيعها ولا يطأها: فالبيع جائز، والشرط باطل.
وكذلك نقل حرب وحنبل فيمن اشترى بشرط البراءة: لم يبرأ ويرد المشتري بعيبه، فظاهر هذا أنه يبطل العقد لأنه قال: يرده بعيبه.
ونقل أحمد بن الحسين في الرجل يشتري الثوب على أنه إن جاز له وإلا

رده لم يجز فإن باعه بربح هل يطيب له هذا الربح؟ فقال: لا يعجبني فظاهر هذا أنه أبطل البيع، وقد نص في المزارعة إذا شرط صاحب الأرض أن يرجع ببذره على العامل أن العقد باطل، ويكون الزرع لرب الأرض، وللعامل أجره المثل كذلك في البيع.
وجه الأولى: أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ اشترت بريرة وشرطت الولاء لمواليها وأعتقتها فأبطل ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ الشرط بقوله: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله وأجاز العتق فلو كان العقد باطلاً لم ينفذ عنقها، ولأنه عقد ليس من شرط صحته القبض في المجلس فلم تبطله الشروط الفاسدة دليله النكاح، ولا يلزم عليه الصرف والسلم، لأن من شرطهما القبض في المجلس، لأنه قد يصح تعليقه بضرب من الغرر والخطر وهو شرط الخيار فلم تبطله الشروط الفاسدة دليله الطلاق والعتاق يصح تعليقه بضرب من الخطر الغرر وهو مجيء زمان.
ووجه الثانية: القياس على الصرف والسلم، ولأن إسقاط الشرط يؤدي إلى جهالة الثمن، لأنه يحتاج أن يسقط من الثمن ما قابل الشرط، لأنه إنما نقصه في الثمن لأجل الشرط، والبيع بثمن مجهول باطل.

مسائل في بيع العبد بشرط العتق

: 40 - مسألة: فإن باعه بشرط العتق فهل الشرط صحيح أم باطل؟ فنقل ابن القاسم في الرجل يبيع الجارية على أن يعتقها: فالبيع والشرط جائزان.
ونقل حنبل عنه: البيع جائز، والشرط باطل إن شاء أعتق، وإن شاء لم يعتق.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
بيع من غير رؤية المبيع ولا وصفهمسائل في الخيارانقطاع خيار المجلس بالتخييربطلان الخيار بتلف البيعانقطاع الخيار بالتصرف في المبيعخيار المجلس في الصرفتقدم القبول على الإيجابمسائل في الرباعلة الرباالربا فيما صنع من الموزونات الربويةربا النسيئة فيما لا يدخله ربا الفضلربا النسيئة بين الجنسين المختلفين في العلةبيع حب الجنس الواحد بدقيقة أو سويقةبيع الربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهبيع الزبد باللبن الذي زبده فيهبيع النوى بالتمر الذي فيه نوىبيع لحوم بهيمة الأنعام ببعضها متفاضلامسائل في البيع قبل القبض وما يحصل به القبضبيع الطعام قبل قبضهبيع المكيل والموزون غير المأكول قبل قبضهقبض المنقولاتقبض المشتري للمكيل بكيل سابق للبيع إذا شاهدهمسائل في الرد بالعيبرد الجارية بالعيب إذا وطئها المشتريالتعامل بالعملة المغشوشةمسائل في ضمان المبيعضمان المقبوض على سومبطلان الصرف إذا بان عيب في أحد البدلينبطلان بيع الثمرة بشرط القطع إذا تركت حتى بدا صلاحهاوضع الجوائحتفريق الصفقةتفريق الصفقة إذا جمعت ما يجوز بيعه وما لا يجوزاختلاف المتبايعين في حدوث العيب الممكن حدوثه بعد العقدظهور عيب العبد المبيع بعد عتقه في واجبرد المبيع بعد كسره بالعيب الذي لا يظهر إلا بالكسررد الحيوان إذا ظهر به عيب بعد القبضبقاء خيار العيب بعد العلم به ما لم يوجد دليل الرضاملك العبد بالتمليكالمبيع بشرط البراءة من العيببيع الأمة قبل استبرائهامسائل في بيع الورابحةالخيار في بيع المرابحة إذا زاد البائع في رأس المالقبول قول البائع مرابحة بنقصان رأس المالبيع السلعة مرابحة لمن اشتريت منه مرابحة دون إخباره بالحالمسائل اختلاف المتبايعينتحالف المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن والسلعة تالفةتحالف المتبايعين إذا اختلفا في الأجل أو في النقد والنسيئة أو في شرط رهن أو ضمينالشرط الفاسد في البيعمسائل في بيع العبد بشرط العتق
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الجراح
كتاب الحدود
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل